HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٤٥٦

أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الصُّوفِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهَا اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ، وَأَفْطَرْتَ وَصُمْتُ، قَالَ: أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ وَمَا عَابَ عَلَيَّ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:منكر
  • الألباني:منكرضعيف سنن النسائي ج1 ص49
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٣ ص ١٢٢

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٦ ص٢٦٢
١٤٥٦ و١٨٠١ و١٨٠٢. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو جواز نزول الإِمام عن منبره، وقطع خطبته لأمر ينزل به، ثم رجوعه إليه، وإتمام خطبته. قال الحافظ ولي الدين ﵀: قد يَستدلّ بهذه القصَّة من لا يوجب الموالاة في الخطبة، لكنه زمن يسير، لا يقطع الموالاة عند من يشترطها، فليست هذه الصورة في موضع النزاع، وللشافعي في المسألة قولان: أصحهما عند أصحابه اشتراطها، وبه قالت الحنابلة، وكذلك الخلاف في اشتراط الموالاة بين الخطبة والصلاة، والمرجع فيما يقطع الموالاة من كلام، أو فعل إلى العرف، وحيث انقطعت الموالاة استأنف الأركان، وقد يقال: لم تكن هذه الخطبة خطبة الجمعة، لكن النسائيّ بوّب عليه: «نزول الإِمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة يوم الجمعة»، وقال الحاكم هو أصل في قطع الخطبة، والنزول من المنبر عند الحاجة انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قول من قال بجواز قطع الخطبة للحاجة هو الذي يترجّح عندي، لأنه تؤيده الأدلة المذكورة، ومن قال بعدم الجواز فليس له حجة في ذلك. والله تعالى أعلم. ومنها: أن فيه منقبة عظيمة للحسن والحسين -﵄-، وقد أورده الترمذي في مناقبهما، ولولا شدّة محبته -ﷺ- لما فعل معهما مثل ذلك، وفي رواية الحاكم: «رأيت ولدَيَّ هذين». ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من كمال الشفقة، وشدة الرأفة، كما وصفه الله تعالى بذلك في كتابه حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: وفيه بيان رحمته -ﷺ- للعيال، وشفقته عليهم، ورفقه بهم، والظاهر أن مبادرته -ﷺ- إلى أخذهما لإعيائهما بالمشي، وحصول المشقّة لهما بالعثار، فرفع تلك المشقّة عنهما بحملهما انتهى. ومنها: جواز لبس الثوب الأحمر، وفيه خلاف بين أهل العلم، سيأتي تحقيقه في موضعه من «كتاب الزينة»، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن الأموال والأولاد فتنة ابتلى الله تعالى بها عباده، فمن آثرهما على الطاعة، فقد خسر، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: فإن قلت: ظاهر الحديث أن قطع الخطبة، والنزول لأخذهما -يعني الحسن والحسين- فتنة دَعَى إليها محبة الأولاد، وكان الأرجح تركه، والاستمرار في الخطبة، وهذا لا يليق بحال النبي -ﷺ-، فإنه لا يقطعه عن العبادة أمر دنيويّ، ولا يفعل إلا ما هو الأرجح والأكمل. قلت: قد بيّن النبي -ﷺ- جواز مثل ذلك بفعله، فكان راجحًا في حقه، لتضمنه بيان الشريعة التي أرسل بها، وإن كان مرجوحًا في حقّ غيره، لخلوّه عن البيان، وكونه ناشئًا عن إيثار مصلحة الأولاد على القيام بحقّ العبادة، ونبّه -ﷺ- بما ذكره في ذلك على حال غيره في ذلك لا على حال نفسه، فإنه -ﷺ- لا يفعل ذلك إلا لمصلحة راجحة على مصلحة الخطبة، وبتقدير أن يكون لمصلحة مرجوحة، فذلك الفعل في حقه راجح على الترك، لكونه بيّن به جواز تقديم المصلحة المرجوحة على الأمر الراجح الذي هو فيه. والله أعلم انتهى. ومنها: أن فيه استحبابَ الخطبة على المنبر، قال العلماء ﵏: فإن لم يكن منبر، فعلى موضع مرتفع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». ******** ٣١ - (بَابُ مَا يسْتَحَبُّ مِنْ تَقْصِير الْخُطْبَةِ) ١٤١٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ غَزْوَانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينِ، فَيَقْضِىَ لَهُ الْحَاجَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة، تقدموا في الباب الماضي، إلا: ١ - (يحيى بن عُقَيل) -بالتَّصغير- البصريّ، نزيل مرو، صدوق [٣]. روى عن عمران بن حُصين، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس بن مالك، ويحيى بن يعمر، وغيرهم. وعنه سليمان التيميّ، وعَزْرة بن ثابت، وحسين بن واقد، وغيرهم. قال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في «الثقات». روى له البخاريّ في «الأدب المفرد»، والباقون، سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد، الصحابي الشهير، آخر من مات من الصحابة بالكوفة، مات سنة (٨٧) تقدم ٣/ ٤٠٢. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالمراوزة، غير الصحابي، فكوفي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن يحيى بن عُقيل رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) رضي الله تعالى عنه (يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُكْثِرُ الذِّكْرَ) أي ذكر الله ﷾ (وَيُقِلُّ اللَّغْوَ) بضم حرف المضارعة، من الإقلال، وفي بعض النسخ: «ويقصر اللغو». قال المجد اللغويّ ﵀: «اللغو»، و«اللَّغَا»، كالفتى: السَّقَط، وما لا يُعتدّ به من الكلام وغيره، كـ«اللَّغْوَى» كسكرى انتهى . وقال الفيّومي ﵀: لغَا الشيءُ يلغُو لَغْوًا، من باب قال: بطل، ولغا الرجل: تكلّم باللغو، وهو أَخْلاطُ الكلام، ولغا به: تكلم به، وألغيته: أبطلته، وألغيته من العدد. أسقطته، واللَّغَى مقصور: مثل اللغو، واللاغية: الكلمة ذات لغو. قال: ومن الفرق اللطيف قول الخليل: اللغَطُ كلام لشيء ليس من شأنك، والكذب كلام لشيء تَغُرُّ به، والْمُحالُ كلام لغير شيء، والمستقيم كلام لشيء منتظم، واللغو كلام لشيء لم ترده انتهى باختصار . وقال السيوطي ﵀: القلّة هنا بمعنى العدم، كقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ انتهى . وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: «ويُقلّ اللغو» أي الكلامَ القليلَ الْجَدْوَى، أي غالب كلامه جامع ليطالبَ جَمَّة، وأما الكلام القاصر عن ذلك، فكان قليلًا، وقيل: القلّة بمعنى العدم، فاللغو ما لا فائدة فيه انتهى . (وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة. من الإطالة (وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ) بفتح حرف المضارعة، ويحتمل ضمها، من الإقصار، أو التقصير. قال الفيومي ﵀: قَصَرتُ الصلَاةَ، ومنها، قَصْرًا، من باب قتل، هذه هي اللغة العالية التي جاء بها القرآن، قال تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وقُصِرَتِ الصلاةُ بالبناء للمفعول، فهي مقصورة، وفي الحديث: «أقُصِرَتِ الصلاةُ»، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أَقْصَرْتُها، وقَصّرتُها انتهى. والمعنى أن صلاته -ﷺ- كانت طويلة، وخطبته بالعكس، خلافَ ما عليه كثير من الناس، فإنهم يطيلون الخطبة، ويقصرون الصلاة. ولكن كان كلّ من الصلاة والخطبة متوسطًا، كما يدل عليه حديث جابر بن سمرة رضي الله الآتي في -٣٥/ ١٤١٨ -: «وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصدًا». قال النووي رحمه الله تعالى: ليس هذا مخالفًا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، ولقوله في الرواية الأخرى: «وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصدًا»، لأن المراد بالحديث الأول أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلًا يشقّ على المأمومين، وهي حينئذ قصدٌ، أي معتدلةٌ، والخطبة قصدٌ بالنسبة إلى وضعها انتهى . (وَلَا يَأْنْفُ) مضارع أَنف من الشيء أَنَفًا، من باب تعب، والاسم الأَنَفَة، مثل قَصَبَة: أي استكف، وهو الاستكبار، وأنِفَ منه: تنزّه عنه، قال أبو زيد: أنفتُ من قوله أشدَّ الأَنَف: إذا كرهت ما قال. قاله الفيّومي. والمعنى أن من أخلاقه -ﷺ- الكريمة، وشمائله العظيمة أنه لا يتكبّر، ولا يكره (أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأرْمَلَةِ) أي المرأة الفقيرة التي لا زوج لها. قال المجد رحمه الله تعالى: رجلٌ أرملُ، وامرأة أرمَلَةٌ: محتاجة، أو مسكينة، والجمع أرامل، وأراملةٌ، والأرمَلُ الْعَزَبُ، وهي بهاء، ولا يقال للعَزَبَة الموسرة أرملة انتهى. وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: ورجلٌ أرمَلٌ، وامرأةٌ أرملةٌ: محتاجة، وهم الأرملة، والأراملُ، والأراملةُ، كسّروه تكسير الأسماء لقلّته، وكل جماعة من رجال ونساء، أو رجال دون نساء، أو نساء دون رجال أرملةٌ، بعد أن يكونوا محتاجين، ويقال للفقير الذي لا يقدر على شيء من رجل، أو امرأة: أرملةٌ، ولا يقال للمرأة الموسرة أرملةٌ، والأرامل المساكينُ. ويقال: جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، ويقال للرجال المحتاجين الضعفاء: أرملة، وإن لم يكن فيهم نساء. وحكى ابن بَرِّيّ عن ابن قُتيبة، قال: إذا قال الرجل: هذا المال لأرامل بني فلان، فهو للرجال والنساء، لأن الأرامل يقع على الذكور والنساء. قال: وقال ابن الأنباريّ: يُدفع للنساء دون الرجال، لأن الغالب على الأرامل أنهنّ النساء، وإن كانوا يقولون: رجل أرمل، كما أن الغالب على الرجال أنهم الذكور دون الإناث، وإن كانوا يقولون: رَجُلَةٌ. وفي شعر أبي طالب يمدح النبيّ -ﷺ-: ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ قال: الأرامل: المساكين من نساء ورجال، قال: ويقال: لكل واحد من الفريقين على انفراده: أرامل، وهو بالنساء أخصّ، وأكثر استعمالًا. والأرمل الذي ماتت زوجته، والأرملة التي مات زوجها، وسواء كانا غنيين، أو فقيرين انتهى ببعض تصرف . (وَالْمِسْكِين، فَيَقْضِيَ) بالنصب عطفًا على «يمشي» (لَهُ الْحَاجَةَ) الضمير للمسكين، وحذف نظيره لـ«أرملة»، ويحتمل أن يعود الضمير إلى «الأرملة»، و«المسكين» باعتبار المذكور. ورمز في هامش «الكبرى» إلى أنه وقع في بعض النسخ: «لهم حاجتهم»، وهو واضح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٣١/ ١٤١٤ - وفي «الكبرى» -٢٥/ ١٧١٦ - بالسند المذكور، وهو من أفراده رحمه الله تعالى. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو استحباب تقصير الخطبة، هذا هو الذي صرح به المصنف رحمه الله تعالى. لكن جاء ما يدلّ على وجوبه، حيث ورد بصيغة الأمر، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن أبي وائل، قال: خطبنا عمّار، فأوجز، وأبلغ، فلما نزل، قلنا: يا أبا القظان، لقد أبلغت، وأوجزت، فلو كنت تنفّستَ ، فقال: إنى سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مَئِنّةٌ من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصُرُوا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا». وأخرجه أبو داود، والبيهقي بسند حسن في المتابعات مختصرًا بلفظ: «أمرنا رسول الله -ﷺ- بإقصار الخطبة». ورواه ابن أبي شيبة بلفظ: «خطبنا عمار، فتجوّز في الخطبة، فقال رجل: قد قلتَ قولًا شفاءً، لو أنك أطلت، فقال: إن رسول الله -ﷺ- نهى أن نُطيل الخطبة». فالظاهر وجوب تطويل الصلاة، وتقصير الخطبة، والله تعالى أعلم. ومنها: استحباب الإكثار من ذكر الله تعالى، والتقليل من الكلام الذي لا فائدة فيه. ومنها: بيان ما كان عليه النبي -ﷺ- من التواضع، وعدم التكبر على أحد من الخلق، فكان لين الجانب، يمشي مع الأرملة، والفقير لقضاء حاجتهما، ولقد صدق الله تعالى حيث قال سبحانه في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٩]، وصدق رسول الله -ﷺ-، حيث قال: «بُعثتُ لأتمّم صالح الأخلاق» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في مذاهب أهل العلم في حكم الخطبة: ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد إلى أن الخطبتين من شروط صحة الجمعة. وذهب أبو حنيفة إلى أنها شرط، ولكن تجزىء خطبة واحدة، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن الجمعة تصح بلا خطبة. وبه قال داود، وعبد الملك من أصحاب مالك. قال القاضي عياض: وروي عن مالك. أفاده النووي في «المجموع» ٤/ ٣٨٣٠. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بصحة الجمعة بلا خطبة هو الحقّ عندي؛ لعدم دليل يَدُلُّ على الاشتراط. ولقد حققّ هذا الموضوع ابن حزم ﵀، فقال في الردّ على من اشترط ذلك: ما نصه: فأما أبو حنيفة ومالك فقالا: الخطبة فرض لا تجزىء صلاة الجمعة إلا بها، والوقوف في الخطبة فرض، واحتجا بفعل رسول الله -ﷺ-، ثم تناقضًا، فقالا: إن خطب جالسًا أجزأه، وإن خطب واحدة أجزأه، وإن لم يخطب لم يجزه. قال: من الباطل أن يكون بعض فعله -ﷺ- فرضًا وبعضه غير فرض. وقال الشافعي: إن خطب خطبة واحد لم تجزه الصلاة، ثم تناقض، فأجاز الجمعة لمن خطب قاعدًا، والقول عليه في ذلك كالقول على أبي حنيفة ومالك في إجازتهما الجمعة بخطبة واحد ولا فرق. قال: فإن ادعوا إجماعًا أكْذَبَهُمْ ما رويناه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن البصري: من لم يخطب يوم الجمعة صلى ركعتين على كل حال. وقد قاله أيضًا ابن سيرين. قال: فإن قالوا: لم يصلها -ﷺ- قط إلا بخطبة، قلنا: ولا صلاها قط إلا بخطبتين قائمًا يجلس بينهما، فاجعلوا كل ذلك فرضًا لا تصح الجمعة إلا به، ولا صلى قط إلا رفع يديه في التكبيرة الأولى، فأبطلوا الصلاة بترك ذلك. انتهى كلام ابن حزم . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن القول الراجح هو عدم اشتراط الخطبة لصحة الجمعة، لعدم دليل يَدُلُّ على ذلك، فالذين قالوا بالاشتراط ما جاءوا بدليل إلا مجرد فعله -ﷺ-، وهو بمجرده لا يكفي، وأيضًا قد تناقضوا في ذلك، فإن فعله مشتمل على أمور من القيام والجلوس بين الخطبتين، وغير ذلك، وهم لا يقولون باشتراطها. والحاصل أن الحقّ صحة الجمعة بلا خطبة، ولكن السنة أن لا تُصَلَّى إلا بها؛ اقتداء بفعل النبي -ﷺ- والله تعالى اعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٢ - (بَابٌ كَمْ يَخْطُبُ؟) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: «باب» يحتمل أن يكون منوّنًا، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى جملة «كم يخطب»، و«كم» استفهاميّة، في محل نصب مفعول مقدّم لـ«يخطب»، وحذف تمييزها، أي كم خُطبةً يخطب. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤١٥ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَمَا رَأَيْتُهُ يَخْطُبُ، إِلاَّ قَائِمًا، وَيَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ الْخُطْبَةَ الآخِرَةَ). رجال هذا الإسناد أربعة: ١ - (علي بن حُجر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣. ٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطىء كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع [٨] تقدم ٢٥/ ٢٩. [تنبيه]: هكذا وقع في النسخة الهندية «شريك»، وهو الذي في «الكبرى»، و«تحفة الأشراف» جـ ٢ ص ١٥٦ ووقع في النسخ المطبوعة «إسرائيل» بدل شريك، وهو تصحيف بلا شكّ، لأن علي بن حُجر ولد سنة (١٥٤) على ما ذكر الباشاني، ومات إسرائيل سنة (١٦٠) أو بعدها، فيبعد جدًّا أن يكون علي بن حجر ممن يروي عنه، لأنه يكون وقت موت إسرائيل ابن ست سنين، أو سبع، وهو مروزي المولد، وإسرائيل كوفي. والله تعالى أعلم. ٣ - (سماك) بن حَرْب، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره [٤] تقدم ٢/ ٣٢٥. ٤ - (جابر بن سمرة) بن جُنادة الصحابي ابن الصحابي -﵄-، تقدّم ٢٨/ ٨١٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف رحمه الله تعالى، وهو الرابع والثمانون من رباعيات الكتاب، وأن رجاله رجال الصحيح، وأنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فمروزي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) رضي الله تعالى عنهما، أنه (قَالَ: جَالَسْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-) أي عشت معه (فَمَا رَأَيْتُهُ يَخْطُبُ، إِلَّا قَائِمًا) فيه أنه -ﷺ- كان يخطب دائمًا بالقيام، واستدلّ به الشافعي، ومالك، ومن وافقهما على وجوب القيام في الخطبة، لكن الراجح عدم الوجوب؛ لعدم ما يدل عليه، وقد تقدم البحث فيه في ١٨/ ١٣٩٧ مستوفًى (وَيَجْلسُ) أي على المنبر بعد الخطبة الأولى (ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُب) وفي نسخة: «ويخطب» بالواو (الْخطْبَةَ الآخِرَةَ) أي الثانية، وهذا محلّ الترجمة، ففيه بيان عدد خطبة الجمعة. وفي الرواية الآتية في الباب التالي من طريق إسرائيل، عن سماك بن حرب: «رأيت رسول الله -ﷺ- يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثم يقعد قعدةً، لا يتكلّم، ثم يقوم، فيخطب خطبة أخرى، فمن حدّثكم أن رسول الله -ﷺ- كان يخطب قاعدًا فقد كذب». وفي رواية سفيان الثوريّ، عن سماك: «كان النبي -ﷺ- يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، ويقرأ آيات، ويذكر الله ﷿، وكانت خطبته قصدًا، وصلاته قصدًا». والقصد الوسط، أي خطبته -ﷺ- متوسطة بن القصر والطول، وكذلك صلاته، ولا يلزم مساواتهما، إذ توسط كلّ يُعتبر في بابه، كما تقدّم. وفي رواية مسلم: «كان النبي -ﷺ- يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا، فمن نبّأك أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة». قال النووي رحمه الله تعالى: المراد الصلوات الخمس، لا الجمعة انتهى. ولابدّ من هذا التأويل، لأن الْجُمَع التي صلاها النبي -ﷺ- من عند افتراضها إلى موته لا تبلغ ذلك المقدار، ولا نصفه . وفي رواية أبي داود من طريق شيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي، عن سماك: «كان لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هي كلمات يسيرات». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٢/ ١٤١٥ - وفي «الكبرى» -٣٣/ ١٧٣٠ - عن علي بن حجر، عن شريك بن عبد الله، عن سماك بن حرب، عنه. وفي ٣٤/ ١٤١٧ - عن محمد بن عبد الله بن بَزيع، عن يزيد بن زُريع، عن إسرائيل، عن سماك به. وفي ٣٥/ ١٤١٨ - عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان الثوريّ، عن سماك به. وفي ٢٦/ ١٥٧٨٤ - عن محمر بن بشار، عن ابن مهدي به. وفي ١٨/ ١٥٧٤ - عن إسماعيل ابن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن سماك به. وفي ٢٤/ ١٥٧٨٢ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن سماك به. وفي ٢٥/ ١٥٧٨٣ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك به. وأخرجه (م) ٣/ ٩ و٣/ ١١ (د) ١١٠١ و١٠٩٥ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١١٠٧ (ت) ٥٠٧ (ق) ١١٠٥ و١١٠٦ (أحمد) ٥/ ٨٦ و٨٧ و٨٨ و٩٠ و٩٢ و٩٣ و٩٨ و١٠٠ و١٠٢ و١٠٦ و١٠٧ (الدارمي) ١٥٦٥ و١٥٦٧ (عبد الله بن أحمد في زوائد المسند) ٥/ ٩٧ و١٠٠ (ابن خزيمة) ١٤٤٧ و١٤٤٨. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده : منها: ما بوّب له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان عدد الخطبة، فالحديث صريح في مشروعية الخطبتين للجمعة، وسيأتي بيان حكمهما في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: مشروعية القيام حال الخطبة، وأنه لا يجلس فيها، قال ابن المنذر ﵀: هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار اهـ. واختلف في وجوبه، مذهب الجمهور إلى وجوبه، ونقل عن أبي حنفية ﵀ أن القيام سنة، وليس بواجب، وقال به ابن حزم، وهو الرجح، وقد تقدم البحث فيه في ١٨/ ١٣٩٧. ومنها: مشروعية الجلوس بين الخطبتين، فلا يَصل بينهما في قيام واحد. ومنها: مشروعية تخفيف الخطبتين، وقد تقدم البحث عنه في الباب الماضي. ومنها: استحباب عدم التكلّم في حال الجلوس بين الخطبتين. ومنها: قراءة آيات من القرآن في الخطبة، وتذكير الناس، ولا خلاف في الاستحباب، وإنما الخلاف في الوجوب، فذهب الشافعي إلى وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وهو الراجح؛ لعدم دليل للوجوب، سوى مجرّد الفعل، وهو لا يكفي في ذلك، كما تقدّم غير مرّة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم فيما يجزىء من الخطبة: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فيما يجزىء من الخطبة للجمعة، فقالت طائفة: يجزىء ما يقع عليه اسم خطبة، روينا ذلك عن الشعبي، أنه كان يخطب يوم الجمعة ما قلّ، أو كثر، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ما جلس النبي -ﷺ- على منبر قطّ . وممن رأى أن خطبةً واحدةَ تجزىء مالكٌ، والأوزاعيّ، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وقال أبو ثور: يجزىء ما يكون كلامًا مجتمعًا، يقع عليه اسم خطبة. وفي هذا المسألة قولان آخران: أحدهما قول الشافعيّ، وهو أن الإِمام إن خطب خطبة واحدة، وصلى الجمعة عاد، فخطب ثانيةً، فإن لم يفعل حتى يذهب الوقت أعاد الظهر أربعًا. وقال: فإن جعلها خطبتين، ولم يفصل بينهما بجلوس أعاد خطبته، فإن لم يفعل صلى أربعًا، وأقلّ ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين أن يحمد الله، ويصلي على النبي -ﷺ-، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ شيئًا القرآن في الأولى، ويحمد الله، ويصلي على النبي -ﷺ-، ويوصي بتقوى الله، ويدعو في الآخرة. والقول الآخر قول النعمان، وهو أن الإِمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه. قال ابن المنذر: فأما ما قال النعمان، فلا معنى له، ولا أعلم أحدًا سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يُقال لمن قال: سبحان الله، قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به. وأما الذي قاله الشافعي، فلست أجد دلالةً توجب ما قال. وقد عارض الشافعيَّ غيرُه من أصحابنا، فقال: يقال لمن قال بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضًا؟ أبطلت الجمعة بتركها، وقد أتى بالجمعة، والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة، لأن الجمعة فرضها ركعتان، كذلك في حديث عمر -﵁-، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها، لأنها غير هذا، فإن اعتلّ بجلوس النبي -ﷺ- بين الخطبتين، فالفعل عنده، وعند غيره لا يوجب فرضًا، ولو ثبت أنه فرض لم يدلّ على إبطال الجمعة. ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى، والجلسة بين الخطبتين؟ فإن اعتلّ بأن الجلسة بين الخطبتين من فعل النبي -ﷺ-، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبي -ﷺ-، وذكر كلامًا تركت ذكره هاهنا كراهية التطويل انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال قول من قال: إن أقل الخطبة ما يقع عليه اسم الخطبة، ومعلوم أنه لا يقع عليه ذلك إلا إذا اشتمل على الذكر، والموعظة، وذلك هو المقصود من الخطبة، كما يظهر ذلك ممن تتبّع خُطَب النبي -ﷺ-. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي، إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٣ - (بَابُ الْفَصْلِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ بِالْجُلُوسِ) ١٤١٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ الْخُطْبَتَيْنِ، وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) أبو مسعود البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٢ - (بشر بن المفضّل) البصري، ثقة ثبت عابد [٨] تقدم ٦٦/ ٨٢. ٣ - (عبيد الله) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. وشرح الحديث يعلم مما سبق في الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٣/ ١٤١٦ - وفي «الكبرى» -٢٩/ ١٧٢٢ - عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن عبيد الله، عن نافع، عنه. وفي «الكبرى» -٢٩/ ١٧٢١ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عبيد الله به. وأخرجه (خ) ٢/ ١٢ و٢/ ١٤ (م) ٣/ ٩ (ت) ٥٠٦ (ق) ١١٠٣ (أحمد) ٢/ ٣٥ و٢/ ٩١ و٢/ ٩٨ (الدارمي) ١٥٦٦ (ابن خزيمة) ١٤٤٦ و١٧٨١. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٤ - (بَابُ السُّكُوتِ فِي القَعْدَةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ) ١٤١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سِمَاكٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَائِمًا، ثُمَّ يَقْعُدُ قِعْدَةً، لَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَخْطُبُ خُطْبَةً أُخْرَى، فَمَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَدْ كَذَبَ). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم البحث فيه مستوفًى قبل باب، فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وممن لم يتقدم هناك من رجاله: ١ - (محمد بن عبد الله بن بَزيع) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٣/ ٥٨٨. ٢ - (يزيد بن زُرَيع) أبو معاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/ ٥. ٣ - (إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو يوسف الكوفي الكوفي، ثقة [٧] تقدم ٧٥/ ١٠٠٦. وقوله: «قعدة» بفتح القاف: المرة من القعود. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعتُ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٥ - (بَابُ القِرَاءَةِ في الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالذِّكْرِ فِيهَا) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا أن يبين أن الخطبة الثانية مثل الأولى في مشروعية القراءة، والذكر فيها، لا أنه أراد أن القراءة والذكر في الخطبة الثانية فقط دون الأولى، بدليل أنه تقدم له في «بابٌ كيف الخطبة؟» أن أورد خطبة الحاجة، وهي شاملة للخطبتين، وفيها القراءة والذكر، وكأنه أراد التنبيه لئلا يُظنّ أن الخطبة الثانية للدعاء فقط. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤١٨ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيَقْرَأُ آيَاتٍ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ ﷿، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ قَصْدًا، وَصَلَاتُهُ قَصْدًا). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد سبق البحث فيه مستوفًى قبل بابين. ودلالته على ما ترجم له واضحة، فإنه يدلّ على استحباب قراءة آيات من القرآن، وذكر الله ﷿ في الخطبة الثانية. والله تعالى أعلم. وممن لم يتقدم من رجاله هناك: ١ - (عمرو بن علي) الفلّاس البصريّ، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصري الإِمام المثبت الحجة [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩. ٣ - (سفيان) بن سعيد الكوفي الإِمام المثبت الحجة [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». *** ٣٦ - (الْكَلَامِ وَالْقِيَامِ بَعْدَ النُّزُولِ عَنِ الْمِنْبَرِ) ١٤١٩ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَيَعْرِضُ لَهُ الرَّجُلُ، فَيُكَلِّمُهُ فَيَقُومُ مَعَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى مُصَلاَّهُ، فَيُصَلِّي). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن علي بن ميمون) الرَّقّيّ، أبو العباس العطّار، ثقة [١١] تقدم ١٤/ ٤١٨. ٢ - (الفريابيّ ) محمد بن يوسف بن واقد بن عثمان الضبّيّ مولاهم، نزيل قَيْسَارية، من ساحل الشام، ثقة فاضل [٩] تقدم ١٤/ ٤١٨. ٣ - (جرير بن حازم) الأزدي، أبو النضر البصري، ثقة، له أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] تقدم ١٧٢/ ١١٤١. ٤ - (ثابت البنانيّ) ابن أسلم البصري، ثقة عابد [٤] تقدم ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه، تقدم ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنسٍ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-)، وفي نسخة: «كان النبي»، وفي رواية أبي داود: «رأيت رسول الله -ﷺ- (يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَيَعْرِضُ لَهُ الرَّجُلُ) بفتح الياء، من باب ضرب: أي يظهر له (فَيُكَلِّمُهُ) فيه دلالة على جواز الكلام بعد الفراغ من الخطبة، وقبل الشروع في الصلاة ، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء شي ذلك في المسألة السادسة -٢٢/ ١٤٠١ -»باب الإنصاف للخطبة يوم الجمعة«(فَيَقُومُ مَعَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ) فيه ما كان عليه النبي -ﷺ- من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة، فكان لا يقطع على أحد كلامه حتى يكون هو الذي يقطعه (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ إِلَى مُصَلَّاهُ) بضم الميم بصيغة اسم المفعول: أي محل صلاته، وفي نسخة:«إلى المصلّى»(فَيُصَلِّي) أي صلاة الجمعة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا ضعيف، لشذوذه، والمحفوظ أن هذا في صلاة العشاء، لا الجمعة، كما تقدم في ١٣/ ٧٩١ -«باب الإِمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة». قال أبو داود في«سننه»بعد أن أخرج الحديث: والحديث ليس بمعروف عن ثابت، وهو مما تفرّد به جرير بن حازم انتهى. وقال الترمذي في«جامعه»بعد أن أخرج الحديث: قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث جرير بن حازم، قال: وسمعت محمدًا -يعني البخاريّ- يقول: وهم جرير بن حازم في هذا الحديث، والصحيح ما رُوي عن ثابت، عن أنس، قال:«أقيمت الصلاة، فأخذ رجل بيد النبي -ﷺ-، فما زال يُكلمه حتى نعس بعض القوم». قال محمد:«والحديث هو هذا». وجرير بن حازم ربّما يَهم في الشيء، وهو صدوق انتهى. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٦/ ١٤١٩ - وفي«الكبرى»-٣٥/ ١٧٣٢ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١١٢٠ (ت) ٥١٧ (ق) ١١١٧ (أحمد) ٣/ ١١٩ و٣/ ١٢٧ و٣/ ٢١٣ (عبد بن حميد) ١٢٦٠ (ابن خزيمة) ١٨٣٨. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٧ - (عَدَدُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) ١٤٢٠ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الأَضْحَى رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ، غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-). قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (علي بن حُجْر) المروزي تقدم قبل أربعة أبواب. ٢ - (شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي تقدم قبل أربعة أبواب أيضًا. ٣ - (زُبيد) -بموحّدة مصغّرًا- ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ، ويقال: الإياميّ، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الكوفي، ثقة ثبت عابد [٦]. روى عن مرّة بن شراحيل، وسعد بن عُبيدة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. وعنه أبناه عبد الله، وعبد الرحمن، وشريك، وغيرهم. قال القطّان: ثبت. وقال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال ليث، عن مجاهد: أعجب أهل الكوفة إليّ أربعة، فيهم زُبيد. وقال ابن شُبرُمة: كان يصلي الليل كله. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة ثقة خيار، إلا أنه كان يميل إلى التشيّع. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان في عداد الشيوخ، وليس بكثير الحديث. وقال: العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، وكان علويًا. وحكى ابن أبي خيثمة، عن شعبة، قال: ما رأيت بالكوفة شيخًا خيرًا من زُبيد. وقال سعيد بن جُبير: لو خُيّرتُ عبدًا ألقى الله بمسلاخه اخترت زبيدًا اليامي. وقال البخاري في «تاريخه»: قال عمرو بن مُرّة: كان زُبيدٌ صدوقًا. وقال ابن حبان في «الثقات»: كان من الْعُبّاد الْخُشُن مع الفقه في الدبن، ولزوم الورع الشديد. قال أبو نعيم: مات سنة (١٢٢)، وقال ابن نمير: مات سنة (٢٤)، وأرخه الإِمام أحمد، وابن قانع سنة (٢٣). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب (٢٣) حديثًا. ٤ - (عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاريّ المدني، ثم الكوفيّ، ثقة [٢] تقدم ٨٦/ ١٠٤. ٥ - (عمر) بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد العُزّى بن رياح العدوي أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، تقدم ٦٠/ ٧٥. والله تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى، أنه (قَالَ: قَالَ عُمَرُ) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الْفِطْر) أي صلاة عيد الفطر (رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ الأَضْحَى) أي صلاة عيد الأضحى (رَكْعَتَانِ، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَان) أي ما عدا المغرب، أو الصلاة المختلفة حضرًا وسفرًا في السفر ركعتان، أو الصلاة الرباعية في الحضر تكون في السفر ركعتين، قاله السندي رحمه الله تعالى. (تَمَامٌ غير قصر) خبر لمبتدإ محذوف، أي هما تمام، و«غير» بالرفع صفة لتمام، ويحتمل النصب على الحال. يعني أنهما تامان في الثواب، وإن نقصا في عدد الركعات من صلاة الحضر. أو المراد أنهما المشروع في السفر، كما صح في حديث عائشة -﵂-: «فُرضت الصلاةُ ركعتين ركعتين، فأقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر». وتقدم للمصنف -٣/ ٤٥٥، وإن أطلق عليها القصر في كتاب الله تعالى. وقال السندي رحمه الله تعالى: قوله: «تمام غير قصر»: أي لا ينبغي الزيادة فيها، فصارت كالتمام، فلا يرد أن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ظاهر في القصر، فكيف يصح القول بأنها تمام غير قصر؟ انتهى . وقال القاري رحمه الله تعالى عند قوله: «سَنَّ رسولُ الله -ﷺ- صلاةَ السفر ركعتين، وهما تمام غير قصر …» الحديث، رواه أحمد، وابن ماجه: أي تمام المفروض، غير قصر، أي غير نقصان عن أصل الفرض، فإطلاق القصر في الآية مجاز، أو إضافيّ انتهى . (عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-) وفي نسخة «على لسان النبي -ﷺ-». (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) النسائي رحمه الله تعالى (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ) غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا بيان الانقطاع الواقع في هذا السند، لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر رضي الله تعالى عنه. وهذا الذي قاله ثبت عن غيره أيضًا، فقد روى الدُّوريّ عن ابن معين أنه قال: لم ير عمر، قال: فقلت له: فالحديث الذي يُروى كنّا مع عمر نتراءى الهلال؟ قال: ليس بشيء. وقال ابن أبي حاتم: قلت لأبي: يصحّ لابن أبي ليلى سماع من عمر؟ قال: لا. قال أبو حاتم: رُويَ عن عبد الرحمن أنه رأى عمر، وبعض أهل العلم يدخل بينه وبين عمر البراء بن عازب، وبعضهم كعب بن عُجرة. وقال الآجرّيّ عن أبي داود: رأى عمر، ولا أدري يصحّ، أم لا؟. وقال أبو خيثمة في «مسنده»: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سفيان الثوريّ، عن زُبيد، وهو الياميّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سمعت عمر يقول: «صلاة الأضحى ركعتان، والفطر ركعتان»، الحديث، قال أبو خيثمة: تفرّد به يزيد بن هارون هكذا، ولم يقل أحد: سمعت عمر غيره، ورواه يحيى بن سعيد، وغير واحد عن سفيان، عن زُبيد، عن عبد الرحمن، عن الثقة، عن عمر. ورواه شريك، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن عمر، ولم يقل: سمعت. وقال ابن أبي خيثمهَ في «تاريخه»: وقد روي سماعه من عمر من طرق، وليست بصحيحة. وقال الخليليّ في «الإرشاد»: الحُفّاظ لا يثبتون سماعه من عمر. وقال ابن المدينيّ: كان شعبة يُنكر أن يكون سمع من عُمر، قال ابن المديني: ولم يسمع من معاذ بن جبل، وكذا قال الترمذيّ في «العلل الكبير»، وابن خُزيمة. وقال يعقوب بن شيبة: قال ابن معين: لم يسمع من عمر، ولا من عثمان، وسمع من عليّ. وقال ابن معين: لم يسمع من المقداد. وقال العَسْكريّ: روى عن أُسيد بن حُضير مرسلًا. وقال الذهليّ، والترمذيّ في «جامعه»: لم يسمع من عبد الله بن زيد بن عبد ربه. ذكر هذه الأقوال في «تت» . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما ذُكر أن الحفاظ لا يثبتون سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمر رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. فإن قلت: كيف يصحّ، وفيه انقطاع، كما بيّنه المصنف رحمه الله تعالى هنا؟. قلت: له سند آخر عند المصنف في «الكبرى»، فقد رواه عن محمد بن رافع، عن محمد بن بشر، قال: أنبأنا يزيد بن زياد بن أبي الجعد ، عن زُبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجْرة، عن عمر رضي الله تعالى عنهما، فذكره. وأخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣٧/ ١٤٢٠ - وفي «الكبرى» -٣٦/ ١٧٣٣ - عن علي بن حُجْر، عن شريك بن عبد الله، عن زُبيد بن الحارث، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه. وفي - ١/ ١٤٤٠ - و«الكبرى» -١/ ١٨٩٨ - عن حُميد ابن مَسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن شعبة، عن زبيد به. وفي ١١/ ١٥٦٦ - و«الكبرى» ١١/ ١٧٧١ - عن عمران بن موسى، عن يزيد بن زُريع، عن سفيان بن سعيد، عن زبيد به. وفي «الكبرى» عن إبراهيم بن محمد، عن يحيى، عن سفيان به. وأخرجه (ق) ١٠٦٣ و١٠٦٤ (أحمد) ١/ ٣٧ (عبد بن حُميد) ٢٩ (ابن خزيمة) ١٤٢٥. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان أن صلاة الجمعة ركعتان. وفيه الردّ على من قال: إن أصل صلاة الجمعة أربع ركعات، وبهذا ترجم ابن حبان في «صحيحه»، فقال: «ذكر الخبر الْمُدْحِض قولَ من زعم أن صلاة الجمعة في الأصل أربع لا ركعتان» انتهى . ومنها: أن صلاة العيدين، والسفر ركعتان. ومنها: أن هذه الصلوات تامّة ليست مقصورة من صلوات أخرى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٨ - (الْقِرَاءَةُ في صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ وَالْمُنَافِقِينَ) ١٤٢١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُخَوَّلٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُسْلِمًا الْبَطِينَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ وَ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ وَفِى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجَيميّ البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة الشهير [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (مخوّل) بوزن محمّد، وقيل: بوزن منبر ابن راشد، أبو راشد بن أبى مجالد النَّهْديّ مولاهم الكوفي الْحَنَّاط، ثقهَ نُسب إلى التشيع [٦] تقدم ٢٠/ ٤٢٦. ٥ - (مسلم البطين) ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٦] تقدم ٢٦/ ٩١٥. ٦ - (سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدّم ٢٨/ ٤٣٦. ٧ - (ابن عباس) عبد الله البحر رضي الله تعالى عنهما تقدم ٢٧/ ٣١. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في باب «القراءة في الصبح يوم الجمعة» -٤٧/ ٩٥٦ - فراجعه هناك تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٩ - (الْقِرَاءَةُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ ١٤٢٢ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾). رجال هذا الإسناد: ستة، تقدموا في السند الماضي، سوى: ١ - (معبد بن خالد) بن مُرير -براء، مصغرًا- ويقال: مُرَيّ ابن حارثة بن ناصرة بن عمرو بن سعيد بن عليّ بن رُهم بن رَبَاح بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس عَيْلان ابن مُضَر بن نزار الجَدَليّ القيسيّ أبو القاسم الكوفي القاصّ، ثقة عابد [٣]. روى عن أبيه، ويقال: له صحبة، وحارثة بن وهب الْخُزَاعي، وزيد بن عقبهَ الفَزَاريّ، وغيرهم. وعنه الأعمش، وشعبة، والثوريّ، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: قالوا: كان ثقة، إن شاء الله، قليل الحديث. وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقة. وقال النسائيّ. ثقة. وقال العجلي: كوفي تابعيّ ثقة. وقال أبو حاتم. صدوق. وذكره يعقوب بن سفيان مع جماعة، وقال: كلّ هؤلاء كوفيون ثقات. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: كان عابدًا صابرًا على التهجّد، يصلي الغداة والعشاء بوضوء واحد. وقال ابن معين: هو من أقدم شيخ لقيه سفيان، وقد ذكروا أن عبد الملك بن مروان لمّا قدم الكوفة بعد قتل مُصعب بن الزبير جلس يَعرض أحياء العرب، فقام إليه معبد بن خالد الْجَدَليّ، وكان قصيرًا دَميمًا، فذكر قصة له مع عبد الملك دالّة على معرفته وفهمه. قال محمد بن سعد، وأحمد بن حنبل، عن طلق بن غنّام: مات في ولاية خالد على العراق، زاد ابن سعد: سنة (١١٨). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط. ٢ - (زيد بن عُقبة) الفَزَاري الكوفي، ثقة [٣]. روى عن سمرة بن جندب. وعنه ابنه سعيد، وعبد الملك بن عُمير، ومعبد بن خالد. قال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنف، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط. ٣ - (سمرة) بن جُندب بن هلال الفَزَاري حليف الأنصار، صحابي مشهور -﵁-، تقدم ٢٥/ ٣٩٣. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث سمرة رضي الله تعالى عنه هذا شرحه واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه المصنف رحمه الله تعالى هنا -٣٩/ ١٤٢٢ - وفي «الكبرى» -٣٧/ ١٧٣٩ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن معبد بن خالد، عن زيد بن عُقبة، عنه. وعن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن مسعر، وسفيان، كلاهما عن معبد به . وأخرجه (د) ١١٢٥ (أحمد) ٥/ ١٣ و٥/ ١٤ (ابن خزيمة) ١٨٤٧. والله تعالى أعلم. والحديث يدلّ على استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، ولا تعارض بينه وبين حديث الباب السابق، لإمكان حمله على أوقات مختلفة، فكان النبي -ﷺ- يقول في بعض الأوقات بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وفي بعضها بسورة الجمعة، وسورة المنافقين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٠ - (ذِكْرِ الاِخْتِلَافِ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا الباب بيان اختلاف الرواة على النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما في الحديث الذي رواه في قراءة النبي -ﷺ- في صلاة الجمعة. وذلك أنه في رواية عبيد الله بن عبد الله عنه لما سأله الضحّاك ذكر أنه -ﷺ- كان يقرأ في الركعة الأولى سورة الجمعة، وفي الركعة الثانية سورة الغاشية. وفي رواية حبيب بن سالم عنه ذكر أنه كان يقول في الركعة الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية، فاختلف الراويان عنه في تعيين السور. لكن هذا الاختلاف لا يؤثّر في صحة الحديث، ولذا أخرجه مسلم رحمه الله تعالى في «صحيحه» بالوجهين. وذلك لأنه يُحمل على أنه -ﷺ- كان يقول بهذا وبهذا في أوقات مختلفة، كما تقدّم بيانه قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٢٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، مَاذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت [١٠] تقدم ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإِمام الحجة المثبت المدني [٧] تقدم ٧/ ٧. ٣ - (ضمرة بن سعيد) بن أبي حَنَّة الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٤] تقدم ٣٥/ ٥٦٦. ٤ - (عبيد الله بن عبد الله) بن عُتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقة ثبت فقيه (٣) تقدم ٤٥/ ٥٦. ٥ - (النعمان بن بشير) بن سَعْد بن ثعلبة صحابي، ووالداه صحابيان -﵃-، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥) وله (٦٤) سنة، تقدم ١٩/ ٥٢٨. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة (أَنَّ الضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ) بن خالد بن وهب الفهريّ، أبو أُنيس الأمير المشهور، صحابي صغير، قُتل رضي الله تعالى عنه في وَقْعة مَرْج راهط، سنة (٦٦) (سَأَلَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) -﵄-، وفي رواية مسلم: «كتب الضحّاك بن قيس إلى النعمان بن بشير، يسأله أيّ شيء قرأ رسول الله -ﷺ- يوم الجمعة سوى سورة الجمعة …» (مَاذَا) «ما» اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، و«ذا» اسم موصول بمعنى «الذي» خبرها، وجملة «كان يقرأ» صلة الموصول، والعائد محذوف، والتقدير ما الذى كان يقرؤه؟،، ويحتمل أن تكون «ماذا» اسما مركبًا للاستفهام في محل رفع مبتدأ، وجملة «كان» خبرها، أي أيُّ شيء كان يقرؤه؟، أو اسم الاستفهام في محل نصب مفعول مقدم لـ«يقرأ»، والتقدير أيَّ شيء كان يقرأ؟. [فائدة]: «ذا» إذا وقعت بعد «ما»، أو «من» الاستفهاميتين، يجوز أن تكون اسمًا موصولًا، نحو «ماذا فعلتَ»، أو «من ذا جاءك»، ويجوز أن تكون مركبة مع «ما»، أو «من» كلمة واحدة للاستفهام، نحو «ماذا عندك؟»، أو «من ذا عندك؟»، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في «خلاصته»، حيث قال: وَمِثْلُ «مَا» «ذَا» بَعْدَ «مَا» اسْتِفْهَامِ … أَوْ «مَنْ» إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ (كان رسول الله -ﷺ- يقرأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) المراد القراءة في صلاة الجمعة، لا في مطلق يوم الجمعة (عَلَى إِثْرِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ) بكسر، فسكون، أو بفتحتين، أي عقب قراءة سورة الجمعة، يعني في الركعة الثانية، وفيه إشارة إلى أن قراءتها في صلاة الجمعة كانت مشهورة عندهم، فلذلك سأل عن السورة الأخرى (قَالَ) أي النعمان -﵁- (كانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فيه استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الجمعة، كما تقدم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٠/ ١٤٢٣ - وفي «الكبرى» -٣٧/ ١٧٣٧ - عن قتيبة، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد، عن عُبيد الله بن عبد الله، عنه. وفي ١٤٢٤ - و«الكبرى» -٣٧/ ١٧٣٩ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عنه به. وفي -١٣/ ١٥٦٨ - و«الكبرى» -١٢/ ٣٧/ ١٧٣٨ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد به. وفي -٣١/ ١٥٩٠ - و«الكبرى» -١٢/ ١٧٧٥ - عن محمد بن قُدَامة، عن جرير، عن إبراهيم به. وأخرجه (م) ٣/ ١٦ و٣/ ١٥ و٣/ ١٦ (د) ١١٢٢ و١١٢٣ (ت) ٥٣٣ (ق) ١١١٩ و١٢٨١ (مالك في الموطإ) ص ٨٩ (الحميدي) ٩٢١ و٩٢٠ (أحمد) ٤/ ٢٧٠ و٤/ ٢٧١ و٤/ ٢٧٣ و٤/ ٢٧٦ و٤/ ٢٧٧ (الدارمي) ١٥٧٤ و١٦١٥ و١٥٧٦ (ابن خزيمة) ١٨٤٥ و١٤٦٣ و١٤٦٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ، بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وَرُبَّمَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ، فَيَقْرَأُ بِهِمَا فِيهِمَا جَمِيعًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إبراهيم بن محمد بن المنتشر) الهمدانيّ الكوفي، ثقة [٥] تقدم ١٢/ ٤١٧. ٢ - (محمد بن المنتشر) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة [٤] تقدم ١٢/ ٤١٧. ٣ - (حبيب بن سالم) الأنصاري، مولى النعمان بن بشير، وكاتبه، لا بأس به [٣] ١٩/ ٥٢٨. والباقون تقدموا قريبًا، فالثلاثة الأولون تقدموا في الباب الماضي، والصحابي في السند الماضي. والحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في الباب الماضي. [تنبيه]: قوله: «وربما اجتمع العيد الخ …» سيأتي البحث عنه مستوفى في «كتاب صلاة العيدين» برقم (٣١/ ١٥٩٠) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤١ - (مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يحتمل أن تكون «من» شرطية، جوابها محذوف، تقديره: «فقد أدركها»، ويحتمل أن تكون موصولة على حذف مضاف، أي باب حكم الشخص الذي أدرك ركعة من صلاة الجمعة. ثم إن حديث الباب لا يصح بلفظ: «من أدرك من صلاة الجمعة …»، وإنما يصحّ بلفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة …»، كما يأتي تحقيقه في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى، لكن حكم الترجمة واضح منه، لأن الجمعة من جملة الصلاة، فمن أدرك منها ركعة مع الإِمام، فقد أدرك حكمها، فليُضف إليها ركعة. وهذا هو المذهب الراجح، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٢٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي. ٢ - (محمد بن منصور) الجوّاز المكي، ثقة [١٠] تقدم ٢٠/ ٢١. ٣ - (سفيان) بن عُيينة الإِمام الحجة [٨] تقدم ١/ ١. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإِمام الحجة المشهور [٤] تقدم ١/ ١. ٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١ ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه محمد بن منصور، فمن أفراده. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهري، وقتيبة بغلاني، والباقيان مكيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة، أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ) رضي الله تعالى عنه (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: مَنْ) شرطية في محلّ رفع مبتدأ (أَدْركَ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ركْعَةً، فَقَدْ أَدْركَ») ليس المراد على ظاهره بالإجماع، لأنه لا يكون بإدراك الركعة الواحدة مدركًا لجميع الصلاة بحيث يسلم مع الإِمام، فلابد من التقدير، أي أدرك حكم الجمعة، فيضم إليها ركعة أخرى، وقد تقدّم تحقيق هذا في ٣٠/ ٥٥٣. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح بلفظ:«من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة»، وقد تقدم البحث فيه مستوفًى في -٣٠/ ٥٥٣ - ٣٠/ ٥٥٨. وقد أشار الإِمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في«صحيحه»بعد أن أخرج الحديث من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري بلفظ:«من أدرك من صلاة الجمعة ركعة، فقد أدرك الصلاة»: ما نصه: قال أبو بكر: هذا خبر روي على المعنى، لم يُؤدَّ على لفظ الخبر، ولفظ الخبر:«من أدرك من الصلاة ركعة»، فالجمعة من الصلاة أيضًا، كما قاله الزهري، فإذا روي الخبر على المعنى، لا على اللفظ جاز أن يقال: من أدرك ركعة، إذ الجمعة من الصلاة، فإذا قال النبي -ﷺ-:«من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة»كانت الصلوات كلها داخلة في هذا الخبر، الجمعة وغيرها من الصلوات. وقد رَوَى هذا الخبرَ أيضًا بمثل هذا اللفظ أسامةُ بن زيد الليثيُّ عن ابن شهاب. ثناه أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقيّ، ثنا ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب،، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ-، قال:«من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى». قال أسامة: وسمعت من أهل المجلس القاسمَ بن محمد، وسالمًا يقولان: بلغنا ذلك انتهى كلام ابن خزيمة رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحديث بذكر الجمعة لا يصحّ مرفوعًا، وإنما هو من الرواية بالمعنى، إذ الجمعة من جملة الصلاة. ومن أقوى دليل على ذلك أنه صحّ عن الزهري قولُهُ بعد رواية الحديث بلفظ«من أدرك ركعة من الصلاة … »: والجمعة من الصلاة، فاستنباطه كونَ الجمعة من الصلاة دليل واضح على عدم صحة الحديث عنه مرفوعًا بلفظ«من أدرك من صلاة الجمعة … ». والحاصل أن الحديث صحيح متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁- من طريق الزهري بلفظ:«من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة». والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٤١/ ١٤٢٥ - وفي«الكبرى» -٢٨/ ١٧٤١ - عن قتيبة، ومحمد بن منصور، كلاهما عن ابن عيينة، عن الزهريّ، عن أبي سلمة عنه. وفي«الكبرى»-٢٨/ ١٧٤٢ - عن عبد الله بن عبد الصمد، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله -وعن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن عبيد الله، عن الزهريّ به بلفظ:«من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة كلها». وأما بيان من أخرج الحديث معه من الأئمة، فقد تقدم بالرقم المذكور، وبالله تعالى التوفيق. المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء فيما تدرك به صلاة الجمعة: قال الإِمام ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم فيمن أدرك من الجمعة ركعة مع الإِمام: فقالت طائفة: من لم يدرك الخطبة صلى أربعًا، رُوي هذا القولُ عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، ومكحول. وقالت طائفة: إذا أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، وإن أدركهم جلوسًا صلى أربعًا، كذلك قال عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وسعيد ابن المسيب، والحسن، والشعبي، وعلقمة، والأسود، وعروة بن الزبير، والنخعيّ، والزهري. وبه قال مالك فيمن تبعه من أهل المدينة، قال: وعلى هذا أدركت أهل العلم ببلدنا، وكذلك قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وقال الأوزاعيّ: إذا أدرك التشهد صلى أربعًا. وقالت طائفة. من أدرك التشهد يوم الجمعة مع الإِمام صلى ركعتين، رُوي هذا القول عن النخعيّ، وبه قال الحكم، وحماد، وري ذلك عن الضحّاك، وبه قال النعمان. قال ابن المنذر ﵀: ثبت عن النبي -ﷺ- أنه قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة». ثم أخرج بسنده عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة -﵁-: أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أدرك من الصلاة ركعة، فقد أدرك الصلاة». قال الزهريّ: والجمعة من الصلاة. قال ابن المنذر: وقد روينا عن النبي -ﷺ- من غير وجه أنه قال: «من أدرك من الجمعة ركعة، فيصلّ إليها أخرى». وقد تُكُلِّمَ في أسانيدها، ولو كان عند الزهريّ فيه خبر ثابت لم يَحتجْ إلى أن يستدل لَمَّا ذَكر قوله النبي -ﷺ-: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة»، بأن الجمعة من الصلاة، إذ لو كان عنده في المسألة خبر ثابت لاستغنى به، غير أن يستدلّ عليه بغيره. ومن أحسنها إسنادًا حديث ابن أيوب: حدثنا علان، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا يحيى بن أيوب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «من أدرك من الجمعة ركعة، فليصل إليها أخرى». قال ابن المنذر: وقولنا موافق للثابت عن ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وسائر التابعين. وقد اختُلف فيه عن النخعي، وروينا عن حماد بن أبي سليمان أنه رجع عن قوله: يصلي ركعتين. وقد احتجّ بعض من قال كما قلنا بأن في إجماعهم على أن من لم يدرك الركوع لم يعتدّ بالسجود، مع إجماعهم على أن المنفرد لا يصلي جمعة، دليل بيّنٌ على أن من أدرك ركعة الناس جلوسًا في صلاة الجمعة أن يصلي أربعًا، وذلك أن حكم من أدرك من الجمعة سجدةً، وأدرك التشهد حُكمُ من لم يدرك من الصلاة شيئًا، لأن عليه في قول غيرنا أن يصلي ركعتين كاملتين، وهو منفرد في غير جماعة، إذ لا حكم لما أدرك مع الإِمام، وليس للمنفرد أن يصلي عندهم وعند غيرهم جمعة، فغير جائز أن يكون مدركًا لبعض الصلاة في حال، غير مدرك لشيء منها في تلك الحال انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى حسنٌ جدًّا. وحاصله ترجيح قول من قال: إن من أردك ركعة من الجمعة مع الإِمام، فليضف إليها ركعة أخرى، فتكون له جمعة، ومن لم يدرك الركعة، بأن أدرك الإِمام في التشهد مثلًا، فليصل أربعًا؛ لأنه لم يدرك الجمعة، فالواجب عليه الظهر، وذلك لحديث: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها»، متفق عليه. والجمعة صلاة من الصلوات، كما قال الزهريّ رحمه الله تعالى. وأما قول من قال: إن من لم يدرك الخطبة، فليست له جمعة، وكذا من قال: من أدرك الإِمام في التشهد، فليتم الجمعة، فمما لا دليل عليه، ولا برهان له من النصوص الصحيحة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٢ - (عَدَدُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ في الْمَسْجِدِ) ١٤٢٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإِمام الحجة الثبت [١٠] تقدم ٢/ ٢ ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/ ٢. ٣ - (سهيل) بن أبي صالح، أبو يزيد المدني، صدوق تغير بآخره [٦] تقدم ٣٢/ ٨٢٠. ٤ - (أبو صالح) ذكوان السمان الزيّات المدني، ثقة ثبت [٣] تقدم ٣٦/ ٤٠. والصحابي ذكر في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، من سهيل، وشيخه مروزي، ثم نيسابوري، وجرير كوفي، ثم رازي، والباقيان مكيان. ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ -ﷺ-: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًَا) ولفظ»الكبرى«من طريق سفيان، عن سهيل -وهو أحد ألفاظ مسلم-:»من كان مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا«. وفيه إشارة إلى أن الأربع سنة، وليست بواجبة. وقد أخذ المصنف رحمه الله تعالى من إطلاق حديث الباب حكم ما ترجم له، لأنه يدلّ على جواز الصلاة في المسجد. وأما ما جاء من أنه -ﷺ- صلى ركعتين في بيته فيرى المصنف ﵀ أنه للإمام، ولذلك ترجم بعد هذا بباب«صلاةُ الإِمام بعد الجمعة»إشارة إلى أنه لا تعارض بين الحديثين، لإمكان الجمع يحمل ذلك على الإِمام. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٢/ ١٤٢٦ - وفي«الكبرى»-٣٩/ ١٧٤٣ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن سهيل، عن أبيه، عنه. وفي«الكبرى»-٧٤/ ٤٩٦ - عن علي بن حُجر عن علي بن مسهر عن سفيان، عن سهيل به، بلفظ:«من كان مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا». وأخرجه (م) ٣/ ١٦ و١٧ (د) ١١٣١ (ت) ٥٢٣ (ق) ١١٣٢ (الحميدي) ٩٧٦ (أحمد) ٢/ ٢٤٩ و٤٤٢ و٢/ ٤٩٩ (الدارمي) ١٥٨٣ (ابن خزيمة) ١٨٧٣ و١٨٧٤. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في التطوّع بعد الجمعة: قال الإِمام ابن المنذر ﵀: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب: فرأت طائفة أن يصلي بعدها أربعًا، هذا قول عبد الله بن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، روي هذا القول عن علي، وابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، ومجاهد، وعطاء، وحُميد بن عبد الرحمن، وبه قال سفيان الثوريّ، وقال أحمد: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا. وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعد الجمعة ركعتين، هكذا فعل ابن عمر، وروي عن النخعي. قال ابن المنذر رحمه الله تعالى: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا، ويصلي أربعًا يفصل بين كل ركعتين بتسليم أحبّ إليّ انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرف . وقال الإمام الترمذي ﵀ في «جامعه» بعد رواية حديث ابن عمر - ﵄-: «كان يصلي بعد الجمعة ركعتين»: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي، وأحمد، ثم قال بعد رواية حديث أبي هريرة -﵁-: «من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا»: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا، وبعدها أربعًا، وروي عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وذهب سفيان الثوري، وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعًا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين، واحتجّ بأن النبي -ﷺ- كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وبحديث النبي -ﷺ-: «من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا». قال الترمذي: وابن عمر هو الذي روى عن النبي -ﷺ- أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وابن عمر بعد النبي -ﷺ- صلى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلى بعد الركعتين أربعًا، ثم رواه كذلك. وروى أبو داود في «سننه» عن ابن عمر -﵄-، أنه كان إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدّم، فصلى ركعتين، ثم تقدم، فصلى أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ولم يصل في المسجد، فقيل له؟ فقال: «كان رسول الله -ﷺ- يفعل ذلك». قال الحافظ العراقي ﵀ في «شرح الترمذيّ»: والظاهر أن المرفوع منه آخر الحديث فقط، وهو ما كان يفعله بالمدينة، دون ما كان يفعله بمكة، فإن النبي -ﷺ- لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وكان ابن عمر في زمنه بمكة قبل الهجرة صغيرًا، فإن أريد رفع فعله بمكة أيضًا، وهو بعيد، فيحتمل أنه رآه يصلي بمكة بعد الظهر في المسجد، أو أنه صلى الجمعة بمكة بعد الفتح، ولم يُنقل ذلك. ثم قال بعد ذلك: قد يسأل عن الحكمة في كون ابن عمر كان يصليها بمكة في المسجد، وفي المدينة بمنزله. وقد يجاب بأنه لعله كان يريد التأخر في مسجد مكة للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بمضيه إلى منزله لصلاة سنة الجمعة زمن مما يغتنمه في الطواف، أو أنه يشقّ عليه الذهاب إلى منزله، ثم الرجوع إلى المسجد للطواف، أو أنه كان يرى النوافل تضاعف بمسجد مكة، دون بقية مكة، فكان يتنفّل في المسجد لذلك، أو كان له أمر يتعلّق به في المسجد من الاجتماع بأحد، أو غير ذلك مما يقتضي أولوية صلاته في المسجد انتهى. قال ولي الدين ﵀: وهو مبنيّ على ما ذكره أوّلًا من أن المرفوع آخر الحديث فقط. لكن ظاهر اللفظ أن تفريق ابن عمر بين البلدين في ذلك فعله لمجرّد الاتباع، والله أعلم. وقال ابن عبد البرّ ﵀: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعًا، وقال في موضع آخر: ستًا، وقال الثوريّ: إن صليت أربعًا، أو ستًا، فحسن. وقال الحسن بن حيّ: يصلي أربعًا. وقال أحمد بن حنبل: أحبّ إليّ أن يصلي بعد الجمعة ستًّا، وإن صلى أربعًا فحسن، لا بأس به. قال ابن عبد البرّ: وكل هذه الأقوال مروية عن الصحابة، قولًا، وعملًا، ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار. وقال ابن بطال ﵀: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، روي ذلك عن ابن عمر، وعمران بن حصين، والنخعي. وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، روي عن علي، وابن عمر، وأبي موسى، وهو قول عطاء، والثّوريّ، وأبي يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين. وقالت طائفة: يصلي أربعًا لا يفصل بينهنّ بسلام، روي ذلك عن ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق انتهى. وفي مصنَّف ابن أبي شيبة وغيره عن أبي عبد الرحمن، وهو السُّلَميّ، قال: قدم علينا ابن مسعود، فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعًا، فلما قدم علينا عليّ أمرنا أن نصلي ستًا، فأخذنا بقول عليّ، وتركنا قول عبد الله، قال: كان يصلي ركعتين، ثمّ أربعًا. وذكر ابن العربيّ أن أمره -ﷺ- بالأربع لئلا يُتوهّم من الركعتين أنهما تكملة الركعتين المتقدّمتين، فيكون ظهرًا، وسبقه إلى ذلك المازريّ، فقال: وكلّ هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على ركعتين، لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا. وقال النووي في «شرح مسلم»: نبه بقوله: «من كان منكم مصليًا» على أنها سنة، ليست بواجبة، وذَكَرَ الأربعَ لفضلها، وفعل الركعتين في أوقات، بيانًا، لأن أقلها ركعتان، قال: ومعلوم أنه -ﷺ- كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا، لأنه أمرنا بهنّ، وحثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به انتهى . قال العراقي ﵀: وما ادعاه من أنه معلوم أنه كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا فيه نظر، فليس ذلك بمعلوم، ولا مظنون، لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته، ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله. وكون ابن عمر كان يصلي بمكة بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلى بعدها ركعتين في بيته، فقيل له؟ فقال: «كان رسول الله -ﷺ- يفعل ذلك». فليس في ذلك علم، ولا ظنّ أنه -ﷺ- كان يفعل بمكّة ذلك، وإنما أراد رفع فعله بالمدينة، فحسب، لأنه لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وعلى تقدير وقوعه بمكة منه، فليس ذلك في أكثر الأوقات، بل نادرٌ. وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات، فإنه -ﷺ- «كان إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم، ومسّاكم …» الحديث، رواه مسلم. فربما لحقه تعب من ذلك، فاقتصر على الركعتين في بيته، وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي، «وأفضل الصلاة طول القنوت»، أي القيام، فلعلها كانت أطول من أربع ركعات خفاف، أو متوسطات، وكما ترك قيام الليل ليلة المزدلفة في حجة الوداع، ونام حتى أصبح لما تقدم له من الأعمال بعرفة من وقوفه من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، فاقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا، ورقد بقية ليله، مع كونه كان يقوم في الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه لما تقدّم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في قبلية الجمعة: قال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى: قد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في إنكاره، وجعلوه بدعة، وذلك لأنه -ﷺ- لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه، وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة -﵃-، لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة. وممن أنكر ذلك ممن متأخري الشافعية، وجعله من البدع، والحوادث الإِمام شهاب الدين أبو شامة. قال: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة استحباب سنة للجمعة قبلها. وذهب آخرون إلى أن لها سنة قبلها، منهم النوويّ، فقال: يسنّ قبلها ما قبل الظهر، وقال: العمدة فيه القياس على الظهر، ويُستأنس بحديث سنن ابن ماجه أن النبي -ﷺ- كان يصلي قبلها أربعًا، وإسناده ضعيف جدًا، بل قال النووي في «الخلاصة»: هو حديث باطل. في سنده مبشر بن عُبيد متروك، بل رماه أحمد بالوضع. واستدلّوا أيضًا بما رواه ابن ماجه في «سننه» بإسناد صحيح عن أبي هريرة -﵁-، قال: جاء سُليك الغَطَفانيّ، ورسول الله -ﷺ- يخطب، فقال له رسول الله -ﷺ-: «أصليت قبل أن تجيء؟» قال: لا، قال: «فصل ركعتين، وتجوز فيهما». قال المجد ابن تيمية في «الأحكام»: رجال إسناده ثقات، ورواه ابن ماجه أيضًا من حديث جابر -﵁-، قال العراقي ﵀: وإسناده صحيح. قالوا: فقوله: «قبل أن تجيء» يدلّ على أن الصلاة المأمور بها ليست تحية المسجد، لأن فعلها في البيت لا يقوم مقام فعلها في المسجد، فتعيّن أنها سنة الجمعة. وفيه نظر فلم يتعين ذلك فلا يجوز إثبات سنة الجمعة لمجرد هذا، إذ يحتمل أن معناه قبل أن تقترب مني لسماع الخطبة، وليس المراد قبل أن يجيء إلى المسجد؛ لأن صلاته قبل مجيء المسجد غير مشروعة، فكيف يسأله عنها، إذ المأمور به بعد دخول وقت الجمعة السعي إلى مكان الجمعة، وقبله لا يصحّ فعلها بتقدير ثبوتها. واستدلوا أيضًا بما رواه أبو داود، وابن حبان في «صحيحه» عن نافع، قال: «كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبي -ﷺ- كان يفعل ذلك». قال العراقي رحمه الله تعالى: وفي الاستدلال به نظر من وجهين: (أحدهما): أنه لا يلزم من إطالته الصلاة قبل الجمعة أن يكون ذلك سنة للجمعة، بل قد يكون قبل الزوال انتظاره. (والوجه الثاني): أن الظاهر أن المراد بالمرفوع منه صلاة ركعتين بعدها في بيته على وفق حديثه المتفق عليه في «الصحيحين»، فأما إطالة الصلاة قبلها، فلم يُنقل عنه فعله، لأنه كان يخرج إلى صلاة الجمعة، فيؤذن بين يديه، ثم يخطب انتهى. واستدلوا أيضًا بما ثبت في «الصحيحين» عن عبد الله بن مغفّل -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «بين كلّ أذانين صلاة». قال العراقي رحمه الله تعالى: ولقائل أن يعترض على الاستدلال به بأن ذلك كان متعذرًا في حياته -ﷺ- لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما، نعم بعد أن جدد عثمان الأذان على الزوراء يمكن أن يصلي سنة الجمعة قبل خروج الإِمام للخطبة. والله تعالي أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى؛ إن الكلام في مشروعية سنة الجمعة القبلية، هل لها دليل تثبت به من قوله -ﷺ-، أو فعله، أم لا؟، لا عما أحدث بعده -ﷺ-، وأيضًا الثابت عن عثمان رضي الله تعالى عنه هو الأمر بالأذان، ولم يثبت عنه أنه أمر بسنة الجمعة القبليّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى أعلم. واستدلوا أيضًا بما رواه ابن حبان في «صحيحه»، والدارقطني في «سننه»، وغيرهما عن عبد الله بن الزبير -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها ركعتان»، وهذا يتناول الجمعة وغيرها. لكن يُضَعَّفُ الاستدلالُ به من جهة أنه عموم يقبل التخصيص، فيقدم عليه ما هو الظاهر من حال النبي -ﷺ-، والصحابة أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك. قال العراقي رحمه الله تعالى: واستدلّ بعضهم بحديث عبد الله السائب، وأبي أيوب الأنصاريّ، وثوبان -﵃- في صلاة أربع ركعات بعد الزوال، وقوله -ﷺ-: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء». ولقائل أن يقول: هذه سنة الزوال، ففي حديث علي -﵁- أنه كان يصلي بعدها أربعًا قبل الظهر. وقد يجاب عنه بأنه حصل في الجملة استحباب أربع بعد الزوال كل يوم، سواء الجمعة وغيرها، وهو المقصود انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب عن هذا كالجواب عن سابقه، فيقال: هذا عام خُصّ منه يوم الجمعة بما ثبت عن النبي -ﷺ-، وأصحابه -﵃- أنهم ما كانوا يصلون قبل الجمعة، كما تقدم. والله تعالى أعلم. وقال ولي الدين رحمه الله تعالى: وهذه الأمور التي استدل بها على سنة الجمعة قبلها وإن كان في كلّ منها على انفراده نظر، فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها. وأقوى ما يُعارض ذلك أنه -ﷺ- لم يكن يؤذن في زمنه يوم الجمعة غير أذان واحد في أول الوقت، وهو على المنبر، وذلك الأذان يعقبه الخطبة، ثم الصلاة، فلا يمكن مع ذلك أن يفعلها النبي -ﷺ-، ولا أحد من أصحابه. وبالجملة فالمسألة مشكلة. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام ولي الدين رحمه الله تعالى هذا نظر لا يخفى: أما قوله: «فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها»، فقد كفانا الجواب عنه هو بنفسه، حيث قال: وأقوى ما يعارض ذلك الخ، فأيّ قوة من هذه الأمور المعترَضَة بما سبق مع هذا الصريح الصحيح الثابت عن النبي -ﷺ-، وأصحابه -﵃-، أنهم ما كانوا يصلون سنة الجمعة القبلية المزعومة؟. وكيف لا يُنكر على من ادعى شرعية ما لم يشرعه الله تعالى على لسان نبيه -ﷺ-، ولا ثبت من فعله، ولا فُعل بمحضره -ﷺ-؟ أليس هذا هو الابتداع الذي ينبغي إنكاره؟ إن هذا لشيء عجيب!!. وأما قوله: «وبالجملة فالمسألة مشكلة»، فجوابه أنه لا إشكال -بحمد الله تعالى- في هذه المسألة عند من لم يتقيد برأي فلان، أو فلان، ويتجمّد عليه، إذ حكمها واضح وضوحَ الشمس في رابعة النهار، إذ من ادعى سنية قبلية الجمعة ما أتى بدليل يُستند إليه، إلا القياس على الظهر، فهذا أقوى دليل عندهم، كما تقدم في كلام النووي ﵀، وأما مستندهم من الأحاديث، فقد عرفت ضعفه فيما سبق، وقد صحّ لدينا أنه -ﷺ- ما صلى قبلية الجمعة، ولا أمر بها، ولا فعلها أصحابه بحضرته، بل كان يؤذن بين يديه -ﷺ-، فيقوم، فيخطب، ثم ينزل، فيصلي، فإذا ثبت هذا بطل القياس؛ إذ هو في مقابلة النص فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال: إِذَا جَالَتْ خُيُول النَّصِّ يَوْمَا … تُجارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ وبالجملة فمسألتنا واضحة لا إشكال فيها، ولله الحمد والمنة. والحاصل أن قبلية الجمعة مما لا أثارة عليه من علم، بل هي من الأمور المحدثة التي ينبغي إنكارها. ومن أغرب ما نراه ممن لا يبالي بالسنة أن كثيرًا منهم يواظب على صلاة ركعتين، أو أربع بزعم أنها سنة قبلية للجمعة، ولا يترك ذلك، ولو رأى الإِمام جالسًا على المنبر، أو شارعًا في الخطبة، ثم يتساهل فيما ثبت عنه -ﷺ- من قوله: «إذا صلى أحدكم الجمعة، فليصل بعدها أربعًا»، فلا يلتفت لهذا الأمر، بل إن صلى يصلي ركعتين فقط، أو يترك الصلاة بالكلية يذهب لحاجته، وهذا هو نتيجة التساهل في التمسك بالسنة، ومن تقديم البدعة عليها. نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الحرمان والخذلان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: ينبغي أن يُتنبه إلى شيء مُهمّ جدًا، وهو أن إنكار الصلاة قبل الجمعة إنما هو لمن يعتقد أنها سنة قبلية ثابتة كسنة الظهر، وأما مطلق الصلاة لمن حضر قبل حضور الإِمام، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة. فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-، قال: «من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدّر له، ثم أفصت حتى يفرغ الإِمام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام». فينبغي أن يَشتغل من أتى إلى الجمعة بالصلاة إلى أن يجلس الإِمام على المنبر، لينال هذا الفضل العظيم. وكذا من دخل المسجد بعد خروج الإِمام، ولو في حال الخطبة يستحب له أن يصلي ركعتين خفيفتين كما تقدم في -١٦/ ١٣٩٥ -: حديث «إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإِمام، فليصل ركعتين»، وفي لفظ لمسلم وغيره: «إذا جاء أحدكم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما». وإنما نبهت على هذا، وإن كان واضحًا، لئلا يعتقد القاصر إذا سمع إنكار قبلية الجمعة، أن الصلاة قبلها غير مشروعة مطلقًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٣ - (صَلَاةُ الإِمَامِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن غرض المصنف رحمه الله تعالى من الباب بيان الفرق بين صلاة الإِمام وصلاة المأمومين، فصلاة الإِمام الأَولى كونها في البيت، كما دلّ عليه حديثا الباب، وصلاة المأمومين تؤدى في المسجد، أو في البيت، كما دلّ عليه إطلاق حديث الباب الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٢٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ»). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم برقم -٦٤/ ٨٧٣ - سندًا ومتنًا، ونقدم البحث فيه مستوفًى هناك. والسند من رباعيات المصنف، وهو (٨٥) من رباعيات الكتاب. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٢٨ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) المذكور في السند الماضي. ٢ - (عبد الرزّاق) بن همّام الصنعاني، ثقة حافظ [٩] ٦١/ ٧٧. ٣ - (معمر) بن راشد الصنعاني، ثقة ثبت [٧] تقدم ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) تقدم قبل باب. ٥ - (سالم) بن عبد الله بن عمر العَدَويّ المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٢٣/ ٤٩٠. ٦ - (ابن عمر) عبد الله رضي الله تعالى عنهما، تقدم ١٢/ ١٢. وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه المصنف هنا -٤٣/ ١٤٢٨ - بالسند المذكور، وأخرجه (د) رقم ١١٣٢. ودلالته على ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى واضحة، إذ فيه بيان أنه -ﷺ- كانت صلاته بعد الجمعة في بيته، فيستحبّ للإمام أن يصليهما في بيته. قال ابن بطال رحمه الله تعالى: الحكمة في صلاته -ﷺ- الركعتين بعد الجمعة في بيته أن الجمعة لما كانت بدل الظهر، واقتصر فيها على الركعتين، ترك التنفّل في المسجد، خشيةَ أن يُظَنَّ أنها التي حُذفت انتهى. قال في «الفتح»: وعلى هذا فلا يتنفّل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». ٤٤ - (بَاب إِطَالَةِ الرَّكْعَتَينِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ) ١٤٢٩ - (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ -وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ- قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، يُطِيلُ فِيهِمَا، وَيَقُولُ: «كَانَ رسُول اللهِ -ﷺ- يَفْعَلُهُ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبدة بن عبد الله) الصفّار الْخُزاعي، أبو سهل البصريّ، كوفي الأصل، ثقة [١١] تقدم ١٨/ ٨٠٠. ٢ - (يزيد بن هارون) أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد [٩] تقدم ١٥٣/ ٢٤٤. ٣ - (شعبة) بن الحجاج، المذكور قبل ثلاثة أبواب. [تنبيه]: قوله: «شعبة» هكذا وقع في نسخ «المجتبى» المطبوعتين، و«الهندية»، وهو الذي في «الكبرى»، و«تحفة الأشراف» جـ ٦ ص ٧٤. وأشار في هامش «الهندية» إلى أن في بعض النسخ «سعيد» بدل «شعبة»، والظاهر أنه غلط. والله تعالى أعلم. ٤ - (أيوب) بن أبي تيمية السختياني، ثقة ثبت فقيه [٥] تقدم ٤٢/ ٤٨. والباقون تقدموا قريبًا. وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، أخرجه هنا -٤٤/ ١٤٢٩ - وفي «الكبرى» -٣٩/ ١٧٤٧ - بالسند المذكور. [تنبيه]: ضعف الشيخ الألباني حديث الباب، وقال: شاذ بذكر إطالتهما، انظر ضعيف النسائي ص ٥٠. وقال في «الإرواء»: وسنده صحيح، لكن خالفه وُهيب، فقال: حدثنا: أيوب به بلفظ: «كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة، فيصلي ركعات، يطيل فيهنّ القيام، فإذا انصرف الإِمام رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، وقال: هكذا كان يفعل رسول الله -ﷺ-». أخرجه أحمد ٢/ ١٠٣ وسنده على شرطهما. ووجه المخالفة أنه وصف بإطالة الصلاة قبل الجمعة، لا الركعتين، وهذا هو الصواب، فقد تابعه على ذلك إسماعيل، وهو ابن علية عند أبي داود -١١٢٨ - انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن شعبة إمام حجة، لا تضره مخالفة غيره له، وأيضًا لا تعارض بين روايتيهما، فرواية وهيب بَيّن فيها فعل ابن عمر -﵄- أنه كان يطيل الصلاة في المسجد قبل الجمعة، وليس هو بيانًا لفعل النبي -ﷺ-، بدليل أنه -ﷺ- ما كان يدخل المسجد إلا بعد الزوال، ولم يُنقل عنه أنه صلى في المسجد وقت دخوله، فضلًا عن الإطالة، ورواية شعبة بَيّن فيها فعل النبي -ﷺ-، وهو أنه كان يطيل الركعتين اللتين يصليهما بعد الجمعة، فلا تخالف بين الروايتين، فالحديثان صحيحان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٥ - (ذِكْرِ السَّاعَةِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) ١٤٣٠ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ -يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ- عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُ الطُّورَ، فَوَجَدْتُ ثَمَّ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ، مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ وَهِىَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مُصِيخَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». فَقَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَقُلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَخَرَجْتُ، فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، قَالَ: لَوْ لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلاَّ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ، الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ». فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيخَةً، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، قُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، هُوَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَدَقَ كَعْبٌ، إِنِّي لأَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَخِى حَدِّثْنِي بِهَا، قَالَ، هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ»، وَلَيْسَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ صَلَاةٌ؟، قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى، وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ فِي صَلَاتِهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ الصَّلَاةُ الَّتِي تَلِيهَا؟، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ كَذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت، تقدم ١/ ١. ٢ - (بكر بن مُضر) المصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢٢٣/ ١٧٣. ٣ - (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣/ ٩٠. ٤ - (محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد [٤] تقدم ٦٠/ ٧٥. ٥ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه [٣] تقدم ١/ ١. ٦ - (أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه، تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبَغْلَانيّ، وبكرٍ، فمصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ابن الهاد، ومحمد بن إبراهيم، وأبو سلمة، وكلهم مدنيون، وفيه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه رأس المكثرين من الرواية، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله تعالى عنه، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ الطُّورَ) بضم الطاء، قال المجد ﵀: الطُّور: الجبل، وفناء الدار، وجبل قُرب أَيلةَ، يُضاف إلى سيناء، وسينين، وجبلٌ بالشام، وقيل: هو المضاف إلى سيناء، وجبلٌ بالقدس عن يمين المسجد، وآخر عن قبليه به قبر هارون ﵇، وجبل برأس العين، وآخر مُطلّ على طَبَريّةَ، وكورة بمصر من القبلية، وبلد بنواحي نَصيبين انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أنه أراد أبو هريرة -﵁- الطور الذي ناجى موسى ﵇ ربه ﷿ فيه. والله تعالى أعلم. (فَوَجَدْتُ ثَمَّ) بفتح المثلّثة: اسم إشارة للمكان البعيد، أي هنالك (كَعْبًا) هو كعب بن ماتع الحميريّ المعروف بكعب الأحبار، ثقة مخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، ومات في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه، وقد زاد على المائة، وتقدمت ترجمته في ٨٩/ ١٣٤٦ (فَمَكَثْتُ أَنَا) ضمير منفصل جيء به للفصل عند العطف على الضمير المرفوع المتصل، كما قال في «الخلاصة»: وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعِ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِل مَا وَبِلَا فَصْلِ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَهُوَ) عطف على الضمير الفاعل (يَوْمًا) متعلق بـ«مكثت» (أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) أي أفضل الأيام يوم الجمعة، فخير أفعل تفضيل، حذفت منه الهمزة لكثرة الاستعمال، وهو لا ينافي ما رواه ابن حبان في «صحيحه» عن عبد الله بن قُرط، أنه -ﷺ- قال: «أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر»، وما رواه جابر، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من يوم أفضل عند الله تعالى من يوم عرفة»، لأن تفضيل يوم الجمعة بالنسبة الأيام الأسبوع، وتفضيل يوم عرفة، أو يوم النحر بالنسبة لأيام السنة، وقد صرح العراقي بأن حديث أفضلية يوم الجمعة أصح، وصرح الشوكاني بأن دلالة حديث جابر على أفضلية يوم عرفة أقوى من دلالة حديث عبد الله بن قُرط على أفضلية يوم النحر . (فِيهِ خُلِقَ آدَمُ) بيان لبعض فضائل يوم الجمعة (وَفِيهِ أُهْبِطَ) أي أُنزل من الجنة إلى الأرض، قيل: إنه نزل في مكان بالهند، يقال له: سرنديب، وكان هبوطه من مزايا يوم الجمعة، لما ترتب عليه من الخير الكثير، من وجود الذرية الطيبة، من الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين (وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ) أي قبل الله تعالى توبته في يوم الجمعة، مما وقع منه من الأكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها، وكون هذه الخصلة من مزايا يوم الجمعة ظاهر (وَفِيهِ قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي مات في يوم الجمعة، قيل: دفن بالهند، وقيل: بمكة في غار أبي قبيس، وقيل: ببيت المقدس، وكان موته من مزايا يوم الجمعة، لأن الموت به دخوله الجنة (وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ) أي القيامة، وكان قيامها من مزايا يوم الجمعة، لأن فيه نعمتين عظيمتين للمؤمنين، وصولهم إلى النعيم المقيم، وإدخال أعدائهم في نار الجحيم. [تنبيه]: قال الإِمام ابن خزيمة رحمه الله تعالى في «صحيحه»: قد اختلفوا في هذه اللفظة في قوله: «فيه خلق آدم» إلى قوله: «وفيه تقوم الساعة»، أهو عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، أو عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار؟. قال: والقلب إلى رواية من جعل هذا الكلام عن أبي هريرة، عن كعب أميل، لأن محمد بن يحيى حدثنا، قال: نا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -﵁-: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُسكن الجنة، وفيه أُخرج منها، وفيه تقوم الساعة»، قال: قلت له: أشيءٌ سمعته من رسول الله -ﷺ-؟ قال: بل شيء حدثناه كعب. وهكذا رواه أبان بن يزيد العطار، وشيبان بن عبد الرحمن النحويّ، عن يحيى بن أبي كثير. قال: وأما قوله: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة»، فهو عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ-، لا شكّ، ولا مرية فيه، والزيادة التي بعدها: «فيه خُلق آدم» إلى آخره هذا الذي اختلفوا فيه، فقال بعضهم: عن النبي -ﷺ-، وقال بعضهم: عن كعب انتهى . قال الشيخ الألباني حفظه الله في تعليقه: الحديث كله صحيح مرفوعًا بلا ريب، ويكفي أن مسلمًا أخرجه من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، ورواه المصنف -يعني ابن خزيمة- من طريقين آخرين عنه، فلعل العلة من يحيى، فإنه مدلس، وللمرفوع شاهد من حديثا أوس. -يعني حديث أوس بن أوس الذي تقدم للمصنف في ٥/ ١٣٧٤ - «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خُلق آدم …» الحديث-. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشيخ الألباني حفظه الله تعالى حسنٌ جدًّا. والحاصل أن الحديث كله مرفوع. والله تعالى أعلم. (مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، مُصِيخَةً) بالصاد المهملة، من أصاخ، أي مستمعة مُصْغية، ومترقّبة قيام الساعة بإلهام من الله تعالى. وفي رواية أبي داود: «مُسيخة» بالسين المهملة، وهو بمعنى الأول، فـ«الإساخة» بالسيم المهملة، كـ«الإصاخة» بالصاد المهملة (حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) بضم اللام، من باب قعد (شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ) انتصاب «شفقا» على أنه مفعول لأجله، أي خوفًا من قيام الساعة فيما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وسميت القيامة ساعة لسرعة قيامها. (إِلَّا ابْنَ آدَمَ) وفي رواية أبي داود: «إلا الجن والإنس»، أي فإنهم لا يترقبون، ولا يخافون قيام الساعة في هذا اليوم، لكثرة غفلتهم، لا لأنهم لا يعلمون ذلك. (وَفِيهِ) أي في يوم الجمعة، وفي نسخة لأبي داود: «وفيها» أي في الجمعة، أو في ساعاتها (سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا) وفي نسخة «لا يوافقها»، وهو أعمّ من أن يقصد لها، أو يتفق له وقوع الدعاء فيها (مُؤْمِنٌ) ولفظ البخاريّ: «عبد مسلم» (وَهُوَ فِي الصَّلّاة، يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا) جملتان في محل رفع على الوصفية لـ«مؤمن»، أو الأولى صفة، والثانية حال منها. ولفظ البخاريّ: «وهو قائم، يصلي، يسأل الله»، قال في «الفتح»: هي صفات لـ«مسلم» أعربت حالًا، ويحتمل أن يكون «يصلي» حالًا منه، لاتصافه بـ«قائم»، و«يسأل» حال منه مترادفة، أو متداخلة. وأفاد ابن عبد البرّ أن قوله: «وهو قائم» سقط من رواية أبي مصعب، وابن أبي أويس، ومطرّف، والتنيسيّ، وقُتيبة، وأثبتها الباقون. قال: وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد، من رواية مالك، وورقاء، وغيرهما عنه. وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن وضاح أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، وكأن السبب في ذلك أنه يُشكل على أصح الأحاديث الواردة في تعيين هذه الساعة، وهما حديثان: أحدهما: أنها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة. والثاني: أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس. وقد احتجّ أبو هريرة على عبد الله ابن سلام -﵄- لَمَّا ذكر له القول الثاني بأنها ليست ساعةَ صلاة، وقد ورد النصّ بالصلاة، فأجابه بالنصّ الآخر أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، فلو كان قوله: «وهو قائم» عند أبي هريرة ثابتًا لاحتجّ عليه بها، لكنه سلم له الجواب، وارتضاه، وأفتى به بعده. وأما إشكاله على الحديث الأول، فمن جهة أنه يتناول حال الخطبة كله، وليست صلاةً على الحقيقة. وقد أجيب عن هذا الإشكال يحمل الصلاة على الدعاء، أو الانتظار، وبحمل القيام على الملازمة والمواظبة، ويؤيد ذلك أن حال القيام في الصلاة غير حال السجود والركوع والتشهد، مع أن السجود مظنة إجابة الدعاء، فلو كان المراد بالقيام حقيقته لأخرجه، فدلّ على أن المراد مجاز القيام، وهو المواظبة، ونحوها، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ الآية [آل عمران: ٧٥]، فعلى هذا يكون التعبير عن المصلي بالقائم من باب التعبير عن الكلّ بالجزء، والنكتة فيه أنه أشهر أحوال الصلاة انتهى . (شَيْئًا) أي مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل ربه تعالى، وفي رواية سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- عند البخاري في «الطلاق»: «يسأل الله خيرًا»، ولمسلم من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة مثله، وفي حديث أبي لبابة عند ابن ماجه: «ما لم يسأل حرامًا»، وفي حديث سعد بن عُبادة، عند أحمد: «ما لم يسأل إثمًا، أو قطيعة رحم»، وهو نحو الأول، وقطيعة الرحم من جملة الإثم، فهو من عطف الخاصّ على العامّ، للاهتمام به. قاله في «الفتح». (إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ) أي أعطاه الله تعالى الشيءَ الذي سأله. (فَقَالَ كَعْبٌ) أي كعب الأحبار (ذَلِكَ يَوْمٌ في كُلِّ سَنَةٍ) أي ذلك اليوم الذي أخبر به النبي -ﷺ- أن فيه ساعةً يُستجاب فيها الدعاء يوم واحد فقط في كل سنة، لا كل جمعة (فَقْلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ) أي الساعة المذكورة تكون في كل يوم جمعة (فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ) أي لينظر، ويتأكد ما قاله آخذًا منها، من أنها في جمعة واحدة من السنة (ثُمَّ) بعد أن نظر في التوراة، ووجد ما قاله النبي -ﷺ- حقًّا (قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) أي في قوله: إنها في كل جمعة، كما سمعه منه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فردّ به على كعب، فقوله (هُوَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ) تأكيد لمعنى «صدق رسول الله -ﷺ-»، يعني أن وقت الإجابة في كل يوم جمعة، فتذكير الضمير باعتبار الوقت، ويحتمل أن يكون الضمير لليوم، و«الجمعة» بمعنى الأسبوع، أي إن ذلك اليوم في كل أسبوع. والله تعالى أعلم. قال أبو هريرة -﵁- (فَخَرَجْتُ) أي من الطور (فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيُّ) -بفتح أوله، وسكون المهملة- جميل بن بَصرة بن وقاص بن غفار الغفاريّ، له ولأبيه صحبة . روى عن النبي -ﷺ- حديثًا واحدًا: «لا تُعمل المطيّ إلا إلى ثلاثة مساجد». وروى عنه أبو هريرة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لكن تفرّد يزيد بن الهاد، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بذلك. ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن أبي بصرة، وكذلك رواه سعيد بن المسيب، وسعيد المقبريّ، وغير واحد عن أبي هريرة، وهو المحفوظ. والله تعالى أعلم. (فَقَالَ) أي بَصْرةُ (مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قُلْتُ: مِنَ الطُّورِ، قَالَ: لَوْ لَقِيتُكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ، قُلْتُ لَهُ: وَلِمَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا تُعْمَلُ) -بضم حرف المضارعة- على بناء المفعول، أي لا تُحثُّ، ولا تُساق (المطيّ) بفتح الميم جمع مطية، وتُجمع على مطايا، كعطية، وعطايا، قال الفيّومي: و»المطا«وزان العَصَا: الظهر، ومنه قيل للبعير: مطيّةٌ، فَعيلة بمعنى مفعولة، لأنه يُركب مَطَاه، ذكرًا كان أو أنثى، ويُجمع على مَطيّ، ومَطَايا، ويُثنّى على مَطَوَين انتهى. وقيل: يُمطى بها في السير، أي يُمدّ. وفي«اللسان»: المطية: الناقةُ التي يُركب مَطَاها، والمطيّة البعير يُمتطى ظهرُهُ، وجمعه المطايا، يقع على الذكر والأنثى، وقال الجوهري: المطية واحد المطي، والمطايا، والمطيّ واحد وجمع، يذكر، ويؤنث، والمطايا فَعالى، وأصله فعائل، إلا أنه فُعل به ما فُعل بخطايا انتهى. (إِلَّا إِلَى ثَلَاَثة مَسَاجِدَ، الْمَسجِدِ الْحَرَامِ) بالجر على البدلية، ويحتمل قطعه إلى الرفع، والنصب، وكذا ما بعده (وَمَسْجِدِي) أي مسجده -ﷺ- في المدينة (وَمَسْجِد بَيْتِ الْمَقْدِسِ). قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (فَلَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ) بن الحارث الإسرائليّ، أبو يوسف حليف بني عوف بن الخزرج، أسلم عند قُدوم النبي -ﷺ- المدينة، قيل: كان اسمه الْحُصين، فسمّاه النبي -ﷺ- عبد الله، وشهد له بالجنّة. روى عن النبي -ﷺ-، وعنه ابناه يوسف، ومحمد، وابن ابنه حمزة بن يوسف، وغيرهم. وشهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، ومات بالمدينة سنة (٤٣). (فَقُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبًا، فَمَكَثْتُ أَنَا، وَهُوَ يَوْمًا، أُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَيُحَدِّثُنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ، إِلاَّ وَهِيَ تُصْبِحُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُصِيخَةً، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلاَّ ابْنَ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا، إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ يَوْمٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ) وفي نسخة:«فقال» بالفاء (عَبْد اللهِ بن سَلَام: كَذَبَ كَعْبٌ) أي أخطأ، يعني أن كعبًا أخطأ في قوله: يوم في كلّ سنة، ولا يريد أنه تعمّد الكذب في ذلك (قُلتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ) أي التوراة (فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ الله -ﷺ-، هُوَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: صَدَقَ كَعْبٌ، إِنِّي لأَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ) يحتمل أن يكونْ بإخبار النبي -ﷺ-، ويحتمل أن يكون مما قرأه في التوراة (فَقُلْتُ: يَا أَخِي حَدِّثْنِي بِهَا، قَالَ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «لَا يُصَادِفُهَا مُؤْمِنٌ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ»، وَلَيْسَتْ تِلْكَ السَّاعَةَ صَلَاةٌ؟) «تلك» منصوب بنزع الخافض خبر «ليس»، و«الساعة» بدل، أو عطف بيان لاسم الإشارة، و«صلاة» اسم «ليس» مؤخرًا عن خبرها، أي ليست الصلاة مشروعة في تلك الساعة (قَالَ) أي عبد الله بن سلام (أَلَيْسَ قَدْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى، وَجَلَسَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ) وفي نسخة:»لم يزل«(في صَلَاتهِ حَتَّى تَأْتِيَه الصَّلَاة الَّتِي تَلِيهَا؟) وفي نسخة:»تلاقيها«، قال أبو هريرة (قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَهُوَ كَذَلِكَ) أي الأمر كما سمعته، يعني أن من جلس في تلك الساعة ينتظر صلاة المغرب، فهو في حكم الصلاة، فإذا صادفها، وهو كذلك، استجيب له دعاؤه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤٥/ ١٤٣٠ - وفي «الكبرى» -٤٠/ ١٧٥٤ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٠٤٦ (ت) ٤٩١ (مالك في الموطإ) ٨٨ (أحمد) ٢/ ٤٨٦ و٥/ ٤٥١ و٥/ ٤٥٣ (ابن خزيمة) ١٧٣٨. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة، وهي آخر ساعة منه، وسيأتي اختلاف العلماء في تعيينها في المسألة الخامسة، إن شاء الله تعالى. ومنها: بيان فضل يوم الجمعة، لاختصاصه بساعة الإجابة. ومنها: فضل الدعاء، واستحباب الإكثار منه. ومنها: ما قيل: إنه استدلّ به على بقاء الإجمال بعد النبي -ﷺ-. وتعقّب بأنه لا خلاف في بقاء الإجمال في الأحكام الشرعية، لا في الأمور الوجودية، كوقت الساعة، فهذا لاختلاف في إجماله، والحكم الشرعي المتعلق بساعة الجمعة، وليلة القدر، وهو تحصيل الأفضليّة يمكن الوصول إليه، والعمل بمقتضاه باستيعاب اليوم والليلة، فلم يبق في الحكم الشرعي إجمال. والله تعالى أعلم. وبقية فوائد الحديث تقدمت في «باب ذكر فضل يوم الجمعة» -٤/ ١٣٧٣. [تنبيه]: إن قيل: ظاهر الحديث حصول الإجابة لكلّ داع بالشرط المتقدّم، مع أن الزمن يختلف باختلاف البلاد، والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟. أجيب باحتمال أن تكون ساعة الإجابة متعلقة بفعل كلّ مصلّ، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعلّ هذا فائدة جعل الوقت الممتدّ مظنّة لها، وإن كانت هي خفيفة، ويحتمل أن يكون عبر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة، أو الصلاة، ونحو ذلك. والله تعالى أعلم. قاله في «الفتح» . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: الحكمة في إخفاء هذه الساعة في هذا اليوم أن يجتهد الناس فيه، ويستوعبوه بالدعاء، ولو عُرفت لخصّوها بالدعاء، وأهملوا ما سواها، وهذا كما أنه تعالى أخفى اسمه الأعظم في أسمائه الحسنى، ليُسأل بجميع أسمائه، وأخفى ليلة القدر في أوتار العشر الأخير، أو في جميع شهر رمضان، أو في جميع السنة على الخلاف في ذلك، ليجتهد الناس في هذه الأوقات كلها، وأخفى أولياءه في جملة المؤمنين حتى لا يُخصّ بالإكرام واحد بعينه. وقد ورد فيها ما ورد في ليلة القدر من أنه أُعلم بها، ثم أنسيها، رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: سألت النبي -ﷺ- عنها، فقال: «إني كنت أُعلمتها، ثم أنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر». قال ولي الدين: وإسناده صحيح، قال الحاكم: إنه على شرط الشيخين، ولعل ذلك يكون خيرًا للأمة، ليجتهدوا في سائر اليوم، كما قال -ﷺ- في ليلة القدر حسن أنسيها: «وعسى أن يكون خيرًا لكم». قال الحافظ العراقي في «شرح الترمذي»: وإنّ من كان مطلبه خطيرًا عظيمًا، كسؤال المغفرة، والنجاة من النار، ودخول الجنة، ورضي الله تعالى لجدير أن يستوعب جميع عمره بالطلب، والسؤال، فكيف لا يسهل على طالب مثل ذلك سؤال يوم واحد، كما قال ابن عمر: إن طلب حاجة في يوم يسير. قال العراقي: ومن لم يتفرغ لاستيعاب اليوم بالدعاء، وأراد حصول ذلك، فطريقه كما قال كعب الأحبار: لو قسم الإنسان جمعةً في جُمع أتى على تلك الساعة. قال العراقي: وهذا الذي قاله: بناء على أنها مستقرّة في وقت واحد من اليوم، لا تنتقل، وهو الصحيح المشهور. انتهى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في ساعة الجمعة: لقد حقّق الحافظ رحمه الله تعالى هذا الموضوع، وأجاد فيه في كتابه العديم النظير في بابه، في استقصائه واستيعابه «فتح الباري»، حيث قال: وقد اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعيين، ومن بعدهم في هذه الساعة، هل هي باقية، أو رُفعت؟ وعلى البقاء، هل هي في كلّ جمعة، أو في جمعة واحدة من كل سنة؟ وعلى الأول، هل هي وقت من اليوم معينٌ، أو مبهم؟ وعلى التعيين، هل تستوعب الوقت، أو تبهم فيه؟، وعلى الإبهام ما ابتداؤه، وما انتهاؤه؟ وعلى كل ذلك هل تستمرّ، أو تنتقل؟ وعلى الانتقال، هل تستغرق اليوم، أو بعضه؟ وها أنا أذكر تلخيص ما اتصل إليّ من الأقوال مع أدلتها، ثم أعود إلى الجمع بينها، والترجيح: فالأول: أنها رُفعت، حكاه ابن عبد البرّ عن قوم، وزيّفه، وقال عياض: رده السلف على قائله، وروي عبد الرزاق، عن ابن جُريج، أخبرني داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن عبس مولى معاوية، قال: قلت لأبي هريرة: إنهم زعموا أن الساعة التي في يوم الجمعة يستجاب فيها الدعاء رُفعت، فقال: كذب من قال ذلك، قلت: فهي في كل جمعة؟ قال: نعم. إسناده قويّ. وقال صاحب «الهدى»: إن أراد قائله أنها كانت معلومة، فرفع علمها عن الأمة، فصارت مبهمة احْتُمل، وإن أراد حقيقتها، فهو مردود على قائله. القول الثاني: أنها موجودة، لكن في جمعة واحدة من كل سنة، قاله كعب الأحبار لأبي هريرة، فردّ عليه، فرجع إليه. رواه مالك في «الموطإ»، وأصحاب السنن. القول الثالث: أنها مخفية في جميع اليوم، كما أخفيت ليلة القدر في العشر. روى ابن خزيمة، والحاكم من طريق سعيد بن الحارث، عن أبي سلمة: سألت أبا سعيد عن ساعة الجمعة؟ فقال: سألت النبي -ﷺ- عنها؟ فقال: «قد أُعلمتها، ثم أُنسيتها، كما أنسيت ليلة القدر». وروى عبد الرزاق، عن معمر، أنه سأل الزهِريّ؟، فقال: لم أسمع فيها شيئًا، إلا أن كعبًا كان يقول: لو أن إنسانًا قسم جمعةً في جُمع لأتى على تلك الساعة. قال ابن المنذر: معناه أنه يبدأ، فيدعو في جمعة من الْجُمَع من أول النهار إلى وقت معلوم، ثم في جمعة أخرى يبتدىء من ذلك الوقت إلى وقت آخر حتى يأتي على آخر النهار، قال: وكعب هذا هو كعب الأحبار، قال: وروينا عن ابن عمر أنه قال: إنّ طلب حاجة في يوم ليسير. قال: معناه أنه ينبغي المداومة على الدعاء يوم الجمعة كله ليمرّ بالوقت الذي يُستجاب فيه الدعاء انتهى. والذي قاله ابن عمر يصلح لمن يقوى على ذلك، وإلا فالذي قاله كعب سهل على كلّ أحد، وقضية ذلك أنهما يريان أنها غير معينة، وهو قضية كلام جمع من العلماء، كالرافعي، وصاحب «المغني»، وغيرهما، حيث قالوا: يستحبّ أن يكثر من الدعاء يوم الجمعة رجاء أن يُصادف ساعة الإجابة. ومن حجة هذا القول تشبيههًا بليلة القدر، والاسم الأعظم في الأسماء الحسنى، والحكمةُ في ذلك حثّ العباد على الاجتهاد في الطلب، واستيعاب الوقت بالعبادة، بخلاف ما لو تحقّق الأمر في شيء من ذلك لكان مقتضيًا للاقتصار عليه، وإهمال ما عداه. الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة معينة، لا ظاهرة، ولا مخفيةً، قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال، وذكره الأثرم احتمالًا، وجزم به ابن عساكر وغيره. وقال المحب الطبري: إنه الأظهر، وعلى هذا لا يتأتى ما قاله كعب في الجزم بتحصيلها. الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره الحافظ أبو الفضل العراقي في «شرح الترمذي»، والشيخ سراج الدين ابن الملقّن في «شرحه على البخاريّ» ونسباه لتخريج ابن أبي شيبة عن عائشة، وقد رواه الروياني في «مسنده» عنها، فأطلق الصلاة، ولم يقيدها، ورواه ابن المنذر، فقيدها بصلاة الجمعة. والله أعلم. السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، رواه ابن عساكر من طريق أبي جعفر الرازي، عن ليث بن أبي سُليم، عن مُجاهد، عن أبي هُريرة، وحكاه القاضي أبو الطيب الطبريّ، وأبو نصر بن الصباغ، وعياض، والقرطبي، وغيرهم، وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. السابع: مثله، وزاد: ومن العصر إلى الغروب. رواه سعيد بن منصور، عن خَلَف بن خَليفة، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، وتابعه فُضيل بن عياض، عن ليث، عند ابن المنذر، وليث ضعيف، وقد اختلف عليه فيه كما ترى. الثامن: مثله، وزاد: وما بين أن ينزل الإِمام من المنبر إلى أن يكبر رواه حميد بن زنجويه في «الترغيب» له من طريق عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: «التمسوا الساعة التي يُجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات الثلاثة»، فذكرها. التاسع: أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في «شرح التنبيه»، وتبعه المحبّ الطبريّ في «شرحه». العاشر: عند طلوع الشمس، حكاه الغزالي في «الإحياء»، وعبّر عنه الزين ابن المنيّر في «شرحه» بقوله: هي ما بين أن ترتفع الشمس شبرًا إلى ذراع، وعزاه لأبي ذرّ. الحادي عشر: أنها في آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب «المغني»، وهو في «مسند الإِمام أحمد» من طريق علي بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «يوم الجمعة فيه طبعت طينة آدم، وفي آخر ثلاث ساعة منه ساعة من دعا بها الله فيها استجيب له»، وفي إسناده فَرَج بن فضالة، وهو ضعيف، وعليّ لم يسمع من أبي هريرة. قال المحبّ الطبريّ: قوله: «في آخر ثلاث ساعات» يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد الساعة الأخيرة من الثلاث الأُوَل. ثانيهما: أن يكون المراد أن في آخر كلّ ساعة من الثلاث ساعةُ إجابة، فيكون فيه تجوّز لإطلاق الساعة على بعض الساعة. الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظلّ نصف ذراع، حكاه المحبّ الطبريّ في «الأحكام»، وقبله الزكيّ المنذريّ. الثالث عشر: مثله، لكن قال: إلى أن يصير الظلّ ذراعًا، حكاه عياض، والقرطبيّ، والنووي. الرابع عشر: بعد زوال الشمس، بشبر إلى ذراع، رواه ابن المنذر، وابن عبد البرّ بإسناد قويّ إلى الحارث بن يزيد الحضرميّ، عن عبد الرحمن بن حُجيرة، عن أبي ذرّ، أن امرأةً سألته عنها؟ فقال ذلك، ولعله مأخذ القولين اللذين قبله. الخامس عشر: إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، وورد نحوه في أثناء حديث عن علي، ورَوَى عبد الرزاق من طريق الحسن أنه كان يتحرّاها عند زوال الشمس بسبب قصّة وقعت لبعض أصحابه في ذلك، وروى ابن سعد في «الطبقات» عن عُبيد الله بن نوفل نحو القصة، وروى ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكأن مأخذهم في ذلك أنها وقت اجتماع الملائكة، وابتداء دخول وقت الجمعة، وابتداء الأذان، ونحو ذلك. السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، رواه ابن المنذر عن عائشة، قالت: «يوم الجمعة مثل يوم عرفة، تُفتح فيه أبواب السماء، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلا أعطاه»، قيل: آية ساعة؟ قالت: «إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة»، وهذا يُغاير الذي قبله من حيث أن الأذان قد يتأخر عن الزوال، قال الزين ابن المنير: ويتعين حمله على الأذان الذي بين يدي الخطيب. السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن أبي السَّوَّار العَدَويّ، وحكاه ابن الصباغ بلفظ: إلى أن يدخل الإِمام. الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإِمام، حكاه القاضي أبو الطيّب الطبريّ. التاسع عشر: من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي بن كشاسب الدزماريّ، وهو بزاي ساكنة، وقبل ياء النسب راء مهملة في «نكته على التنبيه» عن الحسن، ونقله عنه سراج الدين ابن الملقّن في «شرح البخاريّ»، وكان الدزماريّ المذكور في عصر ابن الصلاح. العشرون: ما بين خروج الإِمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن، وروى أبو بكر المروزي في «كتاب الجمعة» بإسناد صحيح إلى الشعبيّ، عن عوف بن حصيرة، رجل من أهل الشام مثله. الحادي والعشرون: عند خروج الإِمام، رواه حُميد بن زنجويه في «كتاب الترغيب» عن الحسن أن رجلًا مرت به، وهو ينعس في ذلك الوقت. الثاني والعشرون: ما بين خروج الإِمام إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ قولَه، ومن طريق معاوية بن قرة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قولَه، وفيه أن ابن عمر استصوب ذلك. الثالث والعشرون: ما بين أن يَحرُم البيع إلى أن يَحلّ، رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر، عن الشعبي قولَه أيضًا، قال الزين ابن المنيّر: ووجهه أنه أخصّ أحكام الجمعة، لأن العقد باطل عند الأكثر، فلو اتفق ذلك في غير هذه الساعة بحيث ضاق الوقت، فتشاغل اثنان بعقد البيع، فخرج، وفاتت تلك الصلاة لأثما، ولم يبطل البيع. الرابع والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد بن زنجويه عن ابن عباس، وحكاه البغويّ في «شرح السنة» عنه الخامس والعشرون: ما بين أن يجلس الإِمام على المنبر إلى أن تُقضى الصلاةُ، رواه مسلم، وأبو داود من طريق مَخرَمة بن بُكير، عن أبيه، عن أبي بُردة بن أبي موسى، أن ابن عمر سأله عما سمع من أبيه في ساعة الجمعة؟ فقال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله -ﷺ-، فذكره، وهذا القول يُمكن أن يُتخذ من اللذين قبله. السادس والعشرون: عند التأذين، وعند تذكير الإِمام، وعند الإقامة، رواه حُميد بن زنجويه من طريق سُليم بن عامر، عن عوف بن مالك الأشجعي الصحابي. السابع والعشرون: مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاةُ، رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن أبي أُمامة الصحابي قولَه. قال الزين ابن المنيّر: ما ورد عند الأذان من إجابة الدعاء، فيتأكد يوم الجمعة، وكذلك الإقامة، وأما زمان جلوس الإِمام على المنبر، فلأنه وقت استماع الذكر، والابتداء في المقصود من الجمعة. الثامن والعشرون: من حين يَفتتح الإِمام الخطبة حتى يفرغ، رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا، وإسناده ضعيف. التاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر، وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالي في «الإحياء». الثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبيّ عن بعض شُرّاح «المصابيح». الحادي والثلاثون: أنها عند نزول الإِمام من المنبر، رواه ابن أبي شيبة، وحميد بن زنجويه، وابن جرير، وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق، عن أبي بردة، قولَه. وحكاه الغزالي قولًا بلفظ: إذا قام الناس إلى الصلاة. الثاني والثلاثون: حين تقام الصلاة حتى يقوم الإِمام في مقامه، حكاه ابن المنذر، عن الحسن أيضًا، وروى الطبراني من حديث ميمونة بنت سعد نحوه، مرفوعًا بإسناد ضعيف. الثالث والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي، وابن ماجه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا، وفيه: قالوا: أية ساعة يا رسول الله؟ قال: «حين تُقام الصلاة إلى الانصراف منها»، وقد ضَعَّفَ كثيرٌ رواية كثير، ورواه البيهقي في «الشعب» من هذا الوجه بلفظ: «ما بين أن ينزل الإِمام من المنبر إلى أن تُقضى الصلاة»، رواه ابن أبي شيبة من طريق مغيرة، عن واصل الأحدب، عن أبي بردة قولَه، وإسناده قويّ إليه، وفيه أن ابن عمر استحسن ذلك منه، وبرّك عليه، ومسح على رأسه، وروى ابن جرير، وسعيد بن منصور، عن ابن سيرين نحوه. الرابع والثلاثون: هي الساعة التي كان النبي -ﷺ- يصلي فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين، وهذا يُغاير الذي قبله من جهة إطلاق ذاك، وتقييد هذا، وكأنه أخذه من جهة أن صلاة الجمعة أفضل صلوات ذلك اليوم، وأن الوقت الذي كان يصلي فيه النبي -ﷺ- أفضل الأوقات، وأن جميع ما تقدّم من الأذان، والخطبة، وغيرهما وسائل، وصلاة الجمعة هي المقصودة بالذات، ويؤيده ورود الأمر في القرآن بتكثير الذكر حال الصلاة، كما ورد الأمر بتكثير الذكر حال القتال، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، وفي قوله: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى أن ختم الآية بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وليس المراد إيقاع الذكر بعد الانتشار، وإن عطف عليه، وإنما المراد تكثير الذكر المشار إليه أول الآية . والله تعالى أعلم. الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير من طريق سعيد بن جُبير، عن ابن عباس موقوفًا، ومن طريق صفوان بن سُليم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، مرفوعًا بلفظ: «فالتمسوها بعد العصر»، وذكر ابن عبد البرّ أن قوله: «فالتمسوها الخ» مدرج في الخبر من قول أبي سلمة، ورواه ابن منده من هذا الوجه، وزاد: «أغفل ما يكون الناس»، ورواه أبو نعيم في «الحلية» من طريق الشيباني، عن عون بن عبد الله بن عُتبة، عن أخيه عبيد الله، كقول ابن عباس، ورواه الترمذي من طريق موسى بن وردان، عن أنس، مرفوعًا بلفظ: «بعد العصر إلى غيبوبة الشمس»، وإسناده ضعيف. السادس والثلاثون: في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق، عن عُمر بن ذَرّ، عن يحيى ابن إسحاق بن أبي طلحة، عن النبي -ﷺ- مرسلًا، وفيه قصّة. السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في «الإحياء». الثامن والثلاثون: بعد العصر كما تقدم عن أبي سعيد مطلقًا، ورواه ابن عساكر من طريق محمد بن سلمة الأنصاري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، مرفوعًا بلفظ: «وهي بعد العصر»، ورواه ابن المنذر، عن مجاهد مثله، ورواه ابن جريج من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن رجل، أرسله عمرو بن أويس إلى أبي هريرة، فذكر مثله، قال: وسمعته عن الحكم، عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المرّوذيّ من طريق الثوريّ، وشعبة جميعًا، عن يونس بن خبّاب، قال الثّوريّ: عن عطاء، وقال شعبة: عن أبيه، عن أبي هريرة مثله. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، أنه كان يتحرّاها بعد العصر، وعن ابن جريج، عن بعض أهل العلم، قال: لا أعلمه إلا عن ابن عباس مثله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر، فقال: بلى، لكن من كان في مصلاه لم يقم منه، فهو في صلاة. التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار، كما تقدم أول الباب عن سلمة بن علقمة. الأربعون: من حين تصفرّ الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن كيسان، عن طاوس قولَه، وهو قريب من الذي قبله. الحادى والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم بإسناد حسن عن أبى سلمة، عن جابر مرفوعًا، وفي أوله: «إن النهار اثنتا عشرة ساعة»، ورواه مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام، قولَه، وفيه مناظرة أبي هريرة له في ذلك، واحتجاج عبد الله بن سلام بأن منتظر الصلاة في صلاة. وروى ابن جرير من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله، ولم يذكر عبد الله بن سلام قوله، ولا القصّة. ومن طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار قولَه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا سلمة يقول: حدثنا عبد الله بن عامر، فذكر مثله. وروى البزار، وابن جرير من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن سلام مثله. وروى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وأبي سعيد، فذكر الحديث، وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبد الله بن سلام، فذكرت ذلك له، فلم يُعرّض بذكر النبي -ﷺ-، بل قال: «النهار اثنتا عشرة، وإنها لفي آخر ساعة من النهار». ولابن خزيمة من طريق أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام، قال: قلت -ورسول الله -ﷺ- جالس-: إنا لنجد في كتاب الله أن في الجمعة ساعة، فقال رسول الله -ﷺ-: «أو بعض ساعة»، قلت: نعم، أو بعض ساعة … الحديث، وفيه: فقلت أي ساعة؟ فذكره. وهذا يحتمل أن يكون القائل: «قلت» عبدَ الله بنَ سلام، فيكون مرفوعًا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة، فيكون موقوفًا، وهو الأرجح، لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير بأن عبد الله عن سلام لم يذكر النبى -ﷺ- في الجواب. الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو من حين تَدَلَّي الشمسُ للغروب إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في «الأوسط»، والدارقطني في «العلل»، والبيهقي في «الشعب»، و«فضائل الأوقات» من طريق زيد بن علي بن الحسين بن علي، حدثتني مُرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله -ﷺ-، قالت: حدثتنى فاطمة ﵍، عن أبيها، فذكر الحديث، وفيه: قلت للنبي -ﷺ-: أيّ ساعة هي؟ قال: «إذا تدلى نصف الشمس للغروب»، فكانت فاطمة إذا كان يوم الجمعة، أرسلت غلامًا لها، يقال له: زيد، ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها أنها تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن تغيب. وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يُعرف حاله. وقد أخرج إسحاق بن راهويه في «مسنده» من طريق سعيد بن راشد، عن زيد بن علي، عن فاطمة، لم يذكر مرجانة، وقال فيه: إذا تدلت الشمس للغروب، وقال فيه: تقول لغلام يقال له أربد: اصعد على الظراب، فإذا تدلت الشمس للغروب فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي يعني المغرب. قال الحافظ رحمه الله تعالى: فهذا جميع ما اتصل إليّ من الأقوال في ساعة الجمعة مع ذكر أدلتها، وبيان حالها في الصحة والضعف، والرفع، والوقف، والإشارة إلى مأخذ لبعضها، وليست كلها متغايرة من كل جهة، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره. ثم ظفرت بعد كتابة هذا يقول زائد على ما تقدم، وهو غير منقول، استنبطه صاحبنا العلامة الحافظ شمس الدين الجَزَريّ، وأذن لي في روايته عنه في كتابه المسمى «الحصين الحصين» في الأدعية لَمَّا ذكر الاختلاف في ساعة الجمعة، واقتصر على ثمانية أقوال مما تقدم، ثم قال: ما نصه: والذي أعتقده أنها وقت قراءة الإِمام الفاتحة في صلاة الجمعة إلى أن يقول آمين، جمعًا بين الأحاديث التي صحت، كذا قال، ويخدش فيه أنه يفوّت على الداعي حينئذ الإنصاف لقراءة الإِمام، فليُتأمل. قال الزين ابن المنيّر: يحسن جمع الأقوال، وكان قد ذكر مما تقدم عشرة أقوال تبعًا لابن بطال، قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها من اجتهد في الدعاء في جميعها، والله المستعان. وليس المراد من أكثرها أنه يستوعب جميع الوقت الذي عُيّن، بل المعنى أنها تكون في أثنائه، لقوله فيما مضى: «يقللَّها»، وقوله: «وهي ساعة خفيفة». وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلًا، وانتهاؤها انتهاء الصلاة. وكأن كثيرًا من القائلين عَيَّنَ ما اتفق له وقوعها فيه من ساعة في أثناء وقت من الأوقات المذكورة. فيهذا التقرير يقل الانتشار جدًا. ولا شك أن أرجح الأقوال المذكورة حديث أبي موسى، وحديث عبد الله بن سلام كما تقدم. قال المحب الطبريّ: أصح الأحاديث فيها حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال فيها قول عبد الله بن سلام انتهى. وما عداهما إما موافق لهما، أو لأحدهما، أو ضعيف الإسناد، أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد في كونه -ﷺ- أُنسيها بعد أن أُعلمها، لاحتمال أن يكون سمع ذلك منه قبل أن ينسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره. وقد اختلف السلف في أيهما أرجح، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوريّ أن مسلما قال: حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحّه، وبذلك قال البيهقي، وابن العربيّ، وجماعة. وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف فلا يُلتفت إلى غيره. وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في الروضة بأنه الصواب، ورجحه أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد «الصحيحين». وذهب آخرون إلى ترجيح قوله عبد الله بن سلام، فحكى الترمذي عن أحمد أنه قال: أكثر الأحاديث على ذلك. وقال ابن عبد البرّ: إنه أثبت شيء في هذا الباب. وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. ورجحه كثير من الأئمة أيضًا، كأحمد، وإسحاق، ومن المالكية الطرطوشيّ. وحكى العلائيّ أن شيخه ابن الزملكاني شيخ الشافعية في وقته كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي. وأجابوا عن كونه ليس في أحد «الصحيحين» بأن الترجيح بما في «الصحيحين»، أو أحدهما إنما هو من حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي موسى هذا، فإنه أعلّ بالانقطاع والاضطراب: أما الانقطاع، فلأن مخرمة بن بُكير لم يسمع من أبيه، قاله أحمد، عن حماد بن خالد، عن مخرمة نفسه، وكذا قال سعيد بن أبي مريم، عن موسى بن سلمة، عن مخرمة، وزاد: إنما هي كتب كانت عندنا. وقال علي بن المدينيّ: لم أسمع أحدا من أهل المدينة يقول عن مخرمة: إنه قال في شيء من حديثه سمعت أبي، ولا يُقال: مسلم يكتفي في المعنعن بإمكان اللقاء مع المعاصرة، وهو كذلك هنا، لأنا نقول: وجود التصريح عن مخرمة بأنه لم يسمع من أبيه كاف في دعوى الانقطاع. وأما الاضطراب، فقد رواه أبو إسحاق، وواصل الأحدب، ومعاوية بن قُرّة، وغيرهم عن أبي بُردة من قوله، وهؤلاء من أهل الكوفة، وأبو بردة كوفيّ، فهم أعلم بحديثه من بُكير المدنيّ، وهم عدد، وهو واحد، وأيضًا فلو كان عند أبي بُردة مرفوعًا لم يُفت فيه برأيه بخلاف المرفوع، ولهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب. وسلك صاحب «الهدي» مسلكًا آخر، فاختار أن ساعة الإجابة منحصرة في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يُعارض الآخر، لاحتمال أن يكون -ﷺ- دلّ على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البرّ: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى نحو ذلك الإِمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع. وقال ابن المنير في الحاشية: إذا عُلم أن فائدة الإبهام لهذه الساعة، ولليلة القدر بَعْث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بُيِّن لاتكل الناس على ذلك، وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخص مما ذكر أن الأصح هو ما عليه أكثر الأئمة، وهو ترجيح قول عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنها بعد العصر؛ لقوته، هذا من حيث الترجيح. وأما من حيث المعنى، فعدم التحديد بهذا -كما قال ابن المنيّر- أولى، لمخالفته لحكمة إخفاء الله تعالى لها، حتى يجتهد عبادُه في التضرع إليه كثيرًا، فينبغي أن يجتهد في الدعاء، ولا سيما في هذين الوقتين اللذين نُصّ عليهما في حديث عبد الله بن سلام، وحديث أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنهما -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣١ - (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ رَبَاحٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمَّد بن يحيى بن عبد الله) الذُّهلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل [١١] تقدم ١٩٦/ ٣١٤. ٢ - (أحمد حنبل) هو أحمد بن محمد بن حنبل الإِمام الحافظ الحجة المجتهد إمام أهل السنة والجماعة [١٠] تقدّم ٤٩/ ٩٥٨. ٣ - (إبراهيم بن خالد) الصنعاني المؤذن، ثقة [٩] تقدم ٤٩/ ٩٥٨. ٤ - (رَباح) بن زيد القرشيّ مولاهم الصنعاني، ثقة فاضل [٩] تقدم ٤٩/ ٩٥٨. ٥ - (معمر) بن راشد، أبو عروة الصنعاني، ثقة ثبت فاضل [٧] تقدم ١٠/ ١٠. ٦ - (الزهري) المذكور في الباب الماضي. ٧ - (سعيد) بن المسيّب بن حَزْن بن أبي وهب المدني، الإِمام الفقيه الحجة من كبار [٣] تقدم ٩/ ٩ والصحابي، وشرح الحديث تقدم الكلام عليهما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم. قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - هذا حديث صحيح، وهو من أفرد المصنف، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا - ٤٥/ ١٤٣١ - وفي «الكبرى» ٤٠/ ١٧٤٩ - وفي «عمل اليوم والليلة» ٤٧٢ - عن محمد ابن يحيى، عن أحمد بن حنبل، عن إبراهيم بن خالد، عن رَبَاح بن زيد، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد، عنه. وفي «عمل اليوم والليلة» ٤٧١ - عن عمرو بن عثمان، عن شريح بن يزيد، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن سعيد، عنه. وأخرجه (أحمد) ٢/ ٢٨٤. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣٢ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - ﷺ -: «إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللَّهَ -﷿- شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ». قُلْنَا: يُقَلِّلُهَا، يُزَهِّدُهَا«. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن زُرارة) بن واقد الكلابي، أبو محمد النيسابوري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٧/ ٣٦٨. ٢ - (إسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن عُلَية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٨/ ١٩. ٣ - (أيوب) بن أبي تَميمة السختياني تقدم في الباب الماضي. ٤ - (محمد) بن سيرين الإِمام الحجة المشهور [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧. والصحابي تقدّم أوّل الباب، وكذا شرح الحديث. وقوله: «قلنا: يقلّلها، يزهّدها» الجملة الثانية بدل من الأولى. وهكذا بإبهام القائلين، وكذا في رواية البخاريّ في «الطلاق» من طريق سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين. وفي رواية البخاري في «الصلاة» من رواية الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ -: «وأشار بيده يقللَّها»، قال في «الفتح»: هكذا هنا بإبهام الفاعل، وفي رواية أبي مصعب عن مالك: «وأشار رسول الله - ﷺ -»، وفي رواية سلمة بن علقمة، عند البخاري في «الطلاق»: «ووضع أنملته على بطن الوسطى، أو الخنصر، قلنا: يزهدها»، وبَيَّنَ أبو مسلم الكجيّ أن الذي وضع هو بشر بن المفضل راويه عن سلمة بن علقمة، وكأنه فسر الإشارة بذلك، وأنها ساعة لطيفة تنتقل ما بين وسط النهار إلى قرب آخره. وبهذا يحصل الجمع بينه، وبين قوله: «يزهّدها»، أي يقللها، ولمسلم من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة: «وهي ساعة خفيفة»، وللطبراني في «الأوسط» في حديث أنس - ﵁ -: «وهي قدر هذا، يعني قبضة». قال الزين ابن المنيّر: الإشارة لتقليلها هو الترغيب فيها، والحضّ عليها، ليَسَارَة وقتها، وغَزَارَة فضلها انتهى . والله تعالى أعلم. (قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ بِهذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ رَبَاحِ، عَنْ مَعْمَرِ، عَنِ الزُّهْرِيُّ، إِلَّا أَيُّوبَ بْنَ سُوَيْد، فَإِنَّهُ حَدَّثَ بهِ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ) . قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: هكذا ذُكِرَ في نسخ «المجتبى» التي بين يديّ هذا الكلامُ هنا عَقِبَ حديث أيوب، عن ابن سرين، والظاهر أنه متعلق بحديث الزهري، عن ابن المسيّب، الذي قبل هذا، فكان الأولى ذكره هناك، فلعلّه من تصرف النُّسَّاخ. والله تعالى أعلم. [تنبيه]: لم أر من أخرج رواية سويد التي أشار إليها المصنف --﵀- تعالى- هنا. فالله تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: «أيوب بن سُويد» هذا هو الرَّمْليّ، أبو مسعود الْحِمْيَريّ، السَّيباني- بمهملة مفتوحة، ثم تحتانية ساكنة، ثم موحدة- من رجال أبي داود، والترمذيّ، وابن ماجه فقط، وهذا الذي قاله المصنف -﵀- من أنه متروك قاله غيره أيضًا: فعن أحمد أنه قال: ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشيء يسرق الأحاديث. وذكر الترمذي أن ابن المبارك ترك حديثه. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال الخليلي: لم يرضوا حفظه، وقال الساجي: ضعيف ارم به. وقال الآجريُّ، عن أبي داود: ضعيف. وقال الْجُوزجاني: واهي الحديث. وقد طول الكلام فيه في «تت» جـ١ ص ٢٠٤ - ٢٠٥ فراجعه، تستفد. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٤ - (كِتَابُ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ) أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالّة على مشروعية تقصير الصلاة في حال السفر. قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: «التقصير» مصدر قصّر، يقال: قصرت الصلاة -بفتحتين- مخففا قَصْرًا، وقصّرتها تقصيرًا، وأقصرتها إقصارًا، والأول أشهر في الاستعمال، والمراد به هنا تخفيف الرباعية إلى ركعتين. والسَّفَر -بفتحتين-: قطع المسافة، قال الفيّومي: سَفَر الرجل، سَفْرًا، من باب ضرب، فهو سافر، والجمع سَفْر، مثلُ راكب ورَكْب، وصاحب وصَحْب، وهو مصدر في الأصل، والاسم السَّفَر بفتحتين، وهو قطع المسافة، يقال ذلك إذا خرج للارتحال، أو لقصد موضع فوق مسافة الْعَدْوَى ، لأن العرب لا يُسمّون مسافة العَدْوى سفَرًا. انتهى . ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أن لا تقصير في صلاة الصبح، ولا في صلاة المغرب. وقال النوويّ: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يُشترط في القصر الخوفُ في السفر، وبعضهم كونه سفر حج، أو عمرة، أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وعن أبي حنيفة، والثوريّ في كلّ سفر، سواء كان طاعة، أو معصية. قاله في «الفتح» . قال الجامع - عفا الله تعالى عنه -: سيأتي ترجيح ما قاله أبو حنيفة، والثوري - رحمهما الله تعالى-؛ لإطلاق النصوص، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب. ١٤٣٣ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَابَيْهِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ؟، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه المذكور قبل بابين. ٢ - (عبد الله بن إدريس) الأودي أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد [٨] تقدم ٨٥/ ١٠٢. ٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز المكي، ثقة فقيه فاضل يدلس ويرسل نسب لجده [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن أبي عَمّار) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار القرشيّ المكيّ، حليف بني الْجُمَح، الملقب بـ«القَسّ» بفتح القاف، -وتشديد السين المهملة- لعبادته، ثقة عابد [٣]. روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وابن الزبير،، وجابر، وشدّاد بن الهاد، وعبد اللَّه ابن بابيه. وعنه عبد الملك بن عبيد بن عُمير، وابن جريج، وعمرو بن دينار، ويوسف ابن ماهك، وعكرمة بن خالد. قال ابن سعد، وأبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في «الثقات»، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن المديني. روى له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا، و(١٩٥٣) حديث. «إن تَصْدُق اللَّه يصدُقْك …» الحديث، و(٢٨٣٦) حديث: «فأمرني بأكلها، قلت: أصيد هو؟ …» الحديث، وأعاده برقم (٤٣٢٥). ٥ - (عبد اللَّه بن بابيه) ويقال: باباه، ويقال بحذف الهاء، مولى آل حُجير بن أبي إهاب، ويقال: مولى يعلي بن أمية، المكي، ثقة [٤] تقدم في ٤١/ ٥٨٥. ٦ - (يعلى بن أمية) بن أبي عُبيدة بن همام التميمي حليف قُريش، وهو يعلى ابن مُنية، وهي أمه، صحابي مشهور، مات - رضي اللَّه تعالى عنه - سنة بضع وأربعين، تقدم في ٧/ ٤٠٦. ٧ - (عمر بن الخطاب) أمير المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦٠/ ٧٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي، وتابعي، عن تابعي، وهو سند مكي، غير شيخه، فمروزي، ثم نيسابوري، وشيخ شيخه، فكوفي. ومنها: أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة، وأحد السابقين إلى الإِسلام. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ يَعْلَى بْنِ أمَيَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب) - رضي اللَّه تعالى عنه -، ولفظ أبي داود: قلت لعمر بن الخطاب: أرأيت إقصار الناسَ الصلاة، وإنما قال اللَّه -﷿-: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد ذهب اليوم … «﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أي وزر وحرج ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ بضم الصاد، أي في القصر، وهو خلاف المدّ، يقال: قَصَرتُ الشيء: أي جعلته قصيرًا بحذف بعض أجزائه، فمتعلق القصر جملة الشيء، لا بعضه، فإن البعض متعلق الحذف دون القصر، فحينئذ قوله ﴿مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ينبغي أن يكون مفعولا لـ»تقصروا«على زيادة»من«حسب ما رآه الأخفش، وأما على رأي غيره من عدم زيادتها في الإثبات، فتُجعل تبعيضيةً، ويراد بالصلاة الجنس، ليكون المقصور بعضًا منها، وهو الرباعيات. قاله أبو السعود في»تفسيره« ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي ينالوكم بمكروه (فقَدْ أَمِنَ النَّاسُ) أي ذهب خوفهم الذي كان سببًا لمشروعية القصر، فما بالهم يقصرون؟، أو فما وجه القصر مع زوال السبب؟ (فَقَالَ عُمَرُ - ﵁ -: عَجبْت) أنا (مِمَّا عَجِبْتَ مِنْه) أنت (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ؟) أي عن قصر الصلاة مع زوال الخوف، وحصول الأمن (فَقَالَ) - ﷺ - (صدَقَةٌ) خبر لحذوف، أي قصر الصلاة صدقة. قال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: أي شرع لكم ذلك رحمةً بكم، وإزالةً للمشقّة عنكم، نظرًا إلى ضعفكم، وفقركم. وهذا المعنى يقتضي أن ما ذُكر فيه من القيد، فهو اتفاقيّ ذكرُهُ على مقتضى ذلك الوقت، وإلا فالحكم عامّ، والقيد لا مفهوم له، ولا يخفى ما في الحديث من الدلالة على اعتبار المفهوم في الأدلة الشرعية، وأنهم كانوا يفهمون ذلك، ويرون أنه الأصل، وأن النبي - ﷺ - قرّرهم على ذلك، ولكن بَيَّنَ أنه قد لا يكون معتبرًا أيضًا بسبب من الأسباب. فإن قلت: يمكن التعجّب مع عدم اعتبار المفهوم أيضا، بناء على أن الأصل هو الإتمام، والقصر رخصة، جاءت مقيدةً لضرورة، فعنوإنتفاء القيد مُقتَضَى الأدلّة هو الأخذ بالأصل. قلت: هذا الأصل إنما يُعمل به عند انتفاء الأدلّة، وأما مع وجود فعل النبي - ﷺ - بخلاف، فلا عبرة به، ولا يُتعجّب من خلافه، فليُتأمّل انتهى كلام السندي -رحمه اللَّه تعالى- . وقال الإِمام ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-: قد أشكلت الآية على عمر وغيره، فسأل عنها رسول اللَّه - ﷺ -، فأجابه بالشفاء، وأن هذا صدقة من اللَّه، وشَرْعٌ شرعه للأمة، وكان هذا بيانَ أن حكم المفهوم غير مراد، وأن الْجُنَاح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف، وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له انتهى. (تَصَدَّقَ اللَّهُ) أي تفضل اللَّه تعالى (بَها عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) أي سواء حصل الخوف أم لا، وإنما قال في الآية: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، لأنه قد خرج مخرج الأغلب، لكون أغلب أسفار النبي - ﷺ - وأصحابه لم تخل من خوف، لكثرة أهل الحرب إذ ذاك، فحينئذ لا تدلّ الآية على عدم القصر إن لم يكن خوف، لأنه بيان للواقع إذ ذاك، فلا مفهوم له. قال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: الأمر يقتضي وجوب القبول، وأيضا العبد فقير، فإعراضه عن صدقة ربه يكون منه قبيحًا، ويكون من قبيل ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧]، وفي ردّ صدق أحد عليه من التأذي عادةً ما لا يخفى، فهذه من أمارات الوجوب، فتأمل. واللَّه تعالى أعلم انتهى. وسيأتي اختلاف أهل العلم في حكم القصر في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى في درجته: حديث عمر بن الخطاب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١/ ١٤٣٣ - وفي «الكبرى» -١/ ١٨٩١ عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد اللَّه بن إدريس، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار، عن عبد اللَّه بن بابيه، عن يعلي بن أمية، عنه. وفي «الكبرى» في «التفسير» -١١١٢٠ - عن شعيب بن يوسف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج به. وأخرجه (م) ٢/ ١٤٣ (د) ١١٩٩ - و١٢٠٠ (ت) ٣٠٣٤ (ق) ١٠٦٥ (أحمد) ١/ ٢٥ و١/ ٣٦ (الدارمي) ١٥١٣ (ابن خزيمة) ٩٤٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعية تقصير الصلاة في السفر. ومنها: بيان رحمة اللَّه تعالى، وكمال فضله على عباده حيث شرع لهم قصر الصلاة في حال السفر للمشقة اللاحقة بهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٨٧]. ومنها: جواز القصر في السفر من غير الخوف. ومنها: جواز قول: «تصدق اللَّه علينا»، و«اللهم تصدق علينا»، وقد كرهه بعض السلف، قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: وهو غلط ظاهر. ومنها: أن المفضول إذا رأى الفاضل يعمل شيئًا يشكل عليه يسأله عنه. ومنها: أن المفاهيم معتبرة في الشرع، حيث إن عمر - ﵁ - فهم من قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ أن مفهومه عدم جواز القصر عند عدم الخوف، وقرره النبي - ﷺ - على ذلك، ولكن ذكر له مانعًا من اعتباره، وهو كونه صدقة من اللَّه تعالى مطلقة غير مقيدة بالخوف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء في حكم القصر في السفر: قال الإِمام أبو بكر ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: واختلفوا في إتمام الصلاة في السفر، فروينا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: صلاة المسافر ركعتان، وروينا عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ - أنه قال: الركعتان في السفر ليستا بقصر، وقال ابن عمر - ﵄ -: إنها ليست بقصر، ولكنها تمام سنة الركعتين في السفر، وسئل ابن عمر عن صلاة المسافر؟ فقال: ركعتين، من خالف الحسنة، فقد كفر . وروينا عن ابن عباس - ﵄ -، قال: من صلى بالسفر أربعًا كان كمن صلى في الحضر ركعتين . وقالت عائشة - ﵄ -: إن الصلاة أول ما فُرضت ركعتين، ثم أتمّ اللَّه الصلاة في الحضر، وأُقرّت الركعتان على هيئتها في السفر. وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتمان، لا يصلح غيرهما. وكان حماد بن أبي سليمان يرى أن يُعيد من صلى في السفر أربعًا. وقال قتادة: يصلي المسافر ركعتين حتى يرجع، إلا أن يدخل مصرًا من الأمصار، فيتمّ. وقال الحسن: لا أبا لك أتُرى أصحاب رسول اللَّه - ﷺ - تركوها لأنها ثقلت عليهم؟. وسئل مالك عن مسافر أم مقيمًا، فأتمّ لهم الصلاة جاهلًا، ويتم المسافر والمقيم؟ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعًا، رواه ابن وهب عنه، وحكى ابن القاسم عنه أنه قال: يعيد ما كان في الوقت، فأما ما مضى وقته، فلا إعادة عليه. واختلف فيها عن أحمد، فقال مرّةً في المسافر يصلي أربعًا: لا يُعجبني، السنة ركعتان، وقال مرة: أنا أحبّ العافية من هذه المسألة، وقال مرة: إذا أتمّ المسافر فلا شيء عليه. وقال أصحاب الرأي في مسافر صلى في السفر أربعًا أربعًا حتى يرجع، فقالوا: إن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته تامّة، وإن كان لم يقعد في الركعتين الأولبين قدر التشهد، فصلاته فاسدة، وعليه أن يعيد، لأن صلاة المسافر ركعتان، فما زاد عليهما فهو تطوع، فإذا خلط المكتوبة بالتطوع فسدت صلاته، إلا أن يقعد في الركعتين قدر التشهد، فيكون التشهد فصلًا لما بينهما. وقالت طائفة: المسافر بالخيار إن شاء أتمّ، وإن شاء قصر، هذا قول الشافعي، وأبي ثور، ورويناه عن أبي قلابة أنه قال: إن صليت في السفر أربعًا، فقد صلى من لا بأس به، وإن صليت ركعتين، فقد صلى من لا بأس به. وقد روينا عن عائشة أنها كانت تتم في السفر انتهى كلام ابن المنذر باختصار . وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر الاختلاف: واحتجّ القائلون بوجوب القصر بحجج: الأولى: ملازمة النبي - ﷺ - للقصر في جميع أسفاره، كما في حديث ابن عمر - ﵁ - الآتي ٥/ ١٤٥٨ - ولم يثبت عنه - ﷺ - أنه أتمّ الرباعية في السفر البتة، كما قال ابن القيم. وأما حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -: «كان يقصر في السفر، ويُتمّ»، فلم يصح. ويُجاب عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدلّ على الوجوب، كما ذهب إلى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم. والحجة الثانية: حديث عائشة - ﵂ - المتفق عليه بألفاظ: منها: «فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر»، وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها، كما أنه لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر. وقد أجيب عن هذه الحجة بأجوبة: منها: أن الحديث من قول عائشة غير مرفوع، وأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، وأنه لو كان ثابتًا لنُقل تواترًا. وقد تقدم عن هذه الأجوبة في أوائل كتاب الصلاة ٣/ ٤٥٥. ومنها: أن المراد بقولها: «فرضت» أي قدّرت، وهو خلاف الظاهر. ومنها: ما قاله النووي: إن المراد بـ«فرضت» أي لمن أراد الاقتصار عليهما، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتيم، وأقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار عليهما، وهو تأويل متعسّف لا يُعوّل على مثله. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل ما قاله النووي -رحمه اللَّه تعالى- تأويل صحيح، لا تعسف فيه، كما يأتي بيانه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: المعارضة لحديث عائشة بأدلتهم التي تمسكوا بها في عدم وجوب القصر، وستأتي، ويأتي الجواب عنها. والحجة الثالثة: ما في «صحيح مسلم» عن ابن عباس - ﵄ -، أنه قال: «إن اللَّه - ﷿- فرض الصلاة على لسان نبيكم - ﷺ - على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعًا، والخوف ركعة»، فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن اللَّه -﷿- أنه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للَّه، وأخشى من أن يحكي أن اللَّه فرض ذلك بلا برهان. والحجة الرابعة: حديث عمر - ﵁ - عند النسائي-٣٧/ ١٤٢٠ - وغيره: «صلاة الجمعة ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة السفر ركعتان،، تمام غير قصر على لسان محمد - ﷺ -». وهو يدلّ على أن صلاة السفر مفروضة كذلك من أول الأمر، وأنها لم تكن أربعًا، ثم قُصرت، وقوله: «على لسان محمد ص» تصريح بثبوت ذلك من قوله - ﷺ -. والحجة الخامسة: حديث ابن عمر - ﵄ - المتقدم للمصنف -٣/ ٤٥٧ -: «إن رسول اللَّه - ﷺ - أتانا، ونحن ضُلّال، فعلمنا، فكان فيما علمنا أن اللَّه -﷿- أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر». واحتجّ القائلون بأن القصر رخصة، والتمام أفضل بحجج: الأولى: منها قول اللَّه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية، ونفي الجناح لا يدل على العزيمة، بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه. وأجيب: بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، لا في قصر العدد، لما عُلم من تقدّم لقرعية قصر العدد. قال في «الهدي» -وما أحسن ما قال-: وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف، وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وُجد الأمران أبيح القصران، فيصلّون صلاة خوف مقصورًا عددها، وأركانها، وإن انتفى الأمران، وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران، فيصلون صلاة كاملة، وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده، فإن وُجد الخوف، والإقامة، قصرت الأركان، واستوفي العدد، وهذا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق في الآية، وإن وُجد السفر، والأمن قُصر العدد، واستوفيت الأركان، وصليت صلاة أمن، وهذا أيضًا نوع قصر، وليس بالقصر المطلق، وقد تُسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامّةً باعتبار تمام أركانها، وإنها لم تدخل في قصر الآية انتهى . الحجة الثانية: قوله - ﷺ -: في حديث الباب: «صدقة تصدق اللَّه بها عليكم»، فإن الظاهر من قوله: «صدقة» أن القصر رخصة فقط. وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا مَحيص عنها، وهو المطلوب. الحجة الثالثة: ما في «صحيح مسلم» وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللَّه - ﷺ -، فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يحيب بعضهم على بعض، كذا قال النووي في «شرح مسلم»، ولم نجد في «صحيح مسلم» قوله: «فمنهم القاصر، ومنهم المتمّ»، وليس فيه إلا أحاديث الصوم والإفطار، وإذا ثبت ذلك، فليس فيه أن النبي - ﷺ - اطلع على ذلك، وقرّرهم عليه، وقد نادت أقواله، وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرّر أن إجماع الصحابة في عصره - ﷺ - ليس بحجة، والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته، وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لمّا أتمّ بمنى، وتأولوا له تأويلات. قال ابن القيّم -رحمه اللَّه تعالى-: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع، وتزوج فيه، أو كان له به زوجة أتمّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت منى تأهلت بها، وإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «إذا تأهل رجل ببلد، فليصلّ به صلاة مقيم»، ورواه أيضًا عبد اللَّه بن الزبير الحميديّ في «مسنده»، وقد أعله البيهقي بانقطاعه، وتضعيفه عكرمة بن إبراهيم، وسيأتي الكلام عليه. الحجة الرابعة: حديث عائشة - ﵂ -: «كان يقصر في السفر، ويتمّ»، وقد تقدم أنه لا يصحّ . وهذا النزاع في وجوب القصر وعدمه، وقد لاح من مجموع ما ذكرنا رجحان القول بالوجوب. وأما دعوى أن الإتمام أفضل، فمدفوعة بملازمته - ﷺ - للقصر في جميع أسفاره، وعدم صدور الإتمام عنه، كما تقدم، ويبعد أن يلازم - ﷺ - طول عمره المفضول، ويدع الفاضل انتهى كلام الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن الأرجح قول من قال بجواز الإتمام مع أفضلية القصر، لأن الأدلة التي ذكرها القائلون بعدم جواز الإتمام ليست صريحة قطعية في الدلالة عليه، حيث إنها تقبل التأويل، كما تقدم في كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى-، وإنما حملني على ترجيح هذا القول بعد طول التوقف فيه اتفاق الصحابة الذين حجوا مع عثمان - رضي اللَّه تعالى عنهم - على صحة صلاة عثمان، ومن صلى معه، حتى إن الذين أنكروا عليه الإتمام لمخالفته السنة صلوا معه، واعتدوا بتلك الصلاة، كابن مسعود، وابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهم -، فلو كانت صلاة عثمان ومن معه باطلة لم يصلوا معه، وأما إنكارهم فلمخالفته ما كان عليه النبي - ﷺ - من ملازمة القصر، لا لعدم جواز الإتمام. وأما القول بأفضلية الإتمام فلا وجه له؛ لمخالفته لما لازمه رسول اللَّه - ﷺ - مدة حياته، فالأفضل هو الذي داوم عليه، وإنما الكلام في الجواز فقط. هذا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في السفر الذي يبيح القصر: قال الإِمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم على أن لمن سافر سفرا يُقصَر في مثله الصلاة، وكان سفره في حج، أو عمرة، أو غزو أن له أن يقصر الصلاة ما دام مسافرًا. واختلفوا فيمن خرج لمباح التجارة، أو مطالعة مال له، أو أبيح له الخروج إليه، فقال أكثر من نحفظ عنه من علماء الأمصار: له إذا خرج إلى ما أبيح له أنا يقصر الصلاة، هذا قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وهو مذهب أهل المدينة، وأهل الكوفة، وعوامّ أهل العلم من علماء الأمصار. وفيه قول ثان: قال عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ -: لا يقصر إلا في حج، أو جهاد، وروينا عن عمران بن حصين - ﵄ - قال: إنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا ، أو يحضره العدو. ثم أخرج ابن المنذر بسنده عن أبي المهلب، أن عثمان بن عفان - ﵁ -، كتب أنه بلغني أن رجالًا يخرجون إما لجباية، وإما لتجارة، وإما لحشر ، ثم لا يُتمون الصلاة، فلا تفعلوا ذلك، فإنما يقصر الصلاة من كان شاخصًا، أو يحضره عدوّ. وقال عطاء: أرى أن لا تقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، من أجل أن إمام المتقين لم يقصر الصلاة إلا في سبيل من سُبُل الخير، حج، أو عمرة، أو غزو، والأئمة بعده أيهم كان يضرب في الأرض يبتغي الدنيا؟ وقد كان قبلُ لا يقول بهذا القول، يقول: يقصر في كل ذلك. واختلفوا فيمن سافر في معصية اللَّه، ففي قول للشافعي، وأحمد عليه أن يُتمّ، وليس له أن يقصر ما دام في سفره، قال الشافعي: وذلك في مثل أن يخرج باغيًا على مسلم، أو معاهد، أو يقطع طريقًا، أو بما في هذا المعنى، قال: ولا يمسح على الخفين، ولا يجمع الصلاة، ولا يصلي نافلة إلى غير القبلة، مسافرًا في معصية. وكان الأوزاعي يقول في الرجل يخرج في بعثة إلى بعض المسلمين: يقصر الصلاة، ويفطر في شهر رمضان في مسيره، وافق ذلك طاعة، أو معصية. وحكي عن النعمان أنه قال: المسافر يقصر في حلال خرج، أو في حرام انتهى كلام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى- . وقال العلامة صديق حسن القنّوجي -رحمه اللَّه تعالى-: والظاهر من الأدلة في القصر والإفطار عدم الفرق بين من سفره في طاعة، ومن سفره في معصية، لا سيما القصر، لأن صلاة المسافر شرعها اللَّه كذلك، فكما شرع للمقيم صلاة التمام من غير فرق بين من كان مطيعًا، ومن كان عاصيًا بلا خلاف، كذلك شرع للمسافر ركعتين من غير فرق، وأدلة القصر متناولة للعاصي تناولًا زائدا على تناول أدلة الإفطار له، لأن القصر عزيمة، وهي لم تشرع للمطيع دون العاصي، بل مشروعة لهما جميعًا بخلاف الإفطار، فإنه رخصة للمسافر، والرخصة تكون لهذا دون هذا في الأصل، وإن كانت هنا عامة، وإنما المراد بطلان القياس انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول من قال بمشروعية القصر لكل مسافر، مطيعًا كان، أو عاصيًا؛ لعموم الأدلة، كما استظهره القنوجي -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إِنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: يَا ابْنَ أَخِى إِنَّ اللَّهَ -﷿- بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا - ﷺ -، وَلَا نَعْلَمُ شَيْئًا وَإِنَّمَا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَا مُحَمَّدًا - ﷺ - يَفْعَلُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد تقدم قريبًا. ٢ - (الليث) بن سعد المصريّ الإمام الحجة [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (ابن شهاب) تقدم قريبًا. ٤ - (عبد اللَّه بن أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، صدوق [٦] تقدم ٣/ ٤٥٧. ٥ - (أمية بن عبد اللَّه بن خالد) الأموي المكي، ثقة [٣] تقدم ٣/ ٤٥٧. ٦ - (عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب - ﵄ - تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، تقدم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- برقم -٣/ ٤٥٧ - رواه هناك عن يوسف بن سعيد، عن حجاج ابن محمد، عن محمد بن عبد اللَّه الشُّعَيثيّ، عن عبد اللَّه بن أبي بكر به، بلفظ: «قال لابن عمر: كيف تقصر الصلاة، وإنما قال اللَّه -﷿-: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: يا ابن أخي إن رسول اللَّه - ﷺ - أتانا، ونحن ضُلّال، فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أن اللَّه -﷿- أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر». وتقدم شرحه، والكلام على مسائله هناك. ودلالته على ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية تقصير الصلاة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَا يَخَافُ إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) المذكور قبله. ٢ - (هُشيم) بن بَشير الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس، والإرسال الخفي [٧] تقدم ٨٨/ ١٠٩. ٣ - (منصور بن زاذان) الثقفي، أبو المغيرة الواسطي، ثقة ثبت عابد [٦] تقدم ٥/ ٤٧٥. ٤ - (ابن سيرين) تقدم قريبًا. ٥ - (ابن عباس) عبد اللَّه الحبر البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنٍ ابْن عَبَاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَن رَسُول اللهِ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ مَكَةَ إِلَى الْمَدينَةِ) أي بعد فتح مكة، والظاهر أنه أراد خروجه بعد فراغه من حجة الوداع، واللَّه تعالى أعلم (لَا يَخَافُ إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي لدخول الناس في دين اللَّه تعالى، فليس هناك عدوّ يُخاف مهاجمته للمسلمين، وهم في الصلاة (يُصَلِّي رَكعَتَيْنِ) أراد ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنه - بهذا الردّ على من كان يرى أن مشروعية القصر في السفر مشروطة بالخوف، متمسكًا يقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الآية، فبين أن النبي - ﷺ - قصر مع زوال السبب الذي ذُكر في الآية. ودلالة الحديث على الترجمة واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه-١/ ١٤٣٥ - وفي «الكبرى» -١/ ١٨٩٣ - عن قتيبة، عن هُشيم، عن منصور بن زاذان، عن ابن سيرين عنه. وفي -١/ ١٤٣٦ - و«الكبرى» عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن ابن عون، عن ابن سيرين، به. وأخرجه (ت) ٥٤٧ (أحمد) ١/ ٢١٥ و٢٢٦ و٣٥٤ و٣٥٥ و٣٦٢ و٣٦٩ (عبد بن حميد) ٦٦٢ و٦٦٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنَّا نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَا نَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ -﷿- نُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (خالد) بن الحارث الْهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٣ - (ابن عون) عبد اللَّه بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقة ثبت [٥ ] تقدم ٢٥/ ٣٣ والباقيان تقدما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، وبيان مسائله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَبِيبَ بْنَ عُبَيْدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ ابْنِ السِّمْطِ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يُصَلِّي بِذِى الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟، فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَفْعَلُ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) تقدم أول الباب. ٢ - (النضر بن شُميل) النحويّ، أبو الحسن البصري نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار [٩] تقدم ٤١/ ٤٥. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. ٤ - (يزيد بن خُمير) -مصغّرا- الرَّحْبيّ -بمهملة ساكنة- الهمداني، أبو عمرو الحمصي الزياديْ، صدوق [٥]. روى عن عبد اللَّه بن بُسر، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن جُبير، وحبيب بن عبيد، وغيرهم. وعنه صفوان بن عمرو، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. وثقه شعبة، وابن معين، والنسائي، وقال مرة: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق، وقال حرب عن أحمد: كان كيّسًا، وحديثه حسنٌ، وقال الخضر بن داود عن أحمد: ما أحسن حديثه، وأصحّه، ورفع أمره. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال العُقيلي: قال الفلاّس: سمعت يحيى بن سعيد يقول: هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي بكر مرسلًا أحب إليّ من يزيد بن خُمير، عن سُليم بن عامر، عن أوسط ، عن أبي بكر. يعني أن ذاك المنقطع أحب إليه من هذا المتصل، قال: وسئل وكيع عن أحاديث أبى بكر، فجعل لا يُصحح منها شيئًا، فذكر له حديث يزيد بن خُمير؟، فقال: ذاك شامي. وقال أبو رزعة الدمشقي: رَوَى عنه حَريز بن عثمان، فقلب اسمه. وقال الهيثم بن عديّ: قلت لشعبة: رويتَ عن يزيد بن خُمير، وكان شُرْطيّا لهشام؟ قال: ويحك كان صدوقًا. روى له البخاري في «الأدب المفرد»، والباقون، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (حَبيب بن عُبيد) الرَّحَبي، أبو حفص الحمصي، ثقة [٣]. تقدم ٥٠/ ٦٢. ٦ - (جُبَير بن نُفير) الحضرمي الحمصيّ، ثقة مخضرم جليل [٢] تقدم ٥٠/ ٢٥٠. ٧ - (ابن السِّمْط) هو شُرَحبيل بن السِّمْط -بكسر السين المهملة، وسكون الميم- ابن الأسود بن جَبَلَة بن عديّ بن رَبيعة بن مُعاوية، الكنديّ، أبو معاوية، ويقال: أبو السمط الشاميّ، مختلف في صحبته. روى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر، وسلمان، وعمرو بن عَبَسَة، وغيرهم. وعنه جُبير ابن نُفير، وسالم بن أبي الجعد، وخالد بن زيد، وغيرهم. قال ابن سعد: جاهلي إسلامي، وفد على النبي - ﷺ -، وشهد القادسية، وافتتح حمص. وقال النسائي: ثقة. وجزم البخاري في «تاريخه» بأن له صحبة. وذكره ابن حبّان في الصحابة، فقال: كان عاملا على حمص، ومات بها، ثم أعاده في ثقات التابعين. وقال الحاكم أبو أحمد: له صحبة. وذكر خليفة أنه كان عاملًا لمعاوية على حمص نحوًا من عشرين سنة. وقال ابن عبد البرّ: شهد صفّين مع معاوية. وقال أبو عامر الْهَوْزَني: حضرت مع حبيب بن مسلمة جنازة شُرَحبيل. وقال صاحب «تاريخ حيص»: توفي بسَلَميّةَ سنة (٣٦) بلغني أنه هاجر إلى المدينة زمن عمر. وقال أبو داود: مات شُرحبيلُ بصفّين. وقال يزيد بن عبد ربه: مات سنة (٤٠). روى له الجماعة سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث. ٨ - (عمر بن الخطاب) - ﵁ - المذكور في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رواته كلهم رواة الصحيح. ومنها: أن فيه أربعة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، فيزيد بن خُمير، فمن فوقه تابعيون، وكلهم شاميون، وهذا إن قلنا: إن شُرحبيل تابعي، وإلا فقد تقدم القول بصحبته، فيكون من رواية صحابي، عن صحابي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ السِّمْطِ) هو شُرحبيل (قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يُصَلِّي بِذِي الْحُلَيْفَةِ) اسم ماء من مياه بني جُشَم، ثم سمي الَموضع به، وهو ميقات أهل المدَينة، نحو مرحلة عنها، ويقال: ستة أميال. قاله الفيّومي (رَكْعَتَينِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذلِكَ؟) أي عن كونه قصر في هذه المسافة، وفي رواية مسلم: «عن جُبير بن نفير، قال: خرجت مع شُرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلًا، - وفي رواية: إنه أتى أرضا يقال لها دُومِين من حمص على رأس ثمانية عشر ميلا- فصلى ركعتين، فقلت له؟، فقال: رأيت عمر صلى بذي الحُليفة ركعتين، فقلت له؟ …» (فَقَالَ: إِنَّمَا أَفْعَلُ) وفي نسخة: «أنا أفعل» (كَمَا رَأَيْتُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ) أي فإنه كان يقصر في مثل ذلك، أو أراد فعله - ﷺ - في حجة الوداع حيث صلى هناك العصر ركعتين، واللَّه أعلم. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا الحديث مما قد يتوهم أنه دليل لأهل الظاهر، ولا دلالة فيه بحال، لأن الذي فيه عن النبي - ﷺ -، وعمر - ﵁ - إنما هو القصر بذي الحليفة، وليس فيه أنها غاية السفر، وأما قصر شُرحبيل على رأس سبعة عشر، أو ثمانية عشر ميلًا، فلا حجة فيه، لأنه تابعي، فعل شيئًا يخالف الجمهور، أو يُتأول على أنها كانت في أثناء سفره، لا أنها غايته، وهذا التأويل ظاهر، وبه يصح احتجاجه بفعل عمر، ونقله ذلك عن النبي - ﷺ -، واللَّه أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: أو يتأول على أنها الخ» فيه نظر، إذ يُبعد هذا التأويل قوله: أتى أرضا يقال لها دُومين، فإنه ظاهر في أن تلك الأرض كانت غاية سفره، فليُتأمل. وسيأتي تحقيق الخلاف في تحديد مسافة القصر في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ١٤٣٧ - وفي «الكبرى»- ١/ ١٨٩٥ - بالسند المذكور. وأخرجه (م) ٢/ ١٤٥ (أحمد) ١/ ٢٩ و١/ ٣٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء في المسافة التي تُقصر فيها الصلاة: قال الإِمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفرًا تكون مسافته مثل ما بين المدينة إلى مكة أن يقصر الصلاة. واختلفوا فيمن سافر أقلّ من هذه المسافة، فقالت طائفة: من سافر أربعة بُرُد، فله أن يقصر الصلاة، كذلك قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، واحتجوا بالأخبار التي رويت عن ابن عمر، وأبي عباس. من ذلك أن ابن عمر ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك، قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد، وأن ابن عباس - ﵄ - سئل أيقصر إلى عرفة؟ قال: لا، ولكن إلى عُسفان، وإلى جُدّة، وإلى الطائف، وروي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما كانا يصليان ركعتين، ويُفطران في أربع برد، فما فوق ذلك. وهذا مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وحكى أبو ثور ذلك عن مالك، والشافعي، وبه قال الليث بن سعد في بعض الصلاة، وكذا قال عبد الملك الماجشون. وقالت طائفة: يقصر الصلاة في مسير يومين، ولم يذكر مقدار ذلك بالبرد والأميال، هذا قول الحسن البصريّ، والزهريّ، وقد كان الشافعي يقول إذ هو بالعراق: يقصر في مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك إذا جاوز السير أربعين ميلًا بالهاشميّ، ثم قال بمصر: للمرىء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين، وذلك ستة وأربعون ميلًا بالهاشمي، ولا يقصر فيما دونهما، وأُحِبّ أنا أن لا أقصر في أقل من ثلاث، احتياطًا على نفسي، وإن ترك القصر مباح لي. وقالت طائفة: يقصر في مسيرة اليوم التامّ، ثبت أن ابن عمر كان يقصر في اليوم التامّ، وخرج إلى أرض اشتراها من ابن بجينة، فقصر الصلاة إليها، وهي ثلاثون ميلًا، وقال الزهريّ: يقصر في مسيرة يوم تام، ثلاثون ميلًا، وثابت عن ابن عباس أنه قال: يقصر في اليوم، ولا يقصر فيما دون اليوم. وقالت طائفة: من سافر ثلاثًا قصر، روينا هذا القول عن ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والنخعي، وسُويد بن غَفَلَة، وبه قال الثوريّ، والنعمان، ومحمد بن الحسن، قال النعمان: ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل، ومشي الأقدام. وفيه قوله خامس: روينا عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه خرج إلى النُّمَيلة ، فصلى بهم الظهر ركعتين، ثم رجع من يومه، فقال: أردت أن أعلمكم سنة نبيكم - ﷺ -. وروينا عن ابن عمر - ﵄ -، أنه قال: إني لأسافر الساعة من النهار، فأقصر، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصر بعرفة. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: أما قول جابر هذا، فأحسبه مثل قول من قال لأهل مكة: اقصروا الصلاة بمنى وعرفة. وعن الأوزاعي، قال: كان أنس بن مالك يقصر الصلاة فيما بينه وبين خمسة فراسخ، وذلك خمسة عشر ميلًا. قال الأوزاعي: وعامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تامّ، وبهذا نأخذ. انتهى كلام ابن المنذر باختصار . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لما لم يوجد نص قاطع في تحديد مسافة القصر، حتى يُرجَع إليها، وكانت أقوال الصحابة - ﵁ -، فمن بعدهم مضطربة في هذا الباب، حتى تكون المسألة إجماعية، لزم الرجوع إلى مَعْنَى السفر شرعًا، فوجدنا النبي - ﷺ - سمى ثلاثة أيام سفرًا، وسمى اليومين سفرًا، وسمى إليوم سفرًا، وسمى البريد أيضًا سفرًا، فأقلّ ما ثبت عنه من تسمية بعض المسافات سفرًا هو البريد، فثبت كون البريد سفرًا بالنصّ، لكن لما صح حديث أنس - ﵁ - في «صحيح مسلم» وغيره، من طريق شعبة، عن يحيى بن يزيد الْهُنّائي، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللَّه - ﷺ - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين -شعبة الشاك- ورواه أيضًا أحمد، وأبو داود. علمنا من هذا النص أن ثلاثة فراسخ في أقلّ ما صحّ من تحديد المسافة مرفوعًا، وإنما لم نعتبر الثلاثة أميال، مع كونها أقل منها، لوقوع الشك فيها، فاعتبرنا الفراسخ احتياطًا، فتببن من هذا أن أقل المسافات التي صحّ التحديد به هي ثلاثة فراسخ . قال في «الفتح»: وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك، وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد به المسافة التي يُبتدأ منها القصر، لا غاية السفر، ولا يخفى بُعد هذا الحمل، مع أن البيهقي ذكر في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس، قال: سألت أنسًا عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة -يعني من البصرة- فأصلي ركعتين حتى أرجع؟ فقال أنس … فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر، لا عن الموضع الذي يُبتدأ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة، بل بمجاوزة البلد الذي يخرج منه انتهى . فتبين بما قاله في «الفتح» أن هذا الحديث ذكره أنس - رضي اللَّه تعالى - تحديدا للمسافة التي كان النبي - ﷺ - إذا خرج إليها قصر الصلاة. والحاصل أن الفراسخ الثلاثة هي أقل المسافة التي يثبت بها حكم السفر من القصر وغيره، هذا ما عندي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدة]: ذكر الفرّاء أن الفرسخ فارسي معرّب ، وهو ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مَدّ البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهريّ، وقيل: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مسطحة، فلا يدري أهو رجل، أو امرأة، أو ذاهب، أو آت. وقال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعًا معترضة معتدلة، والإصبع ست شَعيرات معترضة معتدلة انتهى. وهذا الذي قاله: هو الأشهر، ومنهم من عبّر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، نقله صاحب «البيان»، وقيل: خمسمائة، صححه ابن عبد البرّ، وقيل: ألفا ذراع، ومنهم من عبّر عن ذلك بألف خطوة للجمل. قال الحافظ: ثم إن الذراع الذي ذكر النووي تحديده قد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن في مصر والحجاز في هذه الأعصار، فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن، فعلى هذا فالميل بذراع الحديد على القول المشهور خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعًا. وهذه فائدة نفيسة قلّ من نبّه عليها انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ، فَأَقَامَ بِهَا عَشْرًا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل حديث. ٢ - (أبو عوانة) وَضّاح بن عبد اللَّه اليشكري الواسطي، ثقة ثبت [٧] تقدم ٤١/ ٤٦. ٣ - (يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم البصري النحوي، صدوق ربما أخطأ [٥]. روى عن أنس،، وسالم بن عبد اللَّه، وسلمان الأغرّ، وغيرهم. وعنه محمد بن سيرين أكبر منه، وشعبة، وأبو عوانة، وغيرهم. قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت ابن معين عن عبد العزيز بن صُهيب، ويحيى بن أبي إسحاق، أيهما أوثق؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث، وكان صاحب قرآن، وعلم بالعربية والنحو. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به. وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال العقيلي: قال أحمد ابن حنبل: في حديثه نكارة. وقال يحيى بن معين: في حديثه بعض الضعف. قال عمرو بن علي: مات سنة (١٣٦)، وهو مولى الحضارمة. وقال ابن حبان: مات سنة ست، ويقال: سنة اثنتين. روى له الجماعة، وروى له المصنف في هذا الكتاب (١٢) حديثًا. ٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (٨٦) من رعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. ومنها: أن صحابيه أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - رضي اللَّه تعالى - بالبصرة، مات سنة (٢) أو (٩٢)، وقد جاوز مائة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) ولفظ البخاري من طريق عبد الوارث، عن يحيى بن أبي إسحاق: «خرجنا مع النبي - ﷺ -»، وذلك في حجة الوداع (مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكةَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ) ولفظ البخاري: «فكان يصلي ركعتين ركعتين»، وفي رواية البيهقي من طريق علي بن عاصم، عن يحيى بن أبي إسحاق، عن أنس: «إلا المغرب» (حَتَّى رَجَعَ) وللبخاري: «حتى رجعنا إلى المدينة» (فَأَقَامَ) وفي نسخة: «وأقام» بالواو (بِهَا) أي بمكة، والمراد إقامته بها، وبحواليها، من مني وعرفة (عَشْرًا) أي عشرة أيام بلياليها، وإنما حذفت التاء مع أن المعدود مذكر، وهو اليوم، لأن التمييز إذا لم يُذْكَر جاز الوجهان في العدد، التذكير والتأنيث. قال في «الفتح»: لا يُعارض ذلك حديث ابن عباس - ﵄ -: «أقام النبي - ﷺ - تسعة عشر يومًا يقصر»، لأن حديث ابن عباس كان في فتح مكة، وحديث أنس في حجة الوداع. وفي الحديث أن الإقامة في أثناء السفر تسمى إقامة، وفيه إطلاق اسم البلد على ما جاورها، وقرب منها، لأن منى وعرفة ليسا من مكة، أما عرفة فلأنها خارج الحرم، فليست من مكة قطعًا، وأما منى ففيها احتمال، والظاهر أنها ليست من مكة، إلا إن قلنا: إن اسم مكة يشمل الحرم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان كذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١/ ١٤٣٨ - وفي «الكبرى»-١/ ١٨٩٦ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن يحيى بن أبي إسحاق، عنه. وفي ٤/ ١٤٥٢ - و«الكبرى» ٤/ ١٩١٠ - عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن يحيى به. وفي «الكبرى» عن زياد بن أيوب، عن إسماعيل ابن عُلية، عن يحيى به. وأخرجه (خ) ٢٥/ ٥٣ و٥/ ١٩٠ (م) ٢/ ١٤٥ و(د) ١٢٣٣ (ت) ٥٤٨ (ق) ١٠٧٧ (أحمد) ٣/ ١٨٧ و٣/ ١٩٠ و٣/ ٢٨٢ (الدارمي) ١٥١٨ (ابن خزيمة) ٩٥٦ و٢٩٩٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوِكيل. ١٤٣٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: أَبِي، أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ -وَهُوَ السُّكَّرِىُّ- عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ - ﵄ -). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن علي بن الحسن بن شقيق) المروزي، ثقة صاحب حديث [١١] تقدّم ٢٢/ ٢٠٦. ٢ - (علي بن الحسن بن شقيق) أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] تقدم ٢٢/ ٢٠٦. ٣ - (أبو حمزة السكريّ) محمد بن ميمون المروزيّ، ثقة فاضل [٧] تقدم ٢٢/ ٢٠٦. ٤ - (منصور) بن المعتمر، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢/ ٢. ٥ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الفقيه المثبت الكوفي [٥] تقدم ٢٩/ ٣٣. ٦ - (علقمة) بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد [٢] تقدم ٦١/ ٧٧. ٧ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٣٥/ ٣٩. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ. ومنها: أنه مسلسل بالمراوزة إلى أبي حمزة، وبالكوفيين بعده. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، منصور ، وإبراهيم، وعلقمة، وكلهم كوفيون. واللَّه تعالى أعلم. وشرح الحديث واضح، وهو حديث صحيح، انفرد به المصنف، أخرجه هنا-١/ ١٤٣٩ - وفي «الكبرى» -١/ ١٨٩٧ - بالسند المذكور. ودلالته على ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى- واضحة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٠ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ سُفْيَانَ -وَهُوَ ابْنُ حَبِيبٍ- عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: صَلَاةُ الْجُمُعًةِ رَكْعَتَانِ، وَالْفِطْرِ رَكْعَتَانِ، وَالنَّحْرِ رَكْعَتَانِ، وَالسَّفَرِ رَكْعَتَانِ، تَمَامٌ، غَيْرُ قَصْرِ عَلَى لِسَانِ النَّبِيِّ - صلي اللَّه عليه وسلم -). قال الجامع -عفا اللَّه تعالى عنه-: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى- في ٣٧/ ١٤٢٠ - رواه عن علي بن حُجْر، عن شَريك، عن زُبَيد به. وتقدم الكلام عليه سندا ومتنا، وبيان المسائل المتعلقة به هناك، فلا حاجة إلى تطويل الكتاب بإعادته هنا. وممن لم يُذكر هناك من رجال إسناده: ١ - (حُميد بن مَسعدة) الباهلي البصري، صدوق [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (سُفيان بن حُبيب) البصري البزاز، ثقة [٩] تقدم ٦٧/ ٨٢. ٣ - (شعبة) بن الحجاج الإمام الحجة المشهور [٧] تقدم ٢٤/ ٢٦. و«زبيد» هو ابن الحارث اليامي. وبقية الكلام تُراجع هناك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤١ - أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ، عَنْ أَيُّوبَ -وَهُوَ ابْنُ عَائِذٍ- عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فُرِضَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - أَرْبَعًا، وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المُعافَى الحَرّاني، صدوق [١٠] تقدم ١٩١/ ٣٠٦. ٢ - (محمد بن سَلَمة) بن عبد اللَّه الباهلي مولاهم الحرّابي، ثقة [٩]، تقدم ١٩١/ ٣٠٦. ٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد الأموي مولاهم الحرّاني، ثقة [٦]، تقدم ١٩١/ ٣٠٦. ٤ - (زْيد) بن أبي أُنيسة الجزري، الكوفي الأصل، ثم الرُّهَاوي، ثقة له أفراد [٦] تقدم ١٩١/ ٣٠٦. ٥ - (أيوب بن عائذ) بن مُدلج الطائي البُحتُريّ -بضم الموحّدة، وسكون المهملة، وضم المثناة- الكوفي، ثقة رُمي بالإرجاء (٦). روى عن قيس بن مسلم، وبكير بن الأخنس، والشعبي. وعنه زيد بن أبي أنيسة، والسفيانان، وغيرهم. قال البخاري، عن علي: له نحو عشرة أحاديث. وقال الدُّوريّ: عن يحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث، صدوق. وقال البخاري: كان يرى الإرجاء، وهو صدوق، وليس له عنده سوى حديث واحد. وقال ابن المبارك: كان صاحب عبادة، ولكنه كان مرجئًا. وقال إين حبان في «الثقات»: كان مرجئًا يخطئ. وقال أبو داود: لا بأس به، وفي رواية: ثقة. إلا أنه مرجىء. وقال ابن المديني: حدثنا سفيان، حدثنا أيوب بن عائذ -وكان ثقة-. وقال النسائي: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة. روى له الجماعة، سوى أبي داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بعده. ٦ - (بُكير بن الأخنس) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثي، كوفي ثقة [٤] تقدم ٣/ ٤٥٦. ٧ - (مجاهد أبو الحجّاج) ابن جبر المخزومي المكيّ الإمام الحجة الثبت [٣] تقدم ٢٧/ ٣١. ٨ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من ثمانيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. ومنها أنه مسلسل بالحرانيين إلى زيد، وبكير كوفيّ، والباقيان مكيان. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: فُرِضَتِ صَلَاةُ الْحَضَرِ) أي الرباعية (عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - ﷺ -) أي بوحي من اللَّه تعالى، لقوله - ﷿-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] (أَرْبَعًا) منصوب على الحال، أي حال كونها أربع ركعات بعد أن كانت ركعتين، ثم قصرت في السفر، فكانت صلاة السفر كأنها ما زيد فيها، وهذا معنى قوله (وَصَلَاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ) فلا يعارض هذا الحديث حديث عائشة - ﵂ -: «فرض اللَّه الصلاة حين فرضها ركعتين في الحضر، والسفر …»، وقد تقدم وجه الجمع مفصلا في أوئل كتاب الصلاة -٣/ ٤٥٣ - وقوله: «صلاة السفر» بالرفع عطفًا على «صلاة الحضر»، وقوله: «ركعتين» بالنصب عطفَا على «أربعًا»، فيه عطف المعمولين علي معمولي عامل واحد، وهو جائز بلا خلاف، فـ«صلاة» مرفوع بـ «فُرضت»، و«أربعا» منصوب على الحال به، ومثله إعراب قوله (وَصَلَاةُ الْخَوْفِ رَكْعَةً) أي فرضت ركعة واحدة، وفيه أن اللازم في الخوف ركعة واحدة، وبه قال طائفة من السلف، وهو الراجح، وخالف في ذلك الجمهور، وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه من «كتاب صلاة الخوف»، إن شاء اللَّه تعالى ١٨/ ١٥٣٢. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث أخرجه مسلم، وقد تقدم للمصنف -رحمه اللَّه تعالى-٣/ ٤٥٦ - رواه عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن أبي عوانة، عن بُكير به، وتقدم الكلام على مسائله هناك، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٢ - (أَخْبَرَنَا يَعْقوبُ بْنُ مَاهَانَ، قَالَ: حَدَّثنَا الْقَاسِمُ بنُ مَالِكِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَسِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ - ﷿- فَرَضَ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ - ﷺ - فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الخَوْفِ رَكْعَةَ»). قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله، وممن لم يتقدم من رجاله هناك: ١ - (يعقوب بن مَاهَان) البَنَّاء، مولى بني هاشم، أبو يوسف البغدادي، صدوق [١٠]. روى عن هُشيم، والقاسم بن مالك. وعنه النسائي، وأبو حاتم، ويعقوب بن سُفيان، وغيرهم. قال ابن أبي حاتم: كَتَبَ عنه أبي، وسألته عنه؟ فقال: صدوق، قال: وقال لي حجاج بن الشاعر: ليس ببغداد مثل يعقوب بن ماهان. وقال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: ربما أغرب، مات سنة (٢٤٤) وفيها أرّخه السرّاج. انفرد به المصنف بهذا الحديث فقط. ٢ - (القاسم بن مالك) الْمُزَني، أبو جعفر الكوفي، صدوق، فيه لين، من صغار ﴿٨﴾. روى عن المختار بن فُلفُل، وابن عون، وأيوب بن عائذ، وغيرهم. وعنه أحمد، وابن المديني، وابن معين، ويعقوب بن ماهان، وغيرهم. قال أبو داود، عن أحمد: كان صدوقًا، قال: وذُكر أنه كان يلي بعض العمل في السواد. وقال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: ما كان به بأس، صدوق. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ليس له بأس، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح، وليس بالمتين. وقال إبراهيم بن عبد اللَّه الهَرَوِيُّ، ومحمد ابن عبد اللَّه بن عَمَّار، وأبوه الحسن العجلي: ثقة. وقال الساجيّ: ضعيف، وقد روى عنه علي بن المديني، والناس. وذكره ابن حبان في «الثقات». وذكره ابن سعد في أهل الكوفة، وقال: كان ثقة، صالح الحديث، بقي إلى بعد التسعين ومائة. أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، و(٢٥١٩) حديث: «كان الصالح على عهد رسولى اللَّه - ﷺ - مدّا وثلثًا …». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢ - (بَابُ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بهذا بيان حكم المسافر بن من الْحُجّاجّ حينما ينزلون مكة لأداء المناسك، وذلك أنهم يقصرون الصلاة، ولا يتمّون؛ لأنهم لا يخرجون عن حكم السفر بسبب إقامتهم بها أيام الحج، فقد أقام النبي - ﷺ -، وأصحابه - ﵄ - بها أيام الحج، فقصروا، كيا يأتي في حديث أنس - ﵁ - واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، فِي حَدِيثِهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى -وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ- قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّى بِمَكَّةَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ؟، قَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني البصري، ثقة ﴿١٠﴾ تقدم ٥/ ٥. وقوله: «في حديثه» متعلق بـ «أخبرنا»، أو بحال محذوف، أي حال كون هذا الحديث كائنًا في جملة ما حدثنا به عن خالد بن الحارث. ٢ - (خالد بن الحارث) الْهُجَيمي البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٤٢/ ٤٧. ٣ - (شعبة) هو المذكور في الباب الماضي. ٤ - (قتادة) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصري، ثقة ثبت مدلس [٤]، تقدم ٣٠/ ٣٤. ٥ - (موسى بن سَلَمَة) بن المحبَّق -بمهملة، وموحّدة بوزن محمد- الهُذَلي البصريّ، ثقة [٤]. روى عن ابن عباس. وعنه ابنه مثنى، وقتادة، وأبو التيّاح. قال أبو زرعة: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن سعد. كان قليل الحديث. روى له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وأعاده بعده، و(٢٦٣٣) حديث: «نعم لو كان على أمها دين، فقضته …» الحديث. ٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، ذكر في الباب الماضي. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ. ومنها: أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن موسى بن سَلَمَة أنه (قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵁ - (كَيْفَ أَصَلِّى بمَكَّهَ، إِذَا لَمْ أُصَلِّ فِي جَمَاعَةٍ؟) وفي الرواية التالية: «قلت: تفوتني الصلاة في جماعة، وأنا بالبطحاء، ما ترى أن أصلي؟». والبَطحَاء: مَسيل فيه دُقاق الحصى، وقيل: بطحاء الوادي تُراب لين مما جَرّته السيول، والجمع بطحاوات، وبطاح بالكسر . (قَالَ) أي ابن عباس - ﵄ - (رَكْعَتَيْنِ) أي صل ركعتين قصرًا (سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ ص) بالنصب على الحالية، ويحتمل الرفع خبرا لمحذوف، أي هذه سنة أبي القاسم - ﷺ -. يعني أن القصر للحاج المسافر أيامَ إقامته بمكة سنةُ النبي - ﷺ -، فالأيام التي يقيمها خلال أداء النسك تُعتبر من جملة السفر. والحاصل أن الحاج أيام أداء المناسك في مكة، وفيما حولها من منى، ومزدلفة، وعرفة، ونحوها، يُعتبر مسافرًا، فيقصر صلاته، سواء صلاها جماعة، أو منفردًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٢/ ١٤٤٣ - وفي «الكبرى»-٢/ ١٩٠١ - عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن قتادة، عن موسى بن سلمة، عنه. وفي ٢/ ١٤٤٤ - و«الكبرى» ٢/ ١٩٠٢ - عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زُرَيع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به. وأخرجه (م) ٢/ ١٤٣ و٢/ ١٤٤ (أحمد) ١/ ٢١٦ و١/ ٢٩٠ و١/ ٣٣٧ (ابن خزيمة) ٩٥١. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٤ - (أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ،، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ مُوسَى بْنَ سَلَمَةَ، حَدَّثَهُمْ، أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: تَفُوتُنِي الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ، وَأَنَا بِالْبَطْحَاءِ، مَا تَرَى أَنْ أُصَلِّيَ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ - ﷺ -). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إسماعيل بن مسعود) الْجَحْدريُّ البصري، ثقة [١٠] تقدم ٤٢/، ٤٧ من أفراد المصنف. ٢ - (يزيد بن زُريع) البصري، ثقة ثبت [٧] تقدم ٥/ ٥ والباقون تقدموا في الذي قبله، وكذا الكلام على الحديث. وقوله: «قلت» فيه التفات، إذا الظاهر أن يقول: «قال». وقوله: «ما» في «ما ترى» استفهامية. وقوله: «ركعتين» مفعول لمحذوف، أي صلّ ركعتين. وتقدم إعراب «سنة أبي القاسم» في الحديث السابق. والحديث صحيح، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣ - (بَابُ الصَّلَاةِ فِي مِنَى) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «منى» بكسر الميم، وتخفيف النون، مقصورًا: اسم موضع بمكة، والغالب فيه التذكير، فيصرف. وقال ابن السرّاج: ومنى ذَكَرٌ، والشام ذكر، وهَجَرٌ ذكر، والعراق ذكر، وإذا أنّث مُنع، أي من الصرف، وأمنى الرجلُ بالألف: أتى مني، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسُمي منى لما يُمنى فيه من الدماء، أي يُراق. قاله الفيومي . قال الحريريّ في «ملحته» مبينًا بعض ما يُصرف من البقاع: وَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ … إِلاَّ بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ مِثْلُ حُنَيْنِ وَمِنًى وَبَدْرِ … وَوَاسِطٍ وَدَابِقِ وَحِجْرِ والصلاة في منى ممْا اختلف فيها أهل العلم، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٤٤٥ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنًى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قبل باب. ٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُليم الحنفي الكوفي ثقة ثبت [٧] تقدم ٧٩/ ٩٦. ٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الكوفى، ثقة عابد اختلط بآخره (٣) تقدم ٣٨/ ٤٢. ٤ - (حارثة بن وهب الْخُزَاعي) أخو عُبيد اللَّه بن عمر لأمه، واسمها أم كلثوم بنت جَرْول بن مالك الخزاعية، صحابي نزل الكوفة، - رضي اللَّه تعالى عنه -. روى عن النبي - ﷺ - وعن جندب الخير الأزديّ، قاتل الساحر، وحفصة بنت عمر. وعنه معبد بن خالد، وأبو إسحاق السبيعي، والمسيب. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث، وأعاده بعده، و(٢٥٥٥) حديث: «تصدّقوا، فإنه سيأتي عليكم زمان يمشي الرجل …» الحديث. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من رباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو (٨٧) من رباعيات الكتاب. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه، فبغلاني. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبِ الْخُزَاعِيِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِي - ﷺ - بِمِنًى آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَأَكْثَرَهُ رَكْعَتَيْنِ) قال أبو البقاء: «آمن»، و«أكثر» منصوبان نصبَ الظرف، والتقدير زمنَ آمن ما كان الناس، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، قال: وضمير «أكثره» عائد إلى جنس الناس، وهو مفرد. قال السندي: وهذا غلط، وإنما هو عائد إلى ما كان الناس، بناء على أن «ما» مصدرية، و«كان» تامّة، و«الناس» بالرفع فاعله، ألا ترى أنه كان في الأصل آمن ما كان الناس، وأكثر ما كان الناس، وحاصل المعنى في زمن كان الناس فيه أكثر أمنًا، وعددًا. واللَّه تعالى أعلم انتهى . وفي هذا الحديث ردّ على من زعم أن القصر مختصّ بالخوف، والذي قال ذلك تمسك بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولم يأخذ الجمهور بهذا المفهوم، فقيل: لأن شرط مفهوم المخالفة أن لا يكون خرج مخرج الغالب، وقيل: هو من الأشياء التي شرع الحكم فيها بسبب، ثم زال السبب، وبقي الحكم، كالرمل، وقيل: المراد بالقصر في الآية قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظر، لحديث يعلى بن أمية في سؤاله عمر - ﵄ -. وقد تقدم أول «كتاب تقصير الصلاة» ١/ ١٤٣٣ - فإنه ظاهر في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا، لا قصرها في الخوف خاصّةً، وفي جواب عمر إشارة إلى القول الثاني، أفاده في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث حارثة بن وهب الخزاعي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ١٤٤٥ - وفي «الكبرى»-٣/ ١٩٠٣ - عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عنه. وفي-٣/ ١٤٤٦ - و«الكبرى»-٣/ ١٩٠٤ - عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن شعبة، وسفيان، كلاهما عن أبي إسحاق به. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ و٢/ ١٩٧ (م) ٢/ ١٤٧ (د) ١٩٦٥ (ت) ٨٨٢ (أحمد) ٤/ ٣٠٦ (ابن خزيمة) ١٧٠٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة بمنى: قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف السلف في المقيم بمنى، هل يقصر، أو يتمّ، بناء على أن القصر بها للسفر، أو للنسك؟ واختار الثاني مالك. وتعقبه الطحاوي بأنه لو كان كذلك لكان أهل مني يُتمون، ولا قائل بذلك. وقال بعض المالكية: لو لم يجز لأهل مكة القصر بمنى لقال لهم النبي - ﷺ -: أتموا، وليس بين مكة، ومنى مسافة القصر، فدلّ على أنهم قصروا للنسك. وأجيب بأن الترمذي روى من حديث عمران بن حصين - ﵁ -: أنه - ﷺ - كان يصلي بمكة ركعتين، ويقول: «يا أهل مكة أتموا، فإنا قوم سفر»، وكأنه ترك إعلامهم بذلك بمنى استغناء بما تقدم بمكة. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا ضعيف؛ لأن الحديث من رواية علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف، ولو صحّ فالقصة كانت في الفتح، وقصة منى في حجة الوداع، وكان لا بدّ من بيان ذلك لبعد العهد، ولا يخفى أن أصل البحث مبنيّ على تسليم أن المسافة التي بين مكة ومنى لا يُقصر فيها، وهو من محالّ الخلاف. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي ما ذهب إليه مالك -رحمه اللَّه تعالى-، من أن القصر للنسك؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك في محله من «كتاب الحج»، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٦ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ح وَأَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمِنًى أَكْثَرَ مَا كَانَ النَّاسُ، وَآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ). قال الجامع عما اللَّه تعالى عنه: هذا الحديث متفق عليه، وقد سبق تَمَّام البحث فيه في الذي قبله. و«عمرو بن عليّ»، هو الفلاس، و«يحيى بن سعد» هو القطان، و«سفيان» هو الثوري. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمِنًى، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور قريبًا. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام الحجة المصري [٧]، تقدم ٣١/ ٣٥. ٣ - (بُكير) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المدني نزيل مصر، ثقة (٥) تقدم ١٣٥/ ٢١١. ٤ - (محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليمان) المدني، صدوق [٥]. روى عن أنس بن مالك. وعنه بُكير بن عبد اللَّه بن الأشج قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال الذهبي في «الميزان»: لا يُعرف، وقال في «الكاشف»: وُثّق. انفرد به المصنف، أخرج له حديث الباب فقط. [تنبيه]: وقع في نسخ «المجتبى» «محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليمان»، والذي في «الكبرى» «محمد بن عبد اللَّه بن أبي سليم»، وهو الصوأب، كما هو في «تحفة الأشراف» ١/ ٣٧٤، وكذا في كتب الرجال، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. ٥ - (أنس بن مالك) - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن عبد اللَّه، فإنه من أفراده، وهو صدوق. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلاني، ثم مصري، والليث، فمصري. ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، بكير عن محمد بن عبد اللَّه، وهو من رواية الأقران. ومنها: أن صحابيه من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. شرح الحديث (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِمِنى) أي الصلاة الرباعية، إذ هي التي تتغير، فأما المغرب، فلا تُقصَر، وأما الصبح، فلا يختلف الحكم فيها، في منى، وغيره حتى يُخبر عنه أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - (وَمَعَ أَبِي بَكْرِ، وَعُمَرَ) - ﵄ - (رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُثْمَانَ) - ﵁ - (رَكْعَتَيْنِ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ) أي في أوائل خلافته، وذلك ثمان سنين، أو ست، كما في «صحيح مسلم» من حديث ابن عمر - ﵄ - ولفظه من رواية نافع، عنه: «صلى رسول اللَّه - ﷺ - بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعُمر بعد أبي بكر، وعثمان صدرًا من خلافته، ثم إن عثمان صلى بعدُ أربعًا»، وفي رواية حفص بن عاصم، عنه: «صلى النبي - ﷺ - بمنى صلاة المسافر، وأبو بكر، وعمر، وعثمان ثماني سنين، أو قال: ست سنين». واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح، انفرد به المصنف -﵀-، أخرجه هنا-٣/ ١٤٤٧ - وفي «الكبرى» -٣/ ١٩٠٥ - بالسند المذكور. وأخرجه (أحمد) ٣/ ١٤٤ و٣/ ١٦٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: دلّ حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أن عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه - أتمّ في مني في أواخر إمارته، وكذا ثبت عن عائشة - ﵂ - أنها كانت تتم فيه: فقد أخرج البخاري في «صحيحه» عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، قالت: «الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرّت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر»، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟ قال: تأولت ما تأول عثمان انتهى. فاختُلف في سبب إتمامهما - رضي اللَّه تعالى عنهما -: فأما عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -، فقيل: سبب إتمامه لكونه تأهل بمكة، أو لأنه أمير المؤمنين، وكلّ موضع له دار، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، أو لأنه استجدّ له أرضا بمنى، أو لأنه كان يسبق الناس إلى مكة. قال الحافظ: يردّ هذا كله قول عروة: «تأولت ما تأول عثمان»، لأن جميع ذلك منتف في حق عائشة - ﵂ -، وأكثره لا دليل عليه، بل هي ظنون ممن قالها، ويردّ الأول أن النبي - ﷺ - كان يسافر بزوجاته وقصر، والثاني أن النبي - ﷺ - كان أولى بذلك، والثالث أن الإقامة بمكة على المهاجر حرام، والرابع والخامس لم يُنقلا، فلا يكفي التخرّص في ذلك، والأول، وإن كان نُقل، وأخرجه أحمد، والبيهقي من حديث عثمان، وأنه لما صلى بمنى أربع ركعات أنكر الناس عليه، فقال: إني تأهلت بمكة لَمَّا قدمتُ، وإني سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «من تأهل ببلدة، فإنه يصلي صلاة مقيم» فهذا الحديث لا يصحّ؛ لأنه منقطع، وفي رُواته من لا يُحتجّ به، ويردّه قول عروة: إن عائشة تأولت ما تأول عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة أصلًا، فدلّ على وَهْن ذلك الخبر. قال الحافظ: ثم ظهر لي أنه يمكن أن يكون مراد عروة بقوله: «كما تأول عثمان» التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأوليهما، ويقوّيه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان، فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة. وقد أخرج ابن جرير في «تفسير سورة النساء» أن عائشة كانت تصلي في السفر أربعًا، فإذا احتجّوا عليها، تقول: «إن النبي - ﷺ - كان في حرب، وكان يخاف، فهل تخافون أنتم؟». وقد قيل في تأويل عائشة إنما أتمت في سفرها إلى البصرة إلى قتال علي، والقصر عندها إنما يكون في سفر طاعة. وهذا القولان باطلان، لا سيما الثاني. والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره، فله حكم المقيم، فيتمّ، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن، عن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، قال: لما قدم معاوية حاجًا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم إنصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان، وعمرو بن عثمان، فقالا: لقد عبت أمر ابن عمّك؛ لأنه كان قد أتمّ الصلاة قال: وكان عثمان حيث أتمّ الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أتمّ الصلاة. وقال ابن بطال: الوجه الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة كانا يريان أن النبي - ﷺ - إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته، فأخذا لأنفسهما بالشدّة اهـ. قال الحافظ: وهذا رجحه جماعة، من آخرهم القرطبي. لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب. وأما ما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، أن عثمان إنما أتمّ الصلاة لأنه نوى الإقامة بعد الحجّ، فهو مرسل، وفيه نظر، لأن الإقامة بمكة على المهاجرين حرام، وصح عن عثمان أنه كان لا يودّع النساء إلا على ظهر راحلته، ويسرع الخروج، خشية أن يرجع في هجرته، وثبت عن عثمان أنه قال لما حاصروه -وقال له المغيرة: اركب راحلتك إلى مكة- قال: لن أفارق دار هجرتي، ومع هذا النظر في رواية معمر، عن الزهري، فقد روى أيوب، عن الزهري ما يُخالفه: فروى الطحاوي وغيره من هذا الوجه عن الزهري، قال: إنما صلى عثمان بمنى أربعًا، لأن الأعراب كانوا كثروا في ذلك العام، فأحبّ أن يُعلمهم أن الصلاة أربع. وروى البيهقي من طريق عبد الرحمن بن حُميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عثمان، أنه أتمّ بمنى، ثمّ خطب، فقال: إن القصر سنة رسول اللَّه - ﷺ - وصاحييه، ولكنه حدث طَغَام -بفتح الطاء والمعجمة- فخفتُ أن يستنّوا. وعن ابن جُريج أن أعرابيا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت أُصليها منذ رأيتك عام أول ركعتبن. قال الحافظ: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يُقوّيه، من حيث إن الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها بخلاف السائر، وهذا ما أدى إليه أجتهاد عثمان - رضي اللَّه تعالى عنه -. وأما عائشة - ﵂ -، فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما رواه البيهقي من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: «يا ابن أختي إنه لا يشقّ عليّ»، وإسناده صحيح، وهو دالّ على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشقّ عليه أفضل انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي ثبت عن عثمان، وعائشة - ﵂ - من اختيار الإتمام على القصر هو اجتهاد منهما، لا يتابعان عليه؛ لأن المختار والأفضل هو الذي كان عليه رسول اللَّه - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر - ﵄ - من القصر في السفر مطلقا. هذا من حيث الأفضلية، وأما من حيث الجواز فالمختار جواز الإتمام، كما تقدّم تحقيقه في المسألة الرابعة في أول «كتاب القصر» - ١/ ١٤٣٣ - . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ ح وَأَنْبَأَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - ﵁ -، قَالَ: صَلَّيْتُ بِمِنًى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (قتيبة) المذكور قبله. ٢ - (عبد الواحد) بن زياد العبدي مولاهم، أبو بشر، وقيل: أبو عُبيدة البصري، أحد الأعلام، ثقة، وفي حديثه عن الأعمش، وحده مقال [٨]. روى عن أبي إسحاق، وعاصم الأحول، والأعمش، وغيرهم. وعنه: ابن مهديّ، وصفان، وعارم، وقتيبة، وغيرهم. قال معاوية بن صالح: قلت لابن معين: مَنْ أثبت أصحاب الأعمش؟ قال: بعد شعبة، وسفيان، أبو معاوية، وبعده عبد الواحد. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: عبدُ الواحد أحبّ إليك، أو أبو عوانة؟ قال: أبو عوانة أحبّ إليّ، وعبد الواحد ثقة. وقال صالح بن أحمد، عن علي بن المدينيّ: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت عبد الواحد بن زياد يطلب حديثًا قطّ بالبصرهْ، ولا بالكوفة، وكنا نجلس على بابه يوم الجمعة بعد الصلاة أُذاكره حديث الأعمش، فلا يعرف منه حرفًا. وقال ابن سعد: كان يُعرَف بالثقفيّ، وهو مولى لعبد القيس، وكان ثقةً كثير الحديث. وقال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال أبو داود: ثقة عَمَدَ إلى أحاديث كان يُرسلها الأعمش، فوصلها. وقال العجلي: بصريّ ثقة حسن الحديث. وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن عبد البر: أجمعوا أنه لا خلاف بينهم أن عبد الواحد بن زياد ثقة ثبت. وقال ابن القطان الفاسيّ ثقة لم يعتلّ عليه بقادح. قال عمرو بن علي، وغيره: مات سنة (١٧٦) وقال أحمد: (٧٧) وقال البخاري، عن محمد بن محبوب: مات سنة (٧٩). روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط. ٣ - (محمود بن غَيلان) المرزوي، ثقة [١٠]، تقدم ٣٣/ ٣٧. ٤ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار [٩] تقدم ١/ ٤٥١. ٥ - (سفيان) بن سعيد الثوري، تقدم قريبًا. ٦ - (الأعمش) سليمان بن مهران تقدم قريبًا. ٧ - (إبراهيم) بن يزيد النخعي الثقة الفقيه [٥]، تقدم ٢٩/ ٣٣. ٨ - (عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي، أبو بكر الكوفي، ثقة، من كبار [٣] تقدم ٣٧/ ٤١. ٩ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - تقدم قريبًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى- بالنسبة إلى السند الأول، ومن سباعياته بالنسبة إلى الثاني، فالأول أعلى بدرجتين. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح. ومنها: أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخيه، فلأول بغلاني، والثاني مروزي، وغير عبد الواحد، فبصريّ. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود - ﵁ - أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ بِمِنَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ) هذا الكلام ذكره عبد اللَّه - ﵁ - لما ذكر له أن عثمان - ﵁ - أتم في منى، ففي الرواية الآتية: «صلى عثمان بمنى أربعًا حتى بلغ ذلك عبدَ اللَّه، فقال: لقد صليت مع رسول اللَّه - ﷺ - ركعتين». وفي رواية مسلم بسند المصنف عن إبراهيم، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: «صلى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللَّه بن مسعود، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول اللَّه - ﷺ - بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصدّيق بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان». قال النووي -﵀-: معناه ليت عثمان صلى ركعتين، بدل الأربع، كما كان النبي - ﷺ -، وأبو بكر، وعمرُ، وعثمان رضوان اللَّه عليهم أجمعين في صدر خلافته يفعلون، ومقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول اللَّه - ﷺ -، وصاحباه، ومع هذا فابن مسعود - ﵁ - موافق على جواز الإتمام، ولهذا كان يُصلي وراء عثمان - ﵁ - مُتمًا ولو كان القصر عنده واجبًا لما استجاز تركه وراء أحد انتهى . وقال في «الفتح»: «من» -أي في قوله: «من أربع ركعات»- للبدلية، مثل قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ الآية [التوبة: ٣٨] وهذا يدلّ على أنه كان يرى الإتمام جائزًا، وإلا لما كان له حظّ من الأربع، ولا من غيرها، فإنها كانت تكون فاسدة كلها، وإنما استرجع ابن مسعود لما وقع عنده من مخالفة الأولى، ويؤيده ما روى أبو داود: «أن ابن مسعود - ﵁ - صلى أربعًا، فقيل له: عبت على عثمان، ثم صليت أربعًا، فقال: الخلاف شرّ»، وفي رواية البيهقي: «إني لأكره الخلاف»، ولأحمد من حديث أبي ذرّ - ﵁ - مثل الأول، وهذا يدلّ على أنه لم يكن يعتقد أنّ القصر واجب، كما قال الحنفية، ووافقهم القاضي إسماعيل من المالكية، وهي رواية عن مالك، وعن أحمد، قال ابن قُدامة: المشهور عن أحمد أنه الاختيار، والقصر عنده الأفضل، وهو قول جمهور الصحابة، والتابعين . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مذهب الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- هو الأرجح عندي، وقد تقدم بيان ذلك، في المسالةْ الرابعة في أول «كتاب القصر». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٣/ ١٤٤٨ - وفي «الكبرى» -٣/ ١٩٠٦ - عن قتيبة، عن عبد الواحد- ح وعن محمود بن غيلان، عن يحيى بن آدم، سفيان- كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد عنه. وفي ٣/ ١٤٤٩ - و«الكبرى» -٣/ ١٩٠٧ - عن علي بن خشرم، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش به، بنحوه. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ و٢/ ١٩٧ (م) ٢/ ١٤٦ (د) ١٩٦٠ (أحمد) ١/ ٣٧٨ و١/ ٤١٦ و١/ ٤٦٤ و١/ ٤٢٢ و١/ ٤٢٥ (الدارمي) ١٨٨١ (ابن خزيمة) ٢٩٦٢. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٤٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا، حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ: «لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم البحث فيه مستوفىً في الحديث الذي قبله. وعلي بن خشرم، المروزي، ثقة من صغار [١٠] تقدم ٨/ ٨. وعيسى هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة مأمون [٨] تقدم ٨/ ٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٠ - (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ - ﵁ - رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ - ﵁ - رَكْعَتَيْنِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - عبيد اللَّه بن سعيد) السرخسي، ثقة مأمون [١٠] تقدم ١٥/ ١٥. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان تقدم قريبًا. ٣ - (عبيد اللَّه) بن عمر العمري المدني، ثقة ثبت [٥] تقدم ١٥/ ١٥. ٤ - (نافع) مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ١٢/ ١٢. ٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - تقدم ١٢/ ١٢. وشرح الحديث يعلم مما تقدم، وهو حديث متفق عليه، أخرجه المصنف هنا- ٣/ ١٤٥٠ - وفي «الكبرى» -١٩٠٨٣ - عن عُبيد اللَّه بن سعيد، عن يحيى القطان، عن عُبيد اللَّه العمري، عن نافع، عنه. وفي ٣/ ١٤٥١ - و«الكبرى» -٣/ ١٩٠٩ - عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عمر، عن أبيه. وأخرجه (خ) ٢/ ٥٣ (م) ٢/ ١٤٦ (أحمد) ٢/ ١٦ و٢/ ٥٥ و٢/ ٥٧ (ابن خزيمة) ٢٩٦٣. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلاَّهَا أَبُو بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلاَّهَا عُمَرُ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلاَّهَا عُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المرادي المصري، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد اللَّه المصري، ثقة حافظ [٩] تقدم ٩/ ٩. ٣ - (يونس) بن يزيد الأيلى، ثقة [٧] تقدم ٩/ ٩. ٤ - (ابن شهاب) الزهري، تقدم قريبًا. ٥ - (عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر) بن الخطاب العدوي، أبو بكر المدني، شقيق سالة، ثقة [٣] في ٢/ ٣٢٨. ٦ - (أبوه) عبد اللَّه بن عمر - رضي اللَّه تعالى عنه - المذكور في السند الماضي، والحديث متفق عليِه، كما سبق بيانه في الذي قبله. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن إريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤ - (بَابُ الْمُقَامِ الَّذِي يُقْصَرُ بِمِثْلِهِ الصَّلَاةُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «المُقام» هنا بضم الميم مصدر ميميّ لأقام، رباعيًّا، بمعنى الإقامة، لا بفتحها، من قام ثلاثيّا، بمعنى انتصب، إذ لا يناسب هنا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٤٥٢ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا. قُلْتُ : هَلْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا). قالَ الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم قبل بابين -١/ ١٤٣٨ - وتقدم تمام البحث فيه، وبيان مسائله هناك، وبالله تعالى التوفيق. و«حميد بن مسعدة» هو الباهلي البصري. و«يزيد» هو ابن زريع البصري. [تنبيه]: قوله: «أقام بها عشرا» لا يعارض هذا حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - الآتي أنه - ﷺ - أقام بمكة خمسة عشر يومًا؛ لأن هذا في حجة الوداع، وحديث ابن عباس في فتح مكة، وقد ثبت من حديث ابن عباس: «قدم النبي - ﷺ - وأصحابه لصبح رابعة …» الحديث، ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر، فتكون مدة إقامته بمكة وضواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء؛ لأنه خرج منها في اليوم الثامن، فصلى الظهر بمنى. أفاده في «الفتح» . [مسألة]: قال الإمام ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: اختلف أهل العلم في القدر الذي يجب على المسافر إذا أقام ذلك المقدار إتمام الصلاة: فقالت طائفة: إذا أجمع على إقامة خمس عشرة أتمّ الصلاةَ، ورينا هذا القول عن ابن عمر، وبه قال سفيان الثوريّ، وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: إذا أزمع إقامة اثنتي عشرة أتم الصلاة، هذا قول عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، آخر أقواله، كما ذكره نافع، وبنحوه قال الأوزاعي. وقالت طائفة: إذا عزم على مقام عشر ليال أتم الصلاة، وهذا قول الحسن ابن صالح، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وليس ذلك بثابت عنهما، وبه قال محمد بن عليّ. وقالت طائفة: إذا أقمت أكثر من خمس عشرة، فأتم الصلاة، روي هذا عن سعيد ابن جُبير، وعبد اللَّه بن عُتبة، وبه قال الليث بن سعد. الخامس: أن من أقام أربعًا صلى أربعَا هكذا قال مالك، وأبو ثور، واحتجّ أبو ثور بأنهم لما أجمعوا على ما دون الأربع أنه يقصر كان ذلك له، فلما اختلفوا في الأربع كان عليه أن يُتمّ، وذلك أن الفروض لا تزال باختلاف. السادس: قول ابن عباس - ﵄ -: إذا سافرنا تسع عشرة نقصر الصلاة. السابع: قول أحمد بن حنبل: إذا أجمع لعشرين صلاةً مكتوبة قصر، فإذا عزم على أن يُقيم أكثر من ذلك أتمّ . واحتجّ بحديث جابر، وابن عباس - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - قدم لصبح رابعة، قال: فأقام النبي - ﷺ - الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها فإذا أجمع أن يُقيم كما أقام النبي - ﷺ - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. الثامن: قوله سعيد بن المسيب: إذا وطنت نفسك بأرض أكثر من ثلاث، فأتمّ الصلاة. التاسع: قولهه أيضًا: إن المسافر إذا أقام ثلاثًا أتمّ. قال ابن المنذر: هذان قولان: لا نعلم أحدًا قال بهما. وله قوله آخر، كقول الثوريّ، وآخر كقول مالك. العاشر: ذكره إسحاق بن راهويه، قال: وقد قال آخرون، وهم الأقلون من أهل العلم: صلاة المسافر ما لم ترجع إلى أهلك إلا أن تُقيم ببلدة لك بها أهل، ومال، فإنها تكون كوطنك، ولا ينظرون في ذلك إلى إقامة أربع، ولا خمس عشرة، قال: ومما احتجّوا به لأنفسهم في ذلك ما سُئل ابن عباس عن تقصير الصلاة؟ فقال: كان النبي - ﷺ - إذا خرج من المدينة صلى ركعتين ركعتين حتى يرجع. وعن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهم - أن رجلًا قال له: إنا نُطيل المقام في الغزو بخراسان، فكيف ترى؟ فقال: يصلي ركعتين، وإن أقمت عشر سنين، وقال الحسن البصريّ: أقام أنس بن مالك بنيسابور سنة، أو سنتين يصلي ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، وأقام عبد الرحمن بن سمرة ببعصْ بلاد فارس، فكان لا يجمع، ولا يزيد على ركعتين، وقال أبو إسحاق: أقمنا مع وال -أحسبه قال: بسجستان سنين، وكان معنا رجال من أصحاب ابن مسعود، فصلى بنا ركعتين ركعتين حتى انصرف، ثم قال: كذلك كان ابن مسعود يفعل، وقال أبو مجلز: كنت جالسًا عند ابن عمر، قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن آتي المدينة طالب حاجة، فأقيم بها السبعة الأشهر، والثمانية كيف أصلي؟ قال: ركعتين ركعتين، وأقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين ركعتين وكان الثلج حال بينهم وبين القُفُول، وأقام مسروق بالسلسلة سنين، وهو عامل عليها، فصلى ركعتين ركعتين حتى انصرف يلتمس بذلك السنّة. الحادي عشر: إن المسافر يصلي ركعتين ركعتين إلا أن يقدم مصرًا من الأمصار، هذا قول الحسن البصري. الثاني عشر: قول من فرق بين المقام للخوف، والمقام لغير الخوف، قال الشافعي: فأشبه ما قال رسول اللَّه - ﷺ - من مقام المهاجر، فلا يأخذ مقام المسافر، وما جاوزه كان مقام الإقامة، وليس يحسب اليوم الذي كان فيه سائرًا، ثم قدم، ولا اليوم الذي كان فيه مقيمًا، ثم سار، كان غير مقام حرب، ولا خوف حرب قصر، فإذا جاوز مقامه أربعًا أحببت أن يتمّ، وإن لم يتم أعاد ما صلى بالقصر بعد الأربع، وإن كان مقامه لحرب، أو خوف حرب، فإن رسول اللَّه - ﷺ - أقام الفتح يُحارب هوازن سبع عشر أو ثمان عشرة يقصر، فإذا أقام الرجل ببلد أثناءه ليس ببلد مقامه لحرب، أو خوف حرب، أو تأهب حرب قصر ما بينه وبين ثمان عشرة ليلة، فإذا جاوزها أتمّ الصلاة حتى يُفارق البلد تاركا للمقام به آخذًا في سفره. الثالث عشر: ما روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: يفصل بين الحضر والسفر اليوم والليلة، فمن أجمع مسير يوم وليلة روحته، وغدوته، وولجته فقد أجمع سفرًا، فله صلاة السفر، ورخصة فطر الصوم، ومن أجمع إقامة يوم وليلة صلى صلاة الحضر، وعليه الصوم. القول الرابع عشر: ما حكاه إسحاق بن راهويَهْ عن بعضهم قالوا: قد مضت السنة من النبي - ﷺ - وأصحابه في التقصير للمسافر إذا كان طاعنا، فإذا وضع الزاد والمزاد، وترك الرحيل، وأقام أيامًا لحاجة، أو تجارة، أو نزهة، فهو بالمقيم أشبه منه بالمسافر، فعليه الإتمام. انتهى ملخصا من كلام ابن المنذر في كتابه «الأوسط» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن قول الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى - هو الأرجح، حيث اعتبر عدد صلاة النبي - ﷺ -، فمن أجمع إحدى وعشرين صلاةً، قصر، ومن زاد على ذلك أتمّ. قال ابن المنذر -رحمه اللَّه تعالى-: وأسعد الناس بحديث جابر أحمد، ومن وافقه، لأنه نظر إلى عدد الصلوات التي صلاها رسول اللَّه - ﷺ - في أيام مقامه بمكة في حجته، فأجاز أن يقصر من أقام مقدارًا يصلي ذلك العدد من الصلوات، وأمر من زاد مُقامُه على ذلك المقدار بالإتمام انتهى. ونص مختصر الخرقي: «وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتمّ» قال ابن قدامة﵀- في «المغني»: المشهور عن أحمد - ﵀ - أن المدة التي تُلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها، هي ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاةً. ثم قال بعد ذكر الخلافات: ما نصه: ولنا ما روى أنس، قال: خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ - إلى مكة، فصلى ركعتين حتى رجع، وأقام بمكة عشرًا يقصر الصلاة. متفق عليه. وذكر أحمد حديث جابر، وابن عباس أن النبي - ﷺ - قدم لصبح رابعة، فأقام النبي - ﷺ - اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، قال: فإذا أجمع أن يقيم كما أقام النبي - ﷺ - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتمّ. انتهى . والحاصل أن من نوى أن يقيم أكثر من إحدى وعشرين صلاةً عدد صلاة النبي - ﷺ - في مكة أتم، ومن نوى إحدى وعشرين، أو أقل من ذلك قصر، كما قصر النبي - ﷺ - في إحدى وعشرين صلاةً، مع أنه عزم على أنه سيقيم بمكة هذه المدة. وهذا هو القول الموافق لفعل النبي - ﷺ -، وأما ما عداه من الأقول فليس عليه دليل صريح مرفوع يؤيده. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٣ - (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَقَامَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عبد الرحمن بن الأسود) بن المأمول ، مولى بني هاشم، أبو عمرو الورّاق البصريّ، بغدادي الأصل، مقبول [١١]. روى عن عَبِيدَة بن حُميد، ومحمد بن ربيعة الكلابي، ومعمر بن سليمان الرّقّيّ، وعمر بن أيوب المَوْصلي. وعنه الترمذي، والنسائي، وابن جرير الطبري، وغيرهم. مات بعد (٢٤٠). وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٢ - (محمد بن ربيعة) الكلابي الرُّؤاسي، أبو عبد اللَّه الكوفي، ابن عمّ وكيع، صدوق [٩] تقدم في ٨/ ٤٦٤. ٣ - (عبد الحميد بن جعفر) الأنصاري المدني، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم [٦] تقدم ٢٦/ ٩١٤. ٤ - (يزيد بن أبي حبيب) واسم أبيه سُويد المصريّ، ثقة فقيه، يرسل [٥] تقدم ١٣٤/ ٢٠٧. ٥ - (عراك بن مالك) الغفاريّ الكنانيّ المدني، ثقة فاضل [٣] تقدم ١٣٤/ ٢٠٧. ٦ - (عُبيد اللَّه) بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٥/ ٥٤. ٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرد به هو والترمذيّ، وشيخ شيخه، فمن رجال الأربعة. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: يزيد، عن عراك، عن عبيد اللَّه. ومنها: أن صحابيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْن عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَقَامَ بِمَكَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ) أي يومًا بليلته، وذلك في عام الفتح، وأما إقامته عشرًا في حديث أنس - ﵁ - الماضي ففي حجة الوداع، كما تقدم. [تنبيه]: اختلفت الروايات عن ابن عباس - ﵄ - في مقدار إقامته - ﷺ - بمكة عام الفتح، فروي تسعة عشر، كما في «صحيح البخاري»، ولفظه من رواية عكرمة، عنه: «أقام النبي - ﷺ - تسعة عشر يقصر، فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا». وروي عشرون، أخرجه عبد بن حميد في «مسنده»، وروي سبعة عشر بتقديم السين، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والبيهقي، وروي خمسة عشر، وهي رواية المصنف هنا، ورواها أبو داود أيضًا، وروي ثمانية عشر، رواه أبو داود. قال البيهقي في «السنن»: وأصح هذه الروايات في ذلك عندي رواية من روى تسعة عشر -أي بتقديم التاء- وهي الرواية التي أودعها البخاريّ في «الجامع الصحيح»، وجمع أيضًا البيهقي بين روايات تسع عشرة وثمان عشرة، وسبع عشرة بأن من رواها تسع عشرة عدّ يوم الدخول ويوم الخروج، ومن روى ثمان عشرة لم يعدّ أحد اليومين، ومن قال: سبع عشرة لم يعدّهما . قال الحافظ في «التلخيص الحبير»: وهو جمع متين، وتبقى رواية خمسة عشر شاذة لمخالفتها، ورواية عشرين، وهي صحيحة الإسناد، إلا أنها شاذة أيضًا، اللَّهمّ إلا أن يُحمل على جبر الكسر، ورواية ثمانية عشر ليست بصحيحة من حيث الإسناد ، أي لأنّ في سنده علي بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف. وقال في «الفتح» بعد ذكر الجمع المذكور: وأما رواية خمسة عشر، فضعفها النوويّ في «الخلاصة»، وليس بجيّد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك، عن عُبيد اللَّه كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة، فليُحمل على أن الراوي ظنّ أنّ الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشرة. واقتضى ذلك أن تسع عشرة أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه، ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات «الصحيحة» وأخذ الثوريّ، وأهل الكوفة برواية خمس عشرة، لكونها أقلّ ما ورد، فيحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، وهو ما أخرجه أبو داود بلفظ: «غزوت مع رسول اللَّه - ﷺ - عام الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين». لكن محله عنده فيمن لم يُزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها، أولًا، وحجته حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم أن أرجح المذاهب مذهب الإمام أحمد - رحمه اللَّه تعالى -؛ لموافقته لحديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه -. وحاصله أن من أقام في بلدة أكثر من إحدى وعشرين صلاة أتم، وإلا قصر. واللَّه تعالى أعلم. (يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكعَتَيْنِ) جملة في محل نصب على الحال، وكرر «ركعتين» إشارة إلى أن قصره في كل صلاة صلاها في تلك المدة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا صحيح، وتقدم قريبًا أن النووي ضعفه بالشذوذ، وأجاب عنه الحافظ -رحمهما اللَّه تعالى-. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ١٤٥٣ - وفي «الكبرى» -٤/ ١٩١١ - بالسند المذكور. وأخرجه (د) ١٢٣١ (ق) ١٠٧٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٤٥٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ زَنْجَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن عبد الملك بن زَنجَوَيه) البغداديّ، أبو بكر الغَزَّال، ثقة [١١]. روى عن جعفر بن محمد بن حمزة، وزيد بن الحباب، وعبد الرزاق، وغيرهم. وعنه الأربعة، وعبد اللَّه بن أحمد، وغيرهم. قال النسائي: ثقة. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وهو صدوق. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال مسلمة: ثقة كثير الخطإ. قال ابن مخلد: مات في جمادى الآخرة سنة (٢٥٨). روى عنه الأربعة، وروى عنه المصنف في هذا الكتاب حديثين فقط، هذا، و(٢٨٩٣) حديث: «خلّ عنه، فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد …» الحديث. ٢ - (عبد الرزاق) بن همام الصنعاني. ثقة ثبت [٩] تقدم ٦١/ ٧٧. ٣ - (اين جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكى، ثقة فاضل فقيه يدلس ويرسل [٦] تقدم ٢٨/ ٣٢. ٤ - (إسماعيل بن محمد بن سعد) بن أبي وقّاص الزهري أبو محمد المدني، ثقة حجة [٤] تقدم ٩٧/ ١٢٥. ٥ - (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة [٢] تقدم ٣٢/ ٧٢٥. ٦ - (الساءب بن يزيد) الكندي الصحابي الصغير - رضي اللَّه تعالى عنه -، تقدم ٦٢/ ١٣٠٥. ٧ - (العلاء بن الحَضْرَمي) حليف بني أُميّة، واسم الحضرميّ عبد اللَّه بن عمّار بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن عُوَيف. وله عدة إخوة، يقال: إنهم أحد عشر، وأخوه عمرو ابن الحضرمي أولى قتيل من المشركين، قتله المسلمون، وكان ماله أول مال خُمّس في الإِسلام وبسببه كانت وقعة بدر. روى عن النبي - ﷺ - في مُكث المهاجر. وعنه السائب بن يزيد، وأبوهريرة وحيان الأعرج، وسَهْم بن منجاب، وزياد بن حُدَير. وكان يقال: إنه مُجاب الدعوة، وولاه رسول اللَّه - ﷺ - البحرين، وأقرّه أبو بكر، وعمر، ثم ولاّه عمر البصرة فمات قبل أن يصل إليها سنة (١٤). وقال ابن سيرين، عن ابن العلاء بن الحضرمي: إن أباه كتب إلى النبي - ﷺ -، فبدأ باسمه. وقال أبو حسان الزياديّ: مات سنة (٢١) وله مناقب، وفضائل كثيرة. أخرج الجماعة الحديث المتقدم. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أن رجاله رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وصحابي، عن صحابي، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة، إلا ثلاثة أحاديث: حديث الباب، «أنه كتب إلى النبي - ﷺ -، فبدأ باسمه» عند أبي داود رقم (٥١٣٥)، وأخرجه أحمد أيضا (جـ ٤ ص ٣٣٩)، وحديث «بعثني رسول اللَّه - ﷺ - إلى البحرين، أو إلى هجر، فكنت آتي الحائط يكون بين الإخوة، يسلم أحدهم، فآخذ من المسلم العشر، ومن المشرك الخراج» عند ابن ماجه رقم ١٨٣١ - وأخرجه أحمد أيضًا جـ ٥/ ٥٢. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن السائب بن يزيد - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَمِعَ العَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَميِّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (يَقُولُ) جملة في محل نصب على الحال. ولفظ البخاري من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن حميد الزهري، قال: سمعت عمر بن عبد العزيز، يسأل السائب بن يزيد ابن أخت نمر، قال: ما سمعتَ في سُكنى مكةَ؟ قال: سمعت العلاء بن الحضرميّ قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «ثلاث للمهاجر بعد الصدر». و«الصدر» بفتح المهملتين، أي بعد الرجوع من مني. (قَالَ رَسُولُ اللَّه - ﷺ - يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ) من باب قتل: أي يقيم، ويتلَبّثُ، ومَكُث مُكثا، فهو مَكيث، مثلُ قرُب قُربًا، فهو قريب لغةٌ، وقرأ بها السبعة قوله تعالى: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) باللغتين. قاله الفيّومي (بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ) أي فراغه من أعمال الحجّ، وأصل النسك بضمتين: العبادة، والمراد هنا أفعال الحج، يقال: نسك للَّه ينسُك، من باب قتل: تطوع بقُربة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، ومناسك الحج: عباداته، وقيل: مواضع العبادات. أفاده الفيومي (ثَلَاثًا) أي ثلاثة أيام بلياليها، وذكر العدد، لكون التمييز محذوفا، كما تقدم. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: معنى هذا الحديث أن الذين هاجروا يحرم عليهم استيطان مكة. وحكَى عياض أنه قول الجمهور، قال: وأجازه لهم جماعة -يعني بعد الفتح- فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه. قال: واتفق الجميع على أن الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأن سُكنى المدينة كان واجبًا لنصرة النبي - ﷺ -، ومواساته بالنفس، وأما غير المهاجرين، فيجوز له سُكنى أيّ بلد أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق انتهى كلام القاضي. ويستثنى من ذلك من أذن له النبي - ﷺ - بالإقامة في غير المدينة. وقال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: المراد بهذا الحديث من هاجر من مكة إلى المدينة لنصرة النبي - ﷺ -، ولا يُعنى به من هاجر من غيرها؛ لأنه خرج جوابًا عن سؤالهم لمّا تحرّجوا من الإقامة بمكة، إذ كانوا قد تركوها للَّه تعالى، فأجابهم بذلك، وأعلمهم أن إقامة الثلاث ليس بإقامة. قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضع يَخاف أن يُفتن فيه في دينه، فهل له أن يرجع إليه بعد انفضاء تلك الفتنة؟ يمكن أن يقال: إن كان تركها للَّه كما فعله المهاجرون، فليس له أن يرجع لشيء من ذلك، وإن كان تركها فرارًا بدينه، ليَسلَم له، ولم يقصد إلى تركها لذاتها، فله الرجوع إلى ذلك انتهى. قال الحافظ: وهو متجه، إلا أنه خص ذلك بمن ترك رباعًا أو دورًا، ولا حاجة إلى تخصيص المسألة. واللَّه تعالى أعلم انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي فيما قاله القرطبي نظران: أما أوّلًا، ففي تعميمه المنع لكل من فر بدينه؛ لأن ذلك يحتاج إلى دليل، من نص أو إجماع. وأما ثانيا ففي تفريقه بين من فر بدينه، ومن ترك بلده للَّه، فإنه لا فرق بينهما في الحقيقة، كما هو ظاهر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث العلاء بن الحضرمي - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ١٤٥٤ - وفي «الكبرى» -٤/ ١٩١٢ - عن محمد بن عبد الملك بن زنجويه، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن السائب بن يزيد، عنه. وفي -٤/ ١٤٥٥ - و«الكبرى» -٤/ ١٩١٣ - عن الحارث بن مسكين، عن ابن عُيينة، عن عبد الرحمن بن حُميد، عن السائب بن يزيد به. وفي «الكبرى» ٢٧٩/ ٤٢١٢ - عن محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، عن يحيى بن سعيد القطان- ح و٢٧٩/ ٤٢١٣ - عن
مصادر المؤلف (١٠٦)

١. «طرح» ٣/ ٢٠٤.

٢. «ق» في مادَّة «لغا».

٣. «المصباح» في مادة «لغا».

٤. «زهر الربى» ٣/ ١٠٩.

٥. «شرح السندي» ٣/ ١٠٩.

٦. «شرح مسلم» ٦/ ١٥٨ - ١٥٩.

٧. «لسان العرب» في مادّة «رمل».

٨. أي أطلت قليلًا.

٩. بفتح الميم، ثم همزة مكسورة، ثم نون مشددة: أي علامة.

١٠. أخرجه أحمد في «مسنده» بسند صحيح رقم ٩٥٩٥.

١١. «المحلي» جـ ٢ ص ٥٧ - ٦٠.

١٢. «نيل الأوطار» ٣/ ٣١٨ - ٣١٩.

١٣. ليس المراد فوائد سياق المصنف فقط، بل مع ما أوردته في الشرح، فتنبه.

١٤. هذا القول ترده الأحاديث الصحيحة أنه -ﷺ- كان يجلس بين الخطبتين. فتنبّه.

١٥. قوله: «غيرُه» أراد به المحققين من أهل العلماء الذين جمعوا بين النقل والدراية، وفيه إبطال لزعم من زعم أن ابن المنذر شافعي المذهب مقلدٌ للشافعي، وقد سبق في مقدمة هذا الشرح تفنيد هذا الزعم، عند ذكر مذهب الإِمام النسائي ﵀، فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق.

١٦. «الأوسط» ٤/ ٦٢ - ٦٣.

١٧. وفي نسخة«أخبرني».

١٨. قوله:«الفريابي»بكسر الفاء، وسكون الراء، بعدها تحتانية، وبعد الألف موحدة: نسبة إلى فارياب، بلدة بنواحي بلخ، ويقال: الفاريابي، والفيريابي. قاله في«اللباب»٢/ ٤٠٦.

١٩. لكن حديث الباب ضعيف لا يصلح للاحتجاج به، فتنبّه.

٢٠. «شرح السندي»على«سنن ابن ماجه»١/ ٥٥٧.

٢١. «المرعاة»٤/ ٤١٤.

٢٢. راجع «تت» جـ ٢ ص ٢٤٨ - ٥٤٩.

٢٣. يزيد بن زياد بن أبي الجعد ثقة وثقه ابن معين وغيره. راجع «تت» جـ ٤ ص ٤١٢.

٢٤. «صحيح ابن حبان» جـ ٧ ص ٢٢.

٢٥. وقع في بعض النسخ «يزيد» بدل «زيد» وهو غلط، فتنبه.

٢٦. بفتح الجيم، ومهملة مفتوحة: نسبة إلى جديلة بنت مُرّ بن أدّ بن طابخة، وهي أم يشكر.

٢٧. رواية محمود بن غيلان ذكرها في «تحفة الأشراف» ٤/ ٧٦، ولم أجدها، فلتحرر.

٢٨. «صحيح ابن خزيمة»جـ ٣ ص ١٧٣ - ١٧٤.

٢٩. لكن لفظ«الكبرى»:«من أدرك من صلاة ركعة، فقد أدرك»، ليس فيه لفظ«الجمعة»، فليُتنَبه.

٣٠. هذا التخريج كان حقه أن يقدم في ٣٠/ ٥٥٣ لكني نسيت ذكره هناك، فاستدركته هنا، وقد تقدم بقية تخريجه هناك فلا حاجة إلى إعادتها هنا. فتنبه.

٣١. هكذا نسخة «الأوسط» «رَكْعَة الناس»، ولعل الصواب «على أن من أدرك الناس جلوسًا»، بإسقاط لفظة «ركعة». والله أعلم.

٣٢. «الأوسط» جـ ٤ ص ١٠٠ - ١٠٣.

٣٣. «الأوسط» ٤/ ١٢٥ - ١٢٧.

٣٤. «شرح مسلم» جـ ٦ ص ١٦٩ - ١٧٠.

٣٥. «طرح التثريب» جـ ٣ ص ٣٧ - ٤١ و«نيل الأوطار» ٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤.

٣٦. هكذا نسخة «الطرح»، ولعل الصّواب «إِذْ لم يتعين ذلك»، والله أعلم.

٣٧. «فتح» ٣/ ٩٥.

٣٨. «الإرواء» ٣/ ٩١ - ٩٢.

٣٩. «ق» في مادّة «طور».

٤٠. «المنهل العذاب» جـ ٦ ص ١٨١.

٤١. «صحيح ابن خزيمة» جـ ٣ ص ١١٦.

٤٢. «فتح» ٣/ ٨٢.

٤٣. اختُلِف في أبي بصرة، فقيل: جَمِيل بالجيم مكبرًا. وقيل: حُمَيل بالحاء المهملة مصغرًا، وهو المشهور. وقيل: لا يعرف اسمه. وحَضَر بصرةُ مصر، واختطَ بها دارًا عند دار الزبير. أفاده في «تت» ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩.

٤٤. «فتح» ٣/ ٩٠.

٤٥. «طرح التثريب» ٣/ ٢١٤.

٤٦. قال بعض المحققين: هذا فيه نظر، وسياق الآية يخالفه. والله أعلم.

٤٧. وفي مخطوطة الرياض من «الفتح» «ابن جرير» بدل «ابن جريج»، والظاهر أنه الصواب. والله أعلم.

٤٨. «فتح» ٣/ ٨٢ - ٩٠.

٤٩. لفظة «عبد» ساقطة من بعض النسخ.

٥٠. قلت: لم يظهر لي وجه هذا الجمع. فليُتَأَمَّلْ. والله تعالى أعلم.

٥١. «فتح» ٣/ ٨٢.

٥٢. يوجد هنا في النسخة «الهندية»: ما نصه: «آخر كتاب الجمعة».

٥٣. راجع «تت» النسخة الجديدة التي طبعتها مؤسسة الرسالة.

٥٤. مسافة العَدْوى بالفتح والقصر: هي التي يَصِل صاحبها فيها الذهاب والعود بعَدْوٍ وَاحدٍ؛ لما فيه من القوة والجلادة أفاده في «المصباح» جـ ١ ص ٣٩٨.

٥٥. «المصباح» جـ ١ ص ٢٧٨.

٥٦. «فتح» ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩.

٥٧. التلاوة «فليس عليكم» بالفاء، فليتنبه.

٥٨. «شرح السندي» جـ ٣ ص ١١٧.

٥٩. أراد به من خالف حكم اللَّه تعالى في هذا متعمدًا وعنادًا، لا متأولا. واللَّه أعلم.

٦٠. وهذا أيضًا مؤول بمن صلى مخالفًا لحكم اللَّه تعالى، ومعرضا عن قبول رخصته، فإنه يكون معاندًا، فتأمل. واللَّه أعلم.

٦١. «الأوسط» ٤/ ٣٣٢ - ٣٣٥.

٦٢. «زاد المعاد» ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧.

٦٣. سيأتي تضعيف هذا التأويل في ٣/ ٤٤٧ إن شاء اللَّه تعالى.

٦٤. هذا الحديث وإن قال الدارقطني: إسناده صحيح إلا أَنَّ الإِمام أحمد استنكره، وقال ابن تيمية: هو كذب على رسول اللَّه - ﷺ -. انظر «نيل الأوطار» ٤/ ١١٩.

٦٥. «نيل الأوطار» ٣/ ٢٣٩ - ٢٤١.

٦٦. كتب في هامش البيهقي: يعني رسولًا في حاجة.

٦٧. الحشر هم القوم الذين يخرجون بدوا بهم إلى المرعى. قاله البيهقي جـ ٣ ص ١٣٧.

٦٨. «الأوسط» جـ ٤ ص ٣٤٣ - ٣٤٦.

٦٩. «الروضة الندوية» جـ ١ ص ١٥٠.

٧٠. وفي نسخة «النبي».

٧١. جعله في «ت» من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه ثبت أنه رأى أنسًا - ﵁ -. فليتأمل.

٧٢. وفي نسخة «أخبرنا».

٧٣. هو أوسط بن إسماعيل، أو ابن عامر، أو عمرو البجلي أبو إسماعيل، أو أبو عمرو الشامي، ثقة مخضرم من [٢] مات سنة (٧٩).

٧٤. أصله رئم بكسر الراء، وسكون الهمزة، واحد الآرام: وهي الظباء الخالصة البياض، ثم سمي به واد لمزينة قرب المدينة. قاله في «معجم البلدان» ٣/ ١١٤.

٧٥. «النميلة» قرية لبني قيس بن ثعلبة رهط الأعشى باليمامة. قاله في «معجم البلدان» جـ ٥ ص ٣٠٦.

٧٦. «الأوسط» جـ ٤ ص ٣٤٦ - ٣٥١.

٧٧. الفرسخ: ثلاثة أميال، والميل بالتحديد المعاصر كيلو متر ونصف كيلو متر، فيكون الفرسخ ثمانية عشر كيلو متر، وعليه فتكون مسافة القصر أربعًا وخمسين كيلو متر تقريبًا. واللَّه تعالى أعلم.

٧٨. «فتح» ٣/ ٢٧٦.

٧٩. اختُلفَ في معنى «الفَرسخ»، فقيل: السكون، ذكره ابن سيده، وقيل: السعة، وقيل: المكان الذي لا فرجة فيه، وقيل: الشيء الطويل. انتهى «فتح» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧.

٨٠. «فتح» ٣/ ٢٧٦.

٨١. هكذا في النسخة «الهندية»، ووقع في النسختين المطبوعتين «أخبرنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، قال أبي: أنبأنا أبو حمزة إلخ»، وعلى هذا فيقدر قبل قوله: «قال أبي» لفظة «قال»، أي: قال محمد بن علي: قال أبي و«أبو حمزة» فاعل «أنبأنا»، والجملة مقول «قال أبي»، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.

٨٢. هذا على جعل منصور من صغار التابعين كما قال في «الفتح»، لكن الصحيح أنه من الطبقة السادسة، فتنبّه.

٨٣. وفي نسخة «أخبرني».

٨٤. وفي نسخة: «حدثنا».

٨٥. «لسان العرب» في مادة «بطح».

٨٦. «المصباح» جـ ٢ ص ٥٨٢.

٨٧. «شرح السندي» ٣/ ١١٩ - ١٢٠.

٨٨. «فتح» ٣/ ٢٧٢.

٨٩. «فتح» ٣/ ٢٧١.

٩٠. وفي نسخة بإسقاط لفظة «قال».

٩١. «فتح» ٣/ ٢٨٠ - ٢٨١.

٩٢. «شرح مسلم» ٦/ ٢٠٤.

٩٣. «فتح» ٣/ ٢٧٣.

٩٤. وفي نسخة «أخبرنا»، وفي أخرى «نا».

٩٥. وفي نسخة «قلنا».

٩٦. «فتح» ٣/ ٢٧٠.

٩٧. لكن المشهور عن أحمد كما يأتي قريبًا أنه إذا عزم على إحدى وعشرين صلاة قصر، وإن كان أكثر أتم.

٩٨. جـ ٤ ص ٣٥٥ - ٣٦٤.

٩٩. «المغنى» ٣/ ١٤٩ - ١٥٠.

١٠٠. كذا في «تهذيب الكمال» و«ت» نسخة أبي الأشبال أحمد صغير، وهي من أحسن النسخ، ووقع في بعض النسخ، و«تت» «ابن مأمون» بالنون، والظاهر أنه تصحيف، واللَّه تعالى أعلم.

١٠١. «السنن الكبرى»جـ ٣ ص ١٥١.

١٠٢. «التلخيص الحبير» جـ ٢ ص ٤٥ - ٤٦.

١٠٣. «فتح» ٣/ ٢٦٩.

١٠٤. وفي نسخة «أخبرني».

١٠٥. وفي نسخة «أنا».

١٠٦. «فتح» ٧/ ٦٨٥ في «كتاب مناقب الأنصار».