٨١ - (بَابُ الاسْتِغْفَارِ بَعْدَ التَّسْلِيم)
١٣٣٧ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادٌ أَبُو عَمَّارٍ، أَنَّ أَبَا أَسْمَاءَ الرَّحَبِيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُحَدِّثُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمود بن خالد) السلمي، أبو علي الدمشقي، ثقة، من صغار [١٠] تقدّم ٤٥/ ٥٩٥.
٢ - (الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العبّاس الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٣/ ٤٥٤.
٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الدمشقي، ثقة فقيه جليل [٧] تقدم ٤٥/ ٥٦.
٤ - (شداد أبو عمار) هو ابن عبد الله القرشيّ الدمشقي مولى معاوية بن أبي سُفيان، ثقة يرسل [٤].
روَى عن أبى هريرة، وشدّاد بن أوس، وعمرو بن عَبَسَة، وواثلة، وأبي أسماء الرحَبيّ، وغيرهم. وعنه الأوزاعي، وعكرمة بن عمّار، وعوف الأعرابي، وغيرهم.
قال عكرمة بن عمّار: حدّثنا شداد أبو عمّار، وقد لقي أبا أمامة، وواثلة، وصحب أنسًا إلى الشام، وأثنى عليه فضلًا وخيرًا. وقال يحيى بن أبي كثير: حدّثنا شدّاد بن عبد الله، وكان مرضيًا. وقال العجليّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ: ثقة. وقال عثمان الدارمي، وابن الجنيد، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذلك قال النسائي. وقال صالح ابن محمد: صدوق لم يسمع من أبي هريرة، ولا من عوف بن مالك. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال يعقوب بن سفيان: ثقة. أخرج له البخاري في «الأدب المفرد» والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث، و(٣١٤٠) حديث: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له …».
٥ - (أبو أسماء الرَّحَبيّ) عمرو بن مَرْثَد الدمشقيّ، ثقة [٣].
روى عن ثوبان، وأبي ذرّ، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه شدّاد أبو عمّار، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو قلابة، وغيرهم.
قال العجلي: شامي تابعي ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات».
وقال ابن زَبْر: «الرحَبيّ»: نسبة إلى رَحَبَة دمشق، قرية من قُراها، بينها وبين دمشق ميل، رأيتها عامرة.
وذكر أبو سعد ابن السمعاني أنه من رَحَبَة حِمْيَر، وقال: مات في خلافة عبد الملك ابن مروان.
ويُروى عن أبي داود أن اسم أبي أسماء الرحبي عبد الله. وقال أبو الحسن بن سُميع: اسم أبيه أسماء، والأول هو المشهور. أخرج البخاري في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٦ - (ثوبان) بن بُجْدُد الهاشميّ مولى النبي -ﷺ-، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام -﵁-، تقدم ١٧٠/ ١١٣٩. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، وأنه مسلسل بالدمشقيين، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي أسماء الرَّحَبيّ (أنه سمع ثوبان مولى رسول الله -ﷺ- يحدث أن رسول الله -ﷺ- كان إذا انصرف من صلاته) قال النووي ﵀: المراد بالانصراف السلام، أي سلّم منها.
(استغفر ثلاثًا) زاد مسلم في «صحيحه» بعد روايته لهذا الحديث: قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: «استغفر الله، استغفر الله» انتهى.
وهذا الاستغفار إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحقّ عبادة مولاه، لما يَعرض له من الوسواس والخواطر، فشُرع له الاستغفار، تداركًا لذلك.
وقال السندي رحمه الله تعالى: استغفر -ﷺ- تحقيرًا لعمله، وتعظيمًا لجناب ربّه، وكذلك ينبغي أن يكون حال العابد، فينبغي أن يلاحظ عظمة جلال ربه، وحقارة نفسه وعمله لديه، فيزداد تضرعًا واستغفارًا كلّما يزداد عملًا، وقد مدح الله عباده، فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨].
وقال ابن سيد الناس ﵀: هو وفاء بحقّ العبودية، وقيام بوظائف الشكر، كما قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا»، وليبين للمؤمنين سنته فعلًا، كما بينها قولًا في الدعاء والضراعة ليُقتَدَى به انتهى.
(وقال) أي بعد الاستغفار (اللَّهم أنت السلام) هو اسم من أسماء الله تعالى، أي أنت السليم من المعايب والآفات، ومن كل نقص.
وقال الصنعاني ﵀: المراد ذو السلامة من كل نقص وآفة، مصدر وُصف به للمبالغة انتهى.
وفي تعريف الجزأين إفادة الحصر، أي أنت المختص بالتنزّه عن النقائص والعيوب، لا غيرك.
(ومنك السلام) هذا بمعنى السلامة، أي أنت الذي تعطي السلامة وتمنحها لمن أردتها له، لا من غيرك، أو منك نطلب السلامة من شرور الدنيا والآخرة، أو منك يُرجَى السلام، ويُستوهب، ويُستفاد، أو السلامة من المعايب والآفات مطلوبة منك، أو حاصلة من عندك، فالسالم من سلّمته.
قال الشيخ الْجَزَري رحمه الله تعالى: وأما ما يُزاد بعد قوله: «ومنك السلام» من نحو «وإليك يرجع السلام، فحينا ربنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام»، فلا أصل له، بل هو مختلق من بعض القُصّاص انتهى. (تباركت) تفاعلت من البركة، وهي الكثرة والنماء.
روي عن ابن عباس -﵄- أنه قال: «تبارك» بمعنى تعالى، وقال أبو العباس: ارتفع، والمبارك المرتفع. وقال ابن الأنباريّ: تقدّس، وقال الحسن: تبارك تجيء البركة من قبله، وقال الضّحّاك: تَعَظّم، وقال الخليل: تمجّد.
وقال الحسين بن الفضل: تبارك في ذاته، وبارك من شاء من خلقه.
قال العلّامة ابن القيم ﵀: وهذا أحسن الأقوال، فتبارُكُهُ سبحانه وصفُ ذاتٍ له، وصفةُ فعلٍ.
وقال ابن عطيّة: معناه عظُم، وكثُرت بركاته، ولا يوصف بهذه اللفظة إلا الله تعالى، ولا تتصرف في لغة العرب، لا يستعمل منها مضارع ولا أمر، قال: وعلّة ذلك أن «تبارك» لما لم يوصف به غير الله دم يَقتض مستقبلًا، إذ الله ﷾ قد تبارك في الأزل .
(يا) وفي «صحيح مسلم» بحذف حرف النداء (ذا الجلال) أي العظمة (والإكرام) أي الإحسان إلى أوليائه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨١/ ١٣٣٧ - وفي «الكبرى» -١١٥/ ١٢٦٠ - وفي «عمل اليوم والليلة» رقم ١٣٩ بالسند المذكور.
وأخرجه (م) ٢/ ٩٤ (د) ١٥١٣ (ت) ٣٠٥ (ق) ٩٢٨ (أحمد) ٥/ ٢٧٥، و٥/ ٢٧٩ (الدارمي) ١٣٥٥ (ابن خزيمة) ٧٣٧. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب الاستغفار بعد التسليم.
ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من التواضع وإظهار العبودية لله تعالى، فيستغفر ربه، وإن كان قد غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر.
ومنها: أن العبد لا ينبغي له الاتكال على الطاعة، بل يعتقد فيها النقص، وعدم أدائه حقّ العبادة، فيجبر ذلك بالاستغفار، فالاستغفار ليس من الذنوب والمعاصي فقط، بل الطاعة تحتاج إليه أيضًا، لما يقع فيها من السهو والغفلة، وعدم القيام بها حقّ القيام.
ومنها: بيان وصف الله تعالى بأنه السالم من كلّ نقص، وعيب، وبأن السلامة لعباده منه ﷾، لا من غيره، وأنه متصف بالعظمة ذاتًا وصفةً، وبإكرام أوليائه، الذين قال في حقهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الرابعة: أن رواية الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي عند المصنف، وكذا عند مسلم بلفظ: «كان إذا انصرف من صلاته»، ووافقه عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي، عند أبي نعيم في «المستخرج».
وخالفهما في ذلك جماعة فرووه عن الأوزاعي بلفظ: «كان إذا أراد أن ينصرف». فرواه أحمد من طريق عبد القدوس بن الحجّاج -وهو، والترمذي من طريق عبد الله ابن المبارك- وأبو داود من طريق عيسى بن يونس -وابن خزيمة، وأبو عوانة، وأبو العبّاس السرّاج ثلاثتهم من طريق بشر بن بكر- وابن خزيمة أيضًا من طريق عمرو بن أبي سلمة -وابن حبّان من طريق عمرو بن عبد الواحد- خمستهم عن الأوزاعي اتفقوا على لفظ «إذا أراد أن ينصرف».