HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٤٩٣

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللهَ ﷿، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ - أَوْ أُرِيتُ الْجَنَّةَ -، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ، قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: بِكُفْرِهِنَّ، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص479
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ١٤٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٧ ص١٩
١٧ - (قَدْرُ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ) ١٤٩٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ، فَاذْكُرُوا اللَّهَ -﷿-»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ، تَنَاوَلْتَ شَيْئًا، فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ، تَكَعْكَعْتَ، قَالَ: «إِنِّى رَأَيْتُ الْجَنَّةَ»، أَوْ «أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ، لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». قَالُوا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ». قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ، قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن سلمة) المراديّ المصريّ، ثقة ثبت [١١] ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن القاسم) عبد الرحمن الْعُتَقيّ المصريّ، ثقة فقيه، من كبار [١٠] ١٩/ ٢٠. ٣ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه المثبت [٧] ٧/ ٧. ٤ - (زيد بن أسلم) العدويّ مولاهم المدني، ثقة فقيه [٣] ٦٤/ ٨٠. ٥ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، ثقة فاضل، من صغار [٣] ٦٤/ ٨٠. ٦ - (عبد اللَّه بن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من مالك، والباقيان مصريان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كذا في «الموطإ»، وفي جميع من أخرجه من طريق مالك، ووقع في رواية اللؤلؤيّ في «سنن أبي داود» «عن أبي هريرة» بدل «ابن عباس»، وهو غلط، وقاله في «الفتح» أنه (قَالَ: خَسَفَتِ) وفي نسخة «كسفت» بالكاف، وهو بمعناه (الشَّمْسُ، فَصَلَّى رَسُولُ - ﷺ -، وَالنَّاسُ- مَعَهُ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، قَرَأَ نَحْوًا من سُورَةِ الْبَقرَةِ) هذا محل الترجمة، فإنه يدلّ على مقدار القراءة في صلاة الكسوف، وقد تقدّم نحوه في حديث عائشة - ﵁ - ١٣/ ١٤٨١ - «قالت: فحَسِبْتُ قَرأَ سورةَ البقرة» (قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوً دُونَ الرُّكُوعِ الأَوّلِ، ثُمَّ سَجَدَ) أي سجدتين (ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأوَّلِ) فيه أن الركعة الثانية أقصر من الأولى (قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَام الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوً دُونَ الرُّكُوعِ الأَوّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ) أي سلَّم من الصلاة (وَقَد تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ: «إِن الشَّمْسُ وَالْقَمَرَ، آيَتَانِ من آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدِ، وَلَا لِحَيَاتِه، فَإِذَا رَأَيْتُم ذَلِكَ، فَاذكُرُوا اللهَ -﷿-، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ) قال الحافظ: في حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن:»فلما قضى الصلاة، قال له أُبيّ بن كعب: شيئًا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه«، فذكر نحو حديث ابن عباس، إلا أن في حديث جابر أن ذلك كان في الظهر، أو العصر، فإن كان محفوظًا فهي قصة أخرى، ولعلها التي حسماها أنس، وذكر أنها وقعت في صلاة الظهر، لكن فيه:»عُرضت عليّ الجنة والنار في عُرْض هذا الحائط«، حسبُ، وأما حديث جابر فهو شبيه بسياق ابن عباس في ذكر العنقود، وذكر النساء. واللَّه تعالى أعلم انتهى. (رَأَينَاكَ، تَنَاوَلْتَ) بصيغة الماضي، ووقع عند البخاري في رواية الكشميهني«تناولُ»بصيغة المضارع بضم اللام، وبحذف إحدى التاءين، وأصله تتناول (شَيْئًا، فِي مَقَامِكَ هَذَا، ثُمَّ رَأَينَاك، تَكَعْكَعْتَ) أي تأخّرت، يقال: كعّ الرجل: إذا نكص على عقبيه، قال الخطّابيّ: أصله تكععت، فاستثقلوا اجتماع ثلاث عينات، فأبدلوا من إحداها حرفًا مكررًا، ووقع في رواية مسلم«ثم رأيناك كففت»بفاءين خفيفين (قَالَ:«إِنّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ») تقدّم أن هذه الرؤية رؤية حقيقية على الراجح (أَوْ) للشكّ من الراوي («أُرِيتُ الْجَنَّةَ (قال الحافظ -﵀-: ظاهره أنها رؤية عين، فمنهم من حمله على أن الحجب كُشفت له دونها، فرآها على حقيقتها، وطويت المسافة بينهما، حتى أمكنه أن يتناول منها، وهذا أشبه بظاهر هذا الخبر، ويؤيده حديث أسماء - ﵂ -، بلفظ: »دنت مني الجنّة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقِطْف من قِطافها«. ومنهم من حمله على أنها مثّلت له في الحائط، كما تنطبع الصورة في المرآة، فرأى جميع ما فيها، ويؤيده حديث أنس - ﵁ -: «لقد عُرضت عليّ الجنّة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي»، وفي رواية «لقد مثلت»، ولمسلم «لقد صُوّرت»، ولا يَرِد على هذا أن الانطباع إنما هو في الأجسام الصقيلة، لأنا نقول: هو شرط عاديّ، فيجوز أن تنخرق العادة خصوصًا للنبي - ﷺ -، لكن هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر، ولا مانع أن يرى الجنّة والنار مرتين، بل مرارًا على صور مختلفة، وأبعدَ مَن قال: إن المراد بالرؤية رؤية العلم. . وقال القرطبي -﵀-: هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة، لا رؤية علم، بدليل أنه رأى في الجنّة والنار أقوامًا بأعيانهم، ونعيما، وقطفا من عنب، وتناوله، وغير ذلك، ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيما على مذهب أهل السنّة في أن الجنة والنار قد خُلقتا، ووُجدتا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وذلك راجع إلى أن اللَّه تعالى خلق لنبيه - ﷺ - إدراكًا خاصا به، أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما، كما قد خلق له إدراكًا لبيت المقدس، فطفق يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه. ويجوز أن يقال: إن اللَّه تعالى مثّل له الجنّة والنار، وصوّرهما له في عُرْض الحائط، كما تتمثّل صور المرئيات في المرآة، ويعتضد هذا بما رواه البخاريّ من حديث أنس - ﵁ - في غير حديث الكسوف، قال - ﷺ -: «لقد رأيت الآن منذ صلّيت لكم الصلاةَ الجنةَ والنارَ متمثلتين في قبلة هذا الجدار»، وفي لفظ آخر: «عُرضت عليّ الجنَّةُ والنار آنفًا في عُرْض هذا الحائط، وأنا أصلي»، وقال فيه مسلم: «إني صُوِّرت لي الجنة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط». ولا يُستبعَدُ هذا من حيث إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصَّقِيلة؛ لأنا نقول: إن شرط ذلك عاديّ، لا عقليّ، ويجوز أن تنخرق العادة، وخصوصًا في مدّة النبوّة، ولو سُلّم أن تلك الشروط عقلية، فيجوز أن تكون تلك الأمور موجودة في جسم الحائط، ولا يُدرك ذلك إلا النبيّ - ﷺ - انتهى كلام القرطبي -رحمه اللَّه تعالى- . (فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا) قال في «المصباح»: «العُنقُود» من العنب ونحوه فُنْعُول بضمّ الفاء، والْعِنْقَاد مثله انتهى (وَلَوْ أُخَذْتُهُ، لَأكَلْتُمْ مِنْهُ) وفي رواية البخاريّ: «ولو أصبته» بدل «ولو أخذته». قال في «الفتح»: واستُشكل مع قوله: «تناولت». وأُجيب يحمل التناول على تكلّف الأخذ، لا حقيقة الأخذ. وقيل: المراد تناولت لنفسي، ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني، وليس بجيّد. وقيل: المراد بقوله: «تناولت» أي وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدّر لي قطفه، ولو أصبته، أي لو تمكنت من قطفه، ويدلّ عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة «أهوى بيده ليتناول شيئًا»، وللبخاري في حديث أسماء - ﵂ - «حتى لو اجترأت عليها»، وكأنه لم يؤذن له في ذلك، فلم يجترىء عليه. وقيل: الإرادة مقدّرة، أي أردت أن أتناول، ثم لم أفعل، ويؤيده حديث جابر - ﵁ - عند مسلم «ولقد مددت يدي، وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليها، ثم بدا لي أن لا أفعل»، ومثله للبخاريّ في حديث عائشة - ﵂ -، ولفظه: «حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفا من الجنّة، حين رأيتموني جعلت أتقدّم»، ولعبد الرزاق من طريق مرسلة: «أردت أن آخذ منها قطفًا لأريكموه، فلم يقدّر»، ولأحمد من حديث جابر: «فحيل بيني وبينه». قال ابن بطال -﵀-: لم يأخذ العُنقود لأنه من طعام الجنة، وهو لا يَفنى، والدنيا فانية، لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان إيمانهم بالشهادة، لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفسًا إيمانها. وقيل: لأن الجنّة جزاء الأعمال، والجزاء بها لا يقع إلا في الآخرة. وحكى ابن العربي -﵀- في «قانون التأويل» عن بعض شيوخه، أنه قال: معنى قوله: «لأكلتم منه الخ» أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائما، بحيث لا يغيب عن ذوقه. وتعقّب بأنه رأيٌ فلسفيّ مبنيّ على أن دار الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال. والحقّ أن ثمار الجنة لا مقطوعة، ولا ممنوعة، وإذا قُطعت خلقت في الحال، فلا مانع أن يخلق اللَّه مثل ذلك في الدنيا إذا شاء، والفرق بين الدارين في وجوب الدوام وجوازه. [فائدة]: بيّن سعيد بن منصور في روايته من وجه آخر، عن زيد بن أسلم أن التناول المذكور كان حين قيامه الثاني من الركعة الثانية. انتهى . (ما بقيت الدنيا) «ما» مصدرية ظرفية، أي مدة بقاء الدنيا، أي لعدم فناء فواكه الجنة. (وَرَأَيْتُ النَّارَ) وقع في رواية عبد الرزّاق المذكورة أن رؤيته النار كانت قبل رؤيته الجنة، وذلك أنه قال فيه: «عُرضت على النبي - ﷺ - النارُ، فتأخر عن مصلاه، حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضا، وإذا رجع عُرضت عليه الجنة، فذهب يمشي حتى وقف في مصلّاه»، ولمسلم من حديث جابر: «لقد جيء بالنار حين رأيتموني تأخّرت، مخافة أن يصيبني من لَفْحها»، وفيه «ثم جيء بالجنة، وذلك حين رأيتموني تقدّمت، حتى قمت في مقامي»، وزاد فيه: «ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه»، وفي حديث سمرة عند ابن خزيمة: «لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم». (فَلَمْ أَرَ كالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ) «منظرًا» تمييز محول عن المضاف، أي كمنظر اليوم، والمراد باليوم الوقَت، فالمعنى: كالمنظر الذي رأيته الآن. ولفظ البخاري: «فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع». قال في «الفتح»: المراد باليوم الوقت الذي هو فيه، أي لم أر منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، فحذف المرئيّ، وأدخل التشبيه على اليوم لبشاعة ما رأى فيه، وبعده عن المنظر المألوف. وقيل: الكاف اسم، والتقدير: ما رأيت مثل منظر هذا اليوم منظرا. ووقع في رواية المستملي، والحموي: «فلم أنظر كاليوم قط أفظع». انتهى. (وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النًسَاءَ) قال الحافظ: هذا يفسّر وقتَ الرؤية في قوله لهنّ في خطبة العيد: «تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار» انتهى. قال الجامع -عفا اللَّه عنه-: فيما قاله نظر، إذ لا يتعيّن هذا تفسيرًا لما ذكره، إذ يحتمل أن يراهن في وقت آخر أيضًا، واللَّه تعالى أعلم. (قَالُوا: لِمَ) وفي نسخة «بم» (يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ»، قِيلَ«يَكفُرْنَ باللهِ؟) القائل هي أسماء بنت يزيد بن السكن التي كانت تعرف بخطيبة النساء (قَال:»يكْفُرْنَ الْعَشِيرَ) أي الزوج، قال الكرماني -﵀-: ولم يُعدّه بالباء، كما عدّى الكفر باللَّه، لأن كفر العشير لا يتضمّن معنى الاعتراف (وَيَكفُرْنَ الإِحْسَانَ) كانه بيان لقوله: «يكفرن العشير» لأن المقصود كفر إحسان العشير، لا كفران ذاته، والمراد بكفر «الإحسان تغطيته، أو جحده، ويدل عليه آخر الحديث (لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ) بيان للتغطية المذكورة، و»لو«هنا شرطية، لا امتناعية، وقال الكرمانيّ: ويحتمل أن تكون امتناعيةً بان يكون الحكم ثابتًا على النقيضين، والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور، و»الدهرَ«منصوب على الظرفية، والمراد منه عمر الرجل، أو الزمان كله، مبالغة في كفرانهنّ، وليس المراد بقوله:»أحسنت«مخطابة رجل بعينه، بل كلّ من يتأتّى منه أن يكون مخاطبًا، فهو خاصّ لفظًا، عامّ معنى (ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا) التنوين فيه للتقلمل، أي شيئًا قليلًا لا يوافق غرضها، من أي نوع كان. ووقع في حديث جابر - ﵁ - ما يدل على أن المرئيّ في النار من النساء من اتصف بصفات ذميمة ذُكرتْ، ولفظه:«وأكثر من رأيت فيها من النساء اللاتي إن ائتُمنّ أفشين، وإن سُئلن بخِلنَ، وإن سألن ألْحَفْنَ، وإن أعطين لم يشكرن … »الحديث. (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) الظاهر أن التنوين في«خيرًا»أيضًا للتقليل، أي لم أر منك قليلًا من الخير .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٧/ ١٤٩٣ - وفي«الكبرى» ١٧/ ١٨٧٨ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ١٤ و١/ ١١٨ و٢/ ٤٥ و١/ ١٩٠ و٤/ ١٣٢ و٧/ ٣٩ (م) ٣/ ٣٣ و٣/ ٣٤ (د) ١١٨٩ (مالك في الموطإ) ١٣٢ (أحمد) ١/ ٢٩٨ و١/ ٣٥٨ (الدارمي) ١٥٣٦ (ابن خزيمة) ١٣٧٧. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده غير ما تقدّم: (منها): المبادرة إلى الطاعة عند رؤية ما يُحذر منه، واستدفاعُ البلاء بذكر اللَّه تعالى، وأنواع طاعته (ومنها): أن فيه معجزةً ظاهرةً للنبي - ﷺ - (ومنها): ما كان عليه من نصح أمته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم (ومنها): مراجعة المتعلّم
مصادر المؤلف (٤)

١. «فتح»ج ٣ ص ٢٤١.

٢. «فتح» ج ٣ ص ٢٤٢.

٣. «المفهم» ج ٢ ص ٥٥٣ - ٥٥٤.

٤. «فتح» ج ٣ ص ٢٤٢ - ٢٤٣.