HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٤٧

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، قَالَ: «كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ. فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:إسناده صحيح
  • الألباني:صحيح الإسنادصحيح سنن النسائي ج1 ص432
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٣ ص ٧٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٥ ص٣٧٩
قال النسائي: أبو مروان ليس بالمعروف. قال الحافظ المزي: رواه الفضيل بن سليمان، عن موسى بن عُقبة، كما قال حفص ابن ميسرة. وقال: «رواه إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد الرحمن بن أبى الزناد انتهى. انظر»تحفة الأشراف« جـ ٤ ص ٢٠٠ - ٢٠١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو مشروعية الدعاء عند الانصراف من الصلاة بالدعاء المذكور. ومنها: أن الصلاة كانت مشروعة في شرع داود ﵊، وأنه كان يدعو بهذا الدعاء عقبها. ومنها: كون الدين عصمةً للعبد يعصمه من جميع مكاره الدنيا والآخرة، فينبغي له أن يتضرع إلى ربه أن يصلح له دينه. ومنها: أن الدنيا معاش العبد، وهي مَتْجَرُهُ يربح فيها الأجر الجزيل الذي جزاءه الخلود المؤبد في الجنة، فلابد له من صلاحها ليتكمن من التجارة فيها، فلذا شرع له الطلب من الله تعالى أن يصلحها له. ومنها: التعوذ من سخط الله تعالى، ومن نقمته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٩٠ - (باب التَّعَوُّذِ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) ١٣٤٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ الشَّحَّامِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ»، فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ أَبِي: أَيْ بُنَيَّ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن علي) الفَلّاس البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان الإمام الحجة المشهور [٩] تقدم ٤/ ٤. ٣ - (عثمان الشّحّام) العدوي، أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه عبد الله، وقيل: ميمون، لا بأس به [٦]. روى عن عكرمة، ومسلم بن أبي بكرة الثقفي، وأبي رجاء العُطَاريّ. وعنه إسرائيل، ووكيع، ويحيى القطان، وغيرهم. قال يحيى القطان: تَعرف، وتُنكر، ولم يكن عندي بذاك. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين، وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ثقة، أو قال: لا بأس به، قد أعيى القرون -يعني اسم أبيه- فقلت: إنه وُجد بخط ابن معين: اسم أبيه ميمون، فأعجبه ذلك. وقال النسائي: ليس بالقويّ، وقال مرّةً: ليس به بأس، وذكره ابن حبّان في «الثقات». وجزم النسائي في «الكنى» بأنه عثمان بن مسلم. وكذا قال أبو أحمد، وقال: ليس بالمتين عندهم، وأسند عن وكيع أنه وثقه. وقال الدارقطني: بصريّ يُعتبر به. وقال ابن عديّ: ليس له كثير حديث، ولا أرى به بأسًا. روى له الجماعة، سوى البخاريّ وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث. ٤ - (مسلم بن أبي بكرة) نُفيع بن الحارث الثقفي البصري، صدوق [٣]. روى عن أبيه. وعنه عثمان الشحّام، وسعيد بن جُمهان، وأبو الفضل بن خَلَف الأنصاريّ، وأبو حفص سعيد بن سَلَمَة. قال العجلي: بصريّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال خليفة بن خيّاط: مات بعد الثمانين، وقيل: التسعين. روى له الجماعة، سوى البخاري، وابن ماجه، وله فى هذا الكتاب هذا الحديث، وأعاده برقم (٥٤٦٥). ٥ - (أبو بكرة) نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة الثقفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، تقدّم ٤١/ ٨٣٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو بكرة، وهو ممن لُقّب بصورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن؛ وإنما لُقب بذلك؛ لأنه تدلّى من حصن الطائف ببكرة البئر إلى النبي -ﷺ-، فأسلم. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن مسلم بن أبي بكرة) الثقفي، أنه (قال: كان أبي) أي أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي -﵁- (يقول في دبر الصلاة) وفي نسخة «في دبر كل صلاة» (اللَّهم) أي يا الله (إني أعوذ بك من الكفر والفقر) الظاهر -والله أعلم- أراد الفقر الْمُدْقِع الذي لا يصحبه خير، ولا ورع حتى يتورط بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أيّ حرام وَثَب، ولا في أيّ حالة تورّط. وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا يردّه مُلك الدنيا بحذافيرها (وعذاب القبر) تقدم الكلام عليه قريبًا. قال مسلم بن أبي بكرة (فكنت أقولهنّ) أي هؤلاء الكلمات، والظاهر أنه كان يقولهن في دبر الصلوات، كما سمع أباه (فقال أبي: أي بُنيّ) «أَيْ» حرف لنداء القريب، و«بُني» تصغير «ابن» (عمن أخذت هذا) الدعاء (قلت: عنك) متعلق بـ«أخذت» محذوفًا لدلالة السؤال عليه، والجملة مقول القول، أي قلت له: أخذته عنك (قال) أبو بكرة -﵁- (إن رسول الله -ﷺ-) بكسر همزة «إن» لكونها محكيّة بالقول (كان يقولهن في دبر الصلاة) أي عقبها. وهذا محل استدلال المصنف رحمه الله تعالى على ما ترجم له، لأنه يدلّ على استحباب هذا الدعاء عقب الصلاة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٩٠/ ١٣٤٧ - وفي «الكبرى» -١٢٤/ ١٢٧٥ - عن عمرو الفلّاس، عن يحيى القطان، عن عثمان الشحّام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه، وفي -١٦/ ٥٤٦٥ - عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عديّ، عن عثمان الشحّام به. وفي «الكبرى»، و«عمل اليوم والليلة» عن محمد بن عبد الله المقرىء، عن أبيه، عن سعيد ابن أبي أيوب، عن عبد الرحمن بن مرزوق، عن أبي سلمة البصري -وهو عثمان الشحّام- به . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في مشروعيّة الدعاء عقب الصلاة: (اعلم): أنه عقد المصنف رحمه الله تعالى أبوابًا كثيرة، من رقم -٧٩/ ١٣٣٥ - إلى ٩٠/ ١٣٤٧ - لبيان الأحاديث التي تدلّ على مشروعية الدعاء دبر الصلاة، وأورد فيها أحاديث كثيرة مشتملة على دعوات كثيرة تقرأ عقب الصلاة، وإن كان بعضها مكررًا، وهذه الدعوات، وإن كانت محتملة لأن تكون قبل السلام، إلا أن الظاهر كونها بعد السلام، كما هو رأي المصنف رحمه الله تعالى، فإنه أوردها لذلك. بعد أن ذكر أبوابا كثيرة للدعوات قبل السلام من رقم ٥٧/ ١٢٩٩ - إلى -٥٦/ ١٣١١ - . وقد تبع في هذا الإمامَ البخاريَّ رحمه الله تعالى، حيث إنه عقد في «صحيحه» في «كتاب الدعوات» بابًا للدعاء في الصلاة، وبابًا للدعاء بعد الصلاة. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى بعد ذكره بعض الأذكار عقب الصلوات: ما نصه: وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أخر. وجمهور أهل العلم على استحبابه، وقد روي عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم، وهو قول عطاء، والثوريّ، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين. وقد تقدّم عن عبيدة السلْمَاني أنه عدّ التكبير عقب الصلاة من البدَع، ولعله أراد بإنكاره على مصعب أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر. كذلك هو في كتاب عبد الرزّاق . وإذا صحت السنّةُ، وعمل بها الصحابة، فلا نعدل عنها. قال: واستحبّ أيضًا أصحابنا، وأصحاب الشافعىّ الدعاء عقب الصلوات، وذكر بعض الشافعية اتفاقًا. واستدلّوا بحديث أبي أمامة -﵁-، قال: قيل لرسول الله -ﷺ-: أيّ الدعاء أسمع؟، قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات». خرّجه الإمام أحمد، والترمذيّ، وحسّنه . واستدلّوا أيضا بحديث معاذ المتقدم «لا تَدَعنّ في دبر كلّ صلاة أن تقول: اللَّهم أعني على ذكرك …» الحديث. وقالت طائفة من أصحابنا، ومن الشافعية: يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر، لأنه لا يُتنفّل بعدهما. وظاهر كلامهم أنه يجهر به، ويؤمّنون عليه، وفي ذلك نظر، وقد ذكرنا فيما تقدّم حديث دعاء النبي -ﷺ- عقب الصلاة جهرًا، وأنه لا يصحّ، ولم يصحّ في ذلك شيء عن السلف. والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة، ثم يسرّ بالباقي، ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرًا، ويدعو سرًا. ومن الفقهاء من يَستَحب للإمام الدعاء للمأمومين عقب كلّ صلاة، وليس في ذلك سنّة، ولا أثر يُتّبع. والله تعالى أعلم انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى . وقال الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح»: عند قول البخاري ﵀: «باب الدعاء بعد الصلاة»: ما نصه: وفي هذه الترجمة ردّ على من زعم أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسّكًا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث، عن عائشة -﵂-: «كان النبي -ﷺ- إذا سلّم لا يثبت إلا قدر ما يقول: اللَّهمّ أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». والجواب أن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسًا على هيئته قبل السلام إلا بقدر ما ذُكر، فقد ثبت أنه كان إذا صلّى أقبل على أصحابه. فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل على أصحابه. قال ابن القيّم في «الهدي النبويّ»: وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة، سواء الإمام، والمنفرد، والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي -ﷺ- أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح، ولا حسن، وخصّ بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر، ولم يفعله النبي -ﷺ-، ولا الخلفاء بعده، ولا أرشد إليه أمته، وإنما استحسان رآه من رآه عوضًا من السنّة بعدهما، قال: وعامّة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، قال: وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربّه مناجيه، فإذا سلّم منها انقطعت المناجاة، وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته، والقرب منه، وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟، ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد المكتوبة يستحبّ لمن أتى بها أن يصلي على النبي -ﷺ- بعد أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي الذكر، لا لكونه دبر المكتوبة انتهى كلام ابن القيّم. قال الحافظ ﵀: وما ادعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ بن جبل -﵁- أن النبي -ﷺ- قال له: «يا معاذ إني والله لأحبك، فلا تدع دبر كلّ صلاة أن تقول: اللَّهم أعنّي على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك». أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان، والحاكم. وحديث أبي بكرة -﵁- في قول: «اللَّهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر كان النبي -ﷺ- يدعو بهنّ دبر كلّ صلاة». أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وصححه الحاكم. وحديث سعد بن أبي وقّاص -﵁- كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلّم المكَتِّبُ الغلمان، ويقول. إنّ رسول الله -ﷺ- كان يتعوّذ بهنّ دبر الصلاة: «اللَّهمّ إني أعوذ بك من الجُبْن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك من أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب القبر» أخرجه البخاري، والنسائي . وحديث زيد بن أرقم -﵁-: سمعت رسول الله -ﷺ- يدعو في دبر كلّ صلاة: «اللَّهمّ ربّنا، وربّ كلّ شيء …» الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي . وحديث صهيب -﵁- رفعه: «كان يقول إذا انصرف من الصلاة: اللَّهم أصلح لي ديني …» الحديث. أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبّان. وغير ذلك. فإن قيل: المراد بدبر كلّ صلاة قرب آخرها، وهو التشهد. قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كلّ صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا، حتى يثبت ما يخالفه. وقد أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة -﵁-: قيل: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الأخير، ودبر الصلوات المكتوبات». وقال: حسن. وأخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق، قال: الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة، كفضل المكتوبة على النافلة. وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيّم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة، وإيراده بعد السلام، وأما إذا انتقل بوجهه، أو قدّم الأذكار المشرعة، فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . وهو تحقيق نفيس جدًّا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذكر من الأدلّة أن الدعاء عقب الصلاة ثابت عن النبي -ﷺ- قولًا، وفعلًا، فلا يسع أحدًا إنكاره. وأمّا تأويل قوله: «دبر كلّ صلاة» بأنه قبل السلام، لأن دبر الحيوان منه، فغير مسلّم، لأنه -ﷺ- علّمهم تلك الأذكار والدعوات، وأمرهم أن يجعلوها دبر كل صلاة، فلا يصحّ حمل بعضها على ما قبل السلام، كالدعوات، وبعضها على بعده، كالتسبيح، وقراءة أية الكرسيّ، إذ لا دليل على التفريق، ولاسيما وبعضها فيه التصريح بأنه بعد السلام. فقد أخرج ابن خزيمة في «صحيحه» -رقم ٧٤٣ - عن عليّ -﵁-، عن رسول الله -ﷺ-، أنه كان إذا فرغ من صلاته، فسلّم قال: «اللَّهم اغفر لي ما قدّمت، وما أخّرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم، وأنت المؤخّر، لا إله إلا أنت». والحاصل أن الذكر والدعاء بعد السلام من الصلاة مشروع، كما هو مذهب البخاريّ، والنسائي، وقد تقدّم في كلام الحافظ ابن رجب، أنه مذهب الإمام أحمد، بل نقل أن أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي استحبوا الدعاء عقب الصلوات، وذكره بعض الشافعية اتفاقًا انتهى. فإذا ثبتت الأحاديث بذلك، وعمل بها أهل العلم، أو بعضهم، فلا وجه للإنكار. وأما ما اعتاده الناس الآن في كثير من البلدان، من الدعاء الجماعي بعد الصلاة بأن يدعو الإمام، أو غيره، ويُؤمّن القوم فلم، يصحّ له دليل، ولا هو منقول عن السلف، كما تقدّم عن الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، فالحذر كلّ الحذر من إحداث ما لم يكن في عهد السلف، فإن ذلك بلا ريب سبب التلف. اللهم أرنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه برحمتك يا أرحم الراحمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في حكم رفع اليدين عند الدعاء: (اعلم): أنه لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى أحاديث رفع اليدين في الدعاء، وقد عقد الإمام البخاري رحمه الله تعالى بابًا في «صحيحه». فقال في «كتاب الدعوات»: «باب رفع الأيدي في الدعاء»: وقال أبو موسى الأشعريّ: دعا النبي -ﷺ-، ثم رفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه. وقال ابن عمر: رفع النبي -ﷺ- يديه، وقال: «اللَّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد». قال أبو عبد الله: وقال الأويسيّ: حدّثني محمد بن جعفر، عن يحيى بن سعيد، وشريك، سمعا أنسًا، عن النبي -ﷺ- رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه. قال في «الفتح»: وفي الحديث الأول ردّ على من قال: لا يرفع كذا إلا في الاستسقاء، بل فيه، وفي الذي بعده ردّ على من قال: لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلًا، وتمسك بحديث أنس -﵁-: «لم يكن النبي -ﷺ- يرفع يديه في شيء من دعائه إلّا في الاستسقاء». وهو صحيح، لكن جُمع بينه وبين أحاديث الباب، وما في معناها بأن المنفيّ صفة خاصّة، لا أصل الرفع. وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كلّ منهما «حتى يُرى بياض إبطيه»، بل يُجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره. وإما بأن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذريّ ﵀: وبتقدير تعذّر الجمع، فجانب الإثبات أرجح. قال الحافظ: ولاسيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة، أفردها المنذريّ في جزء سَرَد منها النووي في «الأذكار»، وفي «شرح المهذب» جملة، وعقد لها البخاريّ أيضًا في «الأدب المفرد» بابًا ذكر فيه حديث أبي هريرة -﵁-: قَدِمَ الطُّفَيل بن عمرو على النبي -ﷺ-، فقال: إن دَوْسًا عصت، فادع الله عليها، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: «اللَّهم اهد دوسًا»، وهو في «الصحيحين»، دون قوله: «ورفع يديه». وحديث جابر: «أن الطفيل بن عمرو هاجر»، فذكر قصّة الرجل الذي هاجر معه، وفيه: فقال النبي -ﷺ-: «اللَّهم وليديه فاغفر، ورفع يديه». وسنده صحيح، وأخرجه مسلم. وحديث عائشة -﵂- أنها «رأت النبي -ﷺ- يدعو رافعًا يديه، يقول: اللَّهم إنما أنا بشر …» الحديث، وهو صحيح الإسناد. ومن الأحاديث الصحيحة في ذلك: ما أخرجه البخاري في «جزء رفع اليدين»: «رأيت النبي -ﷺ- رافعًا يديه، يدعو لعثمان». ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة -﵁- في قصّة الكسوف «فانتهيت إلى النبي -ﷺ-، وهو رافع يديه يدعو». وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضًا: «ئم رفع يديه يدعو». وفي حديثها عنده في دعائه لأهل البقيع: «فرفع يديه ثلاث مرّات …» الحديث. ومن حديث أبي هريرة -﵁- الطويل في فتح مكة: «فرفع يديه، وجعل يدعو». وفي «الصحيحين» من حديث أبي حميد -﵁- في قصة ابن اللُّتَبِيَّة «ثم رفع يديه حتى رأيت عُفرة إبطه يقول: اللَّهم هل بلّغت». ومن حديث عبد الله بن عمرو -﵂-: «أن النبي -ﷺ- ذكر قول إبراهيم وعيسى، فرفع يديه، وقال: اللَّهم أمتي». وفي حديث عمر -﵁-: «كان رسول الله -ﷺ- إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه كدَوِيّ النَّحْل، فأنزل الله عليه يومًا، ثم سُرّي عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، ودعا …» الحديث. أخرجه الترمذي، واللفظ له، والنسائي، والحاكم. وفي حديث أسامة -﵁-: «كنت رِدْفَ النبي -ﷺ- بعرفات، فرفع يديه يدعو، فمالت به ناقته، فسقط خطامها، فتناوله بإحدى يديه، وهو رافع يده الأخرى». أخرجه النسائي بسند جيد . وفي حديث قيس بن سعد -﵁- عن أبي داود: «ثم رفع رسول الله -ﷺ- يديه، وهو يقول: اللَّهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة …» الحديث، وسنده جيّد. والأحاديث في ذلك كثيرة. وأما ما أخرجه مسلم من حديث عُمارة بن رُوَيبة -براء، وموحدة، مصغرًا- «أنه وأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك، وقال: لقد رأيت رسول الله -ﷺ-، وما يزيد على هذا، يشير بالسبّابة». فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنّة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، وردّه بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث، فلا معنى للتمسّك به في منع رفع اليدين في الدعاء، مع ثبوت الأخبار -الصحيحة- بمشروعيتها. وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وغيرهما من حديث سلمان -﵁-، رفعه: «إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا». بكسر المهملة، وسكون الفاء- أي خالية، وسنده جيد. قال الطبريّ: وكره رفعَ اليدين في الدعاء ابنُ عمر، وجُبيرُ بن مطعم، ورأى شُرَيح رجلًا يرفع يديه داعيًا، فقال: من تتناول بهما، لا أُمّ لك؟، وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم. وذكر ابن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن وفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في «المدوّنة»: ويختصّ الرفع بالاستسقاء، ويجعل بطونهما إلى الأرض. وأما ما نقله الطبريّ عن ابن عمر، فإنما أنكر رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره، كذلك أسنده الطبري عنه أيضًا. وعن ابن عباس -﵄- أن هذه صفة الدعاء. وأخرج أبو داود، والحاكم عنه من وجه آخر، قال: «المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستغفار أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمدّ يديك جميعًا». وأخرج الطبريّ من وجه آخر عنه، قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وقد صحّ عن ابن عمر -﵄- خلاف ما تقدّم، أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد» من طريق القاسم بن محمد: «رأيت ابن عمر يدعو عند القاصّ، يرفع يديه حتى يُحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما يلي وجهه» انتهى كلام الحافظ ﵀ في «الفتح» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأحاديث أن رفع اليدين في الدعاء مشروع، بل هو من أسباب إجابة الدعاء، كما بُيّن ذلك في حديث سلمان رضي الله تعالى عنه: «إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرًا». فلا ينبغي للداعي أن يهمل رفع يديه في دعائه رجاءَ القبول. وأما القائلون بكراهة رفع اليدين في الدعاء، فيُعتذر عنهم بأنه لم تَصِل إليهم هذه الأحاديث الصحاح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي، إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». …
مصادر المؤلف (١١)

١. وفي النسخة «الهندية»: «في دبر كلّ صلاة».

٢. راجع «الفتح» جـ ١٢ ص ٤٧٠.

٣. هكذا ذكر الأخير الحافظ المزّيّ في «تحفة الأشراف» جـ ٩ ص ٥٧ ولم أجد موضعه من «الكبرى»، ولا من «عمل اليوم والليلة». فلينظر. والله تعالى أعلم.

٤. راجع «المصنف» جـ ٢ ص ٢٤٥.

٥. «الترمذي» رقم ٣٩٩.

٦. «شرح البخاري» جـ ٧ ص ٤٢٠ - ٤٢١.

٧. سيأتي للمصنف برقم ٦/ ٥٤٤٧ في «كتاب الاستعاذة».

٨. أخرجه أبو داود رقم ١٠٥٨ والنسائي في «عمل اليوم والليلة» ١٠١ وأحمد ٤/ ٣٦٩.

٩. «فتح» جـ ١٢ ص ٤١٩.

١٠. سيأتي في «كتاب الحج» برقم ٢٠٢/ ٣٠١١.

١١. «فتح» جـ ١٢ ص ٤٢٨ - ٤٣٠.