HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٤٠١

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ١٠٣

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص٢١٥
حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ: «أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَارْكَعْ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إبراهيم بن الحسن) المصّيصيّ، ثقة [١] تقدم ٥١/ ٦٤. ٢ - (يوسف بن سعيد) بن مسلم المصّيصيّ، ثقة حافظ [١١] تقدم ١٣١/ ١٩٨. وهو من أفراد المصنف. ٣ - (حجّاج) بن محمد الأعور المصيصي، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢. والباقيان تقدّما قريبًا في -١٦/ ١٣٩٥ - وكذا شرح الحديث، وبيان المسائل المتعلقة به، فراجعها هناك، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢٢ - (بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٤٠١ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإِمام الفقيه الحجة المثبت [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (عُقيل) بن خالد الأيلي، ثقة ثبت [٦] ١٢٥/ ١٨٧. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم المدني، ثقة ثبت حجة [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيب) المدني، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩. ٦ - (أبو هريرة) -﵁-، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن نصفه الأولى مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، سعيد، وفيه أبو هريرة، رضي الله تعالى عنه رَأْسُ المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، وعند البخاري تصريح كل من الزهري، وسعيد بالإخبار، ولفظه: «عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة أخبره، أن رسول الله -ﷺ- قال». قال في «الفتح»: هكذا رواه يحيى بن بُكير، عن الليث، ورواه شعيب بن الليث، عن أبيه، فقال: «عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عُمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، عن أبي هريرة» أخرجه مسلم، والنسائي -يعني الإسناد التالي- والطريقان معًا صحيحان، وقد رواه أبو صالح، عن الليث بالإسنادين معًا، أخرجه الطحاويّ، وكذا رواه ابن جُريج وغيره عن الزهريّ بهما، أخرجه عبد الرزّاق وغيره، ورواه مالك عند أبي داود، وابن أبي ذئب عند ابن ماجه، كلاهما عن الزهريّ بالإسناد الأول انتهى. (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ)»من«شرطية مبتدأ، ولفظ الرواية التالية:»إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة، والإمام يخطب: أنصت، فقد لغوت«. والمراد بصاحبه هو الذي يخاطبه إذ ذاك، أو جليسه، وإنما ذكر الصاحب لكونه الغالب. (يَوْمَ الْجُمُعَة) متعلق بـ«قال»، وفي هذا التقييد دلالة على أن خطبة غير الجمعة، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء ليست كالجمعة، فلا يجب الإنصاف لها، ولا يحرم الكلام فيها، واستماعها مستحبّ فقط، لأنها غير واجبة، وقد صرّح بذلك أصحاب الشافعي، وحكى ابن عبد البرّ عن عطاء، قال: يحرم الكلام ما كان الإِمام على المنبر، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله، قال: ويوم عرفة، والعيدين كذلك في الخطبة انتهى . قال الجامع عما الله تعالى عنه: لكن مذهب المصنّف ﵀ أنه يرى أن خطبة العيد كخطبة الجمعة يجب الإنصاف لها، فسيأتي له في«كتاب العيد»ترجمة بلفظ:«الإنصاتُ للخطبة»، ثم ساق حديث أبي هريرة المذكور بلفظ:«إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت». فأخذ من إطلاقه شمول الحديث لخطبة العيد. وفيه بحث، سيأتي هناك إن شاء الله تعالى. (وَالإِمَامُ يَخْطُبُ) جملة حالية من فاعل«قال»، والرابط الواو. وفيه دلالة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، وأن النهي من الكلام يختص بحال الخطبة، وردٌّ على من جعل وجوب الإنصات، والنهي عن الكلام من خروج الإِمام، نعم الأولى والأحسن الإنصات منه. قال الجامع عفا الله عنه: كذا قيل: لكن ما تقدّم في رواية المصنف:«إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام، فليُصلّ ركعتين»يدلّ لمن قال بأن الإنصات من خروج الإمام، فقولهم أولى بالصواب. فليُتَنبَّه. والله تعالى أعلم. (أَنْصتْ) قال في«الصحاح»: الإنصاف السكوت، والاستماع للحديث. وقال في«المشارق»: السكوت والاستماع لما يقال. وقال في«النهاية»: أنصت: سَكَتَ سُكُوتَ مُستَمِع. وهذه العبارة متفقة في المعنى، واقتصر في«المحكم»على أنه السكوت، ويوافقه عطفه في التنزيل على الاستماع في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. قال وليّ الدين رحمه الله تعالى: وكذا قال أصحابنا الفقهاء: الإنصات هو السكوت، والاستماع شغل السمع بالسماع. ويستعمل رباعيًّا، وهو أفصح، وثلاثيًّا، فيقال: أنصت، ونَصَتَ، فيجوز في قوله هنا:«انصت»قطع الهمزة، ووصلها، والأول أفصح، وأشهر، والصاد مكسورة على كلّ حال انتهى . (فَقَدْ لَغَا)، وفي رواية لمسلم:«إذا قلت لصاحبك أنصت، فقد لغيت»بالياء، قال أبو الزناد: هي لغة أبي هريرة. وفي رواية هَمّام عن أبي هريرة مرفوعًا:«إذا قلت للناس أنصتوا، وهم يتكلّمون، فقد ألغيت على نفسك». قال الأخفش: اللغو الكلام الذي لا أصل له من الباطل وشبهه. وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول. وقيل: الميل عن الصواب. وقيل: اللغو الإثم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾. وقال الزين ابن المنيّر: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا يحسن من الكلام. وأغرب أبو عُبيد الهروي في«الغريب»، فقال: معنى لغا: تكلّم، كذا أطلق، والصواب التقييد. وقال النضر بن شُميل: معنى لغوتَ خبتَ من الأجر. وقل: بطلت فضيلة جمعتك. وقيل: صارت جمعتك ظهرًا. قال الحافظ: أقوال أهل اللغة متقاربة المعنى، ويشهد للقول الأخير ما رواه أبو داود، وابن خزيمة من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا:«ومن لغا، وتخطّي رقاب الناس كانت له ظهرًا». قال ابن وهب أحد رواته: معناه أجزأت عنه الصلاة، وحُرم فضيلة الجمعة. ولأحمد من حديث عليّ مرفوعًا:«من قال: صَهْ، فقد تكلم، ومن تكلّم، فلا جمعة له»، ولأبي داود نحوه، ولأحمد، والبزّار من حديث ابن عباس مرفوعًا:«من تكلّم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فهو كالحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة»، وله شاهد قويّ في«جامع حماد بن سلمة»، عن ابن عمر موقوفًا. قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة، للإجماع على إسقاط فرض الوقت عنه. وحكى ابن التين عن بعض من جوّز الكلام في الخطبة أنه تأول قوله:«فقد لغوت»، أي أمرت بالإنصات من لا يجب عليه، وهو جمود شديد، لأن الإنصات لم يُختَلَف في مطلوبيته، فكيف يكون من أمر بما طلبه الشرع لاغيًا، بل النهي عن الكلام مأخوذ من حديث الباب بدلالة الموافقة، لأنه إذا جُعل قوله:«أنصت»مع كونه أمرًا بمعروف لغوًا، فغيره من الكلام أولى أن يُسمّى لغوًا. وقد وقع عند أحمد من رواية الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- في آخر هذا الحديث بعد قوله:«فقد لغوت» «عليك بنفسك». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٢/ ١٤٠١ - وفي«الكبرى»-٣١/ ١٧٢٨ - عن قتيبة، عن الليث، عن عُقيل، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عنه. وفي ٢٢/ ١٤٠٢ - و«الكبرى»-٣١/ ١٧٢٧ - عن عبد الملك بن شُعيب بن الليث، عن أبيه، عن جده، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وعن سعيد بن المسيب، كلاهما عنه. وفي -٢١/ ١٥٧٧ - و«الكبرى»-١٥/ ١٧٨٠ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب به. وفي«الكبرى» -٣١/ ١٧٢٦ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن مالك به. وأخرجه (خ) ٢/ ١٦ (م) ٣/ ٤ و٥ (د) ١١١٢ (ت) ٥١٢ (ق) ١١١٠ (مالك في الموطأ) ٨٥ (الحميدي) ٩٦٦ (أحمد) ٢/ ٢٤٤ و٢/ ٢٧٢ و٢/ ٢٨٠ و٢/ ٣٩٣ و٢/ ٣٩٦ و٢/ ٤٧٤ و٢/ ٤٨٥ و٢/ ٥١٨ و٢/ ٥٣٢ (الدارمي) ١٥٥٦ و١٥٥٧ و١٥٥٨ (ابن خزيمة) ١٨٠٥ و١٨٠٦. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الكلام حال الخطبة: قال الحافظ وهي الدين العراقي ﵀: ما حاصل: استُدلّ بحديث الباب على وجوب الإنصات للخطبة، وتحريم الكلام فيها، لأنه إذا لم تغتفر هذه الكلمة -يعني «أنصت»- مع خفتها، وكونها أمرًا بمعروف محتاج إلبه في تلك الحالة، فما عداها أولى بالمنع. وهذا أحد قولي الشافعي، نصّ عليه في «القديم»، و«الإملاء»، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وهو المشهور من مذهب أحمد. وقال ابن المنذر: نَهَى عثمان، وابن عمر عن الكلام، والإمام يخطب، وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم، والإمام يخطب فاقرَع رأسه بالعصا، وكره مالك ذلك، وابن عباس، والشافعي، وعوامّ أهل العلم. وقال الترمذي في «جامعه» بعد رواية هذا الحديث: والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا للرجل أن يتكلّم، والإمام يخطب. قال الحافظ العراقي في «شرح الترمذي»: والمتقدّمون يُطلقون كثيرًا الكراهة، ويريدون التحريم انتهى. وقال ابن بطّال: جماعة أئمة الفتوى على وجوب الإنصات. وقال ابن عبد البرّ: لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها انتهى. والقول الثاني للشافعي أن الإنصات سنة، والكلام ليس بحرام، وهو نصّه في «الجديد»، وهو رواية عن أحمد، حكاها ابن قُدَامة. وقال ابن المنذر: كان النخعي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم بن مُهاجر، والشعبيّ، وأبو بردة يتكلمون، والحجاج يخطب، وقال بعضهم: إنّا لم نُؤمر أن ننصت لهذا. قال ابن المنذر: وأتباع السنة أولى انتهى. قال العراقي ﵀: فيحتمل أن يراد بـ«هذا» الإشارةُ للحجاج، لما كان فيه من الظلم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد لهذا الأمر. قال وليّ الدين: ويحتمل أن تكون الإشارة إلى كلام بعينه أتى به الحجاج، لا ينبغي سماعه، لما فيه من لسب الصحابة -﵃-، أو الأمر بالظلم، وما لا يجب امتثاله، أو عند قراءة كتب وردت عليه من الخليفة، فيها ما لا ينبغي فعله. وقد قال ابن حزم: روينا من طريق سفيان الثوريّ، عن مُجالد، قال: رأيت الشعبي، وأبا بردة بن أبي موسى الأشعريّ يتكلمان، والحجاج يخطب، حين قال: لعن الله، ولعن الله، فقلت: تتكلمان في الخطبة؟ فقالا: لم نؤمر بأن ننصت لهذا. وعن إبراهيم النخعيّ: أنه كان يتكلم، والإمام يخطب زمن الحجاج. قال ابن حزم: كان الحجاج، وخطباؤه يلعنون عليًا، وابن الزبير -﵃-. وذكر ابن عبد البرّ أن عبد الله بن عروة كان يُنصت للخطيب، فإذا شتم عليًّا تكلّم، ويقول: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا. وقد روى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن الشعبيّ، ومحمد بن عليّ بن الحسين أنه لا بأس بالكلام، والصحف تقرأ يوم الجمعة. وعن أبي بردة، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يتكلمان في هذه الحالة. وعن حماد بن أبي سليمان إنما كان السكوت قبل اليوم إذا وعظوا بكتاب الله، وقالوا فيه، فنسكت لصحفهم هذه؟. وعن الحسن البصري أنه كان يكره الكلام، والصحف تقرأ. وعن إبراهيم النخعيّ أنه قيل له: إن الكتب تجيء من قبل قُتيبة، فيها الباطل والكذب، فأكلّم صاحبي، أو أنصت؟ قال: لا، بل أنصت -يعني في الجمعة- فطرد النخعيُّ والحسن منع الكلام في الخطبة، وسَدَّا البَابَ في ذلك. قال ابن بطال: ورى ابن وهب، وابن قانع، وعليّ بن زياد، عن مالك أن الإِمام إذا لغى، وشتم الناس، فعلى الناس الإنصات، ولا يتكلّمون. ورُويَ عنه: إذا خطب في أمر ليس من الخطبة من أمر كتاب يقرؤه، أو نحو ذلك، فليس على الناس الإنصاف. ورأى الليث إذا أخذ الإِمام في غير ذكر الله، والموعظة أن يتكلّم، ولا يُنصت انتهى. وقال ابن حزم: فإن أدخل الخطيب في خطبته ما ليس من ذكر الله تعالى، ولا من الدعاء المأمور به، فالكلام مباح حينئذ، فهذان مذهبان آخران مفصّلان، إما بين أئمة الجور وغيرهم، وإما بين الوعظ وغيره. وحكى ابنُ عبد البرّ قولًا خامسًا أنه إنما يجب الإنصات عند تلاوة القرآن خاصّة، قال: روي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعيّ، وأبي بُردة، قال: وفعلهم ذلك مردود عند أهل العلم بالسنّة الثابتة، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك، لأنه حديث انفرد به أهل المدينة، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به. وقال ابن بطال: استماع الخطبة واجب وجوبَ سنة عند أكثر العلماء، ومنهم من جعله فريضةً انتهى. وهذا على قاعدة المالكية من وجوب السنن، ومعناه أنه سنة مؤكدة، وهو قول الشافعيّ في الجديد، فيكون ابن بطال نقل استحباب الإنصات عن الأكثرين، فمن أوجب الإنصات أخذ بقول من قال: إن اللغوَ الباطلُ، ومن استحبّه أخذ بقول من قال: إنه السقط، وما لا يُعتدّ به، ولغط الكلام، وما لا محصول له، أو الْمُطَّرَح من القول، وما لا يُعْنَى، فإن هذه العبارات متقاربة المعنى، ومقتضاها أن قائل اللغط غير مرتكب حرامًا. وقد قال الشافعي ﵀ في قوله: «لغوت»: تكلّمت في موضع الأدبُ فيه أن لا تتكلّم. واحتجّ الشافعيّ في القديم على عدم تحريم الكلام في الخطبة بحديث أنس -﵁- في الرجل الذي قام إلى رسول الله -ﷺ- في يوم الجمعة، وهو يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وانقطعت السبل، فادع الله … «، وهو في»الصحيحين«. وبحديث عثمان -﵁- حيث دخل يوم الجمعة، وعمر -﵁- يخطب، فكلّمه، وأجابه. واحتجّ على ذلك في الجديد بالحديث المتقدِّم قبل هذا في سؤال النبي -ﷺ- الداخل، وهو يخطب عن كونه صلى، وإجابته له بقوله:«لا»، وقوله له:«صلّ ركعتين». وبكونه -ﷺ- كلّم الذين قَتَلوا ابن أبي الْحُقَيق على المنبر، وكلموه، وتداعوا قتله، وقد رواه الشافعي مرسلًا، قال البيهقيّ، وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو مشهور فيما بين أهل العلم بالمغازي. وروي من وجه آخر موصولًا عن عبد الله بن أنيس انتهى. ومن ذهب إلى تحريم الكلام أجاب عن هذه الأحاديث بأن المخاطبة فيها من الإِمام، أو معه، فلا يشتغل بذلك عن سماع الخطبة، بخلاف كلام الحاضرين بعضهم مع بعض انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر أن المذهب الراجح هو تحريم الكلام مطلقًا على حاضري الخطبة؛ لوضوح أدلته، وأما من كلمه الإِمام، أو كلم الإمامَ فلا يحرم ذلك عليه، لأنه مستثنى بالنصوص الكثيرة الدالّة على ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم فيمن لا يسمع الخطبة، هل يجب عليه الإنصات أم لا؟: ذهب المالكية، والحنابلة، والظاهرية، إلى أنه لا فرق في وجوب الإنصات بين من يسمع الخطبة، ومن لا يسمعها. وحكاه ابن بطال وغيره عن أكثر العلماء، وحكاه ابن عبد البرّ عن مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وأصحابهم، والثوريّ، والأوزاعيّ، وهو الأصحّ عند الشافعية، واختلف الحنفية في هذه المسألة. وروى ابن أبي شيبة، عن عروة بن الزبير أنه كان لا يرى بأسًا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة. والمختلف فيه هو كلام الآدميين، أما الذكر، والتلاوة سرّا، فليس ممنوعًا منهما قطعًا. قال ابن قُدامة: وهل ذلك أفضل، أو الإنصات؟ يحتمل الوجهين: أحدهما الإنصات أفضل، لحديث عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو، فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل دعا الله، فإن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفّارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾». رواه أبو داود . ولقول عثمان: من كان قريبًا يسمع، ويُنصت، ومن كان بعيدًا يُنصت، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظّ ما للسامع. والثاني: الذكر أفضل، لأنه يحصل له ثوابه من غير ضرر انتهى. وقال ابن عقيل من الحنابلة: في صورة البعد له المذاكرة في الفقه، وصلاة النافلة، والمشهور عندهم منع ذلك انتهى . قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ليس لأحد أن يتكلم، والإمام يخطب، على ظاهر هذا الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراحج قول من قال بتحريم الكلام مطلقًا، سواء سمع الخطبة، أم لا؛ لأن النبي -ﷺ- لم يشترط السماع حينما حرّم الكلام، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في رد السلام، وتشميت العاطس حال الخطبة: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في تشميت العاطس، ورد السلام، والإمام يخطب، فرخصت طائفة في تشميت العاطس، ورد السلام، والإمام يخطب: وممن رخّص في ذلك الحسن البصريّ، والنخعي، والشعبي، والحَكَم، وحماد، وسفيان الثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وكان قتادة يقول: يردّ السلام، ويُسمعه، وروي ذلك عن القاسم بن محمد. واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فكان إذ هو بالعراق يقول: ولا يشمتون عاطسًا، ولا يردون سلامًا إلا بإيماء، وكان يقول بعدُ بمصر: وإن سلم رجل على رجل يوم الجمعة كرهت ذلك، ورأيت أن يردّ عليهم بعضهم، لأن ردّ السلام فرض، ولو عطس رجل، فشمّته رجل رجوت أن يَسَعَه، لأن التشميت سنّة. وكان سعيد بن المسيّب يقول: لا يشمّته، وكذلك قال قتادة، وهذا خلاف قوله في ردّ السلام، ولعل الفرق يمنعه بينهما أن ردّ السلام فرض، وليس كذلك تشميت العاطس. وقال أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يستمعوا، ويُنصتوا. وفرق عطاء بين الحالين، فقال: إذا كنت تسمع الخطبة، فاردد ﵇ في نفسك، وإذا كنت لا تسمعها، فاردد عليه، وأسمعه، وقال أحمد: إذا لم يسمع الخطبة شمّت، وردّ. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثبت أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت»، فالإنصات يجب على ظاهر السنّة، وإباحة ردّ السلام، وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يردّ السلام إشارةً، ويشمّت العاطس إذا فرغ الإِمام من الخطبة انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر حسنٌ جدًّا؛ لوضوح دليله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في اختلاف أهل العلم في الكلام بعد الفراغ من الخطبة: قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلفوا في الكلام بعد فراغ الإِمام من الخطبة قبل أن يدخل في الصلاة، فرخّصت طائفة في ذلك: وممن كان لا يرى به بأسًا طاوس، وعطاء، والزهريّ، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي، وهو قول مالك، والشافعي، وإسحاق،، وأبي ثور، ويعقوب، ومحمد، وروينا عن ابن عمر أنه قال: لا بأس بالكلام إذا نزل الإِمام من المنبر يوم الجمعة حتى يكبّر. وكان الحكم بن عُتيبة يكره ذلك، وروي عن طاوس رواية توافق قول الحكم، خلاف الرواية الأولى. وكذا اختلفوا في الكلام بين الخطبتين، فكرهته طائفة، منهم مالك، والأوزاعيّ، والشافعي، وإسحاق، وقال الحسن البصريّ: لا بأس بالكلام بين الخطبتين، وإذا نزل الإِمام عن المنبر. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: قد كان الكلام مباحًا قبل خطبة الإِمام، وقد أمر الناس بالإنصات لإمامهم إذا خطب، فإذا انقضت الخطبة رجعت الإباحة، والأخبار دالّة على ذلك انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى بتصرّف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن الإنصات يكون من خروج الإِمام إلى أن ينتهي من الصلاة، لما تقدم -١٦/ ١٣٩٥ - من حديث جابر بن عبد الله -﵄- مرفوعًا: «إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام …»، فقد جعل خروج الإِمام مبدأ الإنصات، فلا يتشاغل عنه إلا من يصلي تحيّة المسجد. ولما يأتي -٢٣/ ١٤٠٣ - من حديث سلمان -﵁- مرفوعًا: «ما من رجل يتطهّر يوم الجمعة …» وفيه: «ثم يُنصت حتى يقضي صلاته …»، ففيه أن الإنصات يكون إلى انقضاء الصلاة. والحاصل أن الإنصات يكون من أوّل ما خرج الإِمام إلى أن ينتهي من الصلاة، فلا يتكلم في خلال ذلك سواء كان في حال الخطبة، أو بين الخطبتين، أو بين الخطبة والصلاة، لما ذكرناه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (١٠)

١. «طرح التثريب»جـ ٣ ص ٢٠٢ - ٢٠٣.

٢. «طرح»٣/ ١٩١.

٣. أي أبطلت جمعتك على نفسك.

٤. «فتح»٣/ ٨٠.

٥. «طرح التثريب» جـ ٣ ص ١٩٢ - ١٩٥.

٦. حديث حسن.

٧. «طرح» ٣/ ١٩٦ - ١٩٧.

٨. «الأوسط» جـ ٤ ص ٧٠.

٩. «الأوسط» ٤/ ٧٢ - ٧٣.

١٠. «الأوسط» ٤/ ٩٧ - ٨٠.