وقوله: «ما يُعرفن من الغلس» ببناء الفعل للمفعول، و«من» تعليلية، أي لا يعرفهنّ أحد لأجل شدة الظلام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٠٢ - (بَابُ النَّهْيِ عَنْ مُبَادرَةِ الإِمَامِ بِالانْصِراف منَ الصَّلَاةِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن أراد المصنف ﵀ بالانصراف الانصرافَ من الصلاة بالسلام، فاستدلاله بحديث الباب واضح، وإن أراد الانصراف إلى الحاجة بعد السلام فالاستدلال به بعيد؛ لأن سياق الحديث ظاهر في كون المراد بالانصراف هو السلامَ؛ بدليل أنه ذَكَرَ الركوع، والسجود، والقيام، ولم يذكر السلام، فدلّ على أن المراد بالانصراف هو السلام.
وأيضًا قوله: «فإني أراكم من وراء ظهري» يدلّ على أن المبادرة التي نهاهم عنها هي الواقعة في الصلاة قبل توجهه إليهم.
فتبين بهذا أن الحق كون المراد بالانصراف هو الانصراف من الصلاة بالسلام، فتبصّر.
وقد قدمنا تحقيق ما قاله أهل العلم في حكم الانصراف بعد السلام قبل الإمام، وأن الراجح جواز الانصراف قبل الإمام، إلا إذا كان هناك نساء، فيتأخّر مع الإمام حتى ينقلبن إلى بيوتهنّ قبل الاختلاط بالرجال في باب «جلسة الإمام بين التسليم والانصراف» -٧٧/ ١٣٣٢ - بما فيه الكفاية، فراجعه هناك. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٦٣ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «إِنِّي إِمَامُكُمْ، فَلَا تُبَادِرُونِي بِالرُّكُوعِ، وَلَا بِالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بِالاِنْصِرَافِ، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي»، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قُلْنَا: مَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ»).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (علي بن مُسهر) القرشي الكوفي، قاضي الموصل، ثقة، له غرائب بعدما أضرْ [٨] تقدم ٥٢/ ٦٦.
٣ - (الْمُختار بن فُلْفُل) البصريّ، مولى عمرو بن حُريث، صدوق له أوهام [٥] تقدم ٢١/ ٩٠٤.
٤ - (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه المذكور قبل باب. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من الرباعيات، وهي أعلى الأسانيد للمصنف ﵀، وهو (٨١) من رباعيات الكتاب، وأن رجاله رجال الصحيح، وفيه أنس رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله تعالى عنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ) أي يوما من الأيام (ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «إِنِّي إِمَامُكُمْ) بكسر الهمزة. قال السنديّ ﵀: فيه أن امتناع التقدّم عليه لكونه إمامًا، فيعمّ الحكمُ كلَّ إمام، لا لكونه نبيًا، ليختصّ به انتهى (فَلَا تُبَادِرُونِي) أي لا تسابقوني (بِالرُّكُوعِ، وَلَا بالسُّجُودِ، وَلَا بِالْقِيَامِ، وَلَا بالانْصِرَافِ) قد سبق أول الباب أن الصواب كون المراد بالانصراف هنا بمعنى السلام، فمعناه: لا تبادروني بالسلام للخروج من الصلاة. والله تعالى أعلم.
(فَإِنِّي أَرَاكمْ مِنْ أَمَامِي، وَمِنْ خَلْفِي») أي رؤية حقيقية، أعطاه الله تعالى إياها، آية على نبوته، وقد تقدم أقوال أهل العلم في هذه الرؤية مستوفًى في -١٠٦/ ١٠٥٤ - فراجعه تستفد (ثُمَّ قَالَ:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بعظمته (لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا»، قُلْنَا: مَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ الله؟، قَالَ:«رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ») أي فهما سبب لكثرة البكاء وقلة الضحك، فالجنة شوقًا إليها، وخوفًا من الحرمان منها. والنار خوفًا من الدخول فيها، والاحتراق بلهيبها. والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم بيان مسائله في«باب الأمر بإتمام الركوع»-١٠٦/ ١٠٥٤ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
***