HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٣٧٤

أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرِمْتَ - أَيْ: يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ؟ قَالَ: إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ٣ ص ٩١

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص٩٢
المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان فضل يوم الجمعة. قال النووي ﵀: في هذا الحديث فصيلة يوم الجمعة، ومزيّته على سائر الأيام، وفيه دليل لمسألة غريبة حسنة، وهي لو قال لزوجته: أنت طالق في أفضل الأيام، وفيها وجهان لأصحابنا -يعني الشافعية- أصحهما تطلق يوم عرفة، والثاني يوم الجمعة لهذا الحديث، وهذا إذا لم يكن له نية، فأما إن أراد أفضل أيام السنة، فيتعين يوم عرفة، وإن أراد أفضل أيام الأسبوع، فيتعين الجمعة، ولو قال أفضل ليلة تعيّنت ليلة القدر، وهي عند أصحابنا، والجمهور منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، فإن كان هذا القول قبل مضيّ أول ليلة من العشر طلقت في أول جزء من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان بعد مضيّ ليلة من العشر، أو أكثر لم تطلق إلا في أول جزء من مثل تلك في السنة الثانية، وعلى قول من يقول: هي منتقلة، لا تطلق إلا في أولى جزء من الليلة الأخيرة من الشهر. والله أعلم انتهى . ومنها: أن هذه الأشياء، من خلق آدم، وإدخاله الجنة، وإخراجه منها، وكذا قيام الساعة فضائل عظيمة، كما ذكرنا وجهه سابقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥ - (إِكْثَارِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٣٧٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟ أَيْ يَقُولُونَ: قَدْ بَلِيتَ -قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن منصور) الكوسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨. ٢ - (حسين) بن علي بن الوليد الجعفي المقرىء الكوفي، ثقة عابد [٩] تقدم ٧٤/ ٩١. ٣ - (عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأزديّ، أبو عُتبة الشاميّ الدّارانيّ، ثقة [٧] تقدم ٤٥/ ٥٩٥. ٤ - (أبو الأشعث الصنعاني) شَرَاحيل بن آدة -بالمدّ، وتخفيف الدال- ويقال: شراحيل بن شُرَحْبيل بن كُليب بن آدة، ويقال: شَراحيل بن كُليب، ويقال: شَرَاحيل بن شَراحيل، ويُقال: شُرَحْبيل بن شُرَحبيل، وهو من صنعاء الشام، وقيل. من صنعاء اليمن، ثقة [٢]. روى عن شدّاد بن أوس، وثوبان، وأوس بن أوس الثقفي، وعُبَادة بن الصامت، وغيرهم. وعنه أبو قلابة، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ومسلم بن يسار المكي، وغيرهم. قال العجلي: شاميّ تابعيّ ثقة. وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل اليمن، وقال: كان ينزل دمشق، قال: وتُوفي زمن معاوية. وقال دُحَيم: شهد فتح دمشق. وقال ابن معين: كان من الأبناء سكن دمشق. وذكره ابن حِبّان في «الثقات»، وقال: شراحيل بن شُرَحْبيل بن كُليب بن آدة، قال: ومن قال: شَرَاحيل بن آدة، فقد نسبه إلى جدّه. وقال ابن الجوزيّ: روايته عن ثوبان منقطعة، كذا قال. روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والباقون. وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا. ٥ - (أوس بن أوس) الصحابي الثقفي، سكن دمشق، ومات بها. رَوَى عن النبي -ﷺ- في فضل الاغتسال يوم الجمعة. وعنه أبو الأشعث الصنعانيّ، وعُبَادة بن نُسَيّ، وغيرهما. قال الدُّوري، عن يحيى بن معين: أوس بن أوس، وأوس بن أبي أوس واحد، وقيل: إن ابن معين أخطأ في ذلك؛ لأن أوس بن أبي أوس، هو أوس بن حُذيفة. قال الحافظ: تابع ابنَ معين على ذلك جماعةٌ، والتحقيق أنهما اثنان، وإنما قيل في أوس بن أوس هذا أوس بن أبي أوس، وقيل في أوس بن أبي أوس: أوس بن أوس غلطًا. أخرج له الأربعة، وله عندهم هذا الحديث فقط، كرره المصنف أربع مرات. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالشاميين من عبد الرحمن، وشيخه مروزي، وحسين كوفي، وأن صحابيه من المقلين، فليس له إلا هذا الحديث عن أصحاب السنن. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ) رضي الله تعالى عنه، (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) ولفظ أبي داود: «قال: قال رسول الله -ﷺ-» (قَالَ: إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) بنصب «يوم» على أنه اسم «إنّ» مؤخرًا. قيل: فيه إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل، أو مساو، لأن زيادة «من» تدلّ على أن يوم الجمعة من جملة الأفاضل من الأيام، وليسر هو أفضل الأيام مطلقًا انتهى. وفيه ما تقدم. ولفظ البيهقي في «السنن الكبرى» جـ ٣ ص ٢٤٨: «أفضلُ أيامكم يومُ الجمعة …» بدون «من». (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ ﵇، وَفِيهِ قُبِضَ) أي مات، تقدم الكلام على خلقه، وموته في الباب الماضي (وفيه النَّفْخَةُ) قال الطيبيّ ﵀: أي النفخة الأولى، فإنها مبدأ قيام الساعة، ومقدّم النشأة الثانية (وَفيه الصَّعْقَةُ) أي الصيحة، والمراد بها الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله، وهي النفخة الأولى، قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الزمر: ٦٨] فالتكرار باعتبار تغايُر الوصفين. وقال القاري: المراد بالنفخة النفخةُ الثانية، وبالصعقة النفخةُ الأولى، قال: وهذا أولى، لما فيه من التغاير الحقيقي، وإنما سميت النفخة الأولى بالصعقة، لأنها تترتب عليها، وبهذا الوصف تتميّز عن الثانية. وقيل: إشارة إلى صعقة موسى ﵇ انتهى. (فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ) تفريع على كون الجمعة من أفضل الأيام (فَإِنْ صلَاتكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) يعني على وجه القبول فيه، وإلا فهي دائمًا تعرض عليه بواسطة الملائكة. قاله القاري رحمه الله تعالى. وقال السندي رحمه الله تعالى: هذا تعديل للتفريع، أي هي معروضة عليّ كعرض الهدايا على من أهديت إليه، فهي من الأعمال الفاضلة، ومقرّبة لكم إليّ، كما تقرّب الهديّة المهديَ إلى المهدَى إليه، وإذا كانت بهذه المثابة، فينبغي إكثارها في الأوقات الفاضلة، فإن العمل الصالح يزيد فضلًا بواسطة فضل الوقت، وعلى هذا لا حاجة إلى تقييد العرض بيوم الجمعة، كما قيل انتهى. وقال الشوكاني رحمه الله تعالى في «تحفة الذاكرين» بعد ذكر إبلاغ السلام إليه -ﷺ- وعرض الصلاة عليه: ما لفظه: وظاهر الجميع أن كلّ صلاة وسلام تبلغه -ﷺ-، وسواء كان ذلك يوم الجمعة، أو في غيره من الأيام والليالي، فلعلّ في العرض عليه زيادة على مجرد الإبلاغ إليه، ويكون ذلك من خصائص الصلاة عليه -ﷺ- في يوم الجمعة انتهى . (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرَمْتَ؟) جملة حالية من الضمير المجرور. و«أرمت» بفتح الراء، وسكون الميم، وفتح التاء على الخطاب، على وزن ضَرَبتَ. يقال: أَرَمَ ما على المائدة يَأْرمه، من باب ضرب: أَكَلَهُ. ويُروَى «أَرِمْتَ» بكسر الراء: أي بليتَ. وقيل: «أُرمت» بضم الهمزة على البناء للمفعول، من الأَرْم، وهو الأَكْل، أي صرت مأكولا للأرض. وقيل: «أرَمَّتْ» -بالميم المشددة، والتاء الساكنة، أي أرَمَّت العظام، أي صارت رَميمًا، من رَمَّ الميت، وأرمَّ: إذا بلي. ويروى «أَرْمَمْتَ» بالميمين، أي صرت رميمًا، فعلى هذا يجوز أن يكون أرمتَ بحذف أحد الميمين، كما قالوا في ظللت، وأحسست ظلت، وأحست، كما قال ابن مالك ﵀: ظِلْتُ وَظَلْتُ فِي ظَلِلْتُ اسْتُعْمِلَا … وَقِرْنَ فِي اقْرِرْنَ وَقَرْنَ نُقِلَا ثم كُسرت الراء لالتقاء الساكنين، أو فُتحتْ تخفيفًا بنقل حركة الميم الأولى إليها. وقال السندي رحمه الله تعالى في «شرحه»: لابد ههنا أوّلًا من تحقيق لفظ «أرمت»، ثم النظر في السؤال والجواب، وبيان انطباقهما. فأما «أرمت»، فبفتح الراء، كضربت، أصله أَرْممتَ، من أَرَمَّ بتشديد الميم: إذا صار رميمًا، فحذفوا إحدى الميمين، كما في «ظلت»، ولفظه إما على الخطاب، أو الغيبة، على أنه مسنَدٌ إلى العظام. وقيل: من «أرم» بتخفيف الميم: أي فني، وكثيرًا ما يُروَى بتشديد الميم، والخطاب، فقيل: هي لغة ناس من العرب. وقيل: بل خطأ، والصواب سكون التاء، لتأنيث العظام، أو أرممت بفكّ الإدغام. وأما تحقيق السؤال، فوجهه أنهم فهموا عموم الخطاب في قوله: «فإن صلاتكم معروضة» للحاضرين، ولمن يأتي بعده -ﷺ-، ورأوا أن الموت في الظاهر مانع عن السماع والعَرْض، فسألوا عن كيفية عرض صلاة من يُصلي عليه بعد الموت، وعلى هذا فقولهم: «وقد أرمت» كناية عن الموت، والجواب بقوله -ﷺ-: «إن الله حرم الخ» كناية عن كون الأنبياء أحياءً في قبورهم، أو بيان لما هو خرق للعادة المستمرّة بطريق التمثيل، أي ليجعلوه مقيسًا عليه للعرض بعد الموت الذي هو خلاف العادة المستمرّة. ويحتمل أن المانع من العرض عندهم فناء البدن، لا مجرّد الموت، ومفارقة الروح البدنَ، لجواز عود الروح إلى البدن ما دام سالما عن التغيّر الكثير، فأشار -ﷺ- إلى بقاء بدن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا ظاهر السؤال والجواب. بقي أن السؤال منهم على هذا الوجه يُشعر بأنهم ما علموا أن العرض على الروح المجرّد ممكن، فينبغي أن يُبيّن لهم النبي -ﷺ- أنه يمكن العرض على الروح المجرّد، ليعلموا ذلك. ويمكن الجواب عن ذلك بأن سؤالهم يقتضي أمرين: مساواة الأنبياء ﵈ لغيرهم بعد الموت، وأن العرض لا يمكن على الروح المجرد، والاعتقاد الأول أسوأ، فأرشدهم -ﷺ- بالجواب إلى ما يُزيله، وأَخّر ما يزيل الثاني إلى وقت يُناسبه تدريجًا في التعليم . والله تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ رحمه الله تعالى . (-أَيْ يَقُولُون: قَدْ بَليتَ-) «أي» تفسيرية، ولفظ أبي داود: «قال: يقولون: بليت»، بدون «أي». والظاهر أن التفسير من أوس -﵁-، ويحتمل أن يكون من غيره، أي يقصدُ الصحابة -﵃- بقولهم: «أرمت» بليت -بفتح الباء الموحدة، وكسر اللام- أي فَنيتَ، يقال: بلي الثوبُ يبلَى، من باب تَعبَ بلى بالكسر والقصر، وبَلاءً، بالفتح والمدّ: خَلُقَ، فهو بال، وبلي الميتُ: أفنته الأرض. قاله الفيّوِمي . (قَالَ) أي النبي -ﷺ- (إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ ﵈) أي منعها من أن تعتدي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأكل أجسادهم، كما تأكل أجسادَ سائر الناس، لكونهم أحياء في قبورهم، تكريمًا لهم، وتفضيلًا على غيرهم. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: قال صاحب «المنهل العذب المورود»: ألحق بعضهم شُهداءَ المعركة الذين قاتلوا لإعلاء كلمة الله ﷿، بالأنبياء في ذلك -يعني عدم أكل الأرض أجسادهم- لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، ولما ذكره بعض المفسرين من أن معاوية -﵁- لمّا أراد أن يُجري العين على قبور الشهداء أمر بأن يُنادى من كان له قتيل، فليُخرجه من هذا الموضع، قال جابر، فخرجنا إليهم، فأخرجناهم، رطاب الأبدان، فأصابت المسحاة -الفأس- أصبع رجل منهم، فقطرت دمًا. وفيه أن مثل هذا لا يثبت بالقياس، إذ فرق كبير بين الأنبياء وغيرهم، والآية ليست نصّا في أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء. وأكثر المحققين على أن حياة الشهداء بالروح والجسد بحالة لا ندركها في هذه الدار. وقال بعضهم المراد بحياة الشهداء أن الله تعالى يجعل أرواحهم في حواصل طير خضْر في الجنة، لما أخرجه أبو داود في «كتاب الجهاد» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لمّا أُصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في جوف طير خُضر، تَرد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلّقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ عنّا أنّا أحياء في الجنة، نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن العدوّ عند الحرب، فقال الله ﷾: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وما ذكره جابر من أنهم أخرجوا أجساد الشهداء رطابًا، وأن أحدهم أصابته المسحاة، فقطر دمًا، فعلى فرض صحته لا يستلزم اطراد عدم أكل الأرض لجسد كل شهيد، بل لا يستلزم عدم أكلها لأجساد أولئك الشهداء أنفسهم على ممرّ المئات والآلاف من السنين. وبالجملة فلم نقف على دليل صريح صحيح يفيد أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء انتهى كلام صاحب «المنهل» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وسيأتي اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: في اختلاف الحُفّاظ في هذا الحديث: ذهب جمع من الحفّاظ: إلى أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن حسينًا الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الثقة، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الشاميّ الضعيف، وروى عنه أحاديث منكرة، فغلط في نسبته. وممن ذكر ذلك البخاريّ، وأبو زرعة، وأبو حاشم، وأبو داود، وابن حبّان، وغيرهم. وأنكر ذلك آخرون، وقالوا: الذي سمعه منه حسين هو ابن جابر. قال العجليّ: سمع من ابن جابر حديثين في الجمعة. وكذا أنكر الدارقطني على من قال: إن حسينًا سمع من ابن تميم، وقال: إنما سمع من ابن تميم، هو أبو أسامة، وغلط في اسم جدّه، فقال: ابن جابر، وهو ابن تميم. ذكر هذا الكلام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في «شرح علل الترمذي» . وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه «جَلاء الأفهام» بعد أن أورد الحديث: ما نصه: وقد أعله بعض الحفّاظ بأن حسينًا الجعفيّ إنما حدث به عن عبد الرحمن عن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قال: ومن تأمل هذا الإسناد لم يشكّ في صحته، لثقة رُواته، وشهرتهم، وقبول الأئمة أحاديثهم. وعلته أن حُسينًا الجعفى لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر،، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وعبد الرحمن بن يزيد بن تميم لا يُحتجّ به، فلما حدث به حسين الجعفيّ غلط في اسم الجدّ، فقال: ابن جابر. وقد بَيَّنَ ذلك الحُفّاظ، ونبّهوا عليه، فقال البخاريّ في «التاريخ الكبير»: عبد الرحمن ابن يزيد بن تميم السلمي الشاميّ، عن مكحول سمع منه الوليد بن مسلم عنده مناكير، ويقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة، وحسين الجعفي، وقالا: هو ابن يزيد بن جابر، وغلطا في نسبه، ويزيد ابن تميم أصحّ، وهو ضعيف الحديث. وقال الخطيب: روى الكوفيّون أحاديث عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ووهموا في ذلك، والحمل عليهم في تلك الأحاديث. وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وَهما منه، هو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقي عبد الرحمن ابن يزيد بن تميم، فظنّ أنه ابن جابر نفسه، وابن تميم ضعيف، وقد أشار غير واحد من الحفاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة. وجواب هذا التعليل من وجوه: أحدها: أن حسين بن علي الجعفي قد صرّح بسماعه له من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال ابن حبَّان في «صحيحه»: حدثنا ابن خزيمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا حسين ابن عليّ، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فصرح بالسماع منه. وقولهم: إنه ظنّ أنه ابن جابر، وإنما هو ابن تميم، فغلط في اسم جدّه بعيد، فإنه لم يكن يشتبه على حسين هذا بهذا، مع نقده، وعلمه بهما، وسماعه منهما. فإن قيل: فقد قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «العلل»: سمعت أبي يقول: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر لا أعلم أحدًا من أهل العراق يحدّث عنه، والذي عندي أن الذي يروي عنه أبو أسامة وحسين الجعفيّ واحد، وهو عبدالرحمن بن يزيد بن تميم، لأن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة خمسة أحاديث، أو ستة أحاديث منكرة، لا يحتمل أن يُحدث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر مثله، ولا أعلم أحدًا من أهل الشام ووى عن ابن جابر من هذه الأحاديث شيئًا. وأما حسين الجعفيّ، فإنه روى عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث، عن أوس بن أوس، عن النبي -ﷺ- في يوم الجمعة أنه قال: «أفضل الأيام يوم الجمعة، فيه الصيحة، وفيه النفخة، وفيه كذا». وهو حديث منكر، لا أعلم أحدًا رواه غيرُ حسين الجعفي، وأما عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فهو ضعيف الحديث، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثقة. تم كلامه. قيل: قد تُكُلِّم في سماع حسين الجعفي، وأبي أسامة من ابن جابر، فأكثر أهل الحديث أنكروا سماع أبي أسامة منه. قال شيخنا في «التهذيب» : قال ابن نمير -وذكر أبا أسامة- فقال: الذي يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابرنرى أنه ليس بابن جابر المعروف، وذُكر لي أنه رجل يُسمّى باسم ابن جابر، قال يعقوب: صدق، هو عبد الرحمن بن فلان بن تميم، فدخل عليه أبو أسامة، فكتب عنه هذه الأحاديث، فروى عنه، وإنما هو إنسان يُسمى باسم ابن جابر، قال يعقوب: وكأني رأيت ابن نُمير يتهم أبا أسامة أنه علم ذلك، وعرف، ولكن تغافل عن ذلك، قال: وقال لي ابن نمير: أما ترى روايته لا تشبه سائر حديثه الصحاح الذي روى عنه أهل الشام وأصحابه. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت محمد بن عبد الرحمن ابن أخي حسين الجعفي عن عبد الرحمن بن يزيد؟ فقال: قدم الكوفة عبد الرحمن ابن يزيد بن تميم، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثم قدم عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بعد ذلك بدهر، والذي يحدث عنه أبو أسامة ليس هو ابن جابر، هو ابن تميم. وقال ابن أبي داود: سمع أبو أسامة من ابن المبارك، عن ابن جابر، وجميعًا يُحدثان عن مكحول، وابن جابر أيضًا دمشقيّ، فلما قدم هذا، قال: أنا عبد الرحمن بن يزيد الدمشقيّ، وحدث عن مكحول، فظنّ أبو أسامة أنه ابن جابر الذي روى عنه ابن المبارك، وابن جابر ثقة مأمون يُجمَع حديثه، وابن تميم ضعيف. وقال أبو داود: متروك الحديث حدث عنه أبو أسامة، وغلط في اسمه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر الشامي، وكلّ ما جاء عن أبي أسامة، عن عبد الرحمن بن يزيد، فإنما هو ابن تميم. وأما رواية حسين الجعفيّ عن ابن جابر، فقد ذكره شيخنا في «التهذيب»، وقال: روى عنه حسين بن علي الجعفي، وأبو أسامة حماد بن أسامة، إن كان محفوظًا. فجزم برواية حسين عن ابن جابر، وشك في رواية حماد. ثم بعد أن كتبت ذلك رأيت الدارقطنيّ قد ذكر ذلك أيضًا، فقال في كلامه على كتاب أبي حاتم في «الضعفاء» قوله: حسين الجعفي ووى عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم. خطأ، الذي يروي عنه حسين هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو أسامة يروي عن عبد الرحمن بن يزيد ابن تميم، فيغلَطُ في اسم جدّه. تم كلامه. وللحديث علّة أخرى، وهي أن عبد الرحمن بن يزيد لم يذكر سماعه من أبي الأشعث، قال علي بن المديني: حدثنا حسين بن علي الجعفى، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، سمعته يذكر عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس … فذكره. وقال إسماعيل بن إسحاق في كتابه: حدثنا علي بن عبد الله … فذكره. وليست هذه بعلة قادحة، فإن للحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وأبي الدرداء، وأبى أمامة، وأبي مسعود الأنصاريّ، وأنس بن مالك، والحسن، عن النبي -ﷺ-، مرسلًا. ثْم ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى أحاديث هؤلاء الصحابة -﵃-، واستقصاها، فراجع «جلاء الأفهام» ص ٤٦ - ٥٤ تستفد . وقال الحافظ رحمه الله تعالى في «النكت الظراف»: ذكر البخاريّ، وأبو حاتم، وتبعهما ابن حبّان أن حسين بن عليّ الجعفيّ غلط في عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، فظنّه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، كما جرى لأبي أسامة فيه، وأن هذا الحديث عن ابن «تميم»، لا عن «ابن جابر»، ولا يكون صحيحًا، وردّ ذلك الدارقطنيّ، فخصّ أبا أسامة بالغلط فيه انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص من مجموع ما ذُكر ترجيح كون عبد الرحمن بن يزيد الذي روى عنه حسين الجعفي هذا الحديث هو ابن جابر الثقة المعروف، وأن الحديث صحيح، لصحة إسناده، ولشواهده. وقد صححه من الأئمة: ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي، والنووي في «الأذكار»، وحسنه ابن المنذر، والحافظ ابن حجر، وله شواهد من حديث أبي الدرداء عند ابن ماجه -١٦٣٧ - ورجاله ثقات، لكنه منقطع، وآخر من حديث أبي أمامة عند البيهقي، وحَسّن إسناده المنذريّ، إلا أن مكحولا قيل: لم يسمع من أبي أمامة، ومن حديث أبي هريرة، وأبى مسعود، وأنس، والحسن، كما تقدم في كلام ابن القيم، فهذه الأحاديث، وإن كان في معظمها مقال، فمجموعها يصلح شاهدًا لحديث الباب. والحاصل أن حديث الباب صحيح. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥/ ١٣٧٤ - وفي «الكبرى» -٧/ ١٦٦٦ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٠٤٧ و١٥٣١ (ق) ١٠٨٥ و١٦٣٦ (أحمد) ٤/ ٨ (الدارمي) ١٥٨٠ (ابن خزيمة) ١٧٣٣ و١٧٣٤. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب إكثار الصلاة على النبي -ﷺ- يوم الجمعة. ومنها: فضل يوم الجمعة على سائر الأيام. ومنها: أن الأنبياء أحياء في قبورهم، حياةً برزخية، لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى، وأما زيادة: «فنبي الله حّي يُرزق» في آخر هذا الحديث عند ابن ماجه، والطبراني، فغير صحيحة؛ لأن في إسنادها انقطاعًا في موضعين، كما بينه الحافظ
مصادر المؤلف (١٠)

١. »شرح صحيح مسلم«جـ ٦ ص ١٤٢.

٢. «تحفة الذاكرين» ص ٣١.

٣. قال الجامع: قوله: «وأخر ما يزيل إلخ» فيه نظر؛ لا يخفى؛ إذ هو مجرد احتمال لا مستند له، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. والله تعالى أعلم.

٤. «شرح السندي» جـ ٣ ص ٩١ - ٩٢.

٥. «المصباح المنير» جـ ١ ص ٦٢.

٦. «المنهل العذب المورود» جـ ٦ ص ١٨٧ - ١٨٨.

٧. «شرح علل الترمذي» جـ ٢ ص ٨١٨ - ٨١٩.

٨. هو الحافظ أبو الحجاج المزيّ ﵀ صاحب «تهذيب الكمال». المتوفى سنة (٧٤٢ هـ).

٩. «جلاء الأفهام» ص ٤٦ - ٥٤.

١٠. «النكت الظراف» جـ ٢ ص ٣ - ٤.