HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢٩٤

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَّهُمْ «قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ. فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ: كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ. قَالَا جَمِيعًا: كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَطْرٌ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ٤٩

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٥ ص١٧٩
محمد بن إسحاق في خلافة عمر بن عبد العزيز. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان، هذا (١٢٩٣) وحديث (٤٤٢٩). ٥ - (أبو سعيد الخدري) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي -﵄-، تقدّم ١٦٩/ ٢٦٢. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وأخرجه المصنف هنا ٥٣/ ١٢٩٣ وفي «الكبرى» ٨٧/ ١٢١٦. وأخرجه (خ) -٦/ ١٥١، و٨/ ٩٥ (ق) ٩٠٣ (وأحمد) ٣/ ٤٧. والكلام عليه يعلم مما تقدم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥٤ - (نَوْعٌ آخَرُ) ١٢٩٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ -فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ- كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَأَزْوَاجِهِ، وَذُرِّيَّتِهِ -قَالَا جَمِيعًا- كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنْبَأَنَا قُتَيْبَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَقَطَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَطْرٌ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قتيبة بن سعيد) المذكور قبله. ٢ - (الحارث بن مسكين) المصري القاضي، ثقة فقيه [١٠] تقدم ٩/ ٩. قوله: «والحارث» عطف على قتيبة، وسند الحارث نازل، لأنه روى عن مالك بواسطة. والله تعالى أعلم. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن الْعُتَقي المصري الفقيه، ثقة، من كبار [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) إمام دار الهجرة الحجة المشهور [٧] تقدم ٧/ ٧. ٥ - (عبد الله بن إبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم) الأنصاريّ المدني القاضي، ثقة [٥] تقدّم ١١٨/ ١٦٣. ٦ - (أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم) الأنصاري النّجَّاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: يكنى أبا محمد، ثقة عابد [٥] تقدم ١١٨/ ١٦٣. ٧ - (عمرو بن سُلَيم الزرقي) الأنصاري المدني، ثقة من كبار التابعين، تقدم ٣٧/ ٧٣٠. ٨ - (أبو حميد الساعدي) المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن، وقيل: عمرو، وقيل: غير ذلك الصحابي المشهور -﵁-، تقدّم ٣٦/ ٧٢٩. والله تعالى أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه، وشرح معظمه يعلم مما تقدّم، وسيتبين ما تَبَقَّى فيما يأتي، إن شاء الله تعالى. وقوله: «قال أبو عبد الرحمن» هو النسائى رحمه الله تعالى «أنبأنا قتيبة بهذا الحديث مرتين، ولعله أن يكون قد سقط عليه منه شطر». يعني أن قتيبة أنبأهم بهذا الحديث مرتين، ولكنه فيهما لم يرو الحديث تامًّا، فلعلّه قد ذهب من حفظه بعض ألفاظه، فلم يتمّه. و«الشطر»: معناه الجزء، وهو قوله: «كما صليت على آل إبراهيم»، كما بين في كلامه السابق أن اللفظ المذكور للحارث بن مسكين. والله تعالى أعلم. ولنتكلّم على المسائل الباقية: المسألة الأولى: في بيان تخريجه: أخرجه المصنف هنا -٥٤/ ١٢٩٤ - وفي «الكبرى» ٨٨/ ١٢١٧ - عن قتيبة، والحارث بن مسكين- وفي «عمل اليوم والليلة» -٥٩ - عن الحارث بن مسكين -وفي «التفسير» ١١١٦٨ - عن محمد بن سلمة، ثلاثتهم عن ابن القاسم، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن عمرو بن سُلَيم، عنه. وأخرجه (خ) ٤/ ١٧٨، و٨/ ٩٦ (م) ٢/ ١٦ (د) ٩٧٩ (ق) - ٩٠٥ (مالك في «الموطإ») ١٢٠ (أحمد) ٥/ ٤٢٤. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في قوله: «وأزواجه»: وهو جمع زوج، وقد يقال: زوجة، والأول أفصح، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ومن الثاني قول ابن عباس -﵄- في عائشة -﵂-: «إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة». وقال الفرزدق: [من الطويل] وَإِنَّ الَّذِي يَبْغِي لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي … كَسَاعٍ إِلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا وقد يُجمَع «زوجة» على زوجات. وجملة أزواج النبي -ﷺ- اللاتي دخل بهنّ إحدى عشرة: أولاهنّ: خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ بن كلاب. تزوجها -ﷺ- بمكة، وهو ابن خمس وعشرين سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، فكانت له وزير صدق، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين فى الأصحّ، وقيل: بأربع، وقيل: بخمس. الثانية: سودة بنت زَمْعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسل ابن عامر بن لؤيّ، تزوجها -ﷺ- بعد وفاة خديجة -﵄-، ولما كبرت، وهبت يومها لعائشة -﵄- إرضاء لرسول الله -ﷺ- حيث كانت حِبّه، فكان يَقسم لنسائه ولا يَقسم لها، وهي راضية بذلك. توفيت في آخر خلافة عمر -﵁-. الثالثة: الصدّيقة بنت الصّدّيق عائشة بنت أبي بكر -﵄-، تزوجها النبي -ﷺ-، وهي بنت ست سنين قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وبنى بها بالمدينة، أوّل مَقْدَمه في السنة الأولى، وهي بنت تسع سنين، ومات عنها، وهي بنت ثماني عشرة سنة، وتوفيت بالمدينة، ودفنت بالبقيع، وأوصت أن يصلي عليها أبو هريرة -﵁-، سنة ثمان وخمسين. الرابعة: حفصة بنت عمر بن الخطاب -﵄-، وكانت قبله عند خُنَيس بن حُذَافة السَّهْميّ، وكان صحابيًا شهد بدرًا، توفيت سنة سبع، وقيل: ثمان وعشرين. الخامسة: أمّ حَبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رَمْلة بنت صخر بن حَرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، هاجرت مع زوجها عُبَيد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصّر هناك ومات، فتزوجها النبي -ﷺ- وهي هناك، وأصدقها عنه النجاشي أربعمائة دينار، وبعث رسول الله -ﷺ- عمرو بن أميّة الضَّمْريّ إلى النجاشيّ يخطبها، وولي نكاحها عثمان بن عفّان، وقيل: خالد بن سعيد بن العاص. السادسة: أم سلمة هند بنت أبي أميّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، ومات بالمدينة من جرح أصابه بأحد -﵁-. توفيت سنة (٦٢) ودفنت بالبقيع، وهي آخر أزواج النبي -ﷺ- موتًا، وقيل: بن ميمونة -﵂-. السابعة: زينب بنت جحش من بني خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وهي بنت عمته أُميمة بنت عبد المطّلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة -﵄-، وطلقها، فزوجه الله تعالى إياها، وأنزل عليه قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] فقام فدخل عليها بلا استئذان، وكانت تَفْخَر بذلك على سائر أزواجه -ﷺ-، وتقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله من فوق سبع سماواته. توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع -﵂-. الثامنة: زينب بنت خُزَيمة الهلالية، وكانت تحت عبد الله بن جحش، اسُتشهد يوم أحد، فتزوّجها رسول الله -ﷺ- سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تسمى أم المساكين، لكثرة إطعامها المساكين، ولم تلبث عنده -ﷺ- إلا يسيرًا شهرين أو ثلاثة، فتوفيت -﵂-. التاسعة: جُويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وكانت سُبيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فقضى النبي -ﷺ- كتابتها، وتزوجها سنة ست من الهجرة، وتوفيت سنة (٥٦) -﵂-. العاشرة: صفية بنت حُييّ من ولد هارون ﵇، سبيت من خيبر، وكانت تحت كنانة بن أبي الْحُقيق، فقتله رسول الله -ﷺ- عام خيبر، فأعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة (٣٦)، وقيل: (٥٠) -﵂-. الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث الهلالية، -﵂-، تزوجها النبي -ﷺ- بسَرِفَ، وبنى بها فيها، وماتت فيها، وهي على سبعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوّجها من أمهات المؤمنين، توفيت سنة (٦٣) -﵂-. فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء. قال الحافظ أبو محمد المقدسي وغيره: وعقد على سبع، ولم يدخل بهنّ. فالصلاة على أزواجه -ﷺ- تابعة لاحترامهنّ، وتحريمهن على الأمّة، وأنهنّ نساؤه -ﷺ- في الدنيا والآخرة، فمن فارقها في حياتها، ولم يدخل بها لا يثبت لها أحكام زوجاته اللاتي دخل بهنّ، ومات عنهنّ صلى الله عليه، وعلى أزواجه، وذرّيته وسلّم تسليمًا . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم الكلام على أزواجه -ﷺ- نظمًا من كلام الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في «أبواب الغسل» رقم -١٧٠/ ٢٦٤ -، وتقدم هناك فوائد كثيرة، فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في قوله «وذرّيته»، وفيه بحثان: البحث الأول: فى اشتقاقها، وفيه ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها من ذرَأَ اللهُ الخلقَ: أي نشرَهم، وأظهرهم، إلا أنهم تركوا همزها استثقالًا، فأصلها ذُرِّيئَةٌ بالهمز فُعِّيلَةٌ من الذّرْء. وهذا اختيار صاحب «الصَّحَاح» وغيره. القول الثاني: أن أصلها من الذّرّ، وهو النمل الصغار، وكان قياس هذه النسبة «ذَرّيّة» بفتح الذال، وبالياء، لكنهم ضموا أوّلها، وهمّزوا آخرها، وهذا من باب تغيير النسب. وهذا القول ضعيف من وجوه: منها: مخالفة باب النسب. ومنها: إبدال الراء ياء، وهو غير مقيس. ومنها: أنه لا اشتراك بين الذّرّيّة والذّرّ إلا في الذال والراء، وأما في المعنى فليس مفهوم أحدهما مفهوم الآخر. ومنها: أن الذرّ من المضاعف، والذُّرّيّة من المعتلّ، أو المهموز، فأحدهما غير الآخر. القول الثالث: أنها من ذَرا يذرُو: إذا فرّق، من قوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥] وأصلها على هذا ذَرْيَوَة فَعْلَيَة من الذّرْو، ثم قلبت الواو ياء لسبق إحداهما بالسكون. والقول الأول أصح، لأن الاشتقاق والمعنى يشهدان له، فإن أصل هذه المادّة من «الذرء»، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١] وفي الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامّات التي لا يُجاوزهن بَرّ، ولا فاجر من شرّ ما خلق، وذرَأَ، وبَرَأَ» وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ [النحل: ١٣]. فالذُّرّيّة فُعْلية منه بمعنى مفعولة، أى مذروءة، ثم أبدلوا همزها، فقالوا: ذُرّيّة. البحث الثاني: في معناها: (اعلم): أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الذرية تقال على الأولاد الصغار والكبار أيضًا، وإنما الخلاف، هل تقال على الآباء، أم لا؟، ففيه قولان: (أحدهما): أنهم يُسَمَّون ذرّيّة أيضًا، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]. (الثاني): أنه أنكر ذلك جماعة من أهل اللغة، وقالوا: لا يجوز هذا في اللغة، والذرّيّة كالنسل والعقب، لا تكون إلا للعمود الأسفل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأنعام: ٨٧]، فذكر جهات النسب الثلاث من فوق، ومن أسفل، ومن الأطراف. قالوا: وأما الآية التي أستشهد بها، فلا دليل فيها، لأن الذرية فيها لم تضف إليهم إضافة نسل وإيلاد، وإنما أضيفت إليهم بوجه ما، والإضافة تكون بأدنى ملابسة، واختصاص، كما في قول الشاعر: [من الطويل] إِذَا كَوْكَبُ الْخَرْقَاءِ لَاحَ بِسُحْرَةٍ … سُهَيْلٌ أَذَاعَتْ غَزْلَهَا فِي الْقَرَائِبِ فأضاف إليها الكوكب، لأنها كانت تغزل إذا لاح وظهر، وقيل في الآية: غير ذلك. إذا ثبت هذا فالذّرّيّة الأولاد وأولادهم، وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد: (إحداهما) يدخلون، وهو مذهب الشافعي. (والثانية): لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة. واحتجّ من قال بدخولهم بأن المسلمين مجمعون على دخول أولاد فاطمة -﵂- في ذرية النبي -ﷺ- المطلوب لهم من الله الصلاة، لأن أحدًا من بناته لم يُعقب غيرُها، فمن انتسب إليه -ﷺ- من أولاد ابنته، فإنما هو من جهة فاطمة خاصّةً، ولهذا قال النبيّ -ﷺ- في الحسن ابن ابنته: «إن ابني هذا سيد» فسماه ابنه، ولما أنزل الله سبحانه آية المباهَلَة: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦١] دعا النبي -ﷺ- فاطمة، وحسنًا، وحسينًا، وخرج للمباهلة. قالوا: وأيضًا، فقد قال الله تعالى في حق إبراهيم ﵇: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٥] ومعلوم أن عيسى لم ينتسب إلى إبراهيم إلا من جهة أمه مريم ﵉. وأما من قال بعدم دخولهم، فحجته أن ولد البنات إنما ينتسبون إلى آبائهم حقيقةً، ولهذا إذا وَلَّدَ الهذليُّ، أو التيميُّ، أو العدويُّ هاشميةً لم يكن ولدها هاشميًا، فإن الولد في النسب يتبع أباه، وفي الحرية والرّقّ أمه، وفي الدين خير الأبوين دينًا، ولهذا قال الشاعر [من الطويل]: بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا … بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأَبَاعِدِ ولو أوصى، أو وقف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد بناتها من غيرها. قالوا: وأما دخول أولاد فاطمة -﵂- في ذرّيّة البني -ﷺ-، فلشرف هذا الأصل العظيم، والوالد الكريم الذي لا يُدَانيه أحد من العالمين سَرَى، ونَفَذَ إلى أولاد البنات، لقوّته، وجلالته، وعظم قدره، ونحن نرى من لا نسبة له إلى هذا الجناب العظيم من العظماء والملوك وغيرهم تسري حرمة إيلادهم وأبوّتهم إلى أولاد بناتهم، فتلحظهم العيون بلحظ أبنائهم، ويكادون يُضرِبون عن ذكر آبائهم صفحًا، فما الظن بهذا الإيلاد العظيم قدرُهُ، الجليل خَطَره. قالوا: وأما تمسككم بدخول المسيح في ذرّيّة إبراهيم فلا حجة لكم فيه، فإن المسيح لم يكن له أب، فنسبه من جهة الأب مستحيل، فقامت أمه مقام أبيه، ولهذا ينسبه الله سبحانه إلى أمه، كما ينسب غيره من ذوي الآباء إلى أبيه، وهكذا كلّ من انقطع نسبه من جهة الأب، إما بلعان، أو غيره، فأمه في النسب تقوم مقام أبيه وأمه، ولهذا تكون في هذه الحال عصبته في أصحّ الأقوال، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ﵀، وهو مقتضى النصوص، وقول ابن مسعود -﵁- وغيره، والقياس يشهد له بالصحّة، لأن النسب في الأصل للأب، فإذا انقطع من جهته عاد إلى الأم، فلو قُدّر عوده من جهة الأب رجع من الأمّ إليه. انتهى مختصرًا من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: استدل الإمام البخاري رحمه الله تعالى بحديث الباب على جواز الصلاة على غير الأنبياء، فقال في «صحيحه»: «باب هل يُصَلّى على غير النبي -ﷺ-. وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ثم أسند عن ابن أبي أوفى -﵁-، قال: كان إذا أتى رجلٌ النبيَّ -ﷺ- بصدقته، قال:«اللَّهم صل عليه»، فأتاه أبي بصدقته، فقال:«اللَّهم صلّ على آل أبي أوفى». ثم ذكر حديث أبي حميد -﵁- المذكور في الباب. قال في«الفتح»: قوله:«بابٌ هل يُصَلّى على غير النبى -ﷺ-». أي استقلالًا، أو تبعًا، ويدخل في الغير الأنبياءُ والملائكة والمؤمنون. فأما مسألة الأنبياء، فورد فيها أحاديث: (فمنها): حديث علي -﵁- في الدعاء بحفظ القرآن، ففيه:«وصلّ عليّ، وعلى سائر النبيين». أخرجه الترمذي، والحاكم. وحديث بُرَيدة -﵁- رفعه:«لا تتركن في التشهد الصلاة عليّ وعلى أنبياء الله»الحديث، أخرجه البيهقي بسند واه. وحديث أبي هريرة -﵁- رفعه:«صلّوا على أنبياء الله»الحديث، أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف. وحديث ابن عباس -﵄- رفعه:«إذا صلّيتم علي، فصلُّوا على أنبياء الله، فإن الله بعثهم كما بعثني». أخرجه الطبراني، وسنده ضعيف أيضًا. وقد ثبت عن ابن عباس -﵄- اختصاص ذلك بالنبي -ﷺ-. أخرجه ابن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم، عن عكرمة، عنه، قال:«ما أعلمُ الصلاةَ تنبغي على أحد من أحد إلا على النبي -ﷺ-»، وهذا سند صحيح. وحُكي القول به عن مالك، وقال: ما تُعُبِّدْنا به. وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وعن مالك يكره. وقال عياض: عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان: يكره أن يصلى إلا على نبيّ، ووجدت بخط بعض شيوخي مذهب مالك: لا يجوز أن يُصلَّى إلا على محمد، وهذا غير معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن نتعدّى ما أُمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى، فقال : وأحتجّ بأن الصلاة دعاء بالرحمة، فلا يُمنع إلا بنصّ، أو إجماع. قال عياض: والذي أميل إليه قول مالك، وسفيان، وهو قول المحققين من المتكلمين، والفقهاء قالوا: يُذكَرُ غير الأنبياء بالرضا والغفران، والصلاةُ على غير الأنبياء -يعني استقلالًا- لم يكن من الأمر المعروف، وإنما أُحدثت في دوله بني هاشم. وأما الملائكة، فلا أعرف فيه حديثًا نصّا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله إن ثبت، لأن الله تعالى سمّاهم رُسُلًا. وأما المؤمنون، فاختُلف فيهم، فقيل: لا تجوز إلا على النبي -ﷺ- خاصّةً، وحكي عن مالك كما تقدّم. وقالت طائفة: لا تجوز مطلقًا، استقلالًا، وتجوز تَبَعًا فيما ورد به النصّ، أو ألحق به، لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [النور: ٦٣]، ولأنه لما علّمهم السلام، قال: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، ولما علّمهم الصلاة مصر ذلك عليه، وعلى أهل بيته. وهذا القول اختاره القرطبى في «المفهم»، وأبو المعالي من الحنابلة، وهو اختيار اين تيمية من المتأخرين. وقالت طائفة: تجوز تبعًا مطلقًا، ولا تجوز استقلالًا. وهذا قول أبي حنيفة وجماعة. وقالت طائفة: تكره استقلالًا، لا تبعًا، وهي رواية عن أحمد. وقال النووي: هو خلاف الأولى. وقالت طائفة: تجوز مطلقًا، وهو مقتضى صنيع البخاريّ ﵀، فإنه صدّر بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، ثم عقبه بالحديث الدالّ على الجواز مطلقًا،، وعقّبه بالحديث الدّالّ على الجواز تبعًا. فأما الأول، فسيأتي شرحه في «كتاب الزكاة» -١٣/ ٢٤٥٩ - إن شاء الله تعالى. ووقع مثله عن قيس بن سعد بن عُبَادة -﵄-: أن النبي -ﷺ- رفع يديه، وهو يقول: «اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك، على آل سعد بن عبادة». أخرجه أبو داود، والنسائي بسند جيد. وفي حديث جابر -﵁-: «أن امرأته، قالت للنبي -ﷺ-: صلِّ عليّ وعلى زوجي، ففعل». أخرجه أحمد مطوّلًا ومختصرًا، وصححه ابن حبّان. وهذا القول جاء عن الحسن، ومجاهد، ونصّ عليه أحمد في رواية أبي داود، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبريّ. واحتجّوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وفي «صحيح مسلم» من حديث أبى هريرة -﵁- مرفوعًا: «إن الملائكة تقول لروح المؤمن: صلى الله عليك، وعلى جسدك». وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله تعالى، ورسوله -ﷺ-، ولهما أن يخصّا من شاءا بما شاءا، وليس ذلك لأحد غيرهما. وقال البيهقي ﵀: يحتمل قول ابن عباس -﵄- بالمنع إذا كان على وجه التعظيم، لا ما كان إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة انتهى ما في «الفتح» ببعض تصرّف . ولقد حقق الموضوع الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، وناقش الأدلّة، وأجاد وأفاد، ثم قال في آخر البحث: ما نصه: وفصل الخطاب في هذه المسألة أن الصلاة على غير النبي -ﷺ- إما أن يكون آله وأزواجه وذريته، أو غيرهم، فإن كان الأول فالصلاة عليهم مشروعة، مع الصلاة على النبي -ﷺ-، وجائزة مفردة. وأما الثاني: فإن الملائكة، وأهل الطاعة عمومًا الذين يدخل فيهم الأنبياء وغيرهم جاز ذلك أيضًا، فيقال: اللَّهم صلّ على ملائكتك المقرّبين، وأهل طاعتك أجمعين، وإن كان شخصًا معينًا، أو طائفة معيّنةً كُره أن يتخذ الصلاة عليه شعارًا، لا يُخلّ به، ولو قيل بتحريمه لكان له وجه، ولاسيّما إذا جعلها شعارًا له، ومنع منها نظيرَه، أو من هو خير منه، وهذا كما تفعل الرافضة بعلي -﵁-، فإنهم حيث ذكروه قالوا: ﵊، ولا يقولون ذلك فيمن هو خير منه، فهذا ممنوع، لاسيما إذا اتُخذ شعارًا، لا يُخَلّ به، فتركه حينئذ متعيّن، وأما إن صلى عليه أحيانًا بحيث لا يجعل ذلك شعارًا كما يصلي على دافع الزكاة، وكما قال ابن عمر للميت: صلى الله عليه، وكما صلى النبي -ﷺ- على المرأة وزوجها ، وكما روي عن علي من صلاته على عمر -﵄-، فهذا لا بأس به. وبهذا التفصيل تتفق الأدلّة، وينكشف وجه الصواب. والله تعالى ولي التوفيق انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حققه العلامة ابن القيم ﵀ حسنٌ جدًّا، فالحق جواز الصلاة على غير الأنبياء من المؤمنين استقلال ما لم يمنع منه مانع، كما بينه ابن القيم في كلامه المذكور. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: اختلفوا في «السلام»، هل هو في معنى «الصلاة»، فيكره أن يقال: السلام على فلان، أو قال فلان ﵇؟ فكرهه طائفة، منهم: أبو محمد الجُوَيني، ومنع أن يقال: عن علي ﵇. وفرّق آخرون بينه وبين الصلاة، فقالوا: السلام يشرع في حقّ كل مؤمن حيّ وميت، وحاضر وغائب، فإنك تقول: بلّغ فلانًا مني السلام، وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة، فإنها من حقوق الرسول -ﷺ-، ولهذا يقول المصلي: «السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين»، ولا يقول: الصلاة علينا، وعلى عباد الله الصالحين، فعلم الفرق. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه مثل الصلاة، فإن كان شعارًا لبعض الناس، كقول الشيعة: علي ﵇، فيكره، وإلا فلا، كما تقدم التفصيل في كلام ابن القيّم في الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب -«بابٌ كيف الصلاة على النبي - ﷺ»- أنواعًا من الصلاة على النبي -ﷺ- عن خمسة من الصحابة -﵃-، هم: أبو مسعود البدري، وكعب بن عُجْرة، وطلحة بن عبيد الله، وزيد بن خارجة، وأبو سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنهم. وذكر ممن رُويت عنه فيما مضي ٤٦/ ١٢٨٣ ابنَ مسعود، و٤٧/ ١٢٨٣ - طلحةَ بنَ عبيد الله، و٤٨/ ١٢٨٤ - فَضَالةَ بن عُبيد. وسيأتي له في ٥٥/ ١٢٩٦ - أبو هريرة، وفي -٥٥/ ١٢٩٧ - أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم. فجملة مَن رُوي عنه أحاديثُ الصلاة على النبي -ﷺ- عند المصنف عشرة أنفس. وقد ورد عن عدة من الصحابة -﵃- غير هؤلاء، وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «جَلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام» هؤلاء، وزاد عليهم غيرهم، فممن زاده: على بن أبي طالب، وأبو هريرة، وبُرَيدة بن الحصيب، وسهل بن سعد الساعديّ، وعمر بن الخطاب، وعامر بن ربيعة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي بن كعب، وأوس ابن أوس، والحسن، والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وفاطمة بنت رسول الله -ﷺ-، والبراء بن عازب، ورُوَيفع بن ثابت الأنصاريّ، وجابر بن عبد الله، وأبو رافع مولى رسول الله -ﷺ-، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو أُمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن بشر بن مسعود ، وأبو بردة بن نيار، وعمار بن ياسر، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة بن سهل ابن حُنيف، عن رجل من الصحابة، ومالك بن الحُويرث، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء الزُّبَيديّ، وعبد الله بن عباس، وأبو ذرّ، وواثلة بن الأسقع، وأبو بكر الصديق، وعائشة، وعبد الله بن عمرو، وأبو الدرداء، وسعيد بن عمير الأنصاريّ، عن أبيه عُمير، وهو من البدريين، وحَبّان بن منقذ رضي الله تعالى عنه أجمعين. وذكر ابن القيم ﵀ ما لهؤلاء من الأحاديث بأسانيدها، وتكلم عليها بما يكفي ويشفي، فلْيُرَاجع كتابه المذكور. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في ذكر قاعدة فى هذه الصلوات التي اختلفت ألفاظها، ومثلُها الأذكار، والأدعيةُ التي رُويت بأنواع مختلفة، كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهدات في الصلاة، وأنواع الأذكار، والأدعية التي في الركوع، والسجود، وفي الرفع منهما: قد سلك بعض المتأخرين في ذلك مسلك الجمع بينها، فقال: يستحب له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى أن ذلك أفضل ما يُقال فيها، فرأى أنه يستحبّ للمصلي على النبي -ﷺ- أن يقول: «اللهم صل على محمد النبي الأمّي، وعلى آل محمد، وأزواجه، وذرّيّته، وارحم محمدًا، وآل محمد، وأزواجه، وذرّيّته، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم»، وكذلك في البركة والرحمة. وكذا الداعي بدعاء الصدّيق -﵁- يقول: «اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا كبيرًا .... الخ». ويقول في دعاء الاستخارة: «اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، وعاجل أمري، وآجله»، ونحو ذلك. قال: ليصيب ألفاظ النبي -ﷺ- يقينًا فيما شكّ فيه الراوي، ولتجتمع له الأدعية فيما اختلفت ألفاظها. ونازعه في ذلك آخرون وقالوا: هذا ضعيف من وجوه: (أحدها): أن هذه طريقة مُحدَثة، لم يَسبقْ إليها أحد من الأئمة المعروفين. (الثاني): أن صاحبها إن طَرَدها لزمه أن يَستَحبّ للمصلي بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهدات، وأن يقول في ركوعه وسجوده جميع الأذكار الواردة فيه، وهذا باطل قطعًا، فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبّه أحد من أهل العلم، وهو بدعة، وإن لم يطردها تناقض، وفرّق بين متماثلين. (الثالث): أن صاحبها ينبغي له أن يستحبّ للمصلي والتالي أن يجمع بين القرءات المتنوّعة في التلاوة في الصلاة وخارجها، قالوا: ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحبّ ذلك للقارىء في الصلاة، ولا في خارجها، إذا قرأ قراءة عبادة وتدبّر، وإنما يَفعَلُ ذلك القُرّاءُ أحيانًا ليمتحنوا بذلك حفظ القارىء لأنواع القراءات، وإحاطته بها، واستحضاره إيّاها، والتمكن من استحضارها عند طلبها، فذلك تمرين، وتدريب، لا تعبّد يُستحبّ لكلّ تال وقارىء، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه. بل المشروع في حقّ التالي أن يقرأ بأيّ حرف شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرّةً وبهذا مرّة جاز ذلك وكذلك المصلي إذا صلى على النبي -ﷺ- إن شاء يصلي بلفظ كعب بن عُجرة، وإن شاء بلفظ أبي حُميد الساعديّ، وإن شاء بلفظ أبي سعيد الخدري، وإن شاء بلفظ أبي قال الحافظ: وكأنه أخذه من كلام ابن القيم، ثم ذكر معنى كلام ابن القيم ﵀. راجع «الفتح» جـ ١٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٨. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تبين من كلام الأذرعي أن النووي هو أول من قال بهذا الجمع. والله تعالى أعلم. طلحة رضي الله تعالى عنهم، وإن شاء صلى بهذا مرة، وبهذا مرةً، وهكذا، ولا يجمع بين ألفاظها المختلفة. وكذلك إذا تشهد، فإن شاء تشهد بتشهد ابن مسعود، وإن شاء تشهد بتشهد ابن عباس، وإن شاء بتشهد ابن عمر، وإن شاء بتشهد عائشة -﵃- أجمعين. وكذلك في الاستفتاح إن شاء استفتح بحديث علي، وإن شاء بحديث أبي هريرة، وإن شاء باستفتاح عمر -﵃- أجمعين، وإن شاء فعل هذا مرةً، وفعل هذا مرةً. وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع، إن شاء قال: «اللَّهم ربنا لك الحمد»، وإن شاء قال: «ربنا لك الحمد»، وإن شاء قال: «ربنا ولك الحمد»، ولا يستحبّ له أن يجمع بين ذلك. وكذلك الداعي بدعاء الصديق -﵁- يقول مرةً: «ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا»، ومرّة يقول: «كبيرًا»، ولا يجمع بين اللفظتين. وقد احتجّ غير واحد من الأئمة، منهم الشافعي ﵀ على جواز الأنواع المأثورة في التشهدات، ونحوها بالحديث الذي رواه أصحاب الصحيح، والسنن، وغيرهم عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، فجَوّز النبي -ﷺ-، القراءة بكلّ حرف من تلك الأحرف، وأخبر أنه «شاف كاف»، ومعلوم أن المشروع في ذلك أن يقرأ بتلك الأحرف على سبيل البدل، لا على سبيل الجمع، كما كان الصحابة يفعلونه. (الرابع): أن النبي -ﷺ- لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آن واحد، بل إما أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة، كألفاظ الاستفتاح، والتشهد، وأذكار الركوع، والسجود، وغيرها، فاتباعه -ﷺ- يقتضي أن لا يجمع بينها، بل يقال هذا مرة، وهذا مرة، وإما أن يكون الراوي قد شكّ في أيّ الألفاظ قال، فإن ترجّح عند الداعي بعضها صار إليه، وإن لم يترجّح عنده بعضها كان مخيّرًا بينها، ولم يشرع له الجمع، فإن هذا نوع ثالث لم يُروَ عن النبي -ﷺ-، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آن واحد على مقصود الداعي بالإبطال، لأنه قصد متابعة الرسول -ﷺ-، ففعل ما لم يفعله قطعًا. (الخامس): أن المقصود إنما هو المعنى، والتعبير عنه بعبارة مؤدية له، فإذا عبّر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصود، فلا يَجمع بين العبارات المتعددة. (السادس): أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يُستحبّ الجمع بين البدل والمبدل معًا، كما لا يستحبّ ذلك في المبدلات التي لها أبدال. والله تعالى أعلم. أفاده العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو بحث نَفِيس، وتحقيق أَنِيس والله تعالى أعلم . وقال في «الفتح» بعد ذكر معنى كلام ابن القيم ﵀ المذكور: ما نصه: والذي يظهر أن اللفظ إن كان بمعنى اللفظ الآخر سواءً، كما في «أزواجه»، و«أمهات المؤمنين» فالأولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما، وإن كان اللفظ يستقلّ بزيادة معنى ليس في اللفظ الآخر البتة، فالأولى الإتيان به، ويحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر. وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئًا ما، فلا بأس بالإتيان به، احتياطًا. وقالت طائفة، منهم الطبريّ: إن ذلك الاختلاف مباح، فأيّ لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله، وأبلغه، واستدلّ على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة، فذكر ما نُقل عن عليّ -﵁-، وهو حديث موقوف طويل، أخرجه سعيد بن منصور، والطبري، والطبراني، وابن فارس، وأوله: «اللَّهمّ داحي المدحُوّات» إلى أن قال: «اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحيتك على محمد عبدك، ورسولك …» الحديث. وعن ابن مسعود -﵁- بلفظ: «اللَّهم اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبين، محمد عبدك ورسولك …» الحديث. أخرجه ابن ماجه، والطبريّ . انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى من أولوية الإتيان باللفظ فيما إذا اختلف المعنى عندي محلُّ ذلك إذا كان من حديث صحابي واحد، وذلك كأن يختلف الرواة على حديث أبي حميد الساعدي -﵁-، ونحوه. وأما إذا كان الاختلاف في أكثر من صحابي واحد، فلا ينبغي الإتيان به، لأن ذلك يُحمل على اختلاف التعليم النبوي، فإن النبي -ﷺ- علّم صيغ الصلاة عليه بألفاظ مختلفة، تسهيلًا على الأمة، كما اختلف تعليمه في صيغ التشهدات، وفي أحرف القرآن، كل ذلك للتوسيع والتسهيل، فلا ينبغي أن يُتجاوز تعليمه بالجمع المذكور. وخلاصة الأمر في ذلك أن هذا الاختلاف في صيغ الصلوات على النبي -ﷺ- من جنس الاختلاف في أحرف القرآن، فيكون من المباح الذي خُيّر فيه المصلي، فبأي صيغة من الصيغ الواردة الصحيحة صَلَّى على النبي -ﷺ-، فقد أتى بما أمره الله تعالى به، فينبغي له أن يأتي بهذه الصيغة تارةً، وبهذه الصيغة تارة أخرى، حتى يستعمل كلَّ ما صح عن النبي -ﷺ- منها، وأما الجمع بين تلك الصيغ، فهو خروج عن التعليم النبوي كُلِّها، فمن فعل ذلك لم يكن ممتثلًا للأمر جزمًا، ولم يخرج عن العهدة بيقين. فليُتَنَبَّهْ لهذا الأمر الدقيق، فإنه من مزالّ الأقدام. وقد تقدم نظير هذا البحث في «كتاب الافتتاح». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ما حاصله: إن أكثر الأحاديث الصحاح والحسان، بل كلّها مصرّحة بذكر «محمد، وآل محمد»، وبذكر «آل إبراهيم»، فقط، أو بذكر «إبراهيم» فقط، قال: ولم يجىء في حديث صحيح بلفظ «إبراهيم، وآل إبراهيم» معًا، وإنما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السَّبّاق، عن رجل من بني الحارث، عن ابن مسعود، ويحى مجهول، وشيخه مبهم، فهو سند ضعيف، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر قويّ، لكنه موقوف على ابن مسعود، وأخرجه النسائي، والدارقطنيّ من حديث طلحة. وتعقبه الحافظ ﵀ في «الفتح» بأنه وقع في «صحيح البخاري» في «أحاديث الأنبياء» في ترجمة إبراهيم ﵇ من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، بلفظ: «كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»، وكذا في قوله: «كما باركت». وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدريّ من رواية محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عنه، أخرجه الطبريّ، بل أخرجه الطبريّ أيضًا في رواية الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه من طريق عمرو بن قيس، عن الحكم بن عُتيبة، فذكره بلفظ: «على محمد، وآل محمد، إنك حميد مجيد»، وبلفظ: «على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وأخرجه أيضًا من طريق الأجلح، عن الحكم مثلَه سواءً، وأخرجه أيضًا من طريق حنظلة بن عليّ، عن أبي هريرة -﵁-. وأخرجه أبو العباس السرّاج من طريق داود بن قيس، عن نعيم المجمر، عن أبي هريرة -﵁-: أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟، قال: «قولوا:»اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت، وباركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد«. ومن حديث بُريدة رفعه:«اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على محمد، وعلى آل محمد، كما جعلتها على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم»، وأصله عند أحمد. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فتبيّن بهذا أن ما قاله ابن القيم ﵀ من عدم صحة الحديث بالجمع بين«إبراهيم»، و«آل إبراهيم»غير صحيح، فقد صح الجمع بينهما في«صحيح البخاري»وغيره. فتنبّه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: وقع في حديث ابن مسعود -﵁- كما رواه البيهقي عنه مرفوعًا، زيادة«وارحم»ولفظه:«إذا تشهد أحدكم في الصلاة، فليقل: اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، وأرحم محمدًا، وآل محمد كما صليت، وباركت، وترحّمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وأخرجه الحاكم، وصححه، واغترّ بتصحيحه قوم، فوهموا، فإنه من رواية يحيى بن السباق، وهو مجهول، عن رجل مبهم. نعم أخرجه ابن ماجه عن ابن مسعود موقوفًا عليه، ولفظه:«اللَّهم اجعل صلواتك، ورحمتك، وبركاتك على محمد عبدك ورسولك … »الحديث. وفي سنده المسعودي، وهو مختلط. وقد بالغ ابن العربي في إنكار ذلك، فقال: حَذَارِ مما ذكره ابن أبي زيد من زيادة«وترحّم»، فإنه قريب من البدعة، لأنه -ﷺ- علّمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه انتهى. قال الحافظ: فإن كان إنكاره لكونه لم يصحّ فمسلّم، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال:«ارحم محمدًا»مردودة، لثبوت ذلك في عدّة أحاديث، أصحها في التشهد:«السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله، وبركاته». قال: ثم وجدت لابن أبي زيد مستندًا، فأخرج الطبري في«تهذيبه»من طريق حنظلة ابن عليّ، عن أبي هريرة رفعه:«من قال: اللَّهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وترحّم على محمد، وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، شهدت له يوم القيامة، وشفعت له». ورجال سنده رجال الصحيح، إلا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاص، الراوي له عن حنظلة بن علي، فإنه مجهول [تنبيه]: هذا كله فيما يُقال مضمومًا إلى السلام، أو الصلاة، وقد وافق ابنَ العربي الصيدلانيُّ من الشافعية على المنع، وقال أبو القاسم الأنصاريّ شارح«الإرشاد»: يجوز ذلك مضافًا، ولا يجوز مفردًا، ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقًا، وقال القرطبي في«المفهم»: إنه الصحيح، لورود الأحاديث به، وخالفه غيره، ففي«الذخيرة»من كتب الحنفية عن محمد يكره ذلك، لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالبًا إنما تكون عن فعل ما يلام عليه، وجزم ابن عبد البرّ، فقال: لا يجوز لأحد إذا ذكر النبي -ﷺ- أن يقول:«﵀»، لأنه قال:«من صلى عليّ»، ولم يقل:«من ترحم علي»، ولا«من دعالي»، وإن كان معنى الصلاة الرحمة ، ولكنه خُصّ هذا اللفظ تعظيمًا له، فلا يُعدَل عنه إلى غيره. ويؤيده قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] انتهى. قال الحافظ: وهو بحث حسنٌ، لكن في التعليل الأول نظر، والمعتمد الثاني. والله أعلم انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أنه لا يزاد في الصلاة الإبراهيمية«وترحم»لعدم ثبوت ذلك عن النبي -ﷺ-. والحاصل أنه لا يزاد إلا ما ثبت عن النبي -ﷺ- من طريق صحيح، لأن الزيادة على تعليمه -ﷺ- يكون استدراكًا على الوحي. وأما الترحم في غير ذلك كأن يقال عند سماع اسمه:«﵀»كما يقال ذلك عند ذكر اسم العلماء، فالأولى أن لا يفعل لعدم ثبوت دليل يُعتَمَد عليه، فتنبه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: في زيادة لفظ«سيدنا» في الصلاة الإبراهيمية: (اعلم): أن هذه المسألة مما شاع وذاع النزاع فيه بين المتأخرين، وليس فيها أثر صحيح من المتقدمين، وقد سئل عنها الحافظ ابن حجر ﵀، فأجاب فيها بجواب قاطع للنزاع، لمن كان قصده الاتباع، لا لمن شأنه الابتداع، ودونك نص الفتوى: قال الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥) وكان ملازمًا للحافظ ﵀: سئل -أي الحافظ ابن حجر- أمتع الله بحياته عن صفة الصلاة على النبي -ﷺ- في الصلاة، أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها، أو ندبيتها، هل يشترط فيها أن يصفه -ﷺ- بالسيادة، كأن يقول مثلًا: اللَّهم صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق، أو على سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللَّهم صل على محمد؟، وأيهما أفضل، الإتيان بلفظ السيادة، لكونها صفة ثابتة له -ﷺ-، أو عدم الإتيان به لعدم ورود ذلك في الآثار؟ فأجاب -﵁-: نعم اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعًا منه -ﷺ-، كما لم يكن يقول عند ذكره -ﷺ-: «-ﷺ-» وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذُكر، لأنا نقول: لو كان ذلك راجحًا لجاء عن الصحابة، ثم عن التابعين، ولم نقف في شىء من الآثار عن أحد من الصحابة، ولا التابعين لهم قال ذلك، مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك. وهذا الإمام الشافعي أعلى الله درجته، وهو من أكثر الناس تعظيمًا للنبي -ﷺ- قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: «اللَّهم صل على محمد» إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده، وهو قوله: «كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون»، وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه «سبحان الله عدد خلقه» فقد ثبت أنه -ﷺ- قال لأم المؤمنين، ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته، «لقد قلت بعدك كلمات، لو وُزنت بما قلت لوزنتهنّ»، فذكر ذلك، وكان -ﷺ- يعجبه الجوامع من الدعاء. وقد عقد القاضي عياض بابًا في صفة الصلاة على النبي -ﷺ- في كتاب «الشفا» ونقل فيه آثارًا مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ «سيدنا». منها حديث علي -﵁- أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبي -ﷺ-، فيقول: «اللَّهم داحي المدحوّات، وبارىء المسموكات، اجعل سوابق صلواتك، ونوامي بركاتك، وزوائد تحيتك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق». وعن علي -﵁- أيضًا أنه كان يقول: «صلوات الله البرّ الرّحيم، والملائكة المقرّبين، والنبيين والصديقين، والشهداء، والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وإمام المتقين …» الحديث. وعن عبد الله بن مسعود -﵁- أنه كان يقول: «اللَّهمّ اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول رب العالمين …» الحديث. وعن الحسن البصريّ أنه كان يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض المصطفى، فليقل: «اللَّهم صل على محمد، وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، وأولاده، وذرّيّته، وأهل بيته، وأصهاره، وأنصاره، وأشياعه، ومحبيه». فهذا ما أُوثره من «الشفا» مما يتعلق بهيئة الصلاة عليه عن الصحابة، ومن بعدهم، وذكر فيه غير ذلك. نعم ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبي -ﷺ-: «اللَّهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك، وبركاتك على سيد المرسلين …» الحديث. أخرجه ابن ماجه، ولكن إسناده ضعيف. وحديث علي المشار إليه أوّلًا أخرجه الطبراني بإسناد لا بأس به، وفيه ألفاظ غريبة رويتها مشروحة في كتاب «فضل النبي -ﷺ-» لأبي الحسن بن الفارس. وقد ذكر الشافعية أن رجلًا لو حلف لَيُصلّينّ على النبي -ﷺ- أفضل الصلاة، فطريق الْبَرّ أن يصلي على النبي -ﷺ-: «اللَّهم صلّ على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون». وقال النووي: والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: «اللَّهم صل على محمد، وعلى آل محيد، كما صلّيت على آل إبراهيم …» الحديث وقد تعقّبه جماعة من المتأخرين بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدلّ على ثبوت الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى فالأفضلية ظاهرة في الأول. والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كلّ من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة لم يقع في كلام أحد منهم «سيدنا»، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة ما خفيت عليهم كُلِّهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتباع، والله أعلم. انتهى فتوى الحافظ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما قاله الحافظ ﵀ أن هذه الزيادة من البدع المستحدثة في المتأخرين، فاستحسان بعض أهل العلم من المتأخرين لها مردود، لأنه لا حجة له في ذلك، ولم يؤثر عن أحد من السلف، وإنما هو مجرد استحسان بهوى، فيبطله قوله -ﷺ- الحديث المتفق عليه: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»، وفي رواية لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رَدّ». ونحن نعلم، ونعتقد، وكذا كل مسلم، فضلًا عن أهل العلم أنه -ﷺ- سيدنا، وسيد ولد آدم أجمعين، وسيد البرية كلهم، لكن تعليمه لنا بدون ذكر لفظ السيادة يدلّ على أنه
مصادر المؤلف (٢٤)

١. هكذا جعله في «ت» من الطبقة الخامسة، والظاهر أنه من الثالثة؛ لأنه من أقران عمرو بن سليم، ولذا قال في «الفتح»: وروايته عن عمرو بن سليم من رواية الأقران، وولده من صغار التابعين، ففي السند ثلاثة من التابعين، في سند واحد، والسند كله مدنيون. انتهى «فتح» جـ ١٢ ص ٤٦٢، فعلى هذا فأبو بكر من الطبقة الثالثة، وولده من الخامسة. فتنبّه. والله تعالى أعلم.

٢. «يستبيلها»: أي يأخذ بولها في يده.

٣. راجع «جلاء الأفهام» ص ١٧٣ - ٢٠١.

٤. أخرجه أحمد ٣/ ٤١٩ بسند رجاله ثقات، وأخرجه مالك في «الموطإ» ٢/ ٩٥٠ مرسلًا.

٥. «السُّحْرَةُ» بضم، فسكون: السَّحَرُ.

٦. أخرجه البخاري، وأصحاب السنن.

٧. «جلاء الأفهام» ص ٢٠٢ - ٢٠٨.

٨. هكذا عبارة«الفتح»، ولعله سقط منه«يجوز»، أو نحوه، فليحرر.

٩. «فتح» جـ ١٢ ص ٤٦١ - ٤٦٢.

١٠. أخرجه إسماعيل القاضي في «فضل الصلاة» بسند صحيح، ولفظه: «عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يكبر على الجنازة، ويصلي على النبي -ﷺ-، ثم يقول: اللهم بارك فيه، وصل عليه، واغفر له، وأورده حوض نبيك».

١١. أخرجه أحمد، وأبو داود بسند قويّ كما تقدم من حديث جابر -﵁-.

١٢. «جلاء الأفهام» ص ٣٧٩.

١٣. «جلاء الأفهام» ص ٣٧٩.

١٤. لكن هذا تابعي كما تقدم، وهو الراوي عن أبي مسعود عند المصنف رقم ٥٠/ ١٢٨٦ فلا يعدّ حديثه مستقلًا مثل أحاديثهم، فتنبّه.

١٥. هو النووي ﵀ ذكر نحو هذا في«شرح المهذّب»، وكذا في«التحقيق»، و«الفتاوى»، كما قاله في«الفتح»جـ ١٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٧.

١٦. قال في «الفتح»: وقال الأذرعي: لم يُسْبَق إلى ما قال، والذي يظهر أن الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول كل ما ثبت، هذا مرّة، وهذا مرة، وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد. انتهى.

١٧. «جلاء الأفهام» ص ٢٥٨ - ٢٦٢.

١٨. ضعيف لاختلاط أحد رواته، وهو المسعوديّ.

١٩. «فتح» جـ ١٢ ص ٤٤٨.

٢٠. هكذا في «الفتح» «في رواية الحكم»، ولعل الصواب «من رواية الحكم» بـ«من». والله أعلم

٢١. تقدم أن الصحيح أن صلاة الله معناها: ثناؤه على عبده. فتنبّه.

٢٢. «فتح» جـ ١٢ ص ٤٤٩.

٢٣. هكذا نسخة ما نقله الشيخ الألباني من مخطوطة الفتوى في كتابه «صفة الصلاة» بلفظ «أوثره» من الإيثار، ولعل الصواب «أَثَرْتُهُ» أي نقلته. والله أعلم.

٢٤. ذكر هذه الفتوى الشيخ الألباني ﵀ في «صفة صلاة النبي -ﷺ-»، وذكر أنه نقلها من خط الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي (٧٩٠ - ٨٣٥)، وهو من محفوظات المكتبة الظاهرية.