٩ - (باب الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ)
أي باب ذكر الحديثين الدّالّين على التسهيل في ترك الغسل يوم الجمعة لعدم كونه واجبًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة أن الوجوب المستفاد من حديث الباب الماضي مصروف عن ظاهره بحديثي الباب، فإنهما يدلان على ذلك، كما يأتي إيضاحه قريبا إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب.
١٣٧٩ - (أَخْبَرَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ، فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ، وَبِهِمْ وَسَخٌ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الرَّوْحُ، سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ، فَيَتَأَذَّى بِهَا النَّاسُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: «أَوَ لَا تَغْتَسِلُونَ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمود بن خالد) السلمي، أبو عليّ الدمشقيّ، ثقة، من صغار [١٠]، تقدم ٤٥/ ٥٩٥.
٢ - (الوليد) بن مسلم، أبو العباس الدمشقي، ثقة كبير التدليس والتسوية [٨] تقدم ٥/ ٤٥٤.
٣ - (عبد الله بن العلاء) بن زَبْر -بفتح الزاي، وسكون الموحّدة- ابن عُطارد بن عَمرو بن حُجْر الرَّبَعيّ، أبو زَبْر، ويقال: أبو عبد الرحمن الدمشقي، ثقة [٧].
رَوَى عن بُسر بن عُبيد الله، وثور بن يزيد، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، وزيد بن الحباب، والوليد بن مسلم، وغيرهم.
قال حنبل، عن أحمدة مُقارب الحديث. وقال الدوريّ، وابن أبي خَيثمة، وغير واحد، عن ابن معين: ثقة. وكذا قال دُحَيم، وأبو داود، ومُعاوية بن صالح، وهشام بن عَمّار. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وكذا قال محمد بن عَوْف، عن ابن معين. وقال ابن معين: كان ثقة، إن شاء الله. وقال عثمان الدارميّ: سالت عبد الرحمن -يعني دُحَيمًا- عنه؟ فوثقه جدًّا. وقال يعقوب بن سفيان: سألته يعني دُحيمًا -عنه؟ فقال: كان
ثقة، وكان من أشراف البلد، قال يعقوب: وعبد الله بن العلاء ثقة، أثنى عليه غير واحد. وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين كلّه ضعيف إلَّا نفرًا، منهم عبد الله بن العلاء. وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، وقال في موضح آخر: هو أحبّ إليّ من أبي معبد حفص بن غيلان. وقال الدارقطني: ثقة يُجمع حديثه. وقال النسائي: في «التمييز»: ليس به بأس، شامي. وقال العجلي: شاميّ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال الذهبي في «الميزان»: إن ابن حزم نقل عن ابن معين أنه ضعفه. قال الحافظ العراقي في «شرح الترمذي»: لم أجد ذلك عن ابن معين بعد البحث. ووقع في «المحلَّى» لابن حزم في الكلام على حديث أبي ثعلبة -﵁- في آنية أهل الكتاب: عبد الله بن العلاء ليس بالمشهور، وهو متعقَّبٌ بما تقدم.
قال إبراهيم بن عبد الله: توفي سنة (١٦٤) وهو ابن (٨٩) سنة، وصلّى عليه سعيد ابن عبد العزيز، وقال إبراهيم في رواية أخرى: مات سنة خمس.
روى له البخاريّ، والأربعة. وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث: هذا، وحديث (٤١٧٢) وأعاده بعده، وحديث ٥٥٩٠.
٤ - (القاسم بن محمد بن أبي بكر) الصدّيق التيمي المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] تقدم ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين -﵂-، تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأنه مسلسل بالدمشقيين إلى القاسم، وأن القاسم أحد الفقهاء السبعة، يروي عن عمته، وأن عائشة -﵂- من المكثرين السبعة روت (٢٢١٠) أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن عبد الله بن العلاء (أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُمْ ذَكَرُوا) يحتمل فتح همزة «أنّ» على تقدير «يذكر»، وكسرها على تقدير «يقول»، والضمير في «أنهم»، وفي «ذكروا» يعود إلى الجماعة الحاضرين في مجلس عائشة رضي الله تعالى عنها، بدلالة السياق (غُسْلَ يَوْم الْجُمُعَة) بنصب «غسل» على المفعولية، أي حكمه، أو سبب ابتداء تشريعه (عنْدَ عَائشَةَ) -﵂-، متعلق بـ«ذكرا» (فقالَتْ) أي عائشة -﵂- (إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْكُنُونَ الْعَالِيَةَ) جمعه عوال، وهي عبارة عن القُرى المجتمعة حولَ المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها، فيقال له السافلة، وأقرب العوالي إلى المدينة
مسافة ميلين، أو ثلاثة، وأبعدها ستة، وقيل: ثمانية، وتقدّم الكلام عليه في «كتاب المواقيت» -٨/ ٥٠٧ - (فَيَحْضُرُونَ الْجُمُعَةَ، وَبِهِمْ وَسَخٌ) جملة في محل نصب على الحال من فاعل «يحضر».
و«الوسخ» بفتحتين: ما يعلو الثوب وغيره من قلة التعهد، والجمع أوساخ .
وفي رواية الشيخين من طريق عمرة، عن عائشة -﵂-: قالت: كان الناس يَنتابون يوم الجمعة من منازلهم، والعوالي، فيأتون في الغبار، يُصيبهم الغبار والعرق، فيَخرُجُ منهم العَرَق، فأَتَى رسول الله -ﷺ- إنسان منهم -وهو عندي- فقال النبي -ﷺ-: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا».
وفي رواية لهما: كان الناس مَهَنَةَ أنفسهم، وكانوا إذا راحوأ إلى الجمعة راحوا في هَيْئتهم، فقيل لهم: «لو اغتسلتم».
وأخرج أحمد في «مسنده» جـ ١ ص ٢٦٨ - وأبو داود في «سننه» -٣٥٣ - وصححه ابن خزيمة ١٧٥٥ -: عن عكرمة، أن ناسًا من أهل العراق جاءوا، فقالوا: يا ابن عبّاس، أترى الغسل يوم الجمعة واجبًا، قال: لا، ولكنه أطهر، وخير لمن أغتسل، ومن لم يغتسل، فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل؟ كان الناس مجهودين، يلبسون الصوف، ويَعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا، مقارب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله -ﷺ- في يوم حارّ وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى ثارت منهم رياحٌ آذى بذلك بعضهم بعضًا، فلما وجد رسول الله -ﷺ- تلك الريح، قال:
«أيها الناس إذا كان هذا اليوم، فاغتسلوا، وليمسّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه، وطيبه»، قال ابن عباس: ثم جاء الله تعالى ذكرُهُ بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العملَ، ووسع الله مسجدَهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق.
(فَإِذَا أَصَابَهُمُ الرَّوْحُ) بالفتح: نَسيم الريح (سَطَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ) يقال: سطع الغُبَار، والرائحةُ يَسطَعُ -بفتحتين-: ارتفع. قاله الفيّومي.
و«الأرواح» جمع ريح بالكسر؛ لأن أصلها الواو، ويجمع على أرياح قليلًا، وعلى رياح كثيرًا، أي كانوا إذا مرّ عليهم النسيم، تَكَيّف بأرواحهم، وحملها إلى الناس (فَيَتَاذَّى بَها) أي يتضرّر بسبب خُبث تلك الأرواح، وفي نسخة «به»، أي بذلك الروح (النَّاسُ) أي الذين يحضرون المسجد لصلاة الجمعة (فَذُكرَ ذَلِكَ) ببناء الفعل للمفعول،
واسم الإشارة نائب فاعله (لرَسُول الله -ﷺ-) متعلق بـ«ذكر». أي ذَكَر الناسُ الذين تأذوا بتلك الأرواح للنبي -ﷺ- ما حصل لهم من الضرر، ليأمرهم بالنظافة، وتَعَهُّدِ أجسامهم وثيابهم.
(فَقَالَ) -ﷺ- (أَوَ لَا تَغْتَسلُونَ) بتاء الخطاب، وفي النسخة «الهندية»: «أو لا يغتسلون» بالياء. والهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والواو عاطفة، وجملة «لا تغتسلون» معطوفة على محذوف، أي أتحضرون الجمعة، ولا تغتسلون.
وحاصل المعنى أنهم كانوا يَعرَقون لمشيهم من مكان بعيد في شدة الحر، وتقدم أنهم كانوا يلبسون الصوف، فإذا اجتمع العرق مع وسخ لباس الصوف يثير رائحة كريهةً، فإذا حملها الريح إلى الناس، تأذوا بها، فأنكر عليهم النبي -ﷺ- ذلك، وحثهم على الاغتسال، حتى لا يحصل هذا الضرر.
والحديث استدلّ به المصنف رحمه الله تعالى على الترخيص في ترك غسل الجمعة، ووجه استدلاله به أنه يدل على أن الغسل كان لسبب، فلما زال ذلك السبب، زال الوجوب معه، وفي هذا الاستدلال نظرٌ لا يخفى، إذ قوله -ﷺ-: «أو لا تغتسلون» يفيد الإنكار التوبيخي، وهو يدلّ على الأمر بالاغتسال، لا على تركه، وأيضًا فإن زوال سبب التشريع لا يدلّ على زوال الحكم، كالرَّمَل مثلًا، كان لإغاظة المشركين -كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى من «كتاب الحج»- وقد زال ذلك السبب، ولم يزل ذلك الحكم، بل صار شرعًا مستمرًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة -﵂- هذا صحيح، وهو بهذا السياق من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٩/ ١٣٧٩ - وفي «الكبرى» -٨/ ١٦٨٣ - بالسند المذكور. وقد تقدم بسياق آخر عند الشيخين، وغيرهما. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنّف رحمه الله تعالى، وهو الترخيص في ترك الغسل يوم الجمعة؛ لأن مشروعيته كان للسبب المذكور في الحديث، فلما وسع الله عليهم، وزال السبب رُخص لهم في تركه، هذا هو والظاهر من إيراد المصنف -﵀- له هنا، وقد عرفت ما فيه.
ومنها: ما كان عليه الناس في عهد رسول الله -ﷺ- من ضيق المعيشة، والصبر عليه.