HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢٣٨

أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُلْغِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَ بِالتَّمَامِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:حسن صحيح
  • الألباني:حسن صحيح
  • الألباني:صحيح حسنصحيح سنن النسائي ج1 ص398
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٣ ص ٢٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٥ ص١٧
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ظاهر صنيع المصنف رحمه الله تعالى أنه يرى تقسيم الشك إلى قسمين: أحدهما: ما لا يكون معه ترجيح لأحد الطرفين، فيأخذ صاحبه بالمتيقن، وهو الأقل، وهو محمل حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه المذكور في الباب. والثاني: ما يكون معه ترجيح أحد الطرفين، وميل القلب إليه، فيأخذ صاحبه بما ترجّح لديه، وغلب على ظنه، وهو محمل حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الآتي في الباب التالي. وهذا المذهب هو الراجح من مذاهب أهل العلم، لأن فيه العمل بالحدثين بلا تكلف، وسيأتي تحقيق القول في ذلك في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. ١٢٣٨ - (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُلْغِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَ بِالتَّمَامِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ قَاعِدٌ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعَتَا لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٦٠/ ٧٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيْميّ، أبو عثمان البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٣ - (ابن عَجْلان) هو محمدٌ المدني، صدوق [٥] تقدم ٣٦/ ٤٠. ٤ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة فقيه يرسل [٣] تقدم ٦٤/ ٨٠. ٥ - (عطاء بن يسار) المدني مولى ميمونة - ﵂ -، ثقة فاضل فقيه، من صغار [٣] تقدم ٢٠/ ٢١. ٦ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٦٩/ ٢٦٢. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه (عن النبي - ﷺ -) أنه (قال: إذا شك أحدكم في صلاته) أي في كونه صلّى ثلاثًا، أم أربعًا مثلًا، وفي الرواية التالية. «إذا لم يدر أحدكم أصلّى ثلاثًا، أم أربعًا» (فليُلغ الشّكّ) من الإلغاء -بالغين المعجمة-، وفي نسخة «فليُلق الشك» من الإلقاء -بالقاف-، ولمسلم: «فليطرح الشكّ»، وكلها بمعنى واحدٍ. والمراد أنه يطرح المشكوك فيه، وهو الزائد، فلا يأخذ به (وليبن على اليقين) أي ليُتمّ صلاته على المتيقّن، وهو الأقلّ، فإذا شكّ هل صلى ثلاثًا، أم أربعًا، فليُلغ الرابعة المشكوك فيها، وليبن على الثلاث المتَيَقَّنة. وهذا فيما إذا لم يترجح له أحد الطرفين، وإلا فليبن على ما ترجّح له، ثم ليسجد سجدتي السهو بعد السلام، عملًا بالأحاديث الآتية في الباب التالي، وبهذا تجتمع الأدلة من غير إلغاء لبعضها. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. (فإن استيقن بالتمام) السين والتاء زائدتان للتوكيد، أي أيقن بتمام صلاته بإتيانه بالركعة المشكوك فيها (فليسجد سجدتين، وهو قاعد) أي والحال أنه قاعد، زاد في رواية لأبي داود من طريق مالك: «قبل التسليم». وفيه أن محل السجدتين إذا لم يترجّح له أحد الطرفين يكون قبل السلام. [فإن قيل]: هذا يعارضه حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه الآتي في الباب التالى حيث إن فيه أن محلهما بعد السلام. [أجيب]: بأنه لا تعارض بينهما لأن هذا فيما إذا لم يكن له ميل إلى أحد الطرفين، وذاك محمول على ما إذا كان له تحرّ وميل إلى أحد الطرفين، كما سيأتي تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى. (فإن كان صلّى خمسًا) أي أتى بركعة خامسة سهوًا (شفعتا له صلاته) أي صيّرت السجدتان صلاته شفعًا بعد أن كان وترًا بالخامسة، فكان كأنه صلى ست ركعات. ويحتمل أن يكون المعنى: أنه إن أتمّ صلاته، وزاد ركعة خامسةً سهوًا، فالسجدتان تجعلان تلك الركعة الزائدة شفعًا، فكأنه صلى ركعتين نافلةً بعد الفريضة، والمعنى الأول أظهر. والله تعالى أعلم. قال الخطابي رحمه الله تعالى: في هذا الحديث بيان فساد قول من ذهب إلى أن من صلى خمسًا يُضيف إليها سادسةً، إن كان قد قعد في الرابعة، واعتلّوا بأن النافلة لا تكون ركعةً ، وقد نصّ على أن تلك الركعة تكون نافلة، ثم لم يأمره بإضافة أخرى إليها انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فيما قاله الخطابي -﵀- تعالى نظر، فإن الحديث نصّ على أن السجدتين تشفعان صلاته، فيكون في حكم من صلى شفعًا، فليست الركعة وحدها نافلة، بل مع السجدتين، خلاف ما يفيده قول الخطابي رحمه الله تعالى. وبالجملة ففساد قولهم كما قال الخطابي ظاهر، لأنه رَأْيٌ محض في مقابلة النص، فيكون فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: [من الوافر] إَذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تجُارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ القِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ (وإن كان صلّى أربعا كانتا) أي السجدتان (ترغيمًا للشيطان) أي إغاظةً وإذلالًا له، مأخوذ من الرُّغام، وهو التراب، ومنه أرغم الله أنفه. والمعنى أن الشيطان لبس عليه صلاته، وتعرّض لإفسادها ونقصها، فجعل الله تعالى للمصلي طريقًا إلى جبر صلاته، وتدارك ما لبسه عليه، وإرغام الشيطان، وردّه خاسئًا مُبعَدًا عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم لمّا امتثل أمر الله تعالى الذي عَصَى به إبليسُ، من امتناعه من السجود. والله تعالى أعلم . ولأبي داود: «وكانت السجدتان مرغمتي الشيطان»، أي مُغيظتين، ومُذلّتين له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٤/ ١٢٣٩ - وفي «الكبرى» -٥٩/ ١١٦١ - عن يحيى بن حبيب بن عربيّ، عن خالد الْهُجَيمي، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه. وفي -٢٤/ ١٢٣٩ - و«الكبرى» -٥٩/ ١١٦٢ - عن محمد بن رافع، عن حُجَين ابن المثنّى، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن زيد بن أسلم به. وفي «الكبرى» أيضًا -١١٧/ ٥٨٥ - عن إسماعيل بن مسعود، عن يحيى بن محمد بن قيس، أبي زُكير، عن زيد بن أسلم به، ولفظه: «إذا شكّ أحدكم، فلم يدر أصلّى ثلاثًا، أم أربعًا، فليصلّ ركعةً تامّةً، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس، فإن كانت الركعة خامسةً شفع بهاتين السجدتين، وإن كانت رابعة كانتا ترغيمًا للشيطان». والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) -٢/ ٨٤ - عن محمد بن أحمد بن أبي خلف، عن موسى بن داود، عن سليمان بن بلال- (ح) وعن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عمه عبد الله بن وهب، عن داود بن قيس- كلاهما عن زيد بن أسلم به. (د) رقم -١٠٢٤ (ق) -١٢١٠ - كلاهما عن أبي كريب محمد بن العلاء، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان به. وأخرجه (أحمد) ٣/ ٧٢ و٣/ ٨٣ و٣/ ٨٤، و٣/ ٨٧. (والدارمي) رقم -١٥٠٣. (وابن خزيمة) ١٠٢٣، و١٠٢٤. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو الأمر بإتمام المصلي صلاته إذا وقع له الشك على المتيَقَّن، وهو الأقلّ. ومنها: مشروعية سجدتي السهو لمن وقع له الشك في صلاته. ومنها: أن السجدتين يكونان عن قعود. ومنها: بيان أنهما تجعلان الصلاة شفعًا لمن زاد، فصلى خمسًا، ومرغمتان للشيطان لمن صلى أربعًا، ولم يزد. ومنها: أن الشيطان يذِلّ بسبب هاتين السجدتين حيث وُفّق لهما ابن آدم، ولم يُوفق هو، بل أبى أن يمتثل أمر ربه، واستكبر، وكان من الكافرين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في بيان اختلاف الرواة في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه هذا بالوصل والإرسال، وترجيح وصله، لكثرة من رواه كذلك: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في «شرح البخاري» جـ ٩ ص ٤٦١ - ٤٦٧ -: ما حاصله: حديث أبي سعيد رضي الله أخرجه مسلم من طريق سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه، وأخرجه أيضًا من رواية داود بن قيس، عن زيد ابن أسلم به. وأخرجه الدارقطني من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، وفليح بن سليمان، وغيرهم، عن زيد بن أسلم كذلك. وكذلك رويناه من حديث عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن عجلان، عن زيد ابن أسلم بهذا الإسناد، والمعروف من رواية ابن عجلان أنه لم يذكر في حديثه «قبل السلام». وكذا رواه أبو غسان، وغيره عن زيد بن أسلم. ورواه مالك في «الموطإ»، والثوري، ويعقوب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا. ووصله الوليد بن مسلم وغيره عن مالك، وليس بمعروف عنه وصله. ووصله بعضهم عن الثوري أيضًا. ولعل البخاريّ ترك تخريجه لإرسال مالك والثوريّ له. وحكم جماعة بصحة وصله، منهم الإمام أحمد، والدارقطني، وقال أحمد: أذهب إليه، قيل له: يختلفون في إسناده؟ قال: إنما قصر به مالك، وقد أسنده عدّة، فذكر منهم ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة. ورواه الدراورديّ، وعبد الله بن جعفر، وغيرهما، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس - ﵄ -، عن النبي - ﷺ -. ذكره الدارقطني، وقال: القول قول من قال: «عطاء، عن أبي سعيد». وله شاهد عن أبي سعيد من وجه آخر من رواية عكرمة بن عمّار، عن يحيى بن أبي كثير: حدثني هلال بن عياض، حدثني أبو سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا صلّى أحدكم، فلا يدري زاد أو نقص؟ فليسجد سجدتين، وهو جالس». أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حديث حسن وأخرجه النسائي، وزاد في رواية له: «ثم يسلم» . وشيخ يحيى بن أبي كثير مختلف في اسمه وحاله. وروى ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ -، قال: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلّى، أو اثنتين؟ فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى، أو ثلاثًا؟ فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم». أخرجه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن صحيح، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وله علة ذكرها ابن المديني قال: وكان عندي حسنًا حتى وقفت على علته، وذلك أن ابن إسحاق سمعه من مكحول مرسلًا، وسمع إسناده من حسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس، عن مكحول، قال: يضعف الحديث من ها هنا- يعني من جهة حسين الذي يرجع الإسناد إليه. وأخرجه أحمد عن ابن عُليّة، عن ابن إسحاق كما ذكره ابن المديني. وكذلك رواه عبد الله بن نمير، وعبد الرحمن المحاربي، عن ابن إسحاق، عن مكحول مرسلًا، وعن حسين، عن مكحول متصلًا. ورواه حماد بن سلمة وغيره، عن ابن إسحاق، عن مكحول، مرسلًا. ذكره الدارقطني. وأخرجه أحمد أيضًا من رواية إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي - ﷺ -. وإسماعيل هو المكيّ ضعيف جدًّا، وقد قيل: إنه توبع عليه، ولا يصح، وإنما مرجعه إلى إسماعيل. ذكره الدارقطني. وروى أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن عُمر بن محمد بن زيد، عن سالم، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، قال: «إذا لم يدر أحدكم كم صلى، ثلاثًا أو أربعًا؟ فليركع ركعتين، يحسن ركوعهما وسجودهما، ثم ليسجد سجدتين». أخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما. والبخاري يخرج من هذه النسخة كثيرًا، لكن هذا رواه مالك في «الموطإ» عن عمر ابن محمد، عن سالم، عن أبيه موقوفًا. قال الدارقطني: رفعه غير ثابت. وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ رفعه. ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أنه قال: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليبن على أتمّ ذلك في نفسه، وليس عليه سجود. قال: فكان الزهري يقول: يسجد سجدتي السهو، وهو جالس. انتهى ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى ببعض تصرف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين مما ذُكر أن حديث ابي سعيد الخدري - ﵁ - المذكور في الباب صحيح، لا يؤثر في صحته رواية من أرسله، كما قال الإمام أحمد، والدارقطني، ولذا أخرجه مسلم في «صحيحه». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في بيان مذاهب أهل العلم في مسألة الشك في الصلاة: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في المصلي يشكّ في صلاته، فقالت طائفة: يبني على اليقين، ويسجد سجدتي السهو، هذا قول عبد الله بن مسعود، وبه قال سالم بن عبد الله، وربيعة ابن أبي عبد الرحمن، ومالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقالت طائفة: إذا لم يدر كم صلى؟، أعاد حتى يحفظ، رُوي هذا القول عن ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وشُريح، والشعبي، وعطاء، وسعيد بن جُبير، وميمون، وبه قال الأوزاعي في رجل سها في صلاته، فلم يدر كم صلى؟. وقالت طائفة: يُعيد المكتوبة، ويسجد سجدتي السهو للتطوّع، رُوي هذا القول عن سعيد بن جُبير، خلاف الرواية التي وافق فيها شريحًا، والشعبي. وقالت طائفة رابعة بظاهر الحديث الذي رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي الشيطان أحدكم، فيلبس عليه صلاته، فلا يدري أزاد، أو نقص، فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس» متفق عليه. قال الجامع: سيأتي للمصنف في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. وممن قال بهذا القول أبو هريرة، فإنه قال: إذا خطر الشيطان بين قلب أحدكم، وبين صلاته، فدم يدر كم صلّى؟ يسجد سجدتي الوهم. وقال أنس بن مالك، والحسن البصري. إذا شكّ في ثلاث، أو أربع، فإنه يسجد سجدتي السهو. وفيه قول خامس: قال عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: إن نسيت المكتوبة، فعُدْ لصلاتك، قال عطاء: لم أسمع منه في ذلك غير ذلك، ولكن بلغني عنه، وعن ابن عمر أنهما قالا: فإن نسيت الثانية فلا تعد لها، وصلّ على أحرز ذلك في نفسك، ثم اسجد سجدتين بعد ما تسلم، وأنت جالس. وفيه قول سادس: روينا عن سعيد بن جبير، وعطاء، وميمون بن مهران أنهم كانوا إذا شكّوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانت الرابعة لم يُعيدوا. وفيه قول سابع: في الإمام لا يدري كم صلّى، قال: ينظر ما يصنع مَنْ وراءه، هذا قول النخعي، وقال عطاء. يوشك أن يُعَلِّمَهُ مَنْ وراءه. وفيه قول ثامن: قاله مكحول فيمن شكّ، فلم يدر ثلاثًا صلّى أم أربعًا؟ قال: فليركع ركعة حتى تكون صلاته إلى الزيادة أقرب منها إلى النقصان، ولا يسجد للسهو، فإنه ليس بسهو. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: في حديث أبي هريرة -يعني الآتي في الباب التالي-، وأبي سعيد -يعني المذكور في هذا الباب- إثبات سجود السهو على الشاكّ في صلاته، وفي حديث ابن عباس ، وأبي سعيد أَمْرُ النبي - ﷺ - الشّاكَّ أن يبني على اليقين، ثم يسجد للسهو، فقبول الزيادة التي زادها أبو سعيد وابن عباس - ﵃ - تجب، لأنهما حفظا ما لم يحفظه أبو هريرة - ﵁ -، فوجب قبولُ ما حُفظ من الزيادة مما لم يحفظه أبو هريرة، كما يجب قبول خبر لو تفرّ به كلّ واحد منهما عن رسول الله - ﷺ -، فإذا شكّ المصلي في صلاته، ولم يكن له تحرِّ، ولم يمل قلبه إلى أحد العددين، فإنه يَنظر إلى ما استيقن أنه صلّى، فيحتسب به، ويُلْقِي الشكّ، ويَبْنِي على اليقين، ويسجد سجدتي السهو قبل التسليم على ما في حديث ابن عباس - ﵄-، فإن مال قلبه إلى أحد العددين، فقد اختُلف في ذلك. انتهى. وقال -﵀- عند الكلام على حديث ابن مسعود - ﵁ - الآتي في الباب التالي: ما ملخّصه: وقد اختلفوا في تأويله -يعني حديث ابن مسعود - ﵁ -- فقالت طائفة من أصحاب الحديث: خبر ابن مسعود هذا، وخبر ابن عباس، وأبي سعيد الخدري ثابتة كلها يجب القول بها في مواضعها، فإذا شكّ المصلي في صلاته، وله تحرٍّ، والتحرّي أن يميل قلبه إلى أحد العددين، وجب عليه استعمال حديث عبد الله بن مسعود، ويبني على العدد الذي مال إليه قلبه، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، على ما في حديث عبد الله بن مسعود، وإذا لم يكن له تحرِّ، ولا يميل قلبه إلى أحد العددين بنى على اليقين، على ما في حديث ابن عباس وأبي سعيد - ﵃-، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام. قال الجامع عفا الله عنه: هذا القول هو الراجح عندي، كما سيأتي الكلام عليه، إن شاء الله تعالى. وقال أصحاب الرأي: إذا صلّى، فسها في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلّى أم أربعًا، وذلك أول ما سها، فعليه أن يستقبل الصلاة، فإن لقي ذلك غير مرّة تحرّى الصواب، فإن كان أكبر رأيه أنه قد أتمّ مضى على صلاته، وإن كان أكبر رأيه أنه صلى ثلاثًا أتمّ الرابعة، ثم يتشهد، ويسلّم، ويسجد سجدتي السهو. وكان أحمد بن حنبل يقول: الشكّ على وجهين: اليقين، والتحرّي، فمن رجع إلى اليقين ألغى الشكّ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث عبد الرحمن بن عوف ، وأبي سعيد - ﵄ -، وإذا رجع إلى التحري، وهو أكبر الوهم سجد سجدتي السهو بعد التسليم على حديث ابن مسعود - ﵁ - . وقالت طائفة: معنى التحرّي الرجوع إلى اليقين، لأنه أُمِرَ أن يتحرّى الصواب، والصواب هو الرجوع إلى اليقين، وأنما أُمرَ أن يرجع من الشك إلى اليقين، ولم يؤمر أن يرجع من شك إلى شك. ومن حجة من قال بهذا أن يقول: لَمّا كان عليَّ إذا شككت أصليتُ الظهر أم لا؟ أن أصليها بتمامها حتى أكون على يقين من أدائها، فكذلك إذا شككت في ركعة منها عليّ أن آتي بها حتى أكون على يقين من أدائها. ومن قال بخبر أبي سعيد، وابن عباس - ﵃ - في موضعهما، وبخبر ابن مسعود - ﵁ - في موضعه قال: علينا إذا ثبتت الإخبار أن نُمْضيها كلها، ونستعمل كلَّ خبر في موضعه، وإذا ثبت الخبر ارتفع النظر، ومعنى خبر ابن مسعود غيرُ خبر أبي سعيد، وإذا كان كذلك لم يجز أن يُترك أحدهما، لأن الآخر أشبه بالنظر . انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى بتصرف . وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكر نحو ما تقدم من الأقوال وأدلتها: ما نصّه: والذي يلوح لي أنه لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقلّ، والبناء على اليقين، وتحري الصواب، وذلك لأن التحري في اللغة هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب، وقد أَمَرَ به - ﷺ -، وأَمَرَ بالبناء على اليقين، والبناء على الأقلّ عند عروض الشكّ، فإن أمكن
مصادر المؤلف (١٠)

١. هذا قول الحنفية.

٢. «شرح مسلم» للنوويّ جـ ٥ ص ٦٠ - ٦١.

٣. أخرجه المصنف في «الكبرى» جـ ١ ص ٢٠٦.

٤. «فتح الباري على البخاري» للحافظ ابن رجب جـ ٩ ص ٤٦١ - ٤٦٧.

٥. حديث ابن عباس - ﵄ - أخرجه ابن المنذر -﵀-، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: ثنا ابن قَعْنَب، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا شك أحكم في صلاته، فلم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا فليقم، فليصل ركعة، ثم يسجد سجدتين، وهو جالس قبل السلام، فإن كانت الركعة التي صلى خامسةً شفعها بهاتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان» انتهى «الأوسط» جـ ٣ ص ٢٨٠. والحديث أخرجه مالك في «الموطإ» جـ ١ ص ٩٥ مرسلًا، وأخرجه أبو داود من طريقه في «سننه» جـ ٦ ص ١٥٤ راجع «المنهل العذب المورود».

٦. حديث عبد الرحمن بن عوف رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، ولفظ الترمذي: قال سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إذا سها أحكم في صلاته، فلم يدر واحدة صَلَّى أو اثنتين؟ فَلْيَبْنِ على واحدة، فإن لم يدر ثنتَين صلى أو ثلاثًا؟ فليَبْن على ثنتين، فإن لم يدر ثالثًا أو أربعًا؟ فليَبْن على ثلاث، وليسجد سجدتين» وصححه الترمذي، وتبعه الشيخ الألباني في «صحيح الترمذي»، لكن الظاهر أنه معلول كما تقدم بيانه في كلام ابن المديني -﵀-، فراجع المسألة الخامسة. والله تعالى وليّ التوفيق.

٧. قلت: هذا القول هو الذي مَرَّ ترجيحه قريبًا.

٨. هو التحقيق الحقيق بالقبول كما يأتي قريبًا.

٩. هكذا نسخة «الأوسط»، ولعل الصواب لأن الآخر أشبه بالنظير. والله أعلم.

١٠. «الأوسط» جـ ٣ ص ٢٨٠ - ٢٨٧.