١٠٤ - (بَابُ الرُّخْصَةِ لِلإِمَام فِي تخَطِّي رقَاب النَّاسِ)
قال الجامع عفا الله عنه: ترجمة المصنف رحمه الله تعالى قريبة من ترجمة الإمام البخاري رحمه الله تعالى، حيث قال: «باب من صلى بالناس، فذكر حاجة، فتخطاهم».
والغرض من هذه الترجمة بيان أن قعود الإمام في مصلاه بعد التسليم الذي تقدم ذكره في -٩٩/ ١٣٥٧ - و١٣٥٨ - محلّه إذا لم يعرض له ما يحتاج معه إلى القيام، وإلا فله الانصراف، ولو أدّى ذلك إلى تخطي رقاب الناس.
وبهذا تحصل المناسبة بين هذه الترجمة، والأبواب السابقة، لأنها كلها تتحدث عما يتعلّق بأحكام الانصراف والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٦٥ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَكَّارٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ النَّوْفَلِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- الْعَصْرَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، سَرِيعًا، حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ لِسُرْعَتِهِ، فَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: «إِنِّي ذَكَرْتُ، وَأَنَا فِي الْعَصْرِ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ، كَانَ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أحمد بن بكار) بن أبي ميمونة -واسمه زيد- القرشي الأمويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الحضرميّ الحَرّاني، صدوق، كان له حفظ [١٠].
روى عن بشر بن السريّ، ومَخْلَد بن يزيد، ووكيع، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال: لا بأس له، وأبو عروبة، وأبو بكر الباغَنديّ، وغيرهم.
وقال أبو زيد يحيى بن رَوح الحرّاني: سألت أبا عبد الرحمن بن بَكّار -حرّانيٌّ، من الحفّاظ ثقة، وكان مخلد بن يزيد يسأله-: لم لا تكتب عن يعلى بن الأشدق؟ فذكر قصّة. وذكره ابن حبّان في «الثقات».
قال أبو عروبة: مات في صفر سنة (٢٤٤). انفرد به المصنّف، روى عنه في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٢ - (بشر بن السريّ) أبو عَمْرو الأفوه البصريّ الواعظ، سكن مكة، ثقةٌ متقن، طُعن
فيه برأي جهم، ثم اعتذر، وتاب منه [٩].
رَوى عن الثوريّ، وحماد بن سلمة، وعُمَر بن سعيد بن أبى حسين، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن بكّار، ويحيى آدم، وغيرهم.
قال عمرو بن على: سألت عبد الرحمن بن مهديّ، عن حديث إبراهيم بن طهمان، فقال: ممن سمعته؟ فقلت: حدثنا بشر بن السريّ، فقال: سمعتَهُ من بشر، وتسألني عنه؟، لا أحدثك به أبدًا. وقال أحمد بن حنبل: حدثنا بشر بن السريّ، وكان متقنًا للحديث عجبًا، وقال أحمد: سمعنا منه، ثم ذكر حديث ﴿نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فقال: ما أدري ما هذا؟ أيش هذا؟ فوَثَبَ به الحميديّ، وأهل مكة، فاعتذر، فلم يُقبل منه، وزهد الناس فيه، فلما قدمت مكة المرّة الثانية، كان يجيء إلينا، فلا نكتب عنه. وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن عديّ: له غرائب عن الثوريّ، ومسعر، وغيرهما، وهو حسن الحديث، ممن يُكتب حديثه، ويقع في أحاديثه من النكرة، لأنه يروي عن شيخ مُحتَمَل، فأما هو في نفسه فلا بأس به. وقال عبّاس، عن يحيى: رأيته يَستقبل القبلة، يدعو على قول يرمونه برأي جَهْم، ويقول: معاذ الله أن أكون جهميًّا. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال البَرْقاني، عن الدارقطني: مكيّ ثقة، وفي موضع آخر: وجدوا عليه في أمر المذهب، فحلف، واعتذر إلى الحميديّ في ذلك، وهو في الحديث صدوق. وقال العُقيليّ: هو في الحديث مستقيم. وقال العجليّ، وعمرو بن علي: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات».
وقال البخاريّ: كان صاحب مواعظ، يتكلّم، فسمّي الأفوه، قال: وقال محمود: مات سنة (١٩٥) وقال غيره: مات سنة (١٩٦) وهو ابن (٦٣) سنة. روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٨) أحاديث.
٣ - (عُمر بن سعيد بن أبي حُسين النوفلي) المكيّ، ثقة [٦].
روى عن ابن أبي مليكة، والقاسم بن محمد، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم. وعنه الثوريّ، ووهب بن خالد، وبشر بن السريّ، وغيرهم.
قال أحمد: مكي قرشي ثقة، من أمثل من يكتبون عنه. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه العجليّ، وابن البَرْقيّ، ومحمد بن مسعود العَجميّ، وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له الجماعة، سوى أبي داود، فأخرج له في «المراسيل»، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
[تنبيه]: وقع في نسخ «المجتبى» هنا تصحيف «عُمرَ» بالضم إلى «عَمْرو» بالفتح،
وهو غلط، والصواب الضم، ووقع في «الكبرى» على الصواب. فتنبّه.
٤ - (ابن أبي مُليكة) عبد الله بن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله بن جُدعان التيمي المكيّ، ثقة فقيه [٣] تقدم ١٠١/ ١٣٢.
٥ - (عُقبة بن الحارث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قُصيّ، أبو سِرْوعة النوفليّ المكيّ، أسلم يوم الفتح، رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي بكر الصديق، وجُبير بن مُطعم. وعنه عبد الله بن أبي مليكة، وعُبيد بن أبي مريم المكيّ، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
قال أبو حاتم: أبو سروعة قاتل خُبيب، له صُحبة، اسمه عقبة بن الحارث بن عامر، وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي أدركه ابن أبي مُليكة، ذاك قديم.
وقال الزبير بن بكّار: عُقبة، وهو أبو سروعة الذي قَتَلَ خُبيب بن عديّ. وحكى ابن عبد البرّ عن الزبير أنه قال: أبو سِرْوعة هو عُقبة بن الحارث، فيما قال أهل الحديث، وأما أهل النسب، فيقولون: إن عُقبة أخو أبي سِرْوَعَة، وإنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وقيل: بل كان أخاه لأمه، وهو أثبت عند مصعب. وقال العسكريّ: من قال: إن أبا سروعة هو عقبة هذا فقد غلط.
قال الحافظ: كذا قال، وقد أطبق أهل الحديث على أنه هو، وقولهم أولى إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن البَرْقيّ أن عباد بن عبد الله بن الزبير روى أيضًا عن أبي سروعة. روى له الجماعة، سوى مسلم، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا، و٣٣٣٠ حديث: «وكيف بها، وقد زعمت أنها أرضعتكما …». والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، فحرّانيّ. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-) وفي رواية البخاري: «صليت وراء رسول الله -ﷺ-» (الْعَصْرَ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي رجع إلى بيته. وعند البخاري: «فسلّم» (يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونه متخطيًا رقابهم. وللبخاريّ: «فتخطىّ رقاب الناس إلى
بعض حُجر نسائه» (سَرِيعًا) حال من فاعل «انصرف» أيضًا، فهما حالان مترادفان، أو من فاعل «يتخطى» فهما متداخلان (حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ لِسُرْعَتِهِ) وفي رواية البخاري: «فعجب الناس من سرعته»، وفي رواية له: «ففزع الناس من سرعته».
وكان من عادة الصحابة -﵃- الفزع والخوف إذا رأوا منه -ﷺ- غيرَ ما يَعهَدونه، خشية أن ينزل فيهم شيء يسوؤهم.
(فَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ) أي ليعرف سبب استعجاله في الانصراف (فَدَخَلَ) أي النبي -ﷺ- (عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ خَرَجَ) زاد البخاريّ: «فرأى أنهم عَجبوا من سُرعته» (فَقَالَ) مبينًا لهم سبب استعجاله على غير عادته، ومعتذرًا إليهم في ذلك (إِنِّي ذَكَرْتُ، وَأَنا فِي الْعَصْرِ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ) بكسر التاء المثناة، وسكون الموحدة: ما كان من الذهب غير مضروب، فإن ضُرب دنانير، فهو عَيْن، وقال ابن فارس: التِّبْر ما كان من الذهب والفضّة غير مَصُوغ. وقال الزّجّاج: التِّبْر كلُّ جوهر قبل استعماله، كالنحاس، والحديد، وغيرهما انتهى .
(كَانَ عِنْدَنَا) جملة في محلّ جرّ صفة لـ«تبر» (فَكَرِهْتُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا) أي لأنه من تبر الصدقة، ففي رواية البخاريّ أنه كان تبرًا من الصدقة (فَأمَرْت بِقِسْمَتِهِ) وفي رواية البخاري: «فكرهت أن يحبسني، فأمرت بقسمته». ومعنى «يحبسني» أي يشغلني التفكر فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى، وفَهم ابن بطّال منه معنى آخر، فقال: فيه أن تأخير الصدقة تحبس صاحبها يوم القيامة انتهى. ذكره في «الفتح» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عُقبة بن الحارث رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٤/ ١٣٦٥ - وفي «الكبرى» -١٣٨/ ١٢٨٨ - بالسند المذكور.
وأخرجه (خ) ١/ ٢١٥ و٢/ ٨٤ و٢/ ١٤٠ و٨/ ٧٦ (أحمد) ٤/ ٧ و٣٨٤ و٤/ ٨ و٣٨٤. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز انصراف الإمام بعد السلام، بدون أن يجلس، وأن ما تقدّم من استحباب الجلوس بعد السلام محله إذا لم تعرض له حاجة، وإلا فله الخروج، وإن أدّى ذلك إلى تخطي رقاب الناس، كما أن له أن يتخطّى الصفوف في حال دخوله أيضًا، وأما غيره، فيُكره له ذلك.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وظاهر كلام أحمد أنه يُكره للإمام أيضًا، قال إسحاق بن هانىء: سألت أبا عبد الله عن الرجل يُصلي بالقوم، فإذا فرغ من الصلاة خرج من رجلين، أفهو مُتَخَطٍّ؟ قال: نعم، وأَحَبْ إليّ أن يتنحّى عن القبلة قليلًا حتى ينصرف النساء، فإن خرج مع الحائط، فهذا ليس بمتخطٍّ.
وظاهر هذا كراهة تخطيهم للإمام، وقد يكون مراده إذا لم يكن له حاجة تدعوه إلى ذلك. انتهى .
ومنها: أنه يدلّ أن الإسراع بالقيام عقب السلام من غير تمهل لم يكن من عادة النبي -ﷺ-، ولهذا تعجّبوا من سرعته في هذه المرة، وعَلم منهم ذلك، فلذا أعلمهم بعذره.
ومنها: استحباب الاعتذار للإمام، أو غيره إلى أصحابه، إذا فعل فعلًا غير معهود لهم، ورأى منهم الاستغراب لذلك، لئلا تتغير خواطرهم عليه.
ومنها: أن التفكّر في الصلاة في أمر لا يتعلق بالصلاة لا يفسدها، ولا ينقص من كمالها، وأن إنشاء العزم في أثناء الصلاة على الأمور الجائزة لا يضرّ.
ومنها: جواز الاستنابة في تفريق الصدقة مع القدرة على المباشرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلّا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٠٥ - (بَابٌ إِذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ: هَلْ صَلَّيْتَ، هَلْ يَقُولُ: لَا؟)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة جواز قول القائل: ما صليت، وأن ذلك لا يُعاب عليه إذا لم يُفرّط في ترك الصلاة، لقوله