٣ - (بَابُ الْحَالِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا إِذَا خَرَجَ)
١٥٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الاِسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُتَضَرِّعًا، مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا، فَلَمْ يَخْطُبْ نَحْوَ خُطْبَتِكُمْ هَذِهِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إسحاق بن منصور) الكوسج المروزيّ، ثقة ثبت [١١] تقدم ٧٢/ ٨٨،
٢ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري، ثقة حافظ [١٠] تقدم ٦٤/ ٨٠.
٣ - (عبد الرحمن) بن مهديّ الإمام الحجة المثبت [٩] تقدم ٤٢/ ٤٩.
٤ - (سفيان) بن سعيد الثوري الإمام الحجة المثبت [٧] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٥ - (هشام) بن إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة) أبو عبد الرحمن القرشي المدني، مقبول [٧].
روى عن أبيه. وعنه حفيده إسماعيل بن ربيعة بن هشام، وسفيان الثوريّ، وحاتم بن إسماعيل. قال أبو حاتم: شيخ. وقال البخاريّ: يقال: إنه سهميّ. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال فيه: القرشي السهميّ. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ١٥٠٨ و١٥٢١.
٦ - (أبوه) إسحاق بن عبد اللَّه بن الحارث بن كنانة العامريّ مولاهم، ويقال: الثقفيّ، وقد ينسب إلى جدّه، صدوق [٣].
أرسل عن النبي - ﷺ -، وروى عن أبي هريرة، وابن عباس مرسلًا فيما قال أبو حاتم، وعن عامر بن سعد، وغيرهم. وعنه ابناه: عبد الرحمن، وهشام، وهاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص، وعمر بن محمد الأسلمي. وتقدم في ترجمة ابنه هشام أنه قرشيّ سهميّ.
قال أبو زرعة: مدني ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في «الثقات» في التابعين، فقال: إسحاق بن عبد اللَّه بن كنانة، وصحح حديثه، وقبله أبو عوانة، وأخرج حديثه ابن خزيمة في «صحيحه»، قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء. ولابن القطان كلام في نسبه وحاله. روى له الأربعة، وله
في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده بالأرقام المذكورة في ترجمته ابنه آنفًا.
٧ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، تقدم ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله عندهم رجال الصحيح، غير هشام بن إسحاق، وأبيه، فإنهما من رجال الأربعة. (ومنها): أن شيخه ابن المثنى أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة. (ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن إسحاق بن عبد اللَّه أنه (قال: أَرْسَلَنِي فُلَانٌ) وفي الرواية الآتية من طريق الثوري، عن هشام: قال أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ … «…
وقد بين الأمير المبهم في رواية أبي داود من طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن إسحاق، قال: أخبرني أبي، قال: أرسلني الوليد بن عُتبة، وكان أمير المدينة …» (إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَسْأَلُهُ) جملة حالية من ضمير المتكلّم (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الاسْتِسْقَاءِ) أي عن كيفيتها، وعن كيفية خروجه إليها (فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مُتَضَرِّعًا) اسم فاعل تضرع إلى اللَّه: إذا ابتهل (مُتَوَاضِعًا، مُتَبَذِّلًا) أي لابسًا ثياب المهنة، لا ثياب الزينة. وقال السندي -﵀-: قوله: «متبذّلًا» بمثناة، ثم موحدة، ثم ذال معجمة، من التبذّل، وهو ترك التزيّن، والتهيء بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع، ويحتمل أن يكون بتقديم الموحّدة من الابتذال بمعناه انتهى.
وفي رواية ابن ماجه: «خرج رسول اللَّه - ﷺ - متواضعًا، متبذّلًا، متخشّعًا، مترسّلًا، متضرّعًا»، ومعنى «مترسّلًا»: أي متمهّلًا في مشيه (فَلَمْ يَخْطُبْ نحو خُطبَتكُمْ هَذِهِ) وفي الرواية الآتية من طريق حاتم بن إسماعيل، عن هشام: «فلم يخطب خُطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرّع، والتكبير».
والظاهر أن الخطبة التي أنكرها ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - خالية عن هذه الأمور، أو معظمها.
وإلا فقد فقد ثبت أنه - ﷺ - خطب في الاستسقاء، فقد أخرج أبو داود في «سننه» من حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، فقال: حدثنا هارون بن سعيد الأيليّ، نا خالد بن
نزار، قال: حدثني القاسم بن مبرور، عن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: شكا الناس إلى رسول اللَّه - ﷺ - قحوط المطر، فأمر بمنبر، فوُضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول اللَّه - ﷺ - حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبّر، وحمد اللَّه -﷿-، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمِركم اللَّه -﷿- أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم»، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، لا إله إلا اللَّه يفعل ما يريد، اللَّهمّ أنت اللَّه لا إله إلا أنت الغنيّ، ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوّةً، وبلاغًا إلى حين«، ثم رفع يديه، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوّل إلى الناس ظهره، وقلب -أو حوّل- رداءه، وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل، فصلى ركعتين، فأنشأ اللَّه سحابة، فرَعَدت، وبَرَقَت، ثم أمطرت بإذن اللَّه، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ ضحك - ﷺ - حتى بدت نواجده، فقال:»أشهد أن اللَّه على كلّ شيء قدير، وأني عبد اللَّه ورسوله«. حديث حسن.
(فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) زاد في رواية حاتم بن إسماعيل:»كما كان يصلي في العيدين«. فتبيّن بهذا أن صفة صلاة الاستسقاء كصفة صلاة العيد، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك في بابه، إن شاء اللَّه تعالى.
والحديث دليل على ما ترجم له المصنف -﵀-، وهو بيان الحال التي يستحبّ للإمام أن يكون عليها إذا خرج للاستسقاء، وهو أن يكون متضرّعًا إلى اللَّه، متواضعًا له، متذّلًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائلتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٣/ ١٥٥٦ - وفي «الكبرى» -٢/ ١٨٠٨ - بالسند المذكور. وفي ٤/ ١٥٠٨ - و«الكبرى» ٢/ ١٨٠٧ - عن محمد بن عبيد، عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام به. وفي ١٣/ ١٥٢١ - و«الكبرى»-١١/ ١٨٢٦ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن هشام به.
وأخرجه (د) ١١٦٥ (ت) ٥٥٦ و٥٥٨ (ق) ١٢٦٦ (أحمد) ١/ ٢٣٠ و١/ ٣٥٥ و١/