HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٦٦

أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ -، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَوَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا، فَنَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ٨٤

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص٣٦
-ﷺ-: «والله ما صليتها»، وقد فاتته الصلاة بسبب اشتغاله بالكفار أيامَ الخندق. ونظير هذه الترجمة ترجمة الإِمام البخاري في «صحيحه»، على جواز القول: «فاتتنا الصلاة»، حيث قال: «باب قول الرجل فاتتنا الصلاة». قال: وكره ابن سيرين أن يقول: فاتتنا الصلاة، ولكن ليقل: لم ندرك، وقول النبي -ﷺ- أصح. وغرضه الردّ على ابن سيرين ﵀، في قوله المذكور بأن النبي -ﷺ- استعمل الفوات، حيث قال «إذا أتيتم الصلاة، فعليكم بالسكينة، فما أدركتم، فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا». والله تعالى أعلم بالصواب. ١٣٦٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدٌ -وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ- عَنْ هِشَامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَوَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»، فَنَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) . رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الجَحْدري، الثقة المذكور قبل باب. ٢ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٣ - (خالد بن الحارث) الهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٤ - (هشام) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدَّسْتُوَائي البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٣٠/ ٣٤. ٥ - (يحيى بن أبي كثير) اليمامي البصري، ثقة ثبت يدلس، ويرسل (٥) ٢٣/ ٢٤. ٦ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١. ٧ - (جابر بن عبد الله) بن عَمرو بن حَرَام الأنصاري السَّلَمي الصحابي ابن الصحابي -﵄- تقدم ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه إسماعيل فإنه من أفراده، وأنه مسلسل بالبصريين إلى يحيى، والباقيان مدنيان، وفيه جابر رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث) (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله تعالى عنهما (أَن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) -﵁- (يَوْمَ الْخَنْدَقِ) متعلق بـ«جعل» الآتي، وكذا ما بعده. وأراد بـ«يوم الخندق» غزوة الخندق، وتسمَّى «الأحزاب»، فأما تسميتها بالخندق، فلأجل الخندق الذي حُفر حول المدينة بأمر النبي -ﷺ-، وكان الذي أشار بذلك سلمان الفارسي -﵁- فيما ذكر أصحاب المغازي، حيث قال للنبي -ﷺ-: إنا كنا بفارس إذا حُوصرنا خَندَقنا علينا، فأَمَرَ النبي -ﷺ- بحفر الخندق حولَ المدينة، وعمل فيه بنفسه، ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله، حتى فرغوا منه، وجاء المشركون فحاصروهم. وأما تسميتها بـ«الأحزاب» فلاجتماع طوائفَ من المشركين على حرب المسلمين، وهم قُريش، وغَطَفَان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصّة صدر «سورة الأحزاب» . (بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، جَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) «جعل» هي من أفعام الشروع التي ترفع المبدأ، وتنصب الخبر، واسمها ضمير عمر، وخبرها جملة «يَسُبّ». وإنما سبّهم لأنهم كانوا السببَ في تأخيرهم الصلاة عن وقتها، إنما المختار، كما وقع لعمر -﵁-، وأما مطلقًا، كما وقع لغيره. (وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ) لفظة «كاد» من أفعال المقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يقوم فُهم منه أنه قارب القيام، ولم يقم، قال: والغالب فيها أن لا يقترن خبرها بـ«أن»، بخلاف «عسى»، فإن الغالب فيها أن يقترن بها، كما قال في «الخلاصة»: كَكَانَ كادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ … غَيْرُ مُضَارعِ لِهَذَيْنِ خَبَرْ وَكوْنُهُ بِدُونِ «أَنْ» بَعْدَ عَسَى … نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقد وقع خبرها هنا في رواية المصنف مقترنا بها، وكذا عند مسلم في قوله: «أن تغرب»، ومثله في رواية البخاريّ في «غزوة الأحزاب». قال في «الفتح» هو من تصرّف الرواة، وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا، أولًا؟ الظاهر الجواز؛ لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر، كيف وقعت، لا الإخبار عن عمر هل تكلّم بالراجحة، أو المرجوحة. وإذا تقرر أن معنى «كاد» المقاربة، فقدل عمر -﵁-: «ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب»: معناه أنه صلى العصر قُرْب غروب الشمس، لأن نفي الصلاة يقتضي إثباتها، وإثبات الغروب يقتضي نفيه، فتحصّل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة، ولم يثبت الغروب. قاله اليعمري رحمه الله تعالى. وقال الكرماني ﵀: لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر، بل يلزم منه أن لا تقع الصلاة، لأنه يقتضي أن كيدودته كانت عند كيدودتها، قال: وحاصله غرفًا ما صليت حتى غربت الشمس انتهى. قال الحافظ ﵀: ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق، وما ادعاه من العرف ممنوع، وكذا العندية، للفرق الذي أوضحه اليعمري من الإثبات والنفي، لأن «كاد» إذا أثبتت نفت، وإذا نفت أثبتت، كما قال فيها الْمَعَرِّيُّ مُلغزًا: إِذَا نُفِيَتْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَثْبَتَتْ … وَإنْ أَثْبَتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ هذا إلى ما في تعبيره بلفظ «كيدودة» من الثقل. والله الهادي إلى الصواب. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ من ترجيح قول اليعمريّ، والردّ على الكرماني بناء على القول المرجوح عند النحاة، فما قاله الكرماني هو الموافق للقول الراجح عندهم، وهو أن «كاد» كسائر الأفعال، نفيها نفي، وإثباتها إثبات، ودونك عبارة السمين الحلبي في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. واعلم أن خبرها إذا كانت هي منفية منفيّ في المعنى، لأنها للمقاربة، فإذا قلت: كاد زيد يفعل كان معناه قارب الفعل، إلا أنه لم يفعل، فإذا نفيت انتفى خبرها بطريق الأولى؛ لأنه إذا انتفت مقاربة الفعل انتفى هو من باب أولى، ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] أبلغ من أن لو قيل: لم يرها؛ لأنه لم يقارب الرؤية، فكيف له بها؟. وزعم جماعة، منهم ابن جنّي، وأبو البقاء، وابن عطية أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي، حتى ألغز أبو العلاء المعَرّيّ فيها، فقال: أَنَحْوِيَّ هَذَا الْعَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ … جَرَتْ في لِسَانَي جُرْهُمِ وَثَمُودِ إِذَا نُفِيَتْ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَثْبَتّتْ … وَإنْ أُثْبِتَتْ قَامَتْ مَقَامَ جُحُودِ انتهى . فتحصل هذا أن الصحيح في معناها أن إثباتها إثبات، ونفيها نفي، كسائر الأفعال، فعلى هذا فما قاله الكرماني هو الراجح، فظاهر الحديث أن عمر -﵁- لم يصل العصر، مثل النبي -ﷺ-، وبقية الصحابة -﵃-. فقول الحافظ: فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبي -ﷺ-، فكيف اختصّ بأن أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس، بخلاف بقية الصحابة، والنبي -ﷺ- معهم؟. فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس، وكان عمر حينئذ متوضئًا، فبادر، فأوقع الصلاة، ثم جاء إلى النبي -ﷺ-، فأعلمه بذلك في الحال التي كان النبي -ﷺ- فيها قد شرع يتهيأ للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء. مبني على القول المرجوح أيضًا. وقد اختُلف في سبب تأخير النبي -ﷺ- الصلاة ذلك اليوم، فقيل: كان ذلك نسيانًا، واستُبعد أن يقع ذلك من الجميع، ويمكن أن يُستدَلّ له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة: أن رسول الله -ﷺ- صلى المغرب يوم الأحزاب، فلمّا سلّم قال: «هل علم رجل منكم أني صلّيت العصر؟»، قالوا: لا يا رسول الله، فصلى العصر، ثم صلى المغرب انتهى. وفي صحّة هذا الخبر نظر، لأنه مخالف لما في «الصحيحين» من قوله -ﷺ- لعمر: «والله ما صليتها»، ويمكن الجمع بينهما بتكلّف. وقيل: كان عمدًا، لكونهم شغلوه، فلم يمكّنوه من ذلك، وهو أقرب، لاسيما، وقد وقع عند أحمد، والنسائي من حديث أبي سعيد -﵁-، أن ذلك كان قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. وقد اختُلف في هذا الحكم، هل نسُخ أو لا؟، كما سيأتي في «كتاب صلاة الخوف»، إن شاء الله تعالى انتهى . (حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ، تَغْرُبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «فَوَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا») هذا محل الترجمة، فإنه يدلّ على أنه إذا قيل للرجل: هل صلّيت، ولم يصلّ يجوز أن يقول: ما صليت. (فَنَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- إِلَى بُطْحَانَ) قال النووي ﵀: هو بضم الباء الموحّدة، وإسكان الطاء، وبالحاء المهملتين، هكذا هو عند المحدّثين في رواياتهم، وفي ضبطهم وتقييدهم، وقال أهل اللغة: هو بفتح الباء، وكسر الطاء، ولم يُجيزوا غير هذا، وكذا نقله صاحب «البارع» أبو عُبيد البكري. وهو واد بالمدينة انتهى. (فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي صلاها بهم جماعةً، كما وقع التصريح بذلك في رواية الإسماعيليّ من طريق يزيد بن زُريع، عن هشام، بلفظ: «فصلّى بنا العصر». وهذا يقتضي أن الذي فاتهم من الصلاة العصرُ. لكن وقع في «الموطإ» من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر، وفي حديث أبي سعيد أنه الظهر والعصر، والمغرب، وإنهم صلَّوا بعد هُويّ من الليل. وفي حديث ابن مسعود -﵁-: «أن المشركين شغلوا رسول الله -ﷺ- عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله». وفي قوله: «أربع» تجوّز؛ لأن العشاء لم تكن فاتت. قال اليعمري رحمه الله تعالى: من الناس مَن رجّح ما في «الصحيحين»، وصرّح بذلك ابن العربي ﵀، فقال: إن الصحيح أن الصلاة التي شُغل عنها واحدة، وهي العصر. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ويؤيده حديث علىّ في مسلم: «شغلونا عن الصلاة الوُسطَى صلاة العصر». ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أيامًا، فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام، قال اليعمري: وهذا أولى. قال الحافظ: ويقرّبه أن روايتي أبى سعيد، وابن مسعود -﵄- ليس فيهما تعرّض لقصّة عمر -﵁-، بل فيهما أن قضاءه للصلاة وقع بعد خروج وقت المغرب، وأما رواية حديث الباب، ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما رجحه اليعمري رحمه الله تعالى هو الأرجح عندي. وحاصله أنه -ﷺ- شغل في أيام عن صلوات مختلفة، ففي يوم عن صلاة العصر فقط، وفي يوم عن العصر والمغرب، وفي يوم عن أربع صلوات، فبهذا تجتمع الأحاديث المختلفة في الباب، والجمع مهما أمكن أولى من إهمال بعض الروايات الصحيحة. والله تعالى أعلم. (ثُمَّ صَلّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ) فيه مشروعية الترتيب بين الفائتة والوقتية، وكذلك بين الفوائت، والأكثرون على وجوبه مع الذكر، لا مع النسيان، وقال الشافعي ﵀: لا يجب الترتيب فيها، وقد تقدّم الخلاف في ذلك مُستوفًى في باب «كيف يُقضَى الفائت من الصلاة؟» رقم -٥٥/ ٦٢١ - فراجعه تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٥/ ١٣٦٦ - وفي «الكبرى» -١٣٩/ ١٢٨٩ - بالسند المذكور. وأخرجه (خ) (١/ ١٥٤ و١/ ١٦٤ و١/ ١٥٥ و٢/ ١٨ و٥/ ١٤٤ (م) ٢/ ١١٣ (ت) ١٨٠ (ابن خزيمة) ٩٩٥. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا سئل الرجل هل صليت، جاز أن يقول: ما صلّيت. ومنها: جواز اليمين من غير استحلاف، إذا اقتضت مصلحة ذلك، من زيادة طمأنينة، أو نفي توهّم. ومنها: بيان ما كان عليه النبي -ﷺ- من مكارم الأخلاق، وحسن التأني مع أصحابه، وتألفهم، وما ينبغي الاقتداء به في ذلك. ومنها: مشروعية قضاء الفوائت في الجماعة، لما تقدّم من رواية الإسماعيلي، وبه قال أكثر أهل العلم، إلا الليث، مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة، إذا فاتت. ومنها: أنه استَدَلَّ به من قال: لا يُشرع الأذان للفائتة، وأجاب من قال به بأن المغرب كانت حاضرة، ولم يذكر الراوي الأذان لها، وقد عُرف من عادته -ﷺ- الأذان للحاضرة، فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك، لا أنه لم يقع في نفس الأمر، وتعقّب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلا بعد خروج وقتها على رأي من يذهب إلى القول بتضييقه، وعكس ذلك بعضهم، فاستدلّ بالحديث على أن وقت المغرب متسع؛ لأنه قدّم العصر عليها، فلو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب، ولاسيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة، وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيق، فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث. وهذا في حديث جابر -﵁-، وأما حديث أبي سعيد -﵁-، فلا يتأتى فيه هذا، لما تقدّم أن فيه أنه -ﷺ- صلى بعد مضيّ هُويّ من الليل . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توِفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». ١٣ - (كِتَابُ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذه الترجمة مسائل: المسألة الأولى: في ضبط لفظ «الجمعة»، وفي سبب تسمية اليوم به، وبيان أوّل من سماه به: قال ابن منظور ﵀ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]: خفّفها الأعمش، وثقّلها عاصم، وأهل الحجاز، والأصل فيها التخفيف «جُمْعَة»، فمن ثقّل أتبع الضمّة الضمّة، ومن خفّف فعلى الأصل، والقرّاء قرؤوها بالتثقيل، ويقال: يوم الْجُمْعَة -أي بالتسكين- لغة بني عُقَيل، ولو قرىء بها كان صوابًا، قال: والذين قالوا: الجُمُعَة -أي بالضم- ذهبوا بها إلى صفة اليوم أنه يَجْمَعُ الناسَ، كما يقال: رجل هُمَزَةٌ لُمَزَةٌ ضُحَكَةٌ، وهو الْجُمْعَة -بسكون الميم- والْجُمُعَة -بضمها- والجُمَعَة -بفتحها- وهو يوم الْعَرُوبة، سُمّي بذلك لاجتماع الناس فيه، ويُجمَعُ على جمُعات وجُمع، وقحِل: الجُمْعَة على تخفيف الجُمُعة والجُمْعَة لأنها تجمع الناس كثيرًا، كما قالوا: رجل لُعَنَة يُكثرُ لَعْن الناس، ورجل ضحَكَة يُكثر الضحك. وزعم ثَعْلب أنّ أوّل من سمّاه به كعب بن لؤيّ جدّ النبي -ﷺ-، وكان يقال له: العَرُوبة. وذكر السُّهَيلي في «الرَّوْض الأُنُف» أن كعب بن لؤيّ أوّل من جَمَّعَ يوم العَرُوبة، ولم تُسَمَّ العروبة الجمعةَ إلا مذ جاء الإِسلام، وهو أول من سماها الجمعة، فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويُذكّرهم بمبعث النبي -ﷺ-، ويُعْلِمهم أنه من ولده، ويأمرهم باتباعه -ﷺ-، والإيمان به، وينشد في ذلك أبياتًا، منها: [من البسيط] يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ … إِذَا قُرَيْشٌ تُبَغِّي الْحَقَّ خِذْلانَا انتهى المقصود من كلام ابن منظور رحمه الله تعالى . وقال في «الفتح»: و«الجمعة بضمّ الميم على المشهور، وقد تسكّن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحديّ عن الفرّاء فتحها. وحكى الزّجّاج الكسر أيضًا. واختلف في تسمية اليوم بذلك، مع الاتفاف على أنه كان يُسمّى في الجاهليّة العَرُوبةَ -بفتح العين المهملة، وضم الراء، وبالموحّدة- فقيل: سمي بذلك لأن كمال الخلائق جمُع فيه. ذكره أبو حُذيفة النجّاريّ في«المبتدإ» عن ابن عباس -﵄-، وإسناده ضعيف. وقيل: لأن خلق آدم جمُع فيه، ورد ذلك من حديث سلمان -﵁-، أخرجه أحمد، وابن خُزيمة، وغيرهما في أثناء حديث، وله شاهد عن أبي هُريرة -﵁-، ذكره ابن أبي حاتم، موقوفًا بإسناد قويّ، وأحمد مرفوعًا بإسناد ضعيف. وهذا أصحّ الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حُميد عن ابن سيرين بسند صحيح إليه في قصّة تجمّع الأنصار مع أسعد بن زُرَارة، وكانوا يُسمّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة، فصلّى بهم، وذكّرهم، فسمّوه الجمعة حين اجتمعوا إليه. ذكره ابن أبي حاتم موقوفًا. وقيل: لأن كعب بن لؤيّ كان يَجمَع قومه فيه، فيُذكّرهم، ويأمرهم بتعظيم الحرم، ويُخبرهم بأنه سيُبعث منه نبيّ. رَوَى ذلك الزبير في «كتاب النسب» عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف مقطوعًا، وبه جزم الفرّاء وغيره. وقيل: إن قُصَيّا هو الذي كان يَجمعهم. ذكره ثعلب في «أماليه». وقيل: سُمّي بذلك لاجتماع الناس للصلاة فيه، وبهذا جزم ابن حزم، فقال: إنه اسم إسلاميّ، لم يكن في الجاهلية، وإنما كان يُسمى العَرُوبة انتهى. وفيه نظر، فقد قال أهل اللغة: إن العروبة اسم قديم كان للجاهليّة، وقالوا في الجمعة: هو يوم العروبة، فالظاهر أنهم غيّروا أسماء الأيام السبعة بعد أن كانت تُسمّى: أوّل، أهون، جبار، دبار، مؤنس، عروبة، شبار. وقال الجوهرى: كانت العرب تُسمي يوم الاثنين أهون في أسمائهم القديمة، وهذا يُشعر بأنهم أحدثوا لها أسماء، وهي هذه المتعارفة الآن، كالسبت، والأحد، إلى آخرها. وقيل: إنّ أوّل من سمّى الجمعة العروبة كعب بن لؤيّ، وبه جزم الفراء وغيره، فيحتاج من قال: إنهم غيّروها إلا الجمعة، فأبقوه على تسمية العروبة إلى نقل خاص . وقال ولي الدين ﵀ بعد ذكر نحو ما تقدّم: وقيل: لاجتماع آدم ﵇ مع حواء في الأرض، رواه الحاكم في «مستدركه» من حديث سلمان الفارسي﵁-، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يا سلمان ما يوم الجمعة؟»، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «ياسلمان يوم الجمعة جمع فيه أبوكم وأمكم». قال: فهذه خمسة أقوال في سبب تسميتها بذلك انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في أسماء الجمعة: قال ولي الدين ﵀: (اعلم) أن يوم الجمعة هو الاسم الذي سماه الله تعالى به، وله أسماء أُخر: (الأول): يوم العروبة -بفتح العين المهملة، وكان هو اسمه في الجاهلية، قال أبو جعفر النحّاس في كتابه «صناعة الكتاب» لا يعرفه أهل اللغة إلا بالألف واللام، إلا شاذا، قال: ومعناه اليوم البيّن المعظم، من أعرب: إذا بيّن، قال: ولم يزل يوم الجمعة معظما عند أهل كل ملّة. ثم اعترضه ولى الدين بأنه لم تعرفه الأمم المتقدّمة، وأوّل من هُدي له هذه الأمة، كما في حديث الباب. وقال أبو موسى المديني في ذيله على «الغريبين»: والأفصح أن لا يدخلها الألف واللام، قال: وكأنه ليس بعربي. (الثاني): من أسمائه حَرْبة، حكاه أبو جعفر النحّاس، أي مرتفع عال كالحربة، قال: وقيل: ومن هذا اشتقّ المحراب. (الثالث): يوم المزيد، وروى الطبراني في «معجمه الأوسط» بإسناد ضعيف عن أنس -﵁-، عن النبيﷺ-، عن جبريل ﵇ أنه قال: «ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد»، ذكره في أثناء حديث طويل. (الرابع): حج المساكين، سماه بعضهم بذلك، قال الحافظ أبو الفضل العراقي في «شرح الترمذيّ»: وكأنه أخذه من الحديث الذي رواه الحارث بن أبي أُسامة في «مسنده» من رواية الضحاك بن مُزاحم، عن ابن عباس -﵄- مرفوعًا، والحديث ضعيف، وكان شعبة ينكر أن يكون الضحّاك سمع من ابن عباس، وقال ابن حبان: لم يشافه أحدًا من الصحابة، زعم أنه لقي ابن عباس، وقد وُهِّمَ انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم متى شُرعت الجمعة؟: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجمعة إنما فرضت بالمدينة. واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ والآية، لأن هذه السورة مدنية، وأنه لم يثبت أن النبي -ﷺ- كان يصلي الجمعة بمكة قبل الهجرة. قال الحافظ ابن رجب ﵀ ونصّ الإمام أحمد ﵀ على أن أول جمعة جُمعت في الإِسلام هي التي جُمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير -﵁-، وكذا قال عطاء، والأوزاعيّ، وغيرهما. وزعمت طائفة من الفقهاء أن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة، وأن النبي -ﷺ- كان يُصليها بمكة قبل أن يُهاجر. واستدلّوا لذلك بما أخرجه النسائيّ في «الكبرى» -٣/ ١٦٥٥ - وسيأتي أيضًا هنا ملحقًا برقم -١٣٦٨ - من حديث مُعافَى بن عمران، بن إبراهيم بن طهمان، عن محمد ابن زياد، عن أبي هريرة -﵁-، قال: «إن أول جمعة جُمعت بعد جمعة مع رسول الله -ﷺ- بمكة بجُواثا بالبحرين، قرية لعبد القيس». وقد أخرجه البخاريّ في «صحيحه» من طريق أبي عامر العَقَديّ، عن إبراهيم بن طهمن، عن أبي جمرة، عن ابن عباس -﵄-: «إن أوّل جمعة جُمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله -ﷺ- في مسجد عبد القيس بجُوَاثَى من البحرين». وكذا رواه وكيع، عن إبراهيم بن طهمان، ولفظه: «إن أوّل جمعة جُمعت في الإِسلام بعد جمعة جُمعت في مسجد رسول الله -ﷺ- بالمدينة لَجُمعة جُمعت بجُوَاثا، قرية من قُرى البحرين». أخرجه أبو داود. وكذلك رواه ابن المبارك، وغيره، عن إبراهيم بن طهمان. فتبيّن بذلك أن المعافى وَهِم في إسناد الحديث ومتنه، والصواب رواية الجماعة عن إبراهيم بن طهمان. ومعنى الحديث أن أول مسجد جُمَع فيه بعد مسجد المدينة مسجد جُوَاثا، وليس معناه أن الجمعة التي جُمعت بجواثا كانمت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جُمعت بالمدينة، كما قد يُفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن عبد القيس إنما وفَدُوا على رسول الله -ﷺ- عام الفتح، كما ذكره ابن سعد، عن عروة بن الزبير، وغيره، وليس المراد به -أيضًا- أن أوّل جمعة جُمعت في الإِسلام في مسجد المدينة، فإن أوّل جمعة جُمعت بالمدينة في نَقيع الْخَضِمَات قبل أن يقدَمَ النبي -ﷺ- المدينة، وقبل أن يَبني مسجدَهُ. يدلَّ على ذلك حديث كعب بن مالك -﵁- أنه كان كلما سمع أذان الجمعة استغفر لأسعد بن زُرارة، فسأله ابنه عن ذلك؟ فقال: كان أوّل من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله -ﷺ- من مكة في نقيع الخضمات في هَزْم النَّبِيت من حَرَّة بني بياضة. قيل له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعين رجلًا. أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه مطوّلًا. وروى أبو إسحاق الفَزَاريّ في كتاب «السير» له عن الأوزاعيّ، عمن حدّثه، قال: بَعَثَ رسولُ الله -ﷺ- مصعب بن عُمير القُرشيّ إلى المدينة قبل أن يهاجر النبيّ -ﷺ-، فقال: «اجمع مَنْ بها من المسلمين، ثم انظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتها، فإذا مال النهار عن شطره، فقم فيهم، ثمّ تزلّفوا إلى الله بركعتين». قال: وقال الزهريّ، فجمّع بهم مُصعب بن عُمير في دار من دور الأنصار، فجمّع بهم، وهم بضعة عشر. قال الأوزاعيّ: وهو أول من جمّع بالناس. قال ابن رجب: وقد أخرج الدارقطني -أظنه في «أفراده»- من رواية أحمد بن محمد ابن غالب الباهلي، نا محمد بن عبد الله، أبو زيد المدني، نا المغيرة بن عبد الرحمن، نا مالك، عن الزهريّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس -﵄-، قال: أذن رسول الله -ﷺ- بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يَستطع رسول الله -ﷺ- أن يُجمّع بمكة، ولا يُبيّنَ لهم، وكتب إلى مصعب بن عُمير: «أما بعد، فانظر اليوم الذي تُجمّر فيه اليهود لسبتهم. فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقرّبوا إلى الله بركعتين». قال: فأوّل من جَمّع مصعب بن عمير حتى قدم رسول الله -ﷺ- المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك. قال ابن رجب ﵀: وهذا إسناد موضوع، والباهلي هو غلام خليل كذّاب مشهور بالكذب، وإنما هذا من أصله من مراسيل الزهريّ، وفي هذا السياق ألفاظ منكرة. وأخرج البيهقيّ من رواية يونس، عن الزهريّ، قال: بلغنا أن أول ما جُمعت الجمعة بالمدينة قبل أن يقدمها رسول الله -ﷺ-، فجمّع بالمسلمين مصعب بن عُمير. وروى عبد الرزاّق في «كتابه»، عن معمر، عن الزهريّ، قال: بعث رسول الله -ﷺ- مصعب بن عُمير إلى أهل المدينة ليُقرأهم القرآن، فاستأذن رسولَ الله -ﷺ- أن يُجمّع بهم، فأذن له رسول الله -ﷺ-، وليس يومئذ بأمير، ولكنه انطلق يُعلّم أهل المدينة. وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: مَن أوّلُ من جَمَّع؟ قال: رجل من بني عبد الدار، زعموا، قلت: أفبأمر النبي -ﷺ-؟ قال: فمَهْ؟!. وأخرجه الأثرم من رواية ابن عُيينة، عن ابن جُريج، وعنده: قال: نعم، فمَنْ؟ قال ابن عُيينة: سمعت من يقول: هو مصعب بن عُمير. ولذلك نص الإِمام أحمد في رواية أبي طالب على أن النبي -ﷺ- هو أَمَرَ مصعبَ بن عمير أن يجمّع بهم بالمدينة، ونص أحمد أيضًا على أن أوّل جمعة جُمعت في الإسلام هي الجمعة التي جُمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير. وقد تقدّم مثله عن عطاء، والأوزاعيّ. فتبيّن بهذا أن النبي -ﷺ- أمر بإقامة الجمعة بالمدينة، ولم يُقمها بمكة، وهذا يدلّ على أنه كان قد فُرضت عليه الجمعة بمكة. وممن قال: إن الجمعة فُرضت بمكة قبل الهجرة أبو حامد الإسفرايينيّ من الشافعية، والقاضي أبو يعلى في «خلافه الكبير»، وابن عَقيل في «عُمدة الأدلة» وهما من الحنابلة، وكذلك ذكره طائفة من المالكية، منهم السُّهَيليّ، وغيره. وأما كونه لم يفعله بمكة، فيُحمَل على أنه إنما أُمِرَ بها أن يُقيمها في دار الهجرة، لا في دار الحرب، وكانت مكة إذ ذاك دار حرب. ولم يكن المسلمون يتمكنون فيها من إظهار دينهم، وكانوا خائفين على أنفسهم، ولذلك هاجروا منها إلى المدينة. وقد رُوي عن ابن سيرين أنّ تجميع الأنصار بالمدينة إنما كان عن رأيهم من غير أمر النبي -ﷺ- بالكلّيّة، وأن ذلك كان قبل فرض الجمعة. قال عبد الله بن أحمد في «مسائله»: نا أبي، نا إسماعيل -هو ابن عُليّة- نا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نُبّئت أن الأنصار قبل قُدوم رسول الله -ﷺ- عليهم المدينة قالوا: لو نظرنا يومًا، فاجتمعنا فيه، فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله علينا به، فقالوا: يوم السبت، ثم قالوا: لا نُجامع اليهود في يومهم، قالوا: يوم الأحد، قالوا: لا نجامع النصارى في يومهم، قالوا: فيوم العَرُوبة -قال: وكانوا يُسَمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا في بيت أبي أُمامة أسعد بن زُرَارة، فذُبحت لهم شاة، فكَفَتهم. وروى عبد الرزّاق في «مُصَنفه» عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: جمع أهلُ المدينة قبل أن يقدم رسول الله -ﷺ-، وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سمَّوها الجمعة، فقالت الأنصار: لليهود يومُ يجتمعون فيه كل ستة أيام، وللنصارى أيضًا مثل ذلك، فهلُمّ، فلنجعلْ يومًا نجمتع فيه، ونذكر الله ﷿، ونصلي، ونشكره، أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصاري، فاجعلوا يوم العروبة، -وكان يُسمُّون يوم الجمعة يوم العَرُوبة- فاجتمعوا إلى أسعد بن زُرَارة، فصلى بهم، وذكرهم، فسمَّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه، فذبح أسعد بن زُرارة لهم شاة، فتغذَوا، وتعَشَّوا من شاة واحدة ليلتهم، فأنزل الله بعد: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الجمعة: ٩]. فوقع في كلام الإِمام أحمد أن هذه هي الجمعة التي جمّعها مصعب بن عُمير، وهي التي ذكرها كعب بن مالك في حديثه أنهم كانوا أربعين رجلًا. قال الحافظ ابن رجب: وفي هذا انظر، ويحتمل أن يكون هذا الاجتماع من الأنصار كان باجتهاد هم قبل قدوم مصعب إليهم، ثم لما قدم مصعب عليهم جمّع بهم بأمر النبي -ﷺ-، وكان الإِسلام حينئذ قد ظهر، وفشا، وكان يمكن إقامة شعار الإِسلام في المدينة. وأما اجتماع الأنصار قبل ذلك، فكان في بيتا أسعد بن زُرارة قبل ظهور الإِسلام بالمدينة وفُشُوّه، وكان باجتهاد منهم، لا بأمر النبي -ﷺ-. والله ﷾ أعلم انتهى كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى باختصار . وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في خواص يوم الجمعة: ذكر الإِمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى للجمعة ثلاثا وثلاثين خصوصية مفصلة، ودونك ملخّصها: ١ - قراءة سورة السجدة في فجره. ٢ - استحباب كثرة الصلاة والسلام على النبي -ﷺ- فيه، وفي ليلته. ٣ - صلاة الجمعة. ٤ - الأمر بالاغتسال في يومها. ٥ - التطيب فيه. ٦ - السواك فيه. ٧ - التبكير للصلاة. ٨ - أن يشتغل بالصلاة، والذكر، والقراءة حتى يخرج الإِمام. ٩ - الإنصات للخطبة وجوبا لمن يسمعها على الأصحّ. ١٠ - قراءة سورة الكهف في يومها، وفيه حديث صحيح. ١١ - عدم كراهة الصلاة فيه وقت الزوال عند الشافعي، ومن وافقه، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية. ١٢ - قراءة «سورة الجمعة»، و«المنافقين»، أو «سبح»، و«الغاشية» في صلاة الجمعة. ١٣ - أنه يوم عيد متكرر في الأسبوع. ١٤ - استحباب لبس أحسن الثياب فيه. ١٥ - استحباب تجمير المسجد فيه. ١٦ - أنه لا يجوز السفر في يومه لمن تلزمه الجمعة قبل فعلها بعد دخول وقتها، وأما قبله، فللعلماء فيه ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والثالث يجوز للجهاد فقط. ١٧ - أن للماشي إلى الجمعة بكك خطوة أجر سنة، صيامها وقيامها، وفيه حديث صححه ابن خزيمة. ١٨ - أنه يوم تكفير السيئات. ١٩ - أن جهنم تُسجر كلّ يوم إلا يوم الجمعة. ٢٠ - فيه ساعة الإجابة. ٢١ - فيه صلاة الجمعة التي خُصّت بخصائص لا توجد في غيرها، من الاجتماع، والعدد المخصوص، وتقديم الخطبة، وغير ذلك. ٢٢ - أن فيه الخطبة التي يُقصد بها الثناء على الله تعالى، وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله -ﷺ- بالرسالة، وتذكير العباد بأيام الله، وتحذيرهم من بأسه، ونقمته، ووصيتهم بما يُقرّبهم إليه، وإلى جنانه، ونهيم عما يقربهم من سخطه، وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والاجتماع لها. ٢٣ - أنه اليوم الذي يُستحب أن يُتَفَرَّغَ فيه للعبادة. ٢٤ - أنه لما كان في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملًا على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله تعالى التعجيل فيه إلى المسجد بدلًا من القربان، وقائمًا مقامه. ٢٥ - أن للصدقة فيه مزيّة على سائر الأيام. ٢٦ - أنه يوم يتجلّى الله ﷿ فيه لأوليائه المؤمنين في الجنة، وزيارتهم له، فيكون أقربهُم إلى الإِمام أقربَهم إلى الجنة. ٢٧ - أنه قد فُسّر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه بيوم الجمعة. ٢٨ - أنه اليوم الذي تفزع منه السموات والأرض، والجبال، والبحار، والخلائق كلها، إلا الإنس والجن، من أجل أن القيامة تقوم فيه. ٢٩ - أنه اليوم الذي ادّخره الله لهذه الأمة، وأضلّ عنه أهل الكتاب قبلهم. ٣٠ - أنه خِيرَة الله من أيّام الأسبوع، كما أن شهر رمضان خيرته من شهور العام، وليلة القدر خيرته من الليالي، ومكة خيرته من الأرض، ومحمد -ﷺ- خيرته من خلقه. ٣١ - أن الموتى تدنو أرواحهم من قبورهم، وتوافيها في يوم الجمعة، فيعرفون زُوّارهم، ومن يمرّ بهم، ويُسلّم عليهم . ٣٢ - أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم. ٣٣ - أنه يوم اجتماع الناس، وتذكيرهم بالمبدإ والمعاد. انتهى ما قاله ابن القيم رحمه الله تعالى باختصار، وقد توسع رحمه الله تعالى في هذا الموضوع، وذكر الأدلّة على هذه الخصائص، فمن شاء التوسع في ذلك فليراجعه . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١ - (إِيجَابِ الْجُمُعَةِ) أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على إيجاب الجمعة. ومحل استدلال المصنف ﵀ قوله: «كتب الله ﷿ عليهم»، وهو واضح، لأن الكتابة معناها الإيجاب، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٣]. وقال السندي رحمه الله تعالى: والظاهر أن الحكم بالنظر إلى الكلّ واحد، فحيث إن ذلك الحكم هو الوجوب بالنسبة إلى قوم، تعين أنه الوجوب بالنظر إلى الآخرين، والله تعالى أعلم انتهى . وقال الإِمام البخاريّ رحمه الله تعالى: «باب فرض الجمعة» لقول الله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]. قال في «الفتح»: واستدلال المصنف بهذه الآية على فرضيّة الجمعة سبقه إليه الشافعيّ ﵀ في «الأم»، وكذا حديث أبي هريرة -﵁-، ثم قال: فالتنزيل، ثمّ السنّة، يدلان على إيجابها، قال: وعُلم بالإجماع أن يوم الجمعة هو الذي بين الخميس والسبت. وقال الشيخ الموفّق ﵀: الأمر بالسعي يدلّ على الوجوب، إذ لا يجب السعي إلا إلى واجب. واختلف في وقت فرضيتها، فالأكثر على أنها بالمدينة، وهو مقتضى ما تقدّم أن فرضيتها بالآية المذكورة، وهي مدنية، وقال الشيخ أبو حامد: فُرضت بمكة، وهو
مصادر المؤلف (١٥)

١. ويوجد في النسخة «الهندية»: ما نصه: «هذا آخر كتاب التشهد، والسلام، والسهو» انتهى.

٢. «الخندق» كجعفر: حَفِيرٌ حول أسوار المدن، معرب كَنْدَه. قاله في «ق».

٣. «فتح» جـ ٨ ص ١٤٨.

٤. «الدُّرُّ المصون في علوم الكتاب المكنون» جـ ١ ص ١٣٩ - ١٤٠.

٥. «فتح» جـ ٢ ص ٢٦٦ - ٢٦٧.

٦. المصدر السابق جـ ٢ ص ٢٦٧ - ٢٦٨.

٧. «فتح» جـ ٢ ص ٨٢٦.

٨. «لسان العرب» جـ ١ ص ٦٨١.

٩. «فتح» جـ ٣ ص ٣ - ٤.

١٠. «طرح التثريب» جـ ٣ ص ١٥٨ - ١٥٩.

١١. بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين: موضع حماه عمر لخيل المسلمين، وهو من أودية الحجاز قاله في «معجم البلدان» جـ ٥ ص ٣٤٨.

١٢. «شرح صحيح البخاري» جـ ٨ ص ٦٢ - ٧٠.

١٣. هذه الخاصية أكثر ما لها من الأدلة هي المنامات، فتحتاج لثبوتها إلى دليل مرفوع قويّ، فليُتَأَمَّل.

١٤. «زاد المعاد في هدي خير العباد» جـ ١ ص ٣٧٥ - ٤٢٥ بتحقيق الأرنؤوطين.

١٥. «شرح السندي» جـ ٣ ص ٨٧.