HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢٨٤

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: «سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي، ثُمَّ عَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَسَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي، فَمَجَّدَ اللهَ وَحَمِدَهُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص410
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ٣ ص ٤٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٥ ص١٠٠
ومنها: بيان فضل الصلاة عليه عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. ومنها: استحباب الفرح بفضل الله تعالى، وظهورُ إلاستبشار على الوجه، لقول الله جلّ ذكره: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. ومنها: تمام عناية الله ﷿ بحبيبه محمد -ﷺ- حيث يُرضيه بهذه البشارة العظيمة، والمنة الجسيمة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. ومنها: بيان ما مَنّ الله ﷿ على هذه الأمة، من عظيم الفضل بصلاتها وسلامها على حبيبه الأعظم، وخليله الأفخم، -ﷺ-، حيث جعل جزاء صلاة واحدة عشر صلوات، وجزاء تسليم واحد عليه عشر تسليمات. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٨ - (بَاب التَّمْجِيدِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الصَّلَاةِ) وفي بعض النسخ: «باب التحميد» بالحاء المهملة. و«التمجيد» بالجيم: مصدر مَجّد، يقال: مَجّده: إذا عظّمه، وأثنى عليه، أفاده في «ق». وأما الصلاة، فسيأتي الكلام عليها في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. ١٢٨٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي هَانِئٍ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْجَنْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي»، ثُمَّ عَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا يُصَلِّي، فَمَجَّدَ اللَّهَ، وَحَمِدَهُ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «ادْعُ تُجَبْ، وَسَلْ تُعْطَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١] تقدّم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري الحافظ الثبت العابد [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (أبو هانىء) حُميد بن هانىء الْخَوْلانيّ المصري، لا بأس به [٥]. أدرك سليم بن عمرو، ورَوَى عن عمرو بن حُرَيث، وأبي عبد الرحمن الْحُبُليّ، وأبي علي الْجَنبي، وغيرهم. وعنه ابن وهب، والليث، وابن لَهيعة، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين. وقال ابن شاهين في «الثقات»: هو أكبر شيخ لابن وهب، رَفَعَ به أحمدُ بن صالح المصريّ. وقال الدارقطني: لا بأس به ثقة. وقال ابن عبد البرّ: هو عندهم صالح الحديث، لا بأس به. وقال ابن يونس: توفي سنة (١٤٢). أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب (٥) أحاديث. ٤ - (أبو علي الْجَنْبيّ) عَمْرو بن مالك الْهَمدَاني المرادي، مصريّ ثقة [٣]. رَوَى عن فَضَالة بن عُبيد، وأبي سعيد الخدري، وأبي رَيحانة على خلاف فيه. وعنه أبو هانىء، ومحمد بن شُمَير الرُّعَيني. قال الدُّوريّ عن ابن معين: ثقة، وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: روى عن عُقبة بن عامر الْجُهنيّ. ووثقه العجليّ، والدراقطني. قال ابن يونس: توفي سنة (١٠٣) وقال الحسن بن علي العَدَّاس: مات سنة (١٠٢). أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. [فائدة]: «الْجَنّبي» -بفتح الجيم، وسكون النون، آخره باء موحّدة-: نسبة إلى جَنْب قبيلة من اليمن. قاله في «اللباب» جـ ١ ص ٢٩٤ - ٢٩٥. ٥ - (فَضَالة بن عُبَيد) بن نافذ بن قيس بن صُهَيبة، ويقال: صُهيب بن الأصرم بن جَحْجَبَا بن كُلْفَة بن عَوْف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، أبو محمد الأنصاريّ الأوسيّ، صاحب النبي -ﷺ-، شهد أحدًا، وبايع تحت الشجرة، وشهد خيبر مع النبي -ﷺ-، وولاه مُعاوية على الغَزْو، ثم ولّاه قضاء دمشق، وكان خليفة معاوية على دمشق إذا غاب عنها، وابتنى بها دارًا. روى عن النبي -ﷺ-، وعن عمر بن الخطّاب، وأبي الدرداء. وعنه أبو عليّ الجنبي، وثُمَامة بن شُفيّ، وحَنَش الصنعاني، وغيرهم. قال الواقدي: قدم رسول الله -ﷺ- المدينة، وهو ابن ست سنين، ومات رسول الله -ﷺ-، وهو ابن سبع عشرة سنة. وقال خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه: كان أبو الدّرداء على القضاء بدمشق، فلمّا حضرته الوفاة قال له معاوية: من ترى لهذا الأمر؟، قال: فَضالة بن عُبيد، فلمّا مات أرسل معاوية إلى فضالة، فولّاه القضاء، فقال له: أما إني لم أَحْبُك بها، ولكنني استترت بك من النار، فاستتر منها ما استطعت. وقال أبو الحسن المدائنيّ، وغير واحد مات سنة (٥٣)، وقيل: سنة (٦٧)، قال الحافظ المزّيّ: والصحيح الأوّل. وقال ابن حبّان في «الصحابة»: سكن مصر، والشام، ومات في ولاية معاوية، وكان معاوية ممن حَمَلَ سريرَه، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر، وولي بها البحر والقضاء لمعاوية. رضي الله تعالى عنهما. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم موثقون، وأنه مسلسل بالمصريين، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هانىء) حُميد بن هانىء (أن أبا عليّ الْجنبي) عمرو بن مالك الْهَمْدَاني (حدّثه) أي أبا هانىء (أنه سمع فضالة بن عبيد) بفتح الفاء، وتخفيف الضاد المعجمة، و«عُبيد» بصيغة التصغير رضي الله تعالى عنه (يقول: سمع رسول الله -ﷺ- رجلًا يدعو في صلاته) وفي نسخة «في الصلاة». ولفظ الترمذي: بينا رسول الله -ﷺ- قاعد، إذ دخل رجل، فصلى، فقال: اللَّهم اغفر لي، وارحمني، فقال رسول الله -ﷺ-: «عجلت أيها المصلي، إذا صليت، فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصلّ عليّ، ثم ادعه»، قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي -ﷺ-، فقال له النبي -ﷺ-: «أيها المصلي ادع تجُب». قال: هذا حديث حسن. ورواية المصنف صريحة في كون دعاء ذلك الرجل داخلَ الصلاة. (لم يمجّد الله) تعالى، أي لم يصفه بصفات العظمة والكبرياء، ولم يُثْن عليه بما هو أهله. وفي نسخة «لم يحمد الله» بالحاء المهملة، من الحمد (ولم يصلّ على النبي -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: عجلت أيها المصلي) -بفتح العين المهملة، وكسر الجيم- من باب علم، ويجوز تشديد الجيم مع الفتح، أي أسرعت إلى الدعاء، وعَرَضْتَ السؤال قبل تقديم الوسيلة من التمجيد والثناء على الله تعالى بما هو أهله، والصلاة على النبي -ﷺ-. وفيه إشارة إلى أن حقّ السائل أن يتقرّب إلى المسؤول منه قبل طلب الحاجة بما يوجب له الزُّلْفَى عنده، ويتوسّل بشفيع له بين يديه، ليكون أطمعَ في الإسعاف، وأحقَّ بالإجابة، فمَن عَرَضَ السؤالَ قبل تقديم الوسيلة، فقد استعجل. (ثم علّمهم رسول الله -ﷺ-) فيه حذف المفعول الثاني، أى آدابَ الدعاء، ولم يُبَيَّن في رواية المصنف هنا ماذا علّمهم؟، وقد بُيِّنَ في رواية الترمذي المتقدّمة، وكذا في رواية أبي داود، ولفظه: ثم دعاه، فقال له، أو لغيره: «إذا صلّى أحدكم، فليبدأ بتمجيد ربّه، والثناء عليه، ثمّ يصلّي على النبي -ﷺ-، ثم يدعو بما شاء». (فسمع رسول الله -ﷺ-) -بالفاء- وفي نسخة «وسمع» بالواو، والأول يفيد أن الرجل إنما سمعه النبي -ﷺ- بعد أن علّمهم، وأصرح من هذا رواية الترمذي المتقدّمة، حيث قال: «ثمّ صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله» … (رجلًا يصلي) الجملة في محلّ نصب صفة لـ«رجلًا» (فمجّد الله، وحمده) وقي رواية الترمذي: «فحمد الله بما هو أهِله» … (وصلى على النبي -ﷺ-، فقال رسول الله -ﷺ-: ادع) فعل أمر من الدعاء (تجب) فعل مضارع مغيّر الصيغة، مجزوم على أنه جواب الأمر، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى: وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْيِ جَزْمًا اعْتَمِدْ … إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَزَاءُ قَدْ قُصِدْ (وسَلْ) أمر من سأل يسأل، والأصل «اسأل» بهمزة وصل، لكن خُفّف، وفيه لغة أخرى سال يسال، كخاف يخاف، وعلى هذه اللغة فالأمر «سَلْ»، ولا تخفيف فيها. أفاده الفيّومي (تعط) فعل مضارع مغيّر الصيغة مجزوم على أنه جواب الأمر، كسابقه، وفي رواية أبي داود: «ثم يدعو بما شاء». والحديث دليل على مشروعية ما ذكر من التمجيد، والصلاة على النبي -ﷺ-، والدعاء بما شاء وهو موافق لحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وغيره، لأن أحاديث التشهد تتضمّن ما ذُكر من الحمد والثناء، وهي مبيّنة لما أجمله هذا الحديث، وسيأتي الكلام على اختلاف أهل العلم في ذلك في الباب التالي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث فَضَالة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٨/ ١٢٨٤ - وفي «الكبرى» -٨٣/ ١٢٠٧ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن أبي هانىء حُمَيد بن هانىء، عن أبي على الْجَنْبي عمرو بن مالك، عنه. [تنبيه]: وقع في «تحفة الأشراف»: ما نصه: «عن ابن وهب، عن حَيوَة ابن شُرَيح» الخ، بزيادة «حيوة بن شُريح» بين ابن وهب وأبي هانىء، وهذا غلط، لأن ابن وهب يروي عن أبي هانىء بدون واسطة، فلا ذكر لـ«حيوة بن شُريح» في سند المصنف رحمه الله تعالى. وإنما وقع «حيوة» في سند أبي داود، حيث رواه عن أحمد بن حنبل، عن أبي عبد الرحمن المقرىء، عن حيوة بن شُريح، عن أبي هانىء به، وكذا في سند الترمذي، حيث رواه عن محمود بن غَيْلانَ، عن المقرىء، عن حيوة به. فتنبه. والله تعالى وليّ التوفيق. وأخرجه (د) رقم -١٤٨١ - و(ت)، ٣٤٧٦ و٣٤٧٧ - (وأحمد) ٦/ ١٨ (وابن خزيمة) ٧٠٩ و٧١٠. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية تمجيد الله ﷾، والصلاة على النبي -ﷺ- في الصلاة. ومنها: مشروعية الدعاء في الصلاة. ومنها: أن تقديم التمجيد والصلاة على النبي -ﷺ- من أسباب قبول الدعاء، فينبغي للداعي أن يقدم ذلك أمام طلب حاجته من الله ﷾. ومنها: بيان شرف النبي -ﷺ-، وعظمة منزلته عند الله تعالى، حيث كانت الصلاة عليه سببًا لاستجابة الدعاء. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في معنى الصلاة على النبي -ﷺ-: (اعلم): أنه كتب الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه النفيس «جَلَاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام» بحثًا نفيسًا في معنى الصلاة على النبي -ﷺ-، أبان فيه عن سعة علمه، وبراعة فهمه، أحببت إيراده هنا تتميمًا للفوائد، ونشرًا للعوائد. قال رحمه الله تعالى: أصل هذه اللفظة في اللغة، يرجع إلى معنيين: (أحدهما): الدعاء والتبريك. (والثاني): العبادة، فمن الأوّل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله تعالى في حقّ المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]. وقولُ النبي -ﷺ-: «إذا دُعي أحدُكم إلى الطعام، فليجب، فإن كان صائمًا، فليُصلِّ». رواه مسلم. فُسّر بهما، قيل: فليدع لهم بالبركة، وقيل: يُصلي عندهم بدل أكله. وقيل: إن الصلاة في اللغة معناها الدعاء، والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والعابد داع، كما أن السائل داع، وبهما فُسّر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قيل: أطيعوني أُثبكم، وقيل: سلوني أُعطكم، وفُسّر بهما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والصواب أن الدعاء يعمّ النوعين، وهذا لفظ متواطىء، لا اشتراك فيه، فمن استعماله في دعاء العبادة قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. والصحيح من القولين لولا أنكم تدعونه وتعبدونه، أي أيّ شيء يعبأ بكم لولا عبادتكم إياه، فيكون المصدر مضافًا إلى الفاعل، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٥ - ٥٦]، وقال تعالى إخبارًا عن أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وهذه الطريقة أحسن من الطريقة الأولى، ودعوى الاختلاف في مسمى الدعاء، وبهذا تزول الإشكالات الواردة على اسم الصلاة الشرعية، هل هو منقول عن موضوعه في اللغة، فيكون حقيقة شرعيةً، أو مجازًا شرعيًا. فعلى هذا تكون الصلاة باقية على مسماها في اللغة، وهو الدعاء، والدعاء: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، والمصلي من حين تكبيره إلى سلامه بين دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فهو في صلاة حقيقية، لا مجاز فيها، ولا منقولة، لكن خُصَّ اسم الصلاة بهذه العبادة المخصوصة كسائر الألفاظ التي يخصّها أهل اللغة والعرف ببعض مسماها، كالدّابّة، والرأس، ونحوهما، فهذا غايته تخصيص اللفظ وقصره على بعض موضوعه، وهذا لا يوجب نقلًا، ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي. والله أعلم. قال العلامة ابن القيّم ﵀: هذه صلاة الآدميّ، وأما صلاة الله سبحانه على عبده فنوعان: عامّة، وخاصّة: أما العامّة فهي صلاته على عباده المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الآية، ومنه دعاء النبي -ﷺ- بالصلاة على آحاد المؤمنين، كقوله: «اللهمّ صلّ على آل أبي أوفى» . وفي حديث آخر أن امرأةً قالت له: صلّ عليّ، وعلى زوجي، قال: «صلى الله عليك، وعلى زوجك» . النوع الثاني: صلاته الخاصّة على أنبيائه ورسله، خصوصًا على خاتمهم وخيرهم محمد -ﷺ-، فاختلف الناس فيه على أقوال: (أحدها): أنها رحمته، أخرج إسماعيل القاضي، عن الضّحّاك، قال: صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال المبرّد: أصل الصلاة الرُّحْمُ، فهي من الله رحمة، ومن الملائكة رقّة، واستدعاء للرحمة من الله. وهذا القول هو المعروف عند كثير من المتأخرين. والقول الثاني: أن صلاة الله مغفرته، أخرج إسماعيل القاضي عن الضحّاك أيضًا، قال: صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء . وهذا القول من جنس الذي قبله، وهما ضعيفان لوجوه: (أحدها): أن الله سبحانه فرّق بين صلاته على عباده ورحمته، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]، فعَطَفَ الرحمةَ على الصلاة، فاقتضى ذلك تغايرهما، هذا أصل العطف، وأما قولهم: وَأَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا فهو شاذ نادر لا يُحمَلُ عليه أفصح الكلام، مع أن الْمَيْن أخصّ من الكذب. (الوجه الثاني): أن صلاة الله سبحانه خاصّةٌ بأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين، وأما رحمته فوسعت كلّ شيء، فليست الصلاة مرادفةً للرحمة، لكن الرحمة من لوازم الصلاة وموجباتها وثمراتها، فمن فسرها بالرحمة، فقد فسّرها ببعض ثمراتها ومقصودها، وهذا كثيرًا ما يأتي في تفسير ألفاظ القرآن، والرسول -ﷺ- يفسر اللفظة بلازمها وجزء معناها، كتفسير الريب بالشكّ، والشكُّ جزء مسمى الريب، وتفسير المغفرة بالستر، وهو جزء مسمّى المغفرة، وتفسير الرحمة بإرادة الإحسان، وهو لازم الرحمة، ونظائر ذلك كثيرة. (الوجه الثالث): أنه لا خلاف في جواز الترحم على المؤمنين، واختَلَفَ السلفُ والخلفُ في جواز الصلاة على غير الأنبياء على ثلاثة أقوال، سنذكرها فيما بعد، إن شاء الله تعالى، فعلم أنهما ليسا بمترادفين. (الوجه الرابع): أنه لو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لقامت مقامها في امتثال الأمر، وأسقطت الوجوب عند من أوجبها، إذا قال: اللَّهم ارحم محمدًا، وآل محمد، وليس الأمر كذلك. (الوجه الخامس): أنه لا يقال: لمن رحم غيره، ورقّ عليه، فأطعمه، أو سقاه، أو كساه: إنه صلّى عليه، ويقال: إنه قد رحمه. (الوجه السادس): أن الإنسان قد يرحم من يُبغضه ويعاديه، فيجد في قلبه له رحمةً، ولا يصلي عليه. (الوجه السابع): أن الصلاة لابدّ فيها من كلام، فهي ثناء من المصلي على من يُصلي عليه، وتنويه به، وإشارة لمحاسنه ومناقبه وذكره. ذكر البخاري -﵀- في «صحيحه» تعليقًا جـ ٨ ص ٤٠٩ - عن أبي العالية، قال: صلاة الله على رسوله ثناؤه عليه عند الملائكة. وصله إسماعيل القاضي في «فضل الصلاة على النبي -ﷺ-» عن نصر بن عليّ، عن خالد بن يزيد، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قال: صلاة الله ﷿ ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه الدعاء . (الوجه الثامن): أن الله سبحانه فرّق بين صلاته وصلاة ملائكته، وجمعهما في فعل واحد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، وهذه الصلاة لا يجوز أن تكون هي الرحمة، وإنما هي ثناؤه سبحانه، وثناء ملائكته عليه، ولا يقال: الصلاة لفظ مشترك، ويجوز أن يستعمل في معنييه معًا، لأن في ذلك محاذير متعدّدة: (أحدها): أن الاشتراك خلاف الأصل، بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نصّ على ذلك أئمّة اللغة، منهم المبرّد وغيره، دمانما يقع وقوعًا عارضًا اتفاقيًّا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة، فيقع الاشتراك. (الثاني): أن الأكثرين لا يجوّزون استعمال اللفظ المشترك في معنييه، لا بطريق الحقيقة، ولا بطريق المجاز، وما حُكي عن الشافعي ﵀ من تجويز ذلك، فليس بصحيح عنه، وإنما أُخذ من قوله: إذا أوصى لمواليه، وله موال من فوقُ، ومن أسفلُ تناول جميعهم، فظن من ظنّ أن لفظ «المولى» مشترك بينهما، وأنه عند التجرّد يحمل عليهما، وهذا ليس بصحيح، فإن لفظ «المولى» من الألفاظ المتواطئة، فالشافعيّ في ظاهر مذهبه، وأحمد يقولان بدخول نوعي الموالي في هذا اللفظ، وهو عنده عام متواطىء، لا مشترك. وأما ما حُكي عن الشافعي ﵀ أنه قال في مفاوضة جرت له في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦]، وقد قيل له: قد يراد بالملامسة المجامعة، قال: هي محمولة على الجسّ باليد حقيقةً، وعلى الوقاع مجازًا، فهذا لا يصحّ عن الشافعي، ولا هو من جنس المألوف من كلامه، وإنما هذا من كلام بعض الفقهاء المتأخرين. فإذا كان معنى الصلاة هو الثناء على الرسول -ﷺ-، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته، كما هو المعروف من هذه اللفظة لم يكن لفظ «الصلاة» فى الآية مشتركًا محمولًا على معنييه، بل قد يكون مستعملًا في معنى واحد، وهذا هو الأصل. (الوجه التاسع): أن الله سبحانه أمر بالصلاة عليه عقب إخباره بأنه وملائكته يُصلّون عليه، والمعنى أنه إذا كان الله وملائكته يُصلّون على رسوله -ﷺ-، فصلوا أنتم أيضًا عليه، فأنتم أحقّ بأن تُصلّوا عليه، وتسلموا تسليمًا، لما نالكم ببركة رسالته، ويُمن سِفَارته من شرف الدنيا والآخرة. ومن المعلوم أنه لو عبّر عن هذا المعنى بالرحمة لم يحسن موقعه، ولم يحسن النظم، فينتقض اللفظ والمعنى، فإن التقدير يصير إلى: إن الله وملائكته ترحّم، ويستغفرون لنبيه، فادعوا أنتم له، وسلموا، وهذا ليس مراد الآية قطعًا، بل الصلاة المأمور بها فيها هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته، وصلاة ملائكته، وهي ثناءٌ عليه، وإظهارٌ لفضله وشرفه، وإرادةُ تكريمه وتقريبه، فهي تتضمّن الخبر والطلب، وسُمِّيَ هذا السؤالُ والدعاءُ منّا نحن صلاة عليه لوجهين: (أحدهما): أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشادةَ بنكر شرفه وفضله، والإرادةَ والمحبّةَ لذلك من الله تعالى، فقد تضمنت الخبر والطلب. (والوجه الثاني): أن ذلك سمي منّا صلاةً، لسؤالنا من الله أن يصلي عليه، فصلاة الله عليه ثناؤه، وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتُنا نحن عليه سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به، وضدّ هذا في لعنة أعدائه الشانئين لما جاء به، فإنها تُضاف إلى الله، وتضاف إلى العبد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فلعنة الله تعالى لهم تتضمّن ذمّه وإبعاده وبغضه لهم، ولعنة العبد تتضمّن سؤال الله تعالى أن يفعل ذلك بمن هو أهل للعنته. وإذا ثبت هذا فمن المعلوم أنه لو كانت الصلاة هي الرحمة، لم يصحّ أن يقال لطالبها من الله مصليًا، وإنما يقال له: مسترحمًا، كما يقال لطالب المغفرة مستغفرًا له، ولطالب العطف مستعطفًا، ونظائره كثيرة، ولهذا لا يقال لمن سأل الله المغفرة لغيره: قد غَفَر له، فهو غافر، ولا لمن سأله العفو عنه. قد عفا عنه، وهنا قد سمي العبد مصليًا، فلو كانت الصلاة هي الرحمة لكان العبد راحمًا لمن صلى عليه، وكان قد رحمه برحمة، ومن رحم النبي -ﷺ- مرّة ﵀ بها عشرًا، وهذا معلوم البطلان. (فإن قيل): ليس معنى صلاة العبد عليه -ﷺ- رحمته، وإنما معناها: طلب الرحمة له من الله. (قيل): هذا باطل من وجوه: (أحدها): أن طلب الرحمة مطلوب لكل مسلم، وطلب الصلاة من الله يختص رسله صلوات الله وسلامه عليهم عند كثير من الناس، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. (الثاني): أنه لو سمي طالب الرحمة مصليًا، لسمي طالب المغفرة غافرًا، وطالب العفو عافيًا، وطالب الصفح صافحًا، ونحوه. (فإن قيل): فأنتم قد سمّيتم طالب الصلاة من الله مصليًا. (قيل): إنما سُمّي مصلّيًا لوجود حقيقة الصلاة منه، فإن حقيقتها الثناء، وإرادة الإكرام، والتقريب، وإعلاء المنزلة، وهذا حاصل من صلاة العبد، لكن العبد يريد ذلك من الله ﷿، والله ﷾ يريد ذلك من نفسه أن يفعله برسوله -ﷺ-. وأما على الوجه الثاني، وأنه سمي مصلّيًا لطلبه ذلك من الله، فلأن الصلاة نوع من الكلام الطلبي والخبريّ والإرادة، وقد وجد ذلك من المصلي، بخلاف الرحمة والمغفرة، فإنها أفعال لا تحصل من الطالب، وإنما تحصل من المطلوب منه. والله تعالى أعلم. (الوجه العاشر): أنه قد ثبت عن النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «أنه من صلى عليه مرّة صلى الله عليه بها عشرًا» وأنه ﷾ قال له: «إنه من صلى عليك من أمتك مرّة صلّيتُ عليه بها عشرًا»، وهذا موافق للقاعدة المستقرّة في الشريعة أن الجزاء من جنس العمل، فصلاة الله على المصلي على رسوله جزاء لصلاته هو عليه، ومعلوم أن صلاة العبد على رسول الله -ﷺ- ليست هي رحمة من العبد، لتكون صلاة الله عليه من جنسها، وإنما هي ثناءٌ على الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وإرادة من الله تعالى أن يُعلي ذكره، ويزيده تعظيمًا وتشريفًا،، والجزاء من جنس العمل، فمن أثنى على رسول الله -ﷺ- جزاه الله من جنس عمله بأن يُثني عليه، ويزيد تشريفه وتكريمه، فصحّ ارتباط الجزاء بالعمل، ومشاكلته له، ومناسبته له، كقوله: «من يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نفّس عن مؤمن كربة من كُرَب الدنيا نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة». و«من سُئل عن علم يعلمه، فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار». و«من صلّى على النبي -ﷺ- مرّة صلّى الله عليه بها عشرًا»، ونظائره كثيرة. (الوجه الحادي عشر): أن أحدًا لو قال: عن رسول الله ﵀، أو قال رسول الله ﵀ بدل «-ﷺ-» لبادرت الأمّة إلى الإنكار عليه، وسمّوه مبتدعًا، غير موقِّر للنبي -ﷺ-، ولا مُصلّ عليه، ولا مُثْن عليه بما يستحقه، ولا يستحق أن يصلي الله عليه بذلك عشر صلوات، ولو كانت الصلاة من الله الرحمة، لم يمتنع شيء من ذلك. (الوجه الثاني عشر): أن الله ﷾ قال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فأمر سبحانه أن لا يُدعَى رسولُهُ بما يدعو الناس بعضهم بعضًا، بل يقال: يا رسول الله، ولا يقال: يا محمد، وإنما كان يُسمّيه باسمه وقت الخطاب الكفّار، وأما المسلمون، فكانوا يخاطبونه يا رسول الله، وإذا كان هذا في خطابه، فهكذا في مغيبه لا ينبغي أن يجعل ما يدعى به له من جنس ما يدعو به بعضنا لبعض، بل يُدعى له بأشرف الدعاء، وهو الصلاة عليه، ومعلوم أن الرحمة يُدعى بها لكلّ مسلم، بل ولغير الآدميّ من الحيوانات، كما في دعاء الاستسقاء «اللَّهم أرحم عبادك وبلادك وبهائمك». (الوجه الثالث عشر): أن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلًا، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء، والتبريك، والثناء، قال: وَإِنْ ذُكِرَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا أي برّك عليها ومدحها، ولا تعرف العرب قطّ «صلى عليه» بمعنى الرحمة، فالواجب حمل اللفظة على معناها المتعارف في اللغة. (الوجه الرابع عشر): أنه يسوغ، بل يستحبّ لكلّ أحد أن يسأل الله تعالى أن يرحمه، فيقول: اللَّهمّ ارحمني، كما علَّمَ النبيُّ -ﷺ- الداعيَ أن يقول: «اللَّهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، وارزقني»، فلما حفظها قال: «أمّا هذا فقد ملأ يديه من الخير». أخرجه مسلم. ومعلوم أنه لا يسوغ لأحد أن يقول: اللَّهمّ صلّ عليّ، بل الداعي بهذا مُعْتد في دعائه، والله لا يحبّ المعتدين، بخلاف سؤال الرحمة، فإن الله تعالى يُحبّ أن يسأله عبده مغفرته ورحمته، فعلم أنه ليس معناهما واحدًا. (الوجه الخامس عشر): أن أكثر المواضع التي تستعمل فيها الرحمة لا يحسن أن تقع فيها الصلاة، كقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله: «إن رحمتي سبقت غضبي» متفق عليه. وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧]، وقول النبي -ﷺ-: «للهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها». متفق عليه، وقوله: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وقوله: «من لا يَرحَم لا يُرحَم» متفق عليه. وقوله: «لا تُنزع الرحمة إلا من شقيّ» أخرجه أبو داود، والترمذي بسند حسن. وقوله: «والشاة إن رحمتها رحمك الله». أخرجه أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد» بسند صحيح. فمواضع استعمال الرحمة في حقّ الله، وفي حقّ العباد لا يحسن أن تقع الصلاة في كثير منها، بل في أكثرها، فلا يصحّ تفسير الصلاة بالرحمة. والله تعالى أعلم. وقد قال ابن عبّاس -﵄-: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال: يباركون عليه، وهذا لا يُنافي تفسيرها بالثناء، وإرادة التكريم والتعظيم، فإن التبريك من الله يتضمن ذلك، ولهذا قُرن بين الصلاة عليه والتبريك عليه، وقالت الملائكة لإبراهيم ﵇: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، وقال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] قال غير واحد من السلف: معلّمًا للخير أينما كنت، وهذا جزء المسمى، فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يُحصّله لغيره تعليمًا، وإقدارًا ونُصحًا، وإرادة واجتهادًا، ولهذا يكون العبد مباركًا، لأن الله بارك فيه، وجعله كذلك، والله تعالى متبارك، لأن البركة كلها منه، فعبده مبارك، وهو المتبارك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١]. وقد ردّ طائفة من الناس تفسير الصلاة من الله بالرحمة بأن قال: الرحمة معناها رقّة الطبع، وهي مستحيلة في حق الله ﷾، كما أن الدعاء منه سبحانه مستحيل، وهذا الذي قاله عرقٌ جَهْميّ ينضح من قلبه على لسانه، وحقيقته إنكار رحمة الله جملةً، وكان جهم يخرج إلى الْجَذْمَى، ويقول: أرحم الراحمين يفعل هذا؟! إنكارًا لرحمته سبحانه. وهذا الذي ظنّه هذا القائل هو شُبهَةُ منكري صفات الرّبّ ﷾، فإنهم قالوا: الإرداة حركة النفس لجلب ما ينفعها، ودفع ما يضرّها، والربّ تعالى يتعالى عن ذلك، فلا إرادة له، والغضب غَلَيَان دم القلب طلبًا للانتقام، والربّ منزّه عن ذلك، فلا غضب له، وسلكوا هذا المسلك الباطل في حياته، وكلامه، وسائر صفاته، وهو من أبطل الباطل، فإنه أخذ في مسمى الصفة خصائص المخلوق، ثم نفاها جملةً عن الخالق، وهذا في غاية التلبيس والإضلال، فإن الخاصّة التي أخذها في الصفة لم يثبت لها لذاتها، وإنما يثبت لها بإضافتها إلى المخلوق الممكن، ومعلوم أن نفي خصائص صفات المخلوقين عن الخالق لا يقتضي نفي أصل الصفة عنه سبحانه، ولا إثباتُ أصل الصفة له يقتضي إثبات خصائص المخلوق له، كما أن ما نُفي عن صفات الربّ تعالى من النقائص والتشبيه لا يقتضي نفيه عن صفة المخلوق، ولا ما ثبت لها من الوجوب والقدم والكمال يقتضي ثبوته للمخلوق، ولا إطلاق الصفة على الخالق والمخلوق، وهذا مثل الحياة والعلم، فإن حياة العبد تعرض لها الآفات المضادّة لها، من المرض والنوم والموت، وكذلك علمه يعرض له النسيان والجهل المضادّ له، وهذا محال في حياة الربّ وعلمه، فمن نفى علم الرّبّ، وحياته لما يعرض فيهما للمخلوق، فقد أبطل، وهو نظير من نفى رحمة الرّبّ وعلمه، فمن نفى رحمة الرّبّ عنه لما يعرض في رحمة المخلوق من رقّة الطبع، وتوهّم المتوهّم أنه لا تعقل رحمة إلا هكذا، نظير توهّم المتوهّم أنه لا يعقل علم، ولا حياة، ولا إرادة إلا مع خصائص المخلوق. وهذا الغلط منشؤه إنما هو توهّم صفة المخلوق المقيدّة به أولًا، وتوهّم أن إثباتها لله هو مع هذا القيد، وهذان وهمان باطلان، فإن الصفة الثابتة لله مضافة إليه لا يتوهّم فيها شيء من خصائص المخلوقين، لا في لفظها، ولا في ثبوت معناها، وكلّ من نفى عن الرّبّ تعالى صفة من صفاته لهذا الخيال الباطل لزمه نفي جميع صفات كماله، لأنه لا يعقل منها إلا صفة المخلوق، بل ويلزمه نفي ذاته، لأنه لا يعقل من الذوات إلا الذوات المخلوقة، ومعلوم أن الرّبّ ﷾ لا يشبهه شيء منها، وهذا الباطل قد التزمه غُلاة المعطّلة، وكلّما أوغل النافي في نفيه كان قوله أشدّ تناقضًا، وأظهر بطلانًا، ولا يسلم على مِحكّ العقل الصحيح الذي لا يكذب إلا ما جاءت به الرّسل صلوات الله وسلامه عليهم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩]، فنزّه سبحانه وتعالى عما يصفه كلّ أحد إلا المخلصين من عباده، وهم الرسل، ومن تبعهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]، فنزّه نفسه عمّا يصفه به الواصفون، وسلَّمَ على المرسلين، لسلامة ما صفوه به من كلّ نقص وعيب، وحمد نفسه، إذ هو الموصوف بصفات الكمال التي يستحقّ لأجلها الحمدَ، ومنزّه عن كلّ نقص يُنافي كمال حمده. انتهى كلام المحقق العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى ببعض تصرف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد حقق العلّامة ابن القيّم رحمه الله تعالى هذا البحث تحقيقًا نفيسًا، فأجاد وأفاد، وأسهب وأعاد، جزاه الله على ذلك خيرًا. وخلاصته ترجيح تفسير الصلاة على النبي -ﷺ- بالثناء عند ملائكته، كما نقل عن أبي العالية، وتضعيف تفسير من فسّرها بالرحمة. وقال في «الفتح» بعدما ذكر الاختلاف: ما حاصله: وأولى الأقوال ما تقدّم عن أبي العالية أن معنى صلاة الله على نبيّه -ﷺ- ثناؤه عليه، وتعظيمه، وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك من الله تعالى، والمراد طلب أصل الصلاة. ونقل عياض عن بكر القُشيريّ، قال: الصلاة على النبي -ﷺ- من الله تشريف، وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة، وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي -ﷺ-، وبين سائر المؤمنين، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٦]، وقال قبل ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٣]، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق بالنبي -ﷺ- من ذلك أرفع مما يليق بغيره، والإجماع منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي -ﷺ-، والتنويه به ما ليس في غيرها. وقال الحَليميّ في «الشُّعَب»: معنى الصلاة على النبي -ﷺ- تعظيمه، فمعنى قولنا: اللَّهمّ صل على محمد: عَظِّمْ محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دينه، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود، وعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿صَلُّوا﴾ ادعوا ربّكم بالصلاة عليه. انتهى.
مصادر المؤلف (٧)

١. متفق عليه.

٢. أخرجه الدارمي من حديث جابر مطولًا جـ ١ ص ٢٤ بسند رجاله ثقات.

٣. «فضل الصلاة على النبي -ﷺ-» ص ٨٠ - ٨١.

٤. راجع رقم ٩٥ وهو موقوف حسن، ولهذا علّقه البخاري بصيغة الجزم.

٥. رواه مسلم رقم (٣٨٤).

٦. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-، وفي سنده أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو لا يُعْرَف، لكن توج عليه عند أحمد وابن حميد، وله شواهد كثيرة، منها: حديث جرير مرفوعًا: «من لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء». أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» ١/ ١١٨/ ٢ ورواته ثقات، فالحديث صحيح، صححه الترمذيّ، والحاكم، والذهبي، والخطيب البغدادي، وغيرهم.

٧. «جَلَاءُ الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام» ص ١٠٦ - ١٢٢.