HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢٨٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُجْمِرِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللهُ ﷿ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٣ ص ٤٥

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٥ ص١١٤
ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذرّيته عليه، فإنه لا يمتنع أن يُدْعَى لهم بالتعظيم، إذ تعظيم كلّ أحد بحسب ما يليق به. وما تقدم عن أبي العالية أظهر؛ فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله، وإلى ملائكته، وإلى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا اختلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء، واختُلف في جواز الصلاة على غير الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللَّهم صل على محمد: اللَّهم ارحم محمدًا، أو ترحم على محمد لجاز لغير الأنبياء، وكذا لو كانت بمعنى البركة والرحمة لسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته». ويمكن الانفصال بأن ذلك وقع بطريق التعبد، فلابد من الإتيان به ولو سبق الإتيان بما يدل عليه. انتهى ما في «الفتح». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما تقدم أن أرجح الأقوال في معنى صلاة الله على نبيه -ﷺ- قول من قال: إنه ثناء الله تعالى عليه في الملإ الأعلى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٩ - (بَابُ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-) ١٢٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ -وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ- أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ ﷿ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، فِي الْعَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ المذكور في الباب الماضي. ٢ - (الحارث بن مسكين) المصري الحافظ الثقة [١٠] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن العُتَقيّ المصريّ الفقيه الثقة، من كبار [١٠] تقدّم ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام الثبت الحجة الفقيه المدني [٧] تقدم ٧/ ٧. ٥ - (نُعَيم بن عبد الله المجمر) المدني، ثقة [٣] تقدّم ٢١/ ٩٠٥. ٦ - (محمد بن عبد الله بن زيد) بن عبد ربه الأنصاري الخزرجيّ المدني، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وأبي مسعود الأنصاريّ. وعنه ابنه عبد الله بن محمد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، ومحمد بن جعفر بن الزبير، ونعيم بن عبد الله المجمر. ذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال العجلي: مدني تابعيّ ثقة، وقال ابن منده: وُلد في عهد النبي -ﷺ-. له عند مسلم، وأبي داود، والترمذيّ، والمصنف حديث الباب فقط، وعند البخاريّ في «خلق أفعال العباد» وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه حديث الأذان، فقط. ٧ - (أبو مسعود الأنصاريّ) عُقبة بن عمرو بن ثعلبة البدريّ صحابيّ مشهور، تقدّم ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وابن قاسم، فمصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه محمد بن عبد الله بن زيد من المقلّين، ليس له في الكتب المذكورة إلا حديثان فقط. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن نعيم بن عبد الله المجمر) بصيغة اسم الفاعل، من التجمير، أو الإجمار، صفة لعبد الله، لأنه كان يجمّر مسجد رسول الله -ﷺ-، أي يُبخّره، ويطلق على ابنه نُعيم أيضًا مجازًا (أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري - وعبد الله بن زيد) بالرفع على الابتداء، وخبرُهُ قوله (الذي أُري) بالبناء للمفعول (النداءَ بالصلاة) بالنصب على أنه مفعول ثان لـ«أُري»، أى أراه الله الأذان في منامه، وجملة المبتدإ والخبر معترضة بين اسم «أنّ» وخبرها، أتى بها لبيان أن والد محمد هو عبد الله بن زيد بن عبد ربّه، رائي الأذان، لا عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، راوي صفة الوضوء وصلاة الاستسقاء، وغيرهما. وإنما بيّن ذلك لأنهما يلتبسان على من لا معرفة له بعلم الرجال، إذ هما يتفقان في الاسم، واسم الأب، والنسبة إلى الأنصار، ثمّ إلى الخزرج، وكذا في الصحبة، والرواية، ويفترقان في الجدّ، والبطن الذي من الخزرج، لأن حفيد عاصم من مازن، وحفيد عبد ربه من بَلْحَارث بن الخزرج. أفاده في «الفتح» . وقد تقدّمت ترجمة عبد الله بن زيد بن عاصم في ٨٠/ ٩٧. وأما عبد الله بن زيد المذكور هنا فهو ابن عبد ربّه بن ثعلبة بن زيد بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، أبو محمد المدني، وقيل في نسبه: غير ذلك، شهد العقبة وبدرًا، والمشاهد، وكانت رؤياه للنداء في السنة الأولى من الهجرة بعد بناء المسجد النبوي. رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعنه ابنه محمد، وابن ابنه عبد الله بن محمد على خلاف فيه، وسعيد بن المسيّب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقيل: لم يسمع منه، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، ولم يدركه. قال الترمذي عن البخاري: لا يعرف له إلا حديث الأذان، وكذا قال نحوَه ابنُ عديّ. وأطلق غيرُ واحد أنه ليس له غيره. قال الحافظ في «الإصابة»: وهو خطأ، فقد جاءت أحاديث، ستة، أو سبعة، جمعتها في جزء مفرد، وجزم البغوي بأنه ماله غير حديث الأذان، وحديثه عند الترمذي، من رواية ابنه محمد بن عبد الله، وصححه، وفي النسائي له حديث: أنه تصدّق على أبويه، ثم توضّأ، وقد أخرج البخاري في «التاريخ»، من طريق يحيى بن أبي كثير أن أبا سلمة حدّثه أن محمد بن عبد الله بن زيد حدّثه أن أباه شهد النبي -ﷺ- عند الْمَنْحَر، وقد قسم النبي -ﷺ- الضحايا، فأعطاه من شعره … الحديث. قال المدائني، عن كثير بن زيد، عن المطّلب بن حَنطب، عن محمد بن عبد الله بن زيد، قال: مات أبي سنة (٣٢)، وهو ابن (٦٤)، وصلّى عليه عثمان. وقال الحاكم: الصحيح أنه قُتل بأحد، فالرواية كلها منقطعة. انتهى، وخالف ذلك في «المستدرك». وفي «الحلية» في ترجمة عمر بن عبد العزيز بسند صحيح، عن عبد الله العمريّ: دَخَلَت ابنة عبد الله بن زيد بن ثعلبة على عمر بن عبد العزيز، فقالت: أنا ابنة عبد الله ابن زيد شهد أبي بدرًا، وقُتل بأحد، فقال: سليني ما شئت، فأعطاها. انتهى . (عن أبي مسعود الأنصاري) عُقبة بن عمرو رضي الله تعالى عنه (أنه قال: أتانا رسول الله -ﷺ- في مجلس سعد بن عُبَادة) بن دُلَيم بن حارثة بن أبي خُزيمة، ويقال: خُزيمة بن أبي خُزيمة، ويقال: حارثة بن حَرَام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طَريف بن الخزرج الأنصاريّ سيد الخزرج، أبو ثابت، ويقال: أبو قيس المدني. وأمه عَمْرة بنت مسعود، كانت لها صُحْبة، وماتت في زمن النبي -ﷺ-. روى عن النبي -ﷺ-. وعنه أولاده: قيس، وإسحاق، وسعيد، وابن ابنه شُرحبيل بن سعيد على خلاف فيه، وابن عبّاس، وابن المسيّب، وغيرهم. شهد العَقَبَةَ، وغيرها من المشاهد، واختُلِفَ في شهوده بدرًا، فذكر البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو أحمد الحاكم أنه شهد بدرًا، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى ممن لم يشهد بدرًا، وقال: كان ممن تهيّأ للخروج إلى بدر، فنُهش، فأقام. وقال ابن سعد أيضًا كان سعد في الجاهلية يَكتب بالعربية، ويحسن العَوْم والرّمي، وكان مَنْ أحسنَ ذلك يُسمّى الكامل، وكان هو وعدّةٌ من آبائه في الجاهلية يُنادَى على أُطُمهم مَن أحبّ الشحم واللحم فليأت أُطُم دُليم بن حارثة، قال: وكانت جَفْنة سعد تدور مع رسول الله -ﷺ- في بيوت أزواجه، وقال مقسم عن ابن عباس -﵄-: كانت راية رسول الله -ﷺ- في المواطن كلّها مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبَادة راية الأنصار. وقال محمد بن سيرين كان سعد بنِ عبادة يرجع كلّ ليلة إلى أهله بثمانين من أهل الصُّفّة، يُعَشّيهم. وقال ابن عبد البرّ: تَخلّف سعد عن بيعة أبي بكر الصدّيق -﵄-، وخرج عن المدينة، فمات بحَوْران من أرض الشام سنة (١٥) وقيل: سنة (١٤) وقيل: سنة (١١) ولم يختلفوا أنه وُجد ميتًا في مُغتَسَله. وقال ابن جُريج، عن عطاء: سمعتُ أنّ الجنّ قتلته. وقال عمرو بن عليّ وغيره: مات سنة (١٦). له ذكر في غير موضع من الصحيحين، ورَوَى له الأربعة. (فقال له بشير بن سَعْد) بن ثعلبة بن الْجُلَاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأكبر الأنصاريّ الخزرجيّ، والد النعمان، شهد بدرًا، وهو أوّل من بايع أبا بكر الصّدّيق -﵄- من الأنصار. رَوَى عن النبي -ﷺ- حديثًا واحدًا في النُّحْل على خلاف فيه . وروى عنه ابنه النعمان، وابن ابنه محمد، وعروة، وحُميد بن عبد الرحمن بن عوف. ذكره ابن أبي حاتم فيمن مات سنة (١٣) فتكون رواية هؤلاء عنه سوى النعمان مرسلة. وقد رَوَى حديث حميد بن عبد الرحمن، عن النعمان، عن أبيه، فتعين إرساله، إن كان رواه عن بشير بلا واسطة، وذكر ابنُ إسحاق، والواقديُّ أنه قُتل يوم عين التمر مع خالد بن الوليد مُنصَرَفه من اليمامة سنة (١٢)، لكن روى البخاريّ في «تاريخه» من طريق الزهريّ عن محمد بن النعمان بن بشير، عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب قال يومًا، وحَوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخّصتُ في بعض الأمر ماذا كنتم فاعلين؟، قال: فقال له بشير بن سعد: لو فعلتَ قَوَّمناك تقويمَ القادح، فقال عمر: أنتم إذًا أنتم، فهذا يدلّ على أنه بقي إلى خلافة عمر، وفي كتاب «الطبقات» لابن سعد أنه كان يكتب بالعربية في الجاهلية، وبعثه النبي -ﷺ- في بعض السرايا، واستعمله على المدينة في عمرة القضاء، وله ذكر في «صحيح مسلم» وغيره في حديث عُقبة بن عمرو المذكور في هذا الباب. انفرد به النسائي بحديث النُّحْلة المذكور فقط. (أمرنا الله ﷿ أن نصلي عليك يا رسول الله) وفي بعض النسخ: «بأن نصلي عليك» بزيادة الباء، وحذفُها جائز في مثل هذا، كما قال ابن مالك رحمه الله تعالى: وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرْفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنْجَرِّ نَقْلًا وَفِي أَن وَأَنْ يَطرِدُ … مَعْ أَمْنِ لَبْسِ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا يعني أن الله سبحانه أمر عباده المؤمنين بالصلاة عليه والسلام، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. (فكيف نصلي عليك؟) اختُلِفَ في المراد بقوله: «كيف»، فقيل: المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها بأيّ لفظ يُؤَدَّى. وقيل: عن صفتها. قال القاضي عياض ﵀: لمّا كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يحتمل الرحمة والدّعاء والتعظيم سألوا بأيّ لفظ تُؤدّى؟. هكذا قال بعض المشايخ. ورجّح الباجيّ أن السؤال إنما وقع عن صفتها، لا عن جنسها. قال في «الفتح»: وهو الأظهر، لأن لفظ «كيف» ظاهر في الصفة، وأما الجنس، فيُسأل عنه بلفظ «ما»، وبه جزم القرطبي، فقال: هذا سؤال من أشكلت عليه كيفيّة ما فُهم أصلُهُ، وذلك أنهم عرفوا المراد بالصلاة، فسألوا عن الصفة التي تليق بها، ليستعملوها انتهى. والحامل لهم على ذلك أن السلام لمّا تقدّم بلفظ مخصوص، وهو «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» فهموا منه أن الصلاة أيضًا تقع بلفظ مخصوص، وعدَلُوا عن القياس لإمكان الوقوف على النصّ، ولاسيّما في ألفاظ الأذكار، فإنها تجيء خارجةَ عن القياس غالبًا، فوقع الأمر كما فهموا، فإنه لم يقلْ لهم: قولوا: الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا قولوا: الصلاة والسلام عليك الخ، بل علّمهم صيغةً أخرى . (فسكت رسول الله -ﷺ-) أي منتظرًا للوحي (حتى تمنّينا أنه لم يسأله) إنما تمنّوا ذلك خشية أن يكون النبيّ -ﷺ- لم يعجبه السؤال المذكور، لما تقرّر عندهم من النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ووقع عند الطبراني: فسكت حتى جاءه الوحي، فقال: «تقولون» … (ثمّ قال) أي النبي -ﷺ- بعد أن سكت منتظرًا للوحي، فنزل عليه (قولوا: اللَّهمّ) هذه الكلمة كثر استعمالها في الدعاء، وهي بمعنى يا ألله، والميم عوض عن حرف النداء، فلا يقال: اللَّهم غفور رحيم مثلًا، وإنما يقال: اللَّهمّ أغفر لي، وأرحمني، ولا يدخلها حرف النداء إلاّ في نادر، كقول الراجز: إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يا اللَّهُمَّا واختصّ هذا الاسم بقطع الهمزة عن النداء، ووجوب تفخيم لامه، وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف. وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في «خلاصته»، فقال: وَبَاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ … إِلَّا مَعَ اللهِ وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ وذهب الفرّاء، ومن تبعه من الكوفيين إلى أن أصله يا الله، فحُذف حرف النداء تخفيفًا، والميم مأخوذة من جملة محذوفة أصله أُمَّنَا بخير، وقيل: بل زائدة، كما في زُرْقُم للشديد الزُّرْقة، وزيدت في الاسم العظيم تفخيمًا. وقيل: بل هو كالواو الدّالّة على الجمع، كأن الداعي قال: يا من اجتمعت له الأسماء الحُسنى، ولذلك شددت الميم، لتكون عوضًا عن علامتي الجمع، وهي الواو والنون في «مسلمون» ونحوه. وقد جاء عن الحسن البصريّ: اللَّهم مَجْمَعُ الدعاء. وعن النضر بن شُمَيل: من قال: اللَّهم، فقد سأل الله بجميع أسمائه. وقد أفاض العلّامة ابن القيم في هذا البحث في كتابه المتقدّم الذكر بما لا تجده في غيره، فراجعه ص ٩٤ - ١٠٦. (صلّ) تقدّم معنى الصلاة قريبًا (على محمد) هو أشهر أسمائه -ﷺ-، وهو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمّن الثناء على المحمود ومحبّته وإجلاله وتعظيمه، وبُني على زنة مُفَعَّل لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فمُحمَّد هو من كثُر حمد الحامدين له مرّة بعد أخرى، أو الذي يستحق أن يُحمد مرّة بعد أخرى، وهو عَلَمٌ وصفة اجتمع فيه الأمران في حقّه -ﷺ-، وإن كان علمًا محضًا في حقّ كثير ممن تسمّى به غيره. وهذا شأن أسماء الرّبّ تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيه -ﷺ-، فإنها أعلام دالّة على معان بها أوصاف، فلا تُضادّ فيها العلميةُ الوصفَ، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين. فتسميته -ﷺ- بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسمّاه، وهو الحمد، فإنه -ﷺ- محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم، فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كلّ عاقل، وإن كابر عَقلَهُ جحودًا، أو عنادًا، أو جهلًا باتصافه بها، ولو علم اتصافه بها لحمده، فإن من يَحْمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له، وهو -ﷺ- اختصّ من مسمّى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإن اسمه محمد وأحمد، وأمته الحمّادون، يحمدون الله على السّرّاء والضرّاء، وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد، هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده -ﷺ- لواء الحمد يوم القيامة ولمّا يسجدُ بين يدي ربّه ﷿ للشفاعة، ويؤذن له فيها يحمد ربّه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولولون والآخرون، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. (وعلى آل محمد) قيل: أصل «آل» أهل، قلبت الهاء همزةَ، ثمّ سُهّلت، ولهذا إذا صُغّر ردّ إلى الأصل، فقالوا: أُهيل. وقيل: بل أصله أَوَلٌ، من آل: إذا رجع، سمّي بذلك من يؤول إلى الشخص، وُيضاف إليه، ويقويه أنه لا يضاف إلّا إلى مُعظّم، فيقال: آل القاضي، ولا يقال آل الحَجّام، بخلاف أهل، ولا يضاف آل أيضًا غالبًا إلى غير العاقل، ولا إلى المضمر عند الأكثرين، وجوّزه بعضهم بقلّة، وقد ثبت في شعر عبد المطّلب في قوله في قصّة أصحاب الفيل من أبيات: وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيـ … ـــبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ وقد يطلق آل فلان على نفسه، وعليه وعلى من يضاف إليه جميعًا، وضابطه أنه إذا قيل: فَعَلَ آل فلان كذا دخل هو فيهم إلا بقرينة، ومن شواهده قوله -ﷺ- للحسن بن عليّ -﵄-: «إنّا آل محمد، لا تَحلّ لنا الصدقة»، وإن ذكرا معًا فلا، وهو كالفقير والمسكين، وكالإيمان والإسلام، والفسوق والعصيان. ولمّا اختلَفَتْ ألفاظ الحديث في الإتيان بهما معًا، وفي إفراد أحدهما كان أَوْلَى المحامل أن يُحمَل على أنه -ﷺ- قال ذلك كلّه، ويكون بعض الرّواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، وأمّا التعدد فبعيد، لأن غالب الطرق تُصرّح بأنه وقع جوابّا عن قولهم: «كيف نصلّي عليك؟». قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الحمل على التعدد أقرب، لأن السائلين كثيرون، فحمل سؤالهم على محل واحد بعيد جدًّا، فتأمل. فالأولى أن نقول إنه -ﷺ- علّمهم في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة، في بعضها طول، وفي بعضها اختصار، توسعةً عليهم، فتكون كألفاظ التشهد المختلف تعليمه -ﷺ- للصحابة رضي الله تعالى عنهم إيّاها، وكصيغ الاستفتاح، وأذكار الركوع، والسجود، والدعوات. والحاصل أن في الأمر سعةٌ، فيختار مريد الصلاة أيّ صيغة صحت عن رسول الله -ﷺ-، فيصلي بها، والأولى أن يصلي في وقت بصيغة، وفي آخر بأخرى، وهكذا حتى يستعمل الصيغ التي صحت عن النبي -ﷺ-. والله تعالى أعلم. قال في «الفتح»: ويحتمل أن يكون بعض من اقتصر على آل إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى، بناءً على دخول إبراهيم في قوله: «آل إبراهيم»، كما تقدّم انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال بعيد جدًّا، فإن الرواية بالمعنى في الألفاظ التعبدية غير جائز، كما هو مقرر في محله من «مصطلح الحديث»، انظر «التدريب» للحافظ السيوطي رحمه في «النوع السادس والعشرين» جـ ٢ ص ١٠٢، ولفظه في بحث الخلاف في الرواية بالمعنى: «ولا شك في اشتراط أن لا يكون مما تُعُبِّدَ بلفظه» انتهى. والله تعالى أعلم. وسيأتي بيان اختلاف أهل العلم في المراد بالآل هنا في المسائل إن شاء الله تعالى. (كما صلّيت على آل إبراهيم) صفة لمصدر محذوف، تقديره: صلاةً مثلَ صلاتك على آل إبراهيم، وسيأتي الكلام على وجه تشبيه الصلاة على النبي -ﷺ- بالصلاة على آل إبراهيم، في المسائل أيضًا، إن شاء الله تعالى. وآلُ إبراهيم: هم ذرّيّته من إسماعيل، وإسحاق، كما جزم به جماعة من الشُّرّاح، وإن ثبت أن إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة، ثمّ إن المراد المسلمون منهم، بل المتّقون، فيدخل فيهم الأنبياء والصدّيقون والشهداء والصالحون، دون من عداهم، وفيه ما يأتي في آل محمد. قاله في «الفتح». (وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم) أي أثبت له، وأدم ما أعطيته من الشرف والكرامة، وزده من الكمالات ما يليق بك وبه. قال في «الفتح»: المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة، وقيل: التطهير من العيوب والتزكية، وقيل: المراد إثبات ذلك، واستمراره، من قولهم: بركت الإبل: أي ثبتت على الأرض، وبه سمّيت بِرْكَة الماء -بكسر أوله، وسكون ثانيه- لإقامة الماء فيها. والحاصل أن المطلوب أن يُعْطَوْا من الخير أَوْفَاه، وأن يثبت ذلك، ويستمرّ دائمًا. وسيأتي مزيد بسط في تحقيق معنى البركة في المسألة السادسة، إن شاء الله تعالى. (في العالمين) متعلّق بـ«صلّ»، أو بـ«بارك» على سبيل التنازع. قال الحافظ السخاوي ﵀: وأشار بقوله: «في العالمين» إلى اشتهار الصلاة والبركة على إبراهيم في العالمين، وانتشار شرفه، وتعظيمه، وأن المطلوب لنبيّنا -ﷺ- صلاة تشبه تلك الصلاة، وبركة تشبه تلك البركة في انتشارها في الخلق، وشهرتها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩]. والمراد بـ«العالمين» فيما رواه ابن مسعود -﵁-، وغيره: أصناف الخلق، وفيه أقوال أُخْرى: قيل: ما حواه بطن الْفَلَك، وقيل: ما فيه روح، وقيل: كلّ مُحْدَث، وقيل: بقيد العقلاء، وهذان القولان في «المشارق»، وقيل: الإنس والجنّ فقط، حكاه المنذريّ، وحَكَى قولًا آخر: إنه الجنّ والإنس، والملائكة، والشياطين، قال في «الصَّحَاح»: العالم: الخلق، والجمع العوالم، والعالمون أصناف الخلق، وقال في «المُحْكَم»: العالمِ الخلق كلّه، وقيل: هو ما احتواه بطن الْفَلَك، ولا واحد له من لفظه، لأنّ عالمًا جَمعَ أشياءَ مُختلفةً، فإن جُعل اسمًا لواحد منها صار جمعًا لأشياء متفقة، والجمع عالمون، ولا يجمع شيء على فاعل بالواو والنون إلا هذا انتهى . (إنك حميد مجيد) أما «الحميد» فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود، وأبلغ منه، وهو مَن حصل له من صفات الحمد أكملها، وقيل: هو بمعنى الحامد، أي يَحمَد أفعالَ عباده. وأما «المجيد» فهو فعيل من المجد، وهو صفةُ مَن كمل في الشرف، وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما أن الحمد يدلّ على صفة الإكرام. ومناسبة ختم الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله تعالى لنبيه -ﷺ-، وثناؤه عليه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل المطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى: إنك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة، كريمٌ بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. قاله في «الفتح» . وسيأتي مزيد بسط في تحقيق معنى هذين الاسمين، ومناسبتهما لختم الصلاة بهما في المسألة السابعة، إن شاء الله تعالى. (والسلام كما علمتم) جملة من مبتدإ وخبره. قال النووي رحمه الله تعالى: معناه قد أمركم الله تعالى بالصلاة والسلام عليّ، فأما الصلاة فهذه صفتها، وأما السلام فكما علمتم في التشهد، وهو قولهم: «السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته». و«علمتم» بفتح العين المهملة، وكسر اللام المخفّفة- مبنيًّا للفاعل: أي كما علمتموه في التشهد. ومنهم من رواه -بضم العين، وتشديد اللام- مبنيًا للمفعول: أي عَلَّمتكموه. قال النووي ﵀: وكلاهما صحيح. وقال السندي رحمه الله تعالى: «علمتم» على بناء الفاعل، من العلم، أي كما علمتم في التشهد، أو بما جرى على الألسنة في كيفية سلام بعضهم على بعض، أو على بناء المفعول، من التعليم، أي كما علمّتم في التشهد انتهى «شرح السندي» ٣/ ٤٦. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «أو بما جرى على الألسنة» الخ، فيه نظر، فإنه احتمال بعيد، لا ينبغي التعويل عليه، فالصواب المعنى الأوّل، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٩/ ١٢٨٥ - وفي «الكبرى» -٨٤/ ١٢٠٨ - وفي «عمل اليوم والليلة» ٤٨ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر، عن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري، عنه. وفي «عمل اليوم والليلة» -٤٩ - عن أحمد بن بكّار، عن محمد بن سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد الله الأنصاري به. وأخرجه (مسلم) ٢/ ١٦. (أبو داود) رقم ٩٨٠ و٩٨١. (الترمذي) ٣٢٢٠. (مالك) في «الموطإ» ص ١٢٠ (أحمد) ٣/ ١١٨، و٤/ ١١٩ و٥/ ٢٧٣. (الدرامي) رقم ١٣٤٩ (عبد بن حُميد) ٢٣٤ (ابن خزيمة) ٧١١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الأمر بالصلاة على النبي -ﷺ-. ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من التواضع، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الشِّيَم، حيث كان يزور أصحابه في مجالسهم إكرامًا وتأنيسًا لهم. ومنها: أنه ينبغي للإمام أن يخصّ رؤساء القوم وسادتهم بالزيارة في مجالسهم تأنيسًا لهم، واستجلابًا لمودتهم، وتنويهًا بشرفهم لدى أتباعهم حتى يزدادوا لهم تعظيمًا وطاعة. ومنها: ما كان عليه الصحابة من العناية بالسؤال عن مهمّات الدين، ومُعضِلات المسائل الشرعية، حتى يعملوا بمقتضى ما يُجيبهم به رسول الله -ﷺ-، ولا يتشرّعوا من عند أنفسهم، عملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [الحجرات: ١]. ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من التأدب مع مولاه، عند توجيه السؤال الديني إليه، فلا يبتدىء بجواب سؤال السائل من عند نفسه، بل ينتظر الوحي، فكان كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. ومنها: بيان أن الأمر بالتشهد كان متقدّمًا على الأمر بالصلاة على النبي -ﷺ-، لقوله: «والسلام كما قد علمتم». ومنها: أنه استُدلّ به على تعيّن هذا اللفظ الذي علّمه النبي -ﷺ- لأصحابه في امتثال الأمر، سواء قلنا بالوجوب مطلقًا، أو مقيدًا بالصلاة، وأما تعيّنه في الصلاة فعن أحمد في رواية، والأصحّ عند أتباعه لا تجب. واختلف في الأفضل: فعن أحمد أكمل ما ورد، وعنه يتخيّر، وأما الشافعية فقالوا: يكفي أن يقول: «اللَّهم صل على محمد»، واختلفوا هل يكفي الإتيان بما يدلّ على ذلك، كأن يقوله بلفظ الخبر، فيقول: صلى الله على محمد، مثلًا، والأصحّ إجزاؤه، وذلك أن الدعاء بلفظ الخبر آكد، فيكون جائزًا بطريق الأولى. ومَنْ مَنَعَ وقف عند التعبّد، وهو الذي رجّحه ابن العربي، بل كلامه يدلّ على أن الثواب الوارد لمن صلى على النبي -ﷺ- إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن العربي رحمه الله تعالى هو الذي يترجّح عندي، لأن النبي -ﷺ- لما سئل عن الصيغة التي يُمتَثَل بها أمرُ الله تعالى بالصلاة عليه، فقيل له: فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ أجابهم بقوله: «قولوا: اللَّهم صلّ على محمد» الخ، فكيف يمكن الخروج عن العهدة، ويحصل الامتثال بصيغة مخالفة لهذا الجواب، فهيهات هيهات!! والله تعالى أعلم. قال في «الفتح»: واتفق أصحابنا -يعني الشافعية- على أنه لا يجزىء أن يقتصر على الخبر، كأن يقول: الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى، اختلفوا في تعيين لفظ «محمد»، لكن جوّزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم، كالنبي، ورسول الله، لأن لفظ «محمد» وقع التعبّد به، فلا يجزىء عنه إلا ما كان أعلى منه، ولهذا قالوا: لا يجزىء الإتيان بالضمير، ولا بأحمد مثلًا في الأصحّ فيهما، مع تقدّم ذكره في التشهد بقوله «النبي»، وبقوله «محمد». وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكلّ لفظ أدّى المراد بالصلاة عليه -ﷺ-، حتى قال بعضهم: لو قال في أثناء التشهد: الصلاة والسلام عليك أيها النبي أجزأ، وكذا لو قال: أشهد أنّ محمدًا -ﷺ- عبده ورسوله، بخلاف ما إذا قدّم عبده ورسوله، وهذا ينبغي أن ينبني على أن ترتيب ألفاظ التشهد لا يشترط، وهو الأصحّ ، ولكن دليل مقابله قويّ، لقولهم «كما يعلّمنا السورة»، وقول ابن مسعود -﵁-: «عَدّهنّ في يدي». وعمدة الجمهور في الاكتفاء بما ذكر أن الوجوب ثبت بنصّ القرآن بقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فلما سأل الصحابة عن الكيفية، وعلّمها لهم النبي -ﷺ-، واختلف النقل لتلك الألفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات، وترك ما زاد على ذلك، كما في التشهد، إذ لو كان المتروك واجبًا لما سكت عنه. انتهى. وقد استشكل ذلك ابن الفركاح في «الإقليد»، فقال: جَعْلُهُم هذا هو الأقلَّ يحتاج إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة، فإن الأحاديث الصحيحة ليس فيها الاقتصار، والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة، وأقلّ ما وقع في الروايات: «اللَّهم صلّ على محمد، كما صليت على إبراهيم»، ومن ثَمَّ حكى الفورانيّ عن صاحب الفروع في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين، واحتجّ لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة -﵁- عند النسائي بسند قويّ ولفظه: «صلّوا عليّ، واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد» . قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه من اختصار بعض الرواة، فإن النسائيّ أخرجه من هذا الوجه بتمامه، وكذا الطحاوي . ومنها: أنه استُدلّ بتعليم النبى -ﷺ- لأصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها بأنها أفضل كيفيّات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل. ويترتّب على ذلك لو حلف أن يصلّي عليه أفضل الصلاة، فطريق الْبَرّ أن يأتي بذلك، هكذا صوّبه النوويّ رحمه الله تعالى في «الروضة». قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول هو الصواب، وما ذكروه من صيغ الصلوات الأخرى غير صحيح، فلا يُلتفت إليه، لأنه مما لا مستند له، ولا أثارة عليه من علم. والله تعالى أعلم. ومنها: أنه استُدلّ به على جواز الصلاة على غير الأنبياء. وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا، إن شاء الله تعالى. ومنها: ما قيل: إنّ الواو لا تقتضي الترتيب، لأن صيغة الأمر وردت بالصلاة والتسليم بالواو في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقدّم تعليم السلام قبل الصلاة، كما قالوا: عَلِمْنَا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلّي عليك؟. ومنها: أنه يَرُدُّ على ما نقل عن النخعيّ أنه يُجزىء فى امتثال الأمر بالصلاة قولُهُ: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» في التشهد، لأنه لو كان كما قال لأرشد النبي -ﷺ- أصحابه إلى ذلك، ولَمَا عَدَلَ إلى تعليمهم كيفيّةً أخرى. ومنها: أنه يدلّ على أن إفراد الصلاة عن التسليم لا يكره، وكذا العكس، وقد تقدّم الكلام عليه. ومنها: أنه يدلّ على فضيلة الصلاة على النبي -ﷺ- من جهة ورود الأمر بها، واعتناء الصحابة -﵃- بالسؤال عن كيفيتها، وقد وردت أحاديث قويّة في التصريح بفضلها . وسيذكر المصنف رحمه الله تعالى بعضها في باب خاص بها -٥٥/ ١٢٩٥، و١٢٩٦، و١٢٩٧. وسنتكلم عليها هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في المراد بـ «آل محمد» -ﷺ- في هذا الحديث: قال الإمام العلّامة ابن القيم رحمه الله تعالى: واختلف في آل النبي -ﷺ- على أربعة أقوال: فقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة، وفيهم ثلاثة أقوال للعلماء: (أحدها): أنهم بنو هاشم، وبنو المطّلب، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد في رواية عنه. (والثاني): أنهم بنو هاشم خاصّةً، وهذا مذهب أبي حنيفة، والرواية الثانية عن أحمد، واختيار ابن القاسم صاحب مالك. (والثالث): أنهم بنو هاشم، ومن فوقهم إلى غالب، فيدخل فيهم بنو المطّلب، وبنو أمية، وبنو نوفل، ومَنْ فوقهم إلى بني غالب، وهذا اختيار أشهب من أصحاب مالك، حكاه صاحب «الجوهر» عنه، وحكاه اللخميّ في «التبصرة» عن أصبغ، ولم يحكه عن أشهب. وهذا القول في الآل -أعني أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة- هو منصوص الشافعي، وأحمد، والأكثرين، وهو اختيار جمهور أصحاب أحمد، والشافعيّ. (والقول الثاني): أن آل النبي -ﷺ- هم ذرّيّته، وأزواجه خاصّةً، حكاه ابن عبد البرّ في «التمهيد»، قال في باب عبد الله بن أبي بكر في شرح حديث أبي حميد الساعدي -﵁-: استدلّ قوم بهذا الحديث على أن آل محمد -ﷺ- هم أزواجه، وذرّيّته خاصّة، لقوله في حديث مالك، عن نعيم المجمر، وفي غير ما حديث: «اللَّهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمد»، وفي هذا الحديث -يعني حديث أبي حُميد-: «اللَّهمّ صلّ على محمد وأزواجه وذرّيّته»، قالوا: فهذا تفسير ذلك الحديث، ويبيّن أن آل محمد هم أزواجه وذرّيّته، قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكلّ من كان من أزواج محمد -ﷺ-، ومن ذرّيته صلى الله عليك إذا واجهه، وصلى الله عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم. قالوا: والآل والأهل سواء، وهم الأزواج، والذرّيّة بدليل هذا الحديث. (والقول الثالث): أن آله -ﷺ- أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البرّ عن بعض أهل العلم، وأقدم من رُوي عنه هذا القول جابر بن عبد الله -﵄-، ذكره البيهقي عنه، ورواه عنه سفيان الثوريّ وغيره، وأختاره بعض أصحاب الشافعيّ، حكاه عنه أبو الطيّب الطبريّ في تعليقه، ورجّحه الشيخ محيي الدين النووي في «شرح مسلم»، واختاره الأزهري. (والقول الرابع): أن آله -ﷺ- هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين، والراغب، وجماعة. [فصل]: في بيان حُجَج أصحاب هذه الأقوال: احتجّ أصحاب القول الأوّل بحجج: (أحدها): ما رواه البخاريّ في «صحيحه» من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: كان رسول الله -ﷺ- يُؤتى بالنخل عند صِرَامه، فيجيء هذا بتمره، وهذا بتمره، حتى يصير عنده كُوْم من تمر، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة، فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله -ﷺ-، فأخرجها من فيه، فقال: «أما علمت أنّ آل محمد لا يأكلون الصدقة». ورواه مسلم، وقال: «أَنَّا لا تحلّ لنا الصدقة». (الثاني): ما رواه مسلم في «صحيحه» عن زيد بن أرقم -﵁-، قال: قام رسول الله -ﷺ- يومًا خطيبًا فينا بماء يُدعَى خُمَّا بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وذكّر، ووعظ، ثم قال: «أما بعد ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي ﷿، وإني تارك فيكم ثَقَلَين، أوّلهما كتاب الله ﷿، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه، وقال: «وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي»، فقال حصين بن سَبْرة: ومن أهل بيته يا زيد، أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إنّ نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده، قال: ومن هم؟، قال: هم آل عليّ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآلُ عباس، قال: أكلّ هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم. وقد ثبت أن النبي -ﷺ- قال: «إنّ الصدقة لا تحلّ لآل محمد». (الدليل الثالث): ما في «الصحيحين» من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة -﵂-: «أن فاطمة -﵂- أرسلت إلى أبي بكر -﵁- تسأله ميراثها من النبي -ﷺ- مما آفاء الله على رسول الله -ﷺ-، فقال أبو بكر -﵁-: إن رسول الله -ﷺ- قال:»لا نورث، ما تركنا صدقةٌ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال«. يعني مال الله ليس لهم أن يزيدوا على المأكل. فآله -ﷺ- لهم خواصّ، منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليهم. وقد ثبت أن تحريم الصدقة، واستحقاق خمس الخمس، وعدم توريثهم مختص ببعض أقاربه -ﷺ-، فكذلك الصلاة على آله. (الدليل الرابع): ما رواه مسلم من حديث ابن شهاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي: أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال لعبد المطّلب بن ربيعة، وللفضل بن العبّاس -﵄-: ائتيا رسول الله -ﷺ-، فقولا له: استعملنا يا رسول الله على الصدقات … -فذكر الحديث- وفيه: فقال لنا: «إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلّ لمحمد، ولا لآل محمد». (الدليل الخامس): ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث عروة بن الزبير، عن عائشة -﵂-: أن النبي -ﷺ- أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد -فذكر الحديث- وقال فيه: فأخذ النبي -ﷺ- الكبش، فأضجعه، ثمّ ذبحه، ثمّ قال: «بسم الله، اللَّهمّ تقبّل من محمد، وآل محمد، ومن أمّة محمد»، ثمّ ضحّى به. هكذا رواه مسلم بتمامه، وحقيقة العطف المغايرة، وأمته -ﷺ- أعمّ من آله. قال أصحاب هذا القول: وتفسير الآل بكلام النبي -ﷺ- أولى من تفسيره بكلام غيره. واحتجّ أصحاب القول الثاني القائلون بأنهم ذرّيّته وأزواجه خاصّةً بحديث أبي حُميد: «اللَّهمّ صلّ على محمد وأزواجه وذرّيّته»، وفي غيره من الأحاديث: «اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد»، وهذا غايته أن يكون الأوّل منهما قد فسّره اللفظ الآخر. واحتجّوا أيضًا بما في «الصحيحين» من حديث أبى هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اللَّهمّ اجعل زرق آل محمد قوتًا»، ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة لم تَنَل كلّ بني هاشم، ولا بني المطّلب، لأنه كان فيهم الأغنياء، وأصحاب الْجِدَة، وإلى الآن، وأمّا أزواجه وذرّيّته -ﷺ-، فكان رزقهم قوتًا، وما كان يحصل لأزواجه بعده من الأموال كُنّ يتصدّقن به، ويجعلن رزقهنّ قوتًا، وقد جاء عائشة -﵂- مال عظيم، فقسمته كلّه في قَعْدَة واحدة، فقالت لها الجارية: لو خَبَأْت لنا درهمًا نشتري به لحمًا؟ فقالت لها: لو ذكّرتني فعلت. واحتجّوا أيضًا بما في «الصحيحين» عن عائشة -﵂-، قالت: ما شبع آل محمد -ﷺ- من خبز مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله ﷿«، قالوا: ومعلوم أن العبّاس وأولاده وبني المطّلب لم يدخلوا في لفظ عائشة، ولا مرادها. قال هؤلاء: وإنما دخل الأزواج في الآل، وخصوصًا أزواج النبي -ﷺ- تشبيهًا لذلك بالنسب، لأن اتصالهنّ بالنبي -ﷺ- غير مرتفع، وهنّ محرّمات على غيره في حياته، وبعد مماته، وهنّ زوجاته في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهنّ بالنبي -ﷺ- قائم مقام النسب، وقد نصّ -ﷺ- على الصلاة عليهنّ، ولهذا كان القول الصحيح -وهو منصوص الإمام أحمد ﵀- أن الصدقة تحرم عليهنّ، لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجنَاب الرفيع وآله من كلّ أوساخ بني آدم، ويا لله العَجَب كيف يدخل أزواجه في قوله -ﷺ-: «اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وقوله في الأضحية: «اللَّهمّ هذا عن محمد وآل محمد»، وفي قول عائشة -﵂-: «ما شبع آل رسول الله -ﷺ- من خبز بُرّ»، وفي قول المصلي: «اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد»، ولا يدخلن في قوله: «إن الصدقة لا تحلّ لمحمد، ولا لآل محمد» مع كونها من أوساخ الناس، فأزواج رسول الله -ﷺ- أولى بالصيانة عنها، والبعد منها. فإن قيل: لو كانت الصدقة حراما عليهنّ لحرمت على مواليهنّ، كما أنها لما حرمت على بني هاشم حرمت على مواليهم، وقد ثبت في «الصحيح» أن بريرة تُصُدّق عليها بلحم، فأكلته، ولم يُحرّمه النبى -ﷺ-، وهى مولاة لعائشة -﵂-؟. قيل: هذا هو شُبهة من أباحها لأزواج النبي -ﷺ-، وجوابُ هذه الشبهة أن تحريم الصدقة على أزواج النبي -ﷺ- ليس بطريق الأصالة، وإنما هو تبع لتحريمها عليه -ﷺ-، وإلّا فالصدقة حلال لهنّ قبل اتصالهنّ به، فهنّ فرع في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع على التحريم على سيده، فلما كان التحريم على بني هاشم أصلًا، استتبع ذلك مواليهم، ولما كان التحريم على أزواج النبي -ﷺ- تبعًا لم يَقْوَ ذلك على استتباع مواليهنّ، لأنه فرع عن فرع. قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ … إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٠ - ٣٤] فدخلن في أهل البيت، لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهنّ، فلا يجوز إخراجهنّ في شيء منه. واحتجّ أصحاب القول الثالث القائلون: إن آل النبي -ﷺ- هم أمته وأتباعه إلى يوم القيامة بأن آل المعظّم المتبوع هم أتباعه على دينه وأمره، قريبُهم وبعيدُهم. قالوا: واشتقاق هذه اللفظة تدلّ عليه، فإنه من آل يؤول: إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم، لأنه إمامهم وموئلهم. قالوا: ولهذا كان قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] المراد به أتباعه، وشيعته المؤمنون به من أقاربه وغيرهم، وقوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] المراد به أتباعه. واحتجّوا أيضًا بأن واثلة بن الأسقع -﵁- روى أنّ النبيّ -ﷺ- دعا حسنًا وحُسينًا -﵄-، فأجلس كلّ واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة -﵄- من حجره، وزوجَهَا، ثمّ لَفّ عليهم ثوبه، ثمّ قال: «اللَّهم هؤلاء أهلي»، قال واثلة: فقلت: يا رسول الله وأنا من أهلك؟ فقال: «وأنت من أهلي»، رواه البيهقي بسند جيّد. قالوا: ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بني ليث بن بكر بن عبد مناة، وإنما هو من أتباع النبي -ﷺ-. واحتجّ أصحاب القول الرابع القائلون: إن آله هم الأتقياء من أمته بما رواه الطبراني في «معجمه» عن جعفر بن إلياس بن صدقة، حدثنا نعيم بن حمّاد، حدثنا نوح بن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: سئل رسول الله -ﷺ- مَن آل محمد؟ فقال: «كلّ تقي»، وتلا رسول الله -ﷺ-: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. قال الطبرانيّ: لم يروه عن يحيى إلّا نوح، تفرّد به نعيم. وقد رواه البيهقيّ من حديث عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثنا نافع أبو هُرْمز، عن أنس … فذكره، ونوح هذا، ونافع لا يَحتَجّ بهما أحد من أهل العلم، وقد رُمِيا بالكذب. واحتُجّ لهذا القول أيضًا بأن الله ﷿ قال لنوح عن ابنه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] فأخرجه بشركه أن يكون من أهله، فعلم أنّ آل الرسول -ﷺ- هم أتباعه. وأجاب عنه الشافعي ﵀ بجواب جيّد، وهو أن المراد أنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم، ووعدناك نجاتهم، لأن الله سبحانه قال له قبل ذلك: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] فليس ابنه من أهله الذين ضمن نجاتهم. قال ابن القيم ﵀: ويدلّ على صحّة هذا أن سياق الأية يدلّ على أن المؤمنين به قسم غير أهله الذين هم أهله، لأنه قال سبحانه: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل، وهم الأهل، والاثنان من كل زوجين. واحتجّوا أيضًا بحديث واثلة بن الأسقع المتقدّم، قالوا: وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه جعل واثلة في حكم الأهل تشبيهًا بمن يستحقّ هذا الاسم. فهذا ما احتجّ به أصحاب كلّ قول من هذه الأقوال. والصحيح هو القول الأوّل، ويليه القول الثاني، وأما الثالث، والرابع، فضعيفان، لأن النبي -ﷺ- قد رفع الشبهة بقوله: «إنَّ الصدقة لا تحلّ لآل محمد»، وقوله: «إنما يأكل آل محمد من هذا المال»، وقوله: «اللَّهم اجعل رزق آل محمد قوتًا»، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمّة قطعًا، فأولى ما حُمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك. وأما تنصيصه على الأزواج والذرّيّة، فلا يدلّ على اختصاص الآل بهم، بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم، لما روى أبو داود من حديث نعيم المجمر، عن أبى هريرة -﵁- في الصلاة على النبي -ﷺ-: «اللَّهم صلّ على محمد النبيّ الأميّ، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذرّيته، وأهل بيته، كما صلّيت على إبراهيم». فجمع بين الأزواج والذرّيّة والأهل، وإنما نصّ عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه، بل هم أحقّ مَنْ دخل فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاصّ على العامّ، وعكسه، تنبيهًا على شرفه، وتخصيصًا له بالذكر من بين النوع، لأنه من أحقّ أفراد النوع بالدخول فيه، وهنا للناس طريقان: (أحدهما): أن ذكر الخاصّ قبل العامّ، أو بعده قرينة تدلّ على أن المراد بالعامّ ما عداه. (والطريق الثاني): أن الخاص ذُكر مرّتين، مرّة بخصوصه، ومرّة بشمول الاسمِ العامّ له، تنبيهًا على مزيد شرفه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. وأيضًا فإن الصلاة على النبي -ﷺ- حق له ولآله دون سائر الأمة، ولهذا تجب عليه، وعلى آله عند الشافعيّ ﵀ وغيره، كما سيأتي، وإن كان عندهم في الآل اختلاف، ومن لم يوجبها فلا ريب أنه يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها أو لا يستحبها لسائر المؤمنين، أو لا يجوّزها على غير النبيّ -ﷺ- وآله، فمن قال: إن آله في الصلاة هم كلّ الأمّة فقد أبعد غاية الإبعاد. وأيضًا فإن النبي -ﷺ- شرع في التشهد السلام والصلاة، فشرع في السلام تسليم المصلي على الرسول -ﷺ- أوّلًا، وعلى نفسه ثانيًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين ثالثًا، وقد ثبت عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: «فإذا قلتم ذلك فقد سلّمتم على كلّ عبد لله صالح في السماء والأرض». وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط، فدلّ على أن آله هم أهله وأقاربه. وأيضًا فإن الله سبحانه أمرنا بالصلاة عليه بعد ذكر حقوقه، وما خصّه به دون أمته، من حلّ نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده، ومن سائر ما ذُكر مع ذلك من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] ثم ذكر رفع الْجُنَاح عن أزواجه في تكليمهنّ آباءهنّ وأبناءهنّ، ودخولهم عليهن، وخلوتهم بهنّ، ثمّ عقّب ذلك بما هو حقّ من حقوقه الأكيدة على أمته، وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحًا ذلك الأمر بإخباره بأنه هو وملائكته يُصلُّون عليه، فسأل الصحابةُ رسولَ الله -ﷺ- على أيّ صفة يؤدّون هذا الحقّ؟ فقال: «قولوا: اللَّهمّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد»، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها، لأن ذلك مما تقرّ به عينه، ويزيده الله به شرفًا وعُلُوًّا، -ﷺ- تسليمًا. وأما من قال: إنهم الأتقياء من أمته، فهولاء هو أولياؤه، فمن كان منهم من أقربائه، فهو من أوليائه، ومن لم يكن منهم من أقربائه، فهم من أوليائه، لا من آله، فقد يكون الرجل من آله وأوليائه، كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه، ولا يكون من آله ولا من أوليائه، وقد يكون من أوليائه، وإن لم يكن من آله، كخلفائه في أمته الداعين إلى سنته، الذّابّين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكونوا من أقاربه. وقد ثبت في «الصحيح» عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إنّ آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إن أوليائي المتقون، أين كانوا، ومن كانوا» . والمقصود أن المتقين هم أولياء رسول الله -ﷺ-، وأولياؤه هم أحبّ إليه من آله، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. وسئل النبي -ﷺ- أيّ الناس أحبّ إليك؟ قال: «عائشة» -﵂- قيل: من الرجال؟، قال: «أبوها» -﵁-. متفق عليه. وذلك أن المتقين هم أولياء الله، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] وأولياء الله ﷾ أولياء لرسوله -ﷺ-. وأما من زعم أنّ «الآل» هم الأتباع، فيقال: لا ريب أن الأتباع يُطلق عليهم لفظ «الآل» في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ «الآل» يُراد به الأتباع، لما ذكرنا من النصوص. والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى ببعض تصرف، واختصار . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى في هذا البحث، وحقق كل قول بأدلته، وناقشها، فتلخّص من بحثه ترجيح تفسير الآل هنا بأنهم الذين تحرم عليهم الصدقة؛ لقوة أدلته، ووضوحها، وهو ترجيح واضح فيما أرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في ذكر المسألة المشهورة بين الناس، وبيان ما فيها: وهي أن النبي -ﷺ- أفضل من إبراهيم، فكيف طُلب له من الصلاة ما لإبراهيم؟ مع أن المشبه به أصله أن يكون فوق المشبه؟ فكيف الجمع بين هذين الأمرين المتنافيين؟ قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: ونحن نذكر ما قاله الناس في هذا، وما فيه من صحيح وفاسد. فقالت طائفة: هذه الصلاة علّمها النبي -ﷺ- أمّته قبل أن يعرف أنه سيد ولد آدم. ولو سكت قائل هذا لكان أولى به، وخيرًا له، فإن هذه هي الصلاة التي علّمهم النبي -ﷺ- إيّاها لَمّا سألوه عن تفسير: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فعلّمهم هذه الصلاة، وجعلها مشروعة في صلوات الأمة إلى يوم القيامة، والنبي -ﷺ- لم يزل أفضل ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده، وبعد أن علم بذلك لم يغير نظم الصلاة التي علّمها أمته، ولا أبدلها بغيرها، ولا رَوَى عنه أحد خلافها، فهذا من أفسد جواب يكون. وقالت طائفة أخرى: هذا السؤال والطلب شرع ليتخذه الله خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وقد أجابه الله إلى ذلك، كما ثبت عنه في «الصحيح»: «ألا وإن صاحبكم خليل الرحمن» يعني نفسه. وهذا الجواب من جنس ما قبله، فإن مضمونه أنه بعد أن اتخذه الله خليلًا لا تُشرع الصلاة عليه على هذا الوجه، وهذا من أبطل الباطل. وقالت طائفة أخرى: إنما هذا التشبيه راجع إلى المصلي فيما يحصل له من ثواب الصلاة عليه، فطلب من ربّه ثوابًا، وهو أن يصلّي عليه كما صلى على آل إبراهيم، لا بالنسبة إلى النبي -ﷺ-، فإن المطلوب لرسول الله -ﷺ- من الصلاة أجلّ وأعظم مما هو حاصل لغيره من العالمين. وهذا من جنس ما قبله وأفسد، فإن التشبيه ليس فيما يحصل للمصلي، بل فيما يحصل للمصلَّى عليه، وهو النبي -ﷺ-، فمن قال: إن المعنى: اللَّهم أعطني من ثواب صلاتي عليه كما صليت على آل إبراهيم، فقد حرّف الكلم، وأبطل كلامه. قال ابن القيم ﵀: ولولا أن هذه الوجوه وأمثالها قد ذَكَرها بعض الشرّاح، وسوّدوا بها الطّروس، وأوهموا الناس أن فيها تحقيقًا، لكان الإضراب عنها صفحًا أولى من ذكرها، فإن العالم يستحيي من التكلّم على هذا، والاشتغال بردّه. وقالت طائفة أخرى: التشبيه عائد إلى الآل فقط، وتمّ الكلام عند قوله: «اللَّهمّ على محمد»، ثم قال: «وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم»، فالصلاة المطلوبة لآل محمد هي المشبّهة بالصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، وهذا نقله العمراني عن الشافعيّ ﵀، وهو باطل عليه قطعًا، فإن الشافعيّ أجلّ من أن يقول مثل هذا، ولا يليق هذا بعلمه وفصاحته، فإن هذا في غاية الركاكة والضعف. وقد ورد في كثير من أحاديث الباب «اللَّهم صلّ على محمد كما صلّيت على آل إبراهيم». وأيضًا فإنه لا يصحّ من جهة العربية، فإن العامل إذا ذكر معموله، وعطف عليه غيره، ثمّ قُيّد بظرف، أو جارّ ومجرور، أو مصدر، أو صفة مصدر كان ذلك راجعًا إلى المعمول، وما عطف عليه، هذا الذي لا تحتمل العربية غيره، فإذا قلت: جاءني زيد وعمرو يوم الجمعة، كان الظرف مقيّدًا لمجيئهما، لا لمجيء عمرو وحده، وكذلك إذا قلت: ضربت زيدًا وعمرًا ضربًا مؤلمًا، أو أمام الأمير، أو سلَّمَ عليّ زيدٌ وعمرٌو يوم الجمعة ونحوه. فإن قلت: هذا مُتَّجِه إذا لم يُعَد العامل، فإما إذا أُعيد العامل حَسُن ذلك، تقول: سَلِّمْ على زيد، وعلى عمرو إذا لقيته لم يمتنع أن يختصّ ذلك بعمرو، وهنا قد أعيد العامل في قوله: «وعلى آل محمد». قيل: هذا المثال ليس بمطابق لمسألة الصلاة، وإنما المطابق أن تقول: سلِّمْ على زيد، وعلى عمرو كما تسلِّم على المؤمنين، ونحو ذلك، وحينئذ فادعاء أن التشبيه لسلامه على عمرو وحده دون زيد دعوى باطلة. وقالت طائفة أخرى: لا يلزم أن يكون المشبّه به أعلى من المشبّه، بل يجوز أن يكونا متماثلين، وأن يكون المشبّه أعلى من المشبّه به. قال هؤلاء: والنبي -ﷺ- أفضل من إبراهيم ﵊ من وجوه غير الصلاة، وإن كانا متساويين في الصلاة، قالوا: والدليل على أن المشبّه قد يكون أفضل من المشبّه به قول الشاعر: [من الطويل] بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ وهذا القول أيضًا ضعيف من وجوه: (أحدها): أن هذا خلاف المعلوم من قاعدة تشبيه الشيء بالشيء، فإن العرب لا تشبِّهُ الشيء إلا بما هو فوقه. (الثاني): أن الصلاة من الله تعالى من أجلّ المراتب وأعلاها، ومحمد -ﷺ- أفضل الخلق، فلابدّ أن تكون الصلاة الحاصلة له أفضل من كلّ صلاة تحصُل لكلّ مخلوق، فلا يكون غيره مساويًا له فيها. (الثالث): أن الله سبحانه أمر فيها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلّون عليه، وأمر بالصلاة والسلام عليه، وأكّده بالتسليم، وهذا الخبر والأمر لم يثبتهما في القرآن لغيره من المخلوقين. (الرابع): أن النبي -ﷺ- قال: «إن الله وملائكته يصلّون على معلّم الناس الخير» وهذا لأن بتعليمهم الخير قد أنقذوهم من شر الدنيا والآخرة، وتسببوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم، وذلك سبب دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي عليهم الله وملائكته، فلما تسبب معلمو الخير إلى صلاة الله وملائكته على من يتعلّم منهم، صلى الله عليهم وملائكتُه، ومن المعلوم أنه لا أحد من معلّمي الخير أفضل، ولا أكثر تعليمًا من النبي -ﷺ-، ولا أنصح لأمته، ولا أصبر على تعليمه منه، ولهذا نالت أمته من تعليمه لهم ما لم تَنَلْه أمة من الأمم سواهم، وحصل للأمة من تعليمهم من العلوم النافعة والأعمال الصالحة ما صارت به خير أمة أُخرجت للعالمين، فكيف تكون الصلاة على هذا الرسول المعلّم للخير مساوية للصلاة على من لم يماثله في هذا التعليم؟. وأما استشهادهم بقول الشاعر على جواز كون المشبّه به أفضل من المشبّه، فلا يدلّ على ذلك، لأن قوله: «بنونا بنو أبنائنا» إما أن يكون المبتدأ فيه مؤخرًا، والخبر مقدّمًا، ويكون قد شبّه بني أبنائه ببنيه، وجاز تقديم الخبر هنا لظهور المعنى، وعدم وقوع اللبس، وعلى هذا فهو جار على أصل التشبيه، وإمّا أن يكون من باب عكس التشبيه، كما يشبه القمر بالوجه الكامل مي حسنه، ويشبه الأسد بالرجل الكامل في شجاعته، والبحر بالكامل في وجوده، تنزيلًا لهذا الرجل منزلة الفرع المشبّه، وهذا يجوز إذا تضمّن عكس التشبيه، مثل هذا المعنى، وعلى هذا فيكون هذا الشاعر قد نزّل بني أبنائه منزلة بنيه، وأنهم فوقهم عنده، ثمّ شبّه بنيه بهم، وهذا قول طائفة من أهل المعاني. قال ابن القيّم ﵀: والذي عندي فيه أن الشاعر لم يرد ذلك، وإنما أراد التفريق بين بني بنيه، وبني بناته، فأخبر أن بني بناته تبع لآبائهم، ليسوا بأبناء لنا، وإنما أبناؤنا بنو أبنائنا، لا بنو بناتنا، فلم يُرد تشبيه بني بنيه ببنيه، ولا عكسه، وإنما أراد ما ذكرنا من المعنى، وهذا ظاهر. وقالت طائفة أخرى: إن النبي -ﷺ- له من الصلاة الخاصّة به التي لا يساويها صلاة ما لم يشاركه فيها أحد، والمسؤول له إنما هو صلاة زائدة على ما أعطيه مضافًا إليه، ويكون ذلك الزائد مشبهًا بالصلاة على إبراهيم، وليس بمستنكر أن يسأل للفاضل فضيلة أعطيها المفضول منضمًّا إلى ما اختصّ به هو من الفضل الذي لم يحصل لغيره. قالوا: ومثال ذلك: أن يعطي السلطان رجلًا مالًا عظيمًا، ويعطي غيره دون ذلك المال، فيسأل السلطان أن يعطي صاحب المال الكثير مثل ما أعطي من هو دونه لينضمّ ذلك إلى ما أعطيه، فيحصل له من مجموع العطاءين أكثر مما يحصل من الكثير وحده. وهذا أيضًا ضدِف، لأن الله تعالى أخبر أنه وملائكته يُصلّون عليه، ثمّ أمر بالصلاة عليه، ولا ريب أن المطلوب من الله هو نظير الصلاة المخبر بها، لا ما هو دونها، وهو أكمل الصلاة عليه، وأرجحها، لا الصلاة المرجوحة المفضولة. وعلى قول هؤلاء إنما يكون الطلب لصلاة مرجوحة لا راجحة، وإنما تصير راجحة بانضمامها إلى صلاة لم تطلب، ولا ريب في فساد ذلك، فإن الصلاة التي تَطلُبُها الأمة له من ربّه هي أجلّ صلاة وأفضلها. وقالت طائفة أخرى: التشبيه المذكور إنما هو في أصل الصلاة، لا في قدرها، ولا في كيفيّتها، فالمسؤول إنما هو راجع إلى الهيئة، لا إلى قدر الموهوب، وهذا كما تقول للرجل: أحسن إلى ابنك، كما أحسنت إلى فلان، وأنت لا تريد بذلك قدر الإحسان، وإنما تريد به أصل الإحسان، وقد يحتجّ لذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] ولا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بقدر ما أحسن الله إليه، وإنما أريد به أصل الإحسان، لا قدره، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، وهذا التشبيه في أصل الوحي، لا في قدره، وفضل الموحى به، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] إنما مرادهم جنس الآية، لا نظيرها، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥] ومعلوم أن كيفية الاستخلاف مختلفة، وأنّ ما لهذه الأمّة أكمل مما لغيرهم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] والتشبيه إنما هو في أصل الصوم، لا في عينه وقدره وكيفيته، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ومعلوم تفاوت ما بين النشأة الأولى، وهي المبدأ، والثانية، وهي المعاد. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمّل: ١٥] ومعلوم أن التشبيه في أصل الإرسال لا يقتضي تماثل الرسولين. وقال النبي -ﷺ-: «لو أنكم تتوكلون على الله حقّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خِمَاصًا، وتَرُوح بِطَانًا» . فالتشبيه هنا في أصل الرزق، لا في قدره، ولا في كيفيته، ونظائرِ ذلك. وهذا الجواب أيضًا ضعيف لوجوه: منها: أن ما ذكروه يجوز أن يستعمل في الأعلى والأدنى والمساوي، فلو قلت: أحسن إلى أبيك وأهلك كما أحسنت إلى مركوبك وخادمك ونحوه جاز ذلك، ومن المعلوم أنه لو كان التشبيه في أصل الصلاة لحسن أن نقول: اللَّهمّ صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل أبي أوفى، أو كما صليت على آحاد المؤمنين ونحوه، أو كما صلّيتَ على آدم، ونوح، وهود، ولوط، فإن التشبيه عند هؤلاء إنما هو واقع في أصل الصلاة، لا في قدرها ولا في صفتها. ولا فرق في ذلك بين كلّ من صلى عليه، وأيّ ميزة وفضيلة في ذلك لإبراهيم وآله، وما الفائدة حينئذ في ذكره وذكر آله؟ وكان الكافي في ذلك أن نقول: اللَّهم صلّ على محمد وعلى آل محمد فقط. الثاني: أن ما ذكروه من الأمثلة ليس بنظير الصلاة على النبي -ﷺ-، فإن هذه الأمثلة نوعان: خبر، وطلب، فما كان منها خبرًا فالمقصود بالتشبيه به الاستدلال والتقريب إلى الفهم، وتقرير ذلك الخبر، وأنه مما لا ينبغي لعاقل إنكاره، كنظيره المشبّه به. وأما في قسم الطلب والأمر فالمقصود منه التنبيه على العلّة، وأن الجزاء من جنس العمل، فإذا قلت: علِّمْ كما علمك الله، ونحوه كان ذلك تنبيهًا للمأمور على شكر النعمة، ومقابلتها بمثلها، وتقييدها بالشكر. الثالث: أن قوله: «كما صليتَ على آل إبراهيم» صفة لمصدر محذوف، تقديره: صلاةً مثلَ صلاتك على آل إبراهيم، وهذا الكلام حقيقته أن تكون الصلاة مماثلةً للصلاة المشبه بها، فلا يُعدل عن حقيقة الكلام ووجهه. وقالت طائفة أخرى: إن هذا التشبيه حاصل بالنسبة إلى كلّ صلاة صلاة من صلوات المصلين، فكلّ مصلّ صلى على النبي -ﷺ- بهذه الصلاة، فقد طلب من الله أن يصلي على رسوله -ﷺ- صلاة مثل الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ولا ريب أنه إذا حصل له من كلّ مصلّ طلب من الله له صلاة مثل صلاته على آل إبراهيم حصل له من ذلك أضعاف مضاعفة من الصلاة، لا تُعدّ ولا تحصى، ولم يقاربه فيها أحد فضلًا عن أن يساويه، أو يفضله -ﷺ-. ونظير هذا أن يعطي ملك لرجل ألف درهم، فيسأله كلّ واحد من رعيته أن يعطي لرجل آخر أفضل منه نظيرَ تلك الألف، فكلّ واحد قد سأله أن يعطيه ألفًا، فيحصل له من الألوف بعدد كلّ سائل. وأَوْرَدَ أصحابُ هذا القول على أنفسهم سؤالًا، وهو أن التشبيه حاصل بالنسبة إلى أصل هذه الصلاة المطلوبة، وكل فرد من أفرادها، فالإشكال وارد كما هو. وتقريره أن العطيّة التي يُعطاها الفاضل لابدّ أن تكون أفضل من العطيّة التي يعطاها المفضول، فإذا سئل له عطيّة دون ما يستحقّه لم يكن ذلك لائقًا بمنصبه. وأجابو عنه بأن هذا الإشكال إنما يَرِدُ إذا لم يكن الأمر للتكرار، فأما إذا كان الأمر للتكرار، فالمطلوب من الأمّة أن يسألوا الله له صلاةً بعد صلاة كلّ منها نظير ما حصل لإبراهيم ﵊، فيحصل له من الصلوات ما لا يُحصى مقداره بالنسبة إلى الصلاة الحاصلة لإبراهيم. قال ابن القيم ﵀: وهذا أيضًا ضعيف، فإن التشبيه هنا إنما هو واقع في صلاة الله عليه، لا في معنى صلاة المصلي، ومعنى هذا الدعاء: اللَّهمّ أعطه نظير ما أعطيت إبراهيم، فالمسؤول له صلاة مساوية للصلاة على إبراهيم، وكلّما تكرر هذا السؤال كان هذا معناه، فيكون كلّ مصلّ قد سأل الله أن يصلي عليه صلاة دون التي يستحقّها، وهذا السؤال والأمر به متكرّر، فهل هذا إلّا تقويةً لجانب الإشكال؟. ثم إن التشبيه واقع في أصل الصلاة وأفرادها، ولا يغني جوابكم عنه بقضية التكرار شيئًا، فإن التكرار لا يجعل جانب المشبه ده أقوى من جانب المشبه، كما هو مقتضى التشبيه، فلو كان التكرار يجعله كذلك لكان الاعتذار به نافعًا، بل التكرار يقتضي زيادة تفضيل المشبّه وقوّته، فكيف يشبّه حينئذ بما هو دونه؟ فظهر ضعف هذا الجواب. وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي -ﷺ-، ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله -وفيهم الأنبياء- حصل لآل النبي -ﷺ- من ذلك ما يليق بهم، فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم لمحمد -ﷺ-، فيحصل له بذلك من المزيّة ما لم يحصل لغيره. وتقرير ذلك أن تجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله، وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على محمد -ﷺوآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي -ﷺ- مثل ما حصل لآل إبراهيم، وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي -ﷺ- والزيادة المتوفّرة التي لم يستحقّها آله مختصّةً به -ﷺ-، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم، وأفضل من الحاصل لإبراهيم. قال ابن القيّم ﵀: وهذا أحسن من كلّ ما تقدّمه. قال: وأحسن منه أن يقال: محمد -ﷺ- هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما رَوَى عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] قال ابن عبّاس -﵄-: محمد من آل إبراهيم، وهذا نصّ، فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول الله -ﷺ- أولى، فيكون قولنا: كما صلّيت على آل إبراهيم متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرّية إبراهيم. ثمّ أمرنا الله أن نصلي عليه، وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلّينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كلّه له -ﷺ-. وتقرير هذا أنه يكون قد صُلِّيَ عليه خصوصًا، وطُلِبَ له من الصلاة ما لآل إبراهيم، وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ورسولُ الله -ﷺ- معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيُطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبّه به، وله أوفر نصيب منه صار له من المشبّه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبّه به من الحصّة التي لم تحصل لغيره. فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله، وفيهم النبيّون ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالّةً على هذا التفضيل وتابعةً له، وهي من موجَبَاته، ومُقْتَضَياته. فصلى الله عليه، وعلى آله، وسلّم تسليمًا كثيرًا، وجزاه الله عنّا أفضل ما جزى نبيًا عن أمته. اللَّهمّ صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيتَ على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. انتهى كلام العلامة ابن قيّم الجوزيّة رحمه الله تعالى باختصار في بعض المواضع، وتصرف يسير . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في بيان مَعْنَى البركة المذكورة في قوله: «وبارِكْ على محمد» الخ. (اعلم): أن حقيقة البركة: الثبوت، واللزوم والاستقرار، فمنه بَرَكَ البعيرُ: إذا استقرّ على الأرض، ومنه الْمَبْرَك لموضع البُرُوك. قال في «الصَّحاح»: وكلّ شيء ثبت وأقام، فقد بَرَكَ، والْبَرْكُ. الإبل الكثيرة، والبِرْكَة -بكسر الباء- كالحوض، والجمع البِرَك، قال: ويقال: سمّيت بذلك لإقامة الماء فيها. والْبَرَاكَاءُ: الثبات فى الحرب، والْجِدُّ فيها، قال الشاعر: [من الوافر] وَلَا يُنْجِي مِنَ الغَمَرَاتِ إِلا … بَرَاكَاءُ الْقِتَالِ أَوِ الْفِرَارُ والبركة: النَّمَاءُ والزيادة، والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له. وفي القرآن: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [النمل: ٨]، وفيه: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٣] وفيه: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٣٧]، وفي الحديث: «وبارك لي فيما أعطيت» . وفي حديث سعد: «بارك الله لك في أهلك ومالك» . والمبارك الذي قد باركه الله سبحانه، كما قال المسيح ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، وكتابه مبارك، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩] وهو أحقّ أن يُسمّى مباركًا من كلّ شيء، لكثرة خيره، ومنافعه، ووجوه البركة فيه، والرّبُّ ﷾ يقال في حقّه «تبارك»، ولا يقال: مبارك. والمقصود الكلام على قوله: «وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم». فهذا الدعاء يتضمّن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته وثبوته له، ومضاعفته له، وزيادته، هذا حقيقة البركة، وقد قال الله تعالى في إبراهيم وآله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢ - ١١٣] وقال تعالى فيه وفي أهل بيته: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]. قال الإمام ابن القيّم ﵀: وتأمل كيف جاء في القرآن: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ ولم يُذكر إسماعيل، وجاء في التوراة ذكر البركة على إسماعيل، ولم يُذكر إسحاق، فجاء في التوراة ذكر البركة في إسماعيل، إيذانًا بما حصل لبنيه من الخير والبركة، لا سيما خاتمة بركتهم، وأعظمها وأجلها برسول الله -ﷺ- ، فنبّههم بذلك على ما يكون في بنيه من هذه البركة العظيمة الموافية على لسان المبارك -ﷺ-، وذكر لنا في القرآن بركته على إسحاق، منبّهًا لنا على ما حصل في أولاده، من نبوة موسى ﵇، وغيره، وما أوتوه من الكتاب والعلم، مستدعيًا من عباده الإيمانَ بذلك، والتصديقَ به، وأن لا يهملوا معرفة حقوق هذا البيت المبارك، وأهل النبوّة منهم، ولا يقول القائل: هؤلاء أنبياء بني إسرائيل لا تعلّق لنا بهم، بل يجب علينا احترامهم، وتوقيرهم، والإيمان بهم، ومحبتهم، وموالاتهم، والثناء عليهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ولما كان هذا البيت المبارك المطهّر أشرف بيوت العالم على الإطلاق خصّهم الله ﷾ منه بخصائص: منها: أنه جعل فيه النبوّة والكتاب، فلم يأت بعد إبراهيم ﵇ نبي إلا من أهل بيته. ومنها: أنه سبحانه جعلهم أئمةً يَهدون بأمره إلى يوم القيامة، فكلّ من دخل الجنّة من أولياء الله بعدهم، فإنما دخل من طريقهم، وبدعوتهم. ومنها: أنه سبحانه اتخذ منهم الخليلين: إبراهيم، ومحمدًا صلى الله وسلم عليهما، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] وقال النبي -ﷺ-: «إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا» . وهذا من خواصّ أهل البيت. ومنها: أنه سبحانه جعل صاحب هذا البيت إمامًا للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. ومنها: أنه أجرى على يديه بناء بيته الذي جعله قيامًا للناس، وقبلةً لهم، وحجّا، فكان ظهورُ هذا البيت من أهل هذا البيت الأكرمين. ومنها: أنه أمر عباده بأن يصلّوا على أهل هذا البيت، كما صلى على أهل بيتهم وسلفهم، وهم إبراهيم وآله، وهذه خاصّة لهم. ومنها: أنه أخرج منهم الأمتين المعظّمتين التي لم تخرج من أهل بيت غيرهم، وهم أمة موسى، وأمة محمد صلى الله وسلم عليهما، وأمة محمد -ﷺ- تمام سبعين أمةً، هم خيرها، وأكرمها على الله . ومنها: أن الله سبحانه أبقى عليهم لسان صدق، وثناء حسنًا في العالَم، فلا يُذكرون إلا بالثناء عليهم، والصلاة والسلام عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١١٠]. ومنها: جعل أهل هذا البيت فَرْقًا بين الناس، فالسعداء أتباعهم، ومحبوهم، ومن تولّاهم، والأشقياء مَن أبغضهم، وأعرض عنهم، وعاداهم، فالجنة لهم ولأتباعهم، والنار لأعدائهم ومخالفيهم. ومنها: أنه سبحانه جعل ذكرهم مقرونًا بذكره، فيقال: إبراهيم خليل الله، ورسوله، ونبيّه، ومحمد رسول الله، وخليله، ونبيّه، وموسى كليم الله، ورسوله، قال تعالى لنبيه -ﷺ- يذكّره بنعمته عليه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]. قال ابن عبّاس -﵄-: إذا ذُكرتُ ذُكرتَ معي، فيقال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، في كلمة الإسلام، وفي الأذان، وفي الخُطَب، وفي التشهّدات، وغير ذلك. ومنها: أنه سبحانه جعل خلاص خلقه من شقاء الدنيا والآخرة على أيدي أهل البيت، فلهم على الناس من النعم ما لا يمكن إحصاؤها، ولا جزاؤها، ولهم المنن الجِسام في رقاب الأولين والآخرين من أهل السعادة، والأيادي العظام عندهم التي يُجازيهم عليها الله ﷿. ومنها: أن كلّ ضرّ ونفع وعمل صالح، وطاعة لله تعالى حصلت في العالم فلهم من الأجر مثل أجور عامليها، فسبحان من يختصّ بفضله من يشاء من عباده. ومنها: أن الله ﷾ سدّ جميع الطرق بينه وبين العالمين، وأغلق دونهم الأبواب، فلم يفتح لأحد قطّ إلا من طريقهم وبابهم. قال الجنيد ﵀: يقول الله ﷿ لرسول الله -ﷺ-: وعزّتي، وجلالي، لو أتوني من كلّ طريق، أو استفتحوا من كلّ باب، لما فتحتُ لهم حتى يدخلوا خلفك. ومنها: أنه سبحانه خصّهم من العلم بما لم يخصّ به أهل بيت سواهم من العالمين، فلم يطرق العالَم أهل بيت أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، وثوابه، وعقابه، وشرعه، ومواقع رضاه وغضبه، وملائكته، ومخلوقاته منهم، فسبحان من جمع لهم علم الأولين والآخرين. ومنها: أنه سبحانه خصّهم من توحيده، ومحبته، وقربه، والاختصاص به، بما لم يختصّ به أهل بيت سواهم. ومنها: أنه سيحانه مكّن لهم في الأرض، واستخلفهم فيها، وأطاع أهلُ الأرض لهم ما لم يحصل لغيرهم. ومنها: أنه سبحانه أيّدهم، ونصرهم، وأظفرهم بأعدائه وأعدائهم بما لم يُؤيد به غيرهم. ومنها: أنه سبحانه مَحَا بهم من آثار أهل الضلال والشرك، ومن الآثار التي يُبغضها، ويَمْقُتها ما لم يمحه بسواهم. ومنها: أنه سبحانه غَرَسَ لهم من المحبّة والإجلال والتعظيم في قلوب العالمين ما لم يغرسه لغيرهم. ومنها: أنه سبحانه جعل آثارهم في الأرض سببًا لبقاء العالم وحفظه، فلا يزال العالم باقيًا ما بقيت آثارهم، فإذا ذهبت آثارهم من الأرض، فذاك أوان خراب العالم، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧] قال ابن عباس -﵄- في تفسيرها: لو ترك الناس كلهم الحجّ لوقعت السماء على الأرض، وقال: لو ترك الناس كلهم الحجّ لما نُظروا، وأخبر النبي -ﷺ- أن في آخر الزمان يرفع الله بيته من الأرض، وكلامه من المصاحف، وصدور الرجال . فلا يبقى له في الأرض بيت يُحجّ، ولا كلام يُتلى، فحينئذ يقرب خَرَاب العالم، وهكذا الناس اليوم، إنما قيامهم بقيام آثار نبيهم، وشرائعه بينهم، وقيام أمورهم، وحصول مصالحهم، واندفاع أنواع البلاء والشرّ بهم عند تعطلها، والإعراض عنها، والتحاكم إلى غيرها، واتخاذ سواها. ومن تأمل تسليط الله سبحانه على من سلّطه على البلاد والعباد من الأعداء، علم أن ذلك بسبب تعطيلهم لدين نبيّهم، وسنته، وشرائعه، فسلّط الله عليهم من أهلكهم، وانتقم منهم، حتى إن البلاد التي فيها آثار الرسول -ﷺ-، وسنته، وشرائعه فيها ظهور، دفع عنها بحسب ظهور ذلك بينهم. وهذه الخصائص، وأضعاف أضعافها من آثار رحمة الله وبركاته على أهل هذا البيت، فلهذا أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نطلب له من الله تعالى أن يبارك عليه، وعلى آله، كما بارك على هذا البيت المعظّم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ومن بركات أهل هذا البيت أنه سبحانه أظهر على أيديهم من بركات الدنيا والآخرة ما لم يظهره على أيدي أهل بيت غيرهم. ومن بركاتهم وخصائصهم أن الله سبحانه أعطاهم من خصائصهم ما لم يُعط غيرهم، فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم الذبيح، ومنهم من كلّمه تكليمًا، وقرّبه نجيّا، ومنهم من آتاه شطر الحسن، وجعله من أكرم الناس عليه، ومنهم من آتاه مُلكًا لم يؤته أحدًا غيره، ومنهم من رفعه مكانًا عليًّا. ولما ذكر ﷾ هذا البيت وذرّيّته أخبر أن كلهم فضّله على العالمين. ومن خصائصهم وبركاتهم على أهل الأرض أن الله سبحانه رفع العذاب العامّ عن أهل الأرض بهم، وببعثهم، وكانت سنته سبحانه في أمم الأنبياء قبلهم أنهم إذا كذّبوا أنبياءهم ورسلهم أهلكهم بعذاب يعمّهم، كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، فلما أنزل الله ﷾ التوراة والإنجيل والقرآن رفع بها العذاب العامّ عن أهل الأرض، وأمر بجهاد من كذّبهم وخالفهم، فكان ذلك نُصرة لهم بأيديهم، وشفاءً لصدورهم، واتخاذ الشهداء منهم، وإهلاك عدوّهم بأيديهم، لتحصيل محابّه سبحانه على أيديهم. وحُقَّ لأهل بيت هذا بعضُ فضائلهم أن لا تزال الألسن رطبةً بالصلاة عليهم والسلام، والثناء والتعظيم، والقلوب ممتلئة من تعظيمهم ومحبتهم وإجلالهم، وأن يعرفا المصلي عليهم أنه لو أنفق أنفاسه كلَّهَا في الصلاة عليهم ما وفّى القليلَ من حقهم. فجزاهم الله عن بريّته أفضل الجزاء، وزادهم في الملإ الأعلى تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا، وصلى الله عليهم صلاة دائمة، لا انقطاع لها، وسلّم تسليمًا . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: في بيان حكمة اختتام هذه الصلاة بهذين الاسمين من أسماء الرّبّ ﷾، وهما قوله: «حميد مجيد»: فالحميد: فَعيل من الحمد، وهو بمعنى محمد، وأكثر ما يأتي فعيلٌ في أسمائه تعالى بمعنى فاعل، كسميع، وبصير، وعليم، وقدير، وعليّ، وحكيم، وحليم، وهو كثير، وكذلك فَعُول، كغفور، وشكور، وصبور. وأما الودود، ففيه قولان: (أحدهما): أنه بمعنى فاعل، وهو الذي يُحِبّ أنبياءه ورسله وأولياءه وعباده المؤمنين. (والثاني): أنه بمعنى مفعول، وهو المحبوب الذي يستحق أن يُحَبَّ الحبَّ كُلَّهُ، وأن يكون أحبّ إلى العبد من سمعه وبصره ونفسه وجميع محبوباته. وأما الحميد، فلم يأت إلا بمعنى المحمود، وهو أبلغ من المحمود، فإن فعيلًا إذا عُدِلَ به عن مفعول دلّ على أن تلك الصفة قد صارت مثل السجيّة والغريزة والْخُلُق اللازم، كما إذا قلت: فلان ظريف وشريف وكريم، ولهذا يكون هذا البناء غالبًا من فَعُلَ كشَرُفَ، وهذا البناء من أبنية الغرائز والسجايا اللازمة، كَكَبُرَ، وصَغُرَ، وحسُن، ولطُف، ونحو ذلك ولهذا كان «حبيب» أبلغ من محبوب، لأن الحبيب هو الذي حصلت فيه الصفات والأفعال التي يُحَبّ لأجلها، فهو حبيب في نفسه، وإن قُدِّرَ أن غيره لا يحبه، لعدم شُعُوره به، أو لمانع منعه من حبّه، وأما المحبوب، فهو الذي تعلّق به حبّ المحبّ، فصار محبوبًا بحبّ الغير له، وأما الحبيب، فهو حبيب بذاته وصفاته، تعلّق به حبّ الغير، أو لم يتعلّق، وهكذا الحميد والمحمود. فالحميد هو الذي له من الصفات، وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلّق به حمد الحامدين، وهكذا المجيد والممجّد، والكبير والمكبّر، والعظيم والمعظّم. والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كلّه، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبّة للمحمود، فمن أحببته، ولم تُثن عليه لم تكن حامدًا له، وكذا من أثنيت عليه لغرض ما، ولم تحبه لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه محبّا له، وهذا الثناء والحبّ تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبّة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل كان الحمد والحبّ أتمّ وأعظم، والله سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحقّ بكل حمد، وبكلّ حبّ، من كل جهة، فهو أهل أن يُحَبَّ لذاته ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكلّ ما صدر منه ﷾. وأما المجد، فهو يستلزم العظمة والسعة والجلال، والحمدُ يدلّ على صفات الإكرام، والله ﷾ ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: «لا إله إلّا الله، والله أكبر»، و«لا إله إلا الله» دالّ على ألوهيته، وتفرّده فيها، فألوهيته تستلزم محبته التامّة، و«الله أكبر» دالّ على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تعظيمه وتمجيده، وتكبيره، ولهذا يَقْرُن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا، كقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، فأمر بحمده وتكبيره، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]. وفي «جامع الترمذي -٣٥٢٤ -»، وغيره من حديث أنس، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «أَلِظُّوا بيا ذالجلال والإكرام» ، يعني الزموها، وتعلّقوا بها، فالجلال والإكرام: هو الحمد والمجد. فذكْرُ هذين الاسمين «الحميد والمجيد» عقب الصلاة على النبي -ﷺ-، وعلى آله مطابق لقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾. ولما كانت الصلاة على النبي -ﷺ-، هي ثناءَ الله تعالى عليه وتكريمَه، والتنويهَ به، ورفعَ ذكره، وزيادة حبه وتقريبه، كما تقدّم كانت مشتملةً على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده، فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد، هذا حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما اسما الحميد والمجيد. وهذا فيه أن الداعي يُشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، او يفتتح دعاءه به، وهذا من قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال سليمان ﵇ في دعاء ربّه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] وكان النبي -ﷺ- يقول: «رب اغفر لي، وتب عليّ، إنك أنت التوّاب الرحيم» . إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث. ولما كان المطلوب للرسول -ﷺ- حمدًا ومجدًا بصلاة الله عليه خُتم هذا السؤال باسمي الحمد والمجد. وأيضًا فإنه لما كان المطلوب للرسول -ﷺ- حمدًا ومجدًا، وكان ذلك حاصلًا له، خُتم ذلك بالإخبار عن ثبوت ذينك الوصفين للربّ بالطريق الأولى، إذ كلّ كمال في العبد غيرِ مستلزم للنقص، فالرّبّ أحقّ به. وأيضًا، فإنه لما طُلب للرسول -ﷺ- حمدٌ ومجدٌ بالصلاة عليه، وذلك يستلزم الثناء عليه، خُتم هذا المطلوب بالثناء على مُرسِلِه بالحمد والمجد، فيكون هذا الدعاء متضمنًا لطلب الحمد والمجد للرسول -ﷺ-، والإخبار عن ثبوته للربّ ﷾ . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: في اختلاف العلماء في حكم الصلاة على النبي -ﷺ-: (اعلم): أن أهل العلم اختَلَفوا في ذلك على أقوال، أوصلها الحافظ رحمه الله تعالى إلى عشرة، فقال في «الفتح»: فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب: (أولها): قول ابن جرير الطبري: إنها من المستحبّات، وادعى الإجماع على ذلك. (ثانيها): مقابله، وهو نقل ابن القصّار وغيره الإجماع على أنها تجب في الجملة بغير حصر، لكن أقلّ ما يحصل به الإجزاء مرّة. (ثالثها): تجب في العمر في صلاة، أو في غيرها، وهي مثل كلمة التوحيد، قاله أبو بكر الرّازيّ من الحنفيّة، وابن حزم، وغيرهما، وقال القرطبي المفسّر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرّة، وأنها واجبة في كلّ حين وجوب السنن المؤكدة، وسبقه ابن عطيّة. (رابعها): تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهّد وسلام التحلّل، قاله الشافعيّ، ومن تبعه. (خامسها): تجب في التشهد، وهو قول الشعبي، وإسحاق بن راهويه. (سادسها): تجب في الصلاة من غير تعيين المحلّ، نُقلَ ذلك عن أبي جعفر الباقر. (سابعها): يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية. (ثامنها): تجب كلما ذُكر، قاله الطحاويّ، وجماعة من الحنفية، والْحَلِيمِيّ، وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط، وكذا قال الزمخشريّ. (تاسعها): تجب في كلّ مجلس مرّةً، ولو تكرّر ذكره مرارًا، حكاه الزمخشريّ. (عاشرها): تجب في كلّ دعاء، حكاه الزمخشريّ أيضًا. انتهى كلام الحافظ ﵀ ببعض تصرّف. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي القول الثامن، وهو القول بوجوبها كلما ذكر اسمه؛ لأدلة كثيرة؛ منها: ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» من حديث أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- صعد المنبر فقال: «آمين آمين آمين» الحديث بطوله، وفيه: «ومن ذُكِرْتَ عنده، فلم يصل عليك، فمات فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين». فهذا الوعيد لا يكون إِلَّا لمن ترك الواجب، فدل على أن الصلاة عليه كلما ذكر اسمه واجبة. ومنها: حديث أبي هريرة -﵁- أيضًا مرفوعًا: «رَغِمَ أنفُ رجل ذُكِرتُ عنده فلم يصلّ عليّ» … الحديث، وهو حديث حسن كما قال الترمذي رحمه الله تعالى. ومعنى رَغِمَ بكسر الغين: لَصِقَ بالرغام، وهو التراب ذُلًّا وهَوَانًا. وهو دعاء عليه بالذل والهوان، ولا يكون هذا إلا لمن ترك الواجب. ومنها: ما أخرجه النسائي، وصححه ابن حبان من حديث الحسين بن علي ﵄ مرفوعًا: «البخيل من ذكرتُ عنده، فلم يصلّ عليّ». ومنها: حديث أبي ذر -﵁- قال: خرجت ذات يوم، فأتيت رسول الله -ﷺ-، قال: «ألا أخبركم بأبخل الناس؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «من ذكرتُ عنده، فلم يصلي عليّ، فذلك أبخل الناس». رواه ابن أبي عاصم في «كتاب الصلاة»، وهو حديث صحيح لغيره . فهذه الأحاديث من تأملها بإنصاف علم وجوب الصلاة على النبي -ﷺ- كما ذكر اسمه، فتأملها تُرشَد إلى الصواب، والله الهادي إلى سواء السبيل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: في اختلاف أصل العلم في وجوب الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد الأخير: (اعلم): أنه ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها بعد التشهد الأخير، وممن ذهب إلى هذا: عمر، وابنه عبد الله، وابن مسعود -﵄-، وجابر بن زيد، والشعبي، ومحمد بن كعب الْقُرَظيّ، وأبو جعفر الباقر، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن الْمَوّاز، واختاره أبو بكر بن العربيّ. وذهب الجمهور إلى عدم وجوبها فيه، منهم: مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ. احتجّ الأولون بحديث أبي مسعود -﵁- المذكور في الباب، حيث وقع فيه من الزيادة من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عنه، بلفظ: «فكيف نصلي عليك، إذا نحن صلّينا عليك في صلاتنا». قال الدارقطني: إسناده حسن متّصل، وقال البيهقيّ: إسناده حسن صحيح، وتعقّبه ابن التركماني بأنه قال في «باب تحريم قتل ما له روح»: بعد ذكر حديث فيه ابن إسحاق: الحفّاظ يتوقّفون فيما ينفرد به. قال الحافظ: وهو اعتراض متّجه، لأن هذه الزيادة تفرّد بها ابن إسحاق، لكن ما تفرّد به، وإن لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرّح بالتحديث، وهو هنا كذلك، وإنما يصحّح له من لا يفرّق بين الصحيح والحسن، ويجعل كلّ ما يصلح للحجة صحيحًا، وهذه طريقة ابن حبّان، وغيره. وقد احتجّ بهذه الزيادة جماعة من الشافعية، كابن خُزيمة، والبيهقيّ لإيجاب الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد، وقبل السلام. وتُعُقّب بأنه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيد إيجاب الإتيان بهذه الألفاظ على من صلّى على النيي -ﷺ- في التشهد، وعلى تقدير إيجاب أصل الصلاة، فلا يدّل على هذا المحلّ المخصوص، ولكن قرّب البيقي ذلك بأن الآية لما نزلت، وكان النبي -ﷺ- قد علّمهم كيفية السلام عليه في التشهد، والتشهدُ داخلَ الصلاة، فسألوا عن كيفية الصلاة، فعلّمهم، دل على أن المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدّم تعليمه لهم، وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة، فهو بعيد، كما قال عياض وغيره. وقال ابن دقيق العيد ﵀: ليس فيه تنصيص على أن الأمر به مخصوص بالصلاة، وقد كثر الاستدلال به على وجوب الصلاة، وقرّر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه واجبة بالإجماع، وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة بالإجماع، فتعيّن أن تجب في الصلاة. قال: وهذا ضعيف، لأن قوله: لا تجب فى غير الصلاة بالإجماع، إن أراد به عينًا، فهو صحيح، لكن لا يفيد المطلوب، لأنه يفيد أن تجب في أحد الموضعين، لا بعينه. وزعم القرافي في «الذخيرة» أن الشافعي ﵀ هو المستدلّ بذلك، وردّه بنحو ما ردّ به ابن دقيق العيد، ولم يُصبْ في نسبة ذلك للشافعي، والذي قاله الشافعي في «الأمّ»: فرض الله الصلاة على رسوله -ﷺ- بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبي -ﷺ- بذلك. أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁-، أنه قال: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ -يعني في الصلاة- قال: «تقولون: اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم» الحديث. أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدّثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة -ﷺ-، عن النبي -ﷺ-، أنه كان يقول في الصلاة: «اللَّهم صل على محمد، وآل محمد، كما صلّيتَ على إبراهيم، وآل إبراهيم» … الحديث. قال الشافعي ﵀: فلما رُوي أن النبيّ -ﷺ- كان يعلّمهم التشهد في الصلاة، ورُوي عنه أنه علمهم كيف يصلّون عليه في الصلاة لم يجُز أن نقول: التشهد في الصلاة واجب، والصلاة عليه فيه غير واجبة. وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه: (أحدها): ضعف إبراهيم بن أبي يحيى، والكلام فيه مشهور. (الثانى): على تقدير صحته، فقوله: في الأولى: يعني في الصلاة، ولم يصرّح بالقائل: «يعني». (الثالث): قوله في الثاني: أنه كان يقول في الصلاة، وإن كان ظاهره أنها الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله «في الصلاة» أي في صفة الصلاة عليه، وهو احتمال قويّ، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة تدلّ على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة، لا عن محلها. (الرابع): ليس في الحديث ما يدل على تعيّن ذلك في التشهّد، خصوصًا بينه وبين السلام من الصلاة. وقد أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ، منهم أبو جعفر الطبريّ، وأبو جعفر الطحاويّ، وأبو بكر بن المنذر، والخطّابي، وأورد عياض في «الشفا» مقالاتهم، وعاب عليه ذلك غير واحد، لأن موضوع كتابه يقتضي تصويب ما ذهب إليه الشافعي، لكنه استجاده، لما فيه من الزيادة في تعظيمه. وانتصر جماعة للشافعيّ، فذكروا أدلّة نقليّة ونظريّة، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وأصحّ ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ما أخرجه الحاكم بسند قويّ عن ابن مسعود -﵁-، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي -ﷺ-، ثم يدعوا لنفسه. وهذا أقوى شيء يحتجّ به للشافعيّ، فإن ابن مسعود -﵁- ذكر أن النبي -ﷺ- علّمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء»، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء دلّ على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسّك بحديث ابن مسعود -﵁- في دفع ما ذهب إليه الشافعيّ، مثل ما ذكر عياض، قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علّمه له النبي -ﷺ-، وليس فيه ذكر الصلاة عليه، وكذا قول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: «إذا قلت هذا، فقد قضيت صلاتك»، لكن رُدّ عليه بأن هذه الزيادة مدرجَة، وعلى تقدير ثبوتها، فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه ورَدَت بعد تعليم التشهد. ويتقوّى ذلك بما أخرجه الترمذيّ عن عمر موقوفًا: «الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى يصلّى على النبي -ﷺ-». قال ابن العربي رحمه الله تعالى: ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، فيكون له حكم الرفع انتهى. وورد له شاهد مرفوع في «جزء الحسن بن عرفة»، وأخرج العمريّ في «عمل اليوم والليلة» عن ابن عمر -﵄- بسند جيد قال: «لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاة عليّ». وأخرج البيهقي في «الخلافيات» بسند قويّ عن الشعبي، وهو من كبار التابعين، قال: من لم يصلّ على النبي -ﷺ- في التشهد، فليعد صلاته. وأخرج الطبريّ بسند صحيح عن مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير، وهو من كبار التابعين، قال: كنّا نعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، يحمد ربّه، ويثني عليه، ثم يصلي على النبي -ﷺ-، ثم يسأل حاجته. وأما فقهاء الأمصار، فلم يتّفقوا على مخالفة الشافعي في ذلك، بل جاء عن أحمد روايتان، وعن إسحاق الجزم في العمد، فقال: إذا تركها يعيد. والخلاف أيضًا عند المالكية، ذكرها ابن الحاجب في سنن الصلاة، ثم قال: على الصحيح، فقال شارحه ابن عبد السلام: يريد أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن الموّاز منهم. وأما الحنفية، فألزم بعض شيوخنا من قال منهم بوجوب الصلاة عليه كلّما ذُكر، كالطحاوي، ونقله السروجي في «شرح الهداية» عن أصحاب «المحيط»، و«العقد»، و«التحفة»، و«المغيث» من كتبهم أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدّم ذكره في آخر التشهد، لكن لهم أن يلتزموا ذلك، لكن لا يجعلونه شرطًا في صحّة الصلاة. وروى الطحاويّ أن حرملة انفرد عن الشافعي بإيجاب ذلك بعد التشهد وقبل سلام التحلّل، قال: لكن أصحابه قبلوا ذلك، وانتصروا له، وناظروا عليه انتهى. واستدلّ له ابن خزيمة، ومن تبعه بما أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذيّ، وصححه، وكذا ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، من حديث فَضَالَة بن عُبيد، قال: سمع النبي -ﷺ- رجلًا يدعوا في صلاته، لم يحمد الله، ولم يصلّ على النبي -ﷺ-، فقال: «عجل هذا»، ثم دعاه، فقال: «إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد ربّه، والثناء عليه، ثم يصلّ على النبي -ﷺ-، ثم يدعو بما شاء». وهذا مما يدلّ على أن قول ابن مسعود المذكور قريبًا مرفوع، فإنه بلفظه. وقد طعن ابن عبد البرّ في الاستدلال بحديث فَضَالة للوجوب، فقال: لو كان كذلك لأمر المصلي بالإعادة، كما أمر المسيء صلاته، وكذا أشار إليه ابن حزم. وأجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر في دعوى الوجوب. وقال جماعة، منهم الجرجاني، من الحنفية: لو كانت فرضا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه علّمهم التشهد، وقال: «فيتخيّر من الدعاء ما شاء»، ولم يذكر الصلاة عليه. وأجيب باحتمال أن لا تكون فُرضت حينئذ. وقال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي: قد ورد هذا في الصحيح بلفظ «ثم ليتخيّر»، و«ثُمَّ» للتراخي، فدلّ على أنه كان هناك شىء بين التشهد والدعاء. واستدلّ بعضهم بما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة -﵁-، رفعه: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير، فليستعذ بالله من أربع» … الحديث. وعلى هذا عوّل ابن حزم في إيجاب هذه الاستعاذة في التشهد، وفي كون الصلاة على النبي -ﷺ- مستحبّةً عقب التشهد، لا واجبة، وفيه ما فيه. والله تعالى أعلم. وقد انتصر ابن القيم للشافعي، فقال: أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد، وإنما اختلفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تمسّك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح نظر، لأن عملهم كان بوفاقه، إلا إن كان يريد بالعمل الاعتقاد، فيحتاج إلى نقل صريح بأن ذلك ليس بواجب، وأنّى يوجد ذلك؟، قال: وأما قول عياض: إن الناس شنّعوا على الشافعي، فلا معنى له، فأيّ شناعة في ذلك، لأنه لم يخالف نصًا، ولا إجماعًا، ولا قياسًا، ولا مصلحة راجحة؟، بل القول بذلك من محاسن مذهبه، وأما نقله مِنَ الإجماعِ فقد تقدّم ردّه، وأما دعواه أن الشافعيّ اختار تشهد ابن مسعود، فيدلّ على معرفته باختيارات الشافعي، فإنه إنما اختار تشهد ابن عبّاس. وأما ما احتجّ به جماعة من الشافعية من الأحاديث المرفوعة الصريحة في ذلك، فإنها ضعيفة، كحديث سهل بن سعد، وعائشة، وأبي مسعود، وبُريدة، وغيرهم، وقد استوعبها البيهقي في «الخلافيات» ، ولا بأس بذكرها للتقوية، لا أنها تنهض بالحجة. قال الحافظ: ولم أر عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب، إلا ما نُقل عن إبراهيم النخعي، ومع ذلك فلفظ المنقول عنه كما تقدّم يشعر بأن غيره كان قائلًا بالوجوب، فإنه عبّر بالإجزاء انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في تقرير مذهب الشافعي القائل بالوجوب في آخر التشهد، فقال بعد أن ذكر أدلة النفاة، وناقشها: ما نصه: اسمعوا أدلتنا الآن على الوجوب، فلنا عليه أدلّة: (الدليل الأوّل): قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. ووجه الدلالة أن الله سبحانه أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسول الله -ﷺ-، وأمرُهُ المطلق على الوجوب ما لم يقُم دليل على خلافه. وقد ثبت أن أصحابه -﵃- سألوه عن كيفيّة هذه الصلاة المأمور بها، فقال: قولوا: «اللَّهم صلّ على محمد …» الحديث، وقد ثبت أن السلام الذي عُلِّموه هو السلام عليه في الصلاة، وهو سلام التشهد، فمخرج الأمرين والتعليمين والمحلّين واحد. يوضّحه أنه علّمهم التشهد آمرًا لهم به، وفيه ذكر التسليم عليه -ﷺ-، فسألوه عن الصلاة عليه، فعلّمهم إيّاها، ثم شبّهها بما علموه من التسليم عليه، وهذا يدلّ على أن الصلاة والتسليم المذكورين في الحديث هما الصلاة والتسليم عليه في الصلاة. يوضّحه أنه لو كان المراد بالصلاة والتسليم عليه خارج الصلاة، لا فيها لكان لكلّ مُسَلِّم منهم إذا سَلّم عليه يقول له: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ومن المعلوم أنهم لم يكونوا يتقيّدون في السلام عليه بهذه الكيفية، بل كان الداخل منهم يقول: السلام عليكم، وربّما قال: السلام على رسول الله، وربما قال: السلام عليك يا رسول الله، ونحو ذلك، وهم لم يزالوا يسلّمون عليه من أوّل الإسلام بتحيّة الإسلام، وإنما الذي علموه قدر زائد عليها، وهو السلام عليه في الصلاة. يوضحه حديث ابن إسحاق: «كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟»، وقد صحح هذه اللفظة جماعة من الحُفّاظ، منهم ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ . وإذا تقرر أن الصلاة المسؤول عن كيفيّتها هي الصلاة عليه في نفس الصلاة، وقد خرج ذلك مخرج البيان المأمور به منها في القرآن، ثبت أنها على الوجوب، وينضاف إلى ذلك أمر النبي -ﷺ- بها، ولعلّ هذا وجه ما أشار إليه الإمام أحمد بقوله: كنت أتهيّب ذلك، ثم تبينتُ، فإذا هي واجبة. وعلى هذا الاستدلال أسئلة: (أحدها): أن قوله -ﷺ-: «والسلام كما قد علّمتم»، يحتمل أمرين: (أحدهما): أن يراد به السلام عليه في الصلاة. (والثاني): أن يراد به السلام من الصلاة نفسها، قاله ابن عبد البرّ. (الثاني): أن غاية ما ذكرتم إنما يدلّ دلالة اقتران الصلاة بالسلام، والسلام واجب في التشهد، فكذا الصلاة، ودلالة الاقتران ضعيفة. (الثالث): أنا لا نسلّم وجوب السلام، ولا الصلاة، وهذا الاستدلال منكم إنما يَتمّ بعد تسليم وجوب السلام عليه -ﷺ-. الجواب عن هذه الأسئلة: (أما الأوّل): ففاسد جدًّا فإن في نفس الحديث ما يبطله، وهو أنهم قالوا: هذا السلام عليك يا رسول الله قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟، لفظ البخاريّ في حديث أبي سعيد -﵁-. وأيضًا فإنهم إنما سألوا النبي -ﷺ- عن كيفية الصلاة والسلام المأمور بهما في الآية، لا عن كيفية السلام من الصلاة. (وأما السؤال الثاني): فسؤال من لم يفهم وجهَ تقرير الدلالة، فإنا لم نحتجّ بدلالة الاقتران، وإنما استدللنا بالأمر بها في القرآن، وبَيّنّا أن الصلاة التي سألوا النبى -ﷺ- أن يعلّمهم إيّاها إنما هي الصلاة التي في الصلاة. (وأما السؤال الثالث): ففي غاية الفساد، فإنه لا يُعتَرض على الأدلّة من الكتاب والسنّة، بخلاف المخالف، فكيف يكون خلافكم في مسألة قد قام الدليل على قول مُنازعيكم فيها مبطلًا لدليل صحيح، لا معارض له في مسألة أُخرى، وهل هذا إلا عكس طريقة أهل العلم، فإن الأدلة هي التي تبطل ما خالفها من الأقوال، ويُعتَرَضُ بها على من خالف مُوجَبَها، فتقدّم على كل قول اقتضى خلافها، لا أن أقوال المجتهدين تُعارض بها الأدلّة، وتُبطل مقتضاها، وتُقدّم عليها، ثمّ إن الحديث حجة عليكم في المسألتين، فإنه دليل على وجوب التسليم والصلاة عليه -ﷺ-، فيجب المصير إليه. (الدليل الثاني): أن النبي -ﷺ- كان يقول ذلك في التشهد، وأمرنا أن نصلي كصلاته، وهذا يدلّ على وجوب فعل ما فعل في الصلاة، إلا ما خصه الدليل، فهاتان مقدمتان: أما المقدمة الأولى: فبيانها ما روى الشافعي في «مسنده» عن إبراهيم بن محمد، حدثني سعد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، أنه كان يقول في الصلاة: «اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم، وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وهذا وإن كان فيه إبراهيم بن أبي يحيى، فقد وثقه جماعة، منهم الشافعي، وابن الأصبهاني، وابن عديّ، وابن عُقدة، وضعّفه آخرون. وأما المقدّمة الثانية: فبيانها ما رواه البخاريّ في «صحيحه» عن مالك بن الحويرث -﵁-، قال: أتينا النبي -ﷺ-، ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، فظنّ أنّا اشتقنا إلى أهلنا، وسألَنَا عمن تركنا في أهلنا؟ فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيمًا، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فعلّموهم، ومروهم، وصلّوا كما رأيتوني أصلي، وإذا حضرت الصلاة، فليؤذّن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم» . (الدليل الثالث): حديث فَضَالة بن عُبيد -﵁-، فإن النبي -ﷺ- قال له، أو لغيره: «إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليُصلّ على النبي -ﷺ-، ثم ليدْعُ بما شاء» . رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه ابن حبان، والحاكم. واعتُرِضَ عليه من وجوه: أحدها: أن النبي -ﷺ- لم يأمر هذا المصلي بالإعادة. وجواب هذا: أن هذا الرجل كان غير عالم بوجوبها، فتركها معتقدًا أنها غير واجبة، فلم يأمره النبي -ﷺ- بالإعادة، وأمره في المستقبل أن يقولها، فأَمْرُهُ بقولها في المستقبل دليل على وجوبها، وترك أمره بالإعادة دليل على أنه يُعذر الجاهل بعدم الوجوب، وهذا كما لم يأمر النبيّ -ﷺ- المسيء في صلاته بإعادة ما مضى من الصلوات، وقد أخبره أنه لا يحسن غير تلك الصلاة عذرًا له بالجهل. فإن قيل: فلم أمره أن يعيد تلك الصلاة، ولم يعذره فيها بالجهل؟ قلنا: لأن الوقت باق، وقد علم أركان الصلاة، فوجب عليه أن يأتي بها. فإن قيل: فهلّا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك الصلاة كما أمر المسيء؟ قلنا: أَمْرُه -ﷺ- بالصلاة عليه فيها تحكّم ظاهر في الوجوب، ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي -ﷺ- بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي -ﷺ- بها. ويحتمل أن تكون تلك الصلاة كانت نفلًا، لا تجب عليه إعادتها. ويحتمل غير ذلك، فلا يُترَك الظاهر من الأمر، وهو دليل مُحْكَمٌ لهذا المشتبه المحتمل، والله ﷾ أعلم. الثاني: أن هذا الدعاء كان بعد انقضاء الصلاة لا فيها، بدليل ما روى الترمذيّ في «جامعه» من حديث رِشدِين في هذا الحديث، بينا رسول الله -ﷺ- قاعد، إذ دخل رجل، فصلّى، وقال: اللَّهم اغفر لي، وارحمني، فقال رسول الله -ﷺ-: «أيها المصلي إذا صلّيت، فقعدت، فاحمد الله بما هو أهله، وصلّ عليّ، ثم ادعه». وجواب هذا من وجوه: أحدها: أن رشدين ضعفه أبو زرعة، وغيره، فلا يكون حُجّة مع استقلاله، فكيف إذا خالف الثقات الأثبات؟! لأنّ كلّ من روى هذا الحديث قال فيه: سمع النبي -ﷺ- رجلًا يدعو في صلاته. الثاني: أن رشدين لم يقل في حديثه: إن هذا الداعي دعا بعد انقضاء الصلاة، ولا يدلّ لفظه على ذلك، بل قال: فصلى، فقال: اللَّهمّ اغفر لي، وهذا لا يدلّ على أنه قال بعد فراغه من الصلاة، ونفسُ الحديث دليل على ذلك، فإنه قال: «إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله»، ومعلوم أنه لم يُردْ بذلك الفراغ من الصلاة، بل الدخول فيها، ولاسيّما، فإن عامّة أدعية النبي -ﷺ- إنما كانت في الصلاة، لا بعدها، كحديث أبي هريرة، وعليّ، وأبي موسى، وعائشة، وابن عبّاس، وحُذَيفة، وعمّار، وغيرهم، -﵄-، ولم يقل أحد منهم أنه -ﷺ- كان يدعو بعد صلاته في حديث صحيح . ولما سأله الصدّيق دعاء يدعو به في صلاته لم يقل: ادع به خارج الصلاة، ولم يقل لهذا الداعي: ادع به بعد سلامك من الصلاة، لاسيما، والمصلي مناجٍ ربّه، مقبل عليه، فدعاؤه ربّه تعالى في هذه الحال أنسب من دعائه له بعد انصرافه عنه، وفراغه من مناجاته. الثالث: أن قوله -ﷺ-: «فاحمد الله بما هو أهله»، إنما أراد به التشهّد في القعود، ولهذا قال: «إذا صلّيت، فقعدت»، يعني في تشهدك، فأمره بحمد الله تعالى، والثناء عليه، والصلاة على رسوله -ﷺ-. الاعتراض الثالث: أن الذي أمره أن يصلي فيه، ويدعو بعد تحميد الله غير معيّن، فلم قلتم: إنه بعد التشهّد؟ وجواب هذا: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على رسوله -ﷺ-، ثم الدعاء إلا في التشهد آخر الصلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام، ولا الركوع، ولا السجود اتفاقًا، فعلم أنه إنما أراد به آخر الصلاة، حالَ جلوسه في التشهد. الاعتراض الرابع: أنه أمره فيه بالدعاء عقب الصلاة عليه، والدعاء ليس بواجب، فكذا الصلاة عليه -ﷺ-. وجواب هذا: أنه لا يستحيل أن يأمر بشيئين، فيقوم الدليل على عدم وجوب أحدهما، فيبقى الآخر على أصل الوجوب. الثاني: أن هذا المذكور من الحمد والثناء هو واجب قبل الدعاء، فإنه هو التشهد، وقد أمر النبي -ﷺ- به، وأخبر الصحابة -﵃- أنه فرض عليهم، ولم يكن اقتران الأمر بالدعاء به مسقطًا لوجوبه، فكذا الصلاة على النبيﷺ-. الثالث: أن قولكم: الدعاء لا يجب باطل، فإن من الدعاء ما هو واجب، وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها، وقد روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» . والغضب لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل محرّم. الاعتراض الخامس: أنه لو كانت الصلاة على النبي -ﷺ- فرضًا في الصلاة، لم يؤخّر بيانها إلى هذا الوقت، حتى يرى رجلًا لا يفعلها، فيأمره بها، ولكان العلم بوجوبها مستفادًا قبل هذا الحديث. وجواب هذا: أنا لم نقل: إنها وجبت على الأمة إلا بهذا الحديث، بل هذا المصلي كان قد تركها، فأمره النبي -ﷺ- بما هو مستقرّ معلوم من شرعه، وهذا كحديث المسيء في صلاته، فإن وجوب الركوع والسجود والطمأنينة على الأمة لم يكن مستفادًا من حديثه، وتأخير بيان النبي -ﷺ- لذلك إلى حين صلاة هذا الأعرابي، وإنما أمره أن يصلي الصلاة التي شرعها لأمته قبل هذا. الاعتراض السادس: أن أبا داود والترمذي قالا في هذا الحديث، حديثِ فضالةَ: «فقال له، أو لغيره»، بحرف «أو»، ولو كان هذا واجبًا على كلّ مكلّف لم يكن ذلك له، أو لغيره. وهذا اعتراض فاسد من وجوه: أحدها: أن الرواية الصحيحة التي رواها ابن خُزيمة، وابن حبّان، «فقال له ولغيره» بالواو، وكذا رواه الإمام أحمد، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم. الثاني: أن «أو» هنا ليست للتخيير، بل للتقسيم، والمعنى أن أي مصلّ صلى، فليقل ذلك، هذا أو غيره، كما قال: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، ليس المراد التخيير، بل المعنى: أن أيهما كان فلا تُطعه، إما هذا، وإما هذا. الثالث: أن الحديث صريح في العموم بقوله: «إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتحميد الله»، فذكره. الرابع: أن في رواية النسائي، وابن خزيمة: «علّمهم رسول الله -ﷺ-»، فذكره، وهذا عام. الدليل الرابع: ثلاثة أحاديث، كل منها لا تقوم الحجّة به عند انفراده، وقد يُقَوِّي بعضها بعضًا عند الاجتماع. أحدها: ما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شَمِر، عن جابر -هو الجُعُفي- عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا بُريدة إذا صلّيتَ في صلاتك،فلا تتركنّ التشهد، والصلاة عليّ، فإنها زكاة الصلاة، وسلّم على جميع أنبياء الله ورسله، وسلّم على عباد الله الصالحين». الثاني: ما رواه الدارقطني أيضًا من طريق عمرو بن شمر، عن جابر، قال: قال الشعبي: سمعت مسروق بن الأجدع يقول: قالت عائشة -﵂-: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «لا يقبل الله صلاةً إلا بطهور، وبالصلاة عليّ». لكن عمرو بن شمر، وجابر لا يحتجّ بهما، وجابر أصلح من عمرو . الثالث: ما رواه الدارقطني من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، أن النبيّ -ﷺ- قال: «لا صلاةَ لمن لم يصلّ على نبيه -ﷺ-». رواه الطبراني من حديث أُبيّ بن عباس، عن أبيه، عن جدّه، وعبد المهيمن ليس بحجة، وأُبيّ أخوه، وإن كان ثقة احتجّ به البخاريّ، فالحديث المعروف فيه، إنما هو من رواية عبد المهيمن، ورواه الطبراني بالوجهين، ولا يثبت. الدليل الخامس: أنه قد ثبت وجوبها عن ابن مسعود، وابن عمر، وأبي مسعود الأنصاريّ -﵃-، وقد تقدّم ذلك ، ولم يُحفَظ عن أحد من الصحابة أنه قال: لا تجب، وقول الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجّة، ولاسيّما على أصول أهل المدينة والعراق. الدليل السادس: أن هذا عملُ الناس من عهد نبيّهم إلى الآن، ولو كانت الصلاة عليه -ﷺ- غير واجبة، لم يكن اتفاق الأمة في سائر الأمصار والأعصار على قولها في التشهد، وترك الإخلال بها. وقد قال مقاتل بن حيّان في تفسيره في قوله ﷿: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال: إقامتها: المحافظة عليها، وعلى أوقاتها، والقيام فيها، والركوع، والسجود، والتشهد، والصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد الأخير. وقد قال الإمام أحمد: الناس عيال في التفسير على مقاتل، قالوا: فالصلاة على النبي -ﷺ- في الصلاة من إقامتها المأمور بها، فتكون واجبةٌ، وقد تمسّك أصحاب هذا القول بأقيسة، لا حاجة إلى ذكرها. قالوا: ثم نقول لمنازعينا: ما منكم إلا من أوجب في الصلاة أشياء بدون هذه الأدلّة. هذا أبو حنيفة يقول بوجوب الوتر، وأين أدلة وجوبه من أدلّة وجوب الصلاة على النبي -ﷺ-، ويوجب الوضوء على من قهقه في صلاته بحديث مرسل لا يقاوم أدلتنا في هذه المسألة، ويوجب الوضوء من القيء، والرعاف، والحجامة، ونحوها بأدلّة لا تقاوم أدلّة هذه المسألة. ومالك يقول: إن في الصلاة أشياء بين الفرض والمستحبّ، ليست بفرض، وهي فوق الفضيلة والمستحبّة، يسميها أصحابه سننًا، كقراءة سورة مع الفاتحة، وتكبيرات الانتقالات، والجلسة الأولى، والجهر والمخافتة، ويوجبون السجود في تركها على تفصيل لهم فيه. وأحمد يسمي هذه واجبات، ويوجب السجود لتركها سهوًا. فإيجاب الصلاة على النبي -ﷺ- إن لم يكن أقوى من إيجاب كثير من هذه، فليست دونها. والمقصود أن تشنيع المشنِّع فيها على الشافعي باطل، فإنّ مسألةً فيها من الأدلّة والآثار مثل هذا كيف يشنّع على الذاهب إليها. والله تعالى أعلم انتهى كلام الإمام المحقق ابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا البحث نفيسٌ جدًّا، خلاصته ترجيح القول بإيجاب الصلاة على النبي -ﷺ- بعد التشهد الأخير، وقد ناقش الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة الفريقين، وتوصل بعد المناقشة الدقيقة، والدراسة العميقة لأدلتهم إلى ترجيح الإيجاب، وهو الذي لا يظهر لي غيره، لوضوح أدلته. قال العلامة الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى في «العُدّة حاشية العمدة»: وأما الاستدلال النفاة لوجوبها في آخر الصلاة بكون النبي -ﷺ- قد علّم التشهد، وأمر عقبه أن يتخيّر من المسألة ما شاء من لم يعلم ذلك، وموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب، فالجواب من وجوه: (الأول): أنكم أوجبتم السلام بقوله -ﷺ-: «وتحليلها التسليم» مع أنه لم يُذكر فى حديث التشهد، ونحن أوجبنا الصلاة بالأدلّة المقتضية لإيجابها في الصلاة، فلو كان خُلُوّ حديث التشهد مانعًا عن إيجاب الصلاة لكان أيضًا مانعًا إيجاب التسليم، وإن لم يمنعه لم يمنع وجوب الصلاة. الثاني: أنه -ﷺ- كما علّمهم التشهد علّمهم الصلاة عليه، فكيف يكون تعليمه دالّا على وجوبه، ولا يكون تعليمه لهم الصلاة دالّا على وجوبها؟. فإن قيل: التشهد الذي علّمهم تشهد الصلاة، وأما الصلاة عليه -ﷺ- التي علمهم فمطلقة. قلنا: بل والصلاة التي علمهم هي في الصلاة أيضًا، إذ في رواية محمد إبراهيم التيمي: «كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا». ثمّ لو قدّر أن أحاديث التشهد تنفي وجوب الصلاة عليه -ﷺ-، فكانت أدلّة وجوبها مقدّمة على تلك، لأن نفيها باق على البراءة الأصلية، ووجوبها ناقل عنها، والناقل يقدّم على النافي، فكيف ولا تعارض، فإن غاية أدلّة التشهد أنها ساكتة عن إيجاب غيره، وما سكت عن إيجاب شيء لا يعارض ما قام الدليل على وجوبه، فضلًا عن أن يقدّم عليه. ثم حديث تعليم التشهد مقدّم على تعليم الصلاة، فإنه -ﷺ- علّمهم حين فرضت الصلاة، وتعليمهم الصلاة في الصلاة كان بعد نزول «سورة الأحزاب» عند نزول تخييره نساءه، فلو فرض أن تعليمهم التشهد ينفي الصلاة لكان منسوخًا بتعليمهم إياها آخرًا. انتهى كلام الصنعاني رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى: ما قاله الصنعاني رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهّد الأول: قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: في «الأمّ»: يصلي على النبي -ﷺ- في التشهد الأول، هذا هو المشهور من مذهبه، وهو الجديد، لكنه يستحب، وليس بواجب، وقال في القديم: لا يزيد على التشهد، وهذه رواية المزني عنه، وبهذا قال أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وغيرهم ﵏. واحتُجّ للشافعي ﵀ بما رواه الدارقطني من حديث موسى بن عُبَيدة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر -﵄-، قال: كان رسول الله -ﷺ- يُعلّمنا التشهد: «التحيّات الطيبات الزاكيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ووسوله»، ثمّ يصلي على النبي -ﷺ-. ورواه الدارقطني أيضًا من حديث عمرو بن شَمِر، عن جابر، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يا بريدة إذا جلست في صلاتك، فلا تتركنّ الصلاة عليّ، فإنها زكاة الصلاة» . قالوا: وهذا يعم الجلوس الأول والآخر. واحتجّ له أيضًا بأن الله تعالى أمر المؤمنين بالصلاة والتسليم على رسوله -ﷺ-، فدلّ على أنه حيث شرع التسليم عليه شُرعت الصلاة عليه، ولهذا سأله الصحابة عن كيفية الصلاة عليه، وقالوا: قد علمنا كيف نسلّم عليك، فكيف نصلي عليك؟، فدلّ على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه -ﷺ-، ومعلوم أن المصلي يسلّم على النبي -ﷺ-، فيشرع له أن يصلي عليه. قالوا: ولأنه مكانٌ شرع فيه التشهد والتسليم على النبي -ﷺ-، فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير. قالوا: ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول -ﷺ-، فاستحبّ فيه الصلاة عليه، لأنه أكمل في ذكره. قالوا: ولأن في حديث محمد بن إسحاق: كيف نصلي عليك إذا نحن جلسنا في صلاتنا؟. وقال الآخرون: ليس التشهد الأول بمحلّ لذلك، وهو القديم من قولي الشافعي، وهو الذي صححه كثير من أصحابه، لأن التشهد الأوّل تخفيفه مشروع، وكان النبي -ﷺ- إذا جلس فيه كأنه على الرَّضْف ، ولم يثبت عنه أنه كان يفعل ذلك فيه، ولا علّمه للأمة، ولا يُعرف أنّ أحدًا من الصحابة استحبه، ولأن مشروعية ذلك لو كانت كما ذكرتم من الأمر، لكانت واجبة في هذا المحلّ كما في الأخير، لتناول الأمر لهما، ولأنه لو كانت الصلاة مستحبّة في هذا الموضع لاستحب فيه الصلاة على آله -ﷺ-، لأن النبيّ -ﷺ- لم يفرد نفسه دون آله بالأمر بالصلاة عليه، بل أمرهم بالصلاة عليه، وعلى آله في الصلاة وغيرها، ولأنه لو كانت الصلاة عليه في هذه الموضع مشروعة لشُرع فيها ذكر إبراهيم، لأنها هي صفة الصلاة المأمور بها، ولأنها لو شرعت في هذا الموضع لشرع فيها الدعاء بعدها، لحديث فَضَالة بن عُبيد -﵁-، ولم يكن فرق بين التشهد الأول والأخير. قالوا: وأما ما استدللتم به من الأحاديث، فمع ضعفها بموسى بن عُبيدة، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفي لا تدلّ، لأن المراد بالتشهد فيها هو الأخير، دون الأول لما ذكرناه من الأدلّة. والله تعالى أعلم. أفاده العلامة ابن القيّم رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي ظهر لي مما ذكر من استدلال كل فريق على ما ذهب إليه ترجيح قول الجمهور، وهو عدم مشروعية الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد الأول، لعدم دليل قويّ على المشروعية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». …
مصادر المؤلف (٤٨)

١. «فتح» في «كتاب الاستسقاء» جـ ٣ ص ١٩٠.

٢. الإصابة لابن حجر (٤/ ٨٥).

٣. تت (٣/ ٤٧٦).

٤. بضم الجيم، وتخفيف اللام، وضبطه الدارقطني بفتح الخاء المعجمة، وتثقيل اللام. أفاده في «الإصابة» جـ ١ ص ٢٦٢.

٥. سيأتي للمصنف برقم ٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩.

٦. راجع «الفتح» جـ ١٢ ص ٤٤٤.

٧. هكذا في «القول البديع» «ابن مسعود»، والذي في «الفتح» «أبو مسعود»، فليحرّر.

٨. راجع «القول البديع» للسخاويّ ص ١٠٣.

٩. راجع «الفتح» جـ ١٢ ص ٤٥٣.

١٠. محمد بن سلمة هو الحرّاني من الطبقة التاسعة من شيوخ شيوخ المصنف بخلاف ما تقدم في سند «المجتبى»، فإنه المرادي المصري شيخ المصنف من الطبقة العاشرة. فتنبّه.

١١. في كون هذا القول هو الأصحّ نظر لا يخفى، بل هو ضعيف كما يرشد إليه الكلام الذي بعده. فتأمل.

١٢. هو الإمام تاج الدين عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بالفركاح الشافعي المتوفي سنة ٦٩٠ هـ وله كتاب «الإقليد لدرء التقليد» شرح للتنبيه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وقف قبل وصوله إلى «كتاب النكاح» انتهى. «كشف الظنون» جـ ١ ص ٤٩٠.

١٣. زيد بن خارجة بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي صحابي بدري، توفي في خلافة عثمان -﵁-، وهو الذي تكلم بعد الموت. قاله في «ت» ص ١١٢.

١٤. «السنن الكبرى» رقم ٨٧/ ١٢١٥.

١٥. قلت: في دعوى الاختصار نظر، بل الظاهر أنه ليس مختصرًا، بل لفظ مستقلّ، وما قاله: إن النسائي أخرجه بتمامه من هذا الوجه غير صحيح، بل هو من وجه آخر، كما يظهر من رقم ٨٧/ ١٢١٣، و١٢١٤ من «الكبرى»، فالذي يظهر لي أن هذا الحديث أقلّ ما صحّ من ألفاظ الصلاة على النبي -ﷺ-. والله تعالى أعلم.

١٦. راجع «الفتح» جـ ١٢ ص ٤٥٦ - ٤٥٨.

١٧. أخرجه الشيخان من حديث عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -ﷺ- جهارًا غير سرّ يقول: «ألا إن آل أبي -يعني فلانًا- ليسوا بأوليائي، إنما ولي الله وصالحو المؤمنين». وأخرجه أحمد بلفظ «إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي». وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» عن أبي هريرة -﵁- بلفظ «إن أوليائي يوم القيامة المتقون».

١٨. راجع «جلاء الأفهام» ص ١٥٨ - ١٧٣.

١٩. هكذا نسخة «جلاء الأفهام» «أمر فيها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر بالصلاة والسلام عليه إلخ». ولعل صواب العبارة: «أمر بها بعد أن أخبر أنه وملائكته يصلون عليه، وأمر بالسلام عليه وأكدَّه بالتسليم. فليُتَأَمَّل.

٢٠. حديث حسن أخرجه الترمذيّ من حديث أبي أمامة، وله شاهد من حديث جابر -﵁- عند الطبراني في«الأوسط»انظر«مجمع الزوائد» جـ ١ ص ١٢٤ - ١٢٥.

٢١. أخرجه أحمد ١/ ٣٠ والترمذي ٢٣٤٥ وابن ماجه ٤١٦٤ وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ٤/ ٣١٨.

٢٢. راجع «جلاء الأفهام» ص ٢١٩ - ٢٣٢.

٢٣. أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم.

٢٤. أخرجه البخاري ٧/ ٨٦.

٢٥. هكذا نسخة «جلاء الأفهام»، ولعل الصواب إسقاط الباء، فليُتَأَمَّل.

٢٦. أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وهو متفق عليه في حديث طويل بلفظ «ولكن صاحبكم خليل الله».

٢٧. أخرجه أحمد، والترمذي بسند حسن.

٢٨. هكذا نسخة «الجلاء»، ولعل الأولى إسقاط لفظة «ضرّ».

٢٩. روى ابن ماجه (٤٠٤٩) عن حذيفة بن اليمان -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يَدْرُسُ الإسلامُ كما يَدرُس وَشْيُ الثوب حتى لا يُدْرَى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليُسْرَى على كتاب الله ﷿ في ليلة، فلا يَبْقَى في الأرض منه آية …» قال البوصيريّ في «الزوائد»: إسناده صحيح رجاله ثقاة، ورواه الحاكم وصححه، والبيهقي في «شعب الإيمان»، والضياء في «المختارة».

٣٠. «جلاء الأفهام» ص ٢٤٠ - ٢٥٣.

٣١. صحيح بشواهده، فقد أخرجه أحمد ٤/ ١٧٧ والحاكم ١/ ٤٩٩ من حديث ربيعة بن عامر، والحاكم أيضًا من حديث أبي هريرة، وصححه، ووافقه الذهبي.

٣٢. هكذا النسخة، ولعل الصواب: وهذا معنى قوله تعالى.

٣٣. أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، وصححه ابن حبان.

٣٤. انظر «جلاء الأفهام» ص ٢٥٣ - ٢٥٨ نقلته ببعض تصرف واختصار.

٣٥. انظر: «صحيح الترغيب والترهيب» للشيخ الألباني رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٢٩٨ - ٣٠١.

٣٦. ستأتي تلك الأحاديث في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.

٣٧. راجع «الفتح» جـ ١٢ ص ٤٥٣ - ٤٥٦.

٣٨. وقد تقدّم إعلال ابن التركماني لهذا الحديث، وجواب الحافظ عنه.

٣٩. متفق عليه.

٤٠. قد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي.

٤١. هذا فيه نظر، فقد ثبت دعاؤه -ﷺ- بعد الفراغ من الصلاة، وسيأتي بيان أدلة ذلك في محلّه إن شاء الله تعالى.

٤٢. حديث حسن، أخرجه أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم من حديث أبي هريرة -﵁-.

٤٣. في الحديثين عمرو بن شَمِر واهٍ، وجابرٌ الجعفي ضعيف، فلا يصلح الاحتجاج بهما، وكذا بالثالث كما نبّه عليه ابن القيم ﵀، وإنما ذكرهما استيفاءً لما ذكره أصحاب هذا القول من الأدلة، وفي الحقيقة الأدلة الصحيحة الأخرى المتقدمة كافية في الاحتجاج فلا داعي للاحتجاج بمثل هذه الأحاديث الواهية فتبصّر. والله تعالى أعلم.

٤٤. أما أثر ابن مسعود -﵁-، فذكره ابن عبد البرّ في «التمهيد» أنه كان يقول: «لا صلاة لمن لم يصلّ على النبي -ﷺ-». وأما أثر أبي مسعود -﵁- فرواه عثمان بن أبي شيبة وغيره، عن شريك، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي، عنه، قال: «ما أدري أن صلاةً لي تمت حتى أصلي فيها على محمد، وعلى آل محمد». وجابر ضعيف. وأما أثر ابن عمر -﵄- فأخرجه الحسن بن شبيب المعمري بسنده عنه، قال: «لا تكون صلاة إلى بقراءة، وتشهد، وصلاة على النبي -ﷺ-». انظر «جلاء الأفهام» ص ٢٦٦.

٤٥. راجع «جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام» ص ٢٨٢ - ٢٩٢. ونقلته ببعض تصرف.

٤٦. تقدم أنه ضعيف جدًّا، لا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه.

٤٧. تقدم أن في سنده انقطاعًا؛ لأن أبا عبدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود -﵁- شيئًا لكن الحديث صحيح لغيره، فقد ذكرت له شاهدًا تقدم برقم (١١٧٦) فراجعه تستفد. و«الرَّضْف» بفتح فسكون: الحجارة المحماة على النار أو الشمس.

٤٨. «جلاء الأفهام» ص ٢٩٣ - ٢٩٥.