HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٦٠٩

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فُلَانًا نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ الْبَارِحَةَ، حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ: ذَاكَ شَيْطَانٌ بَالَ فِي أُذُنَيْهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص524
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٣ ص ٢٠٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٧ ص٢٥٩
١٩ - كِتَاب قِيَامِ اللَّيْلِ وَتَطَوُعِ النَّهَارِ ١ - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ وَالفَضلِ فِي ذَلِكَ ١٦٠٩ - أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل، العَنْبَريّ أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كبار [١١] ٩٦/ ١١٩. ٢ - (عبد اللَّه بن محمد بن أسماء) بن عُبيد الضُّبَعيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقة جليل [١٠] ١٩٧/ ٣١٥. ٣ - (جويرية بن أسماء) بن عبيد الضُّبَعيّ البصريّ، عم عبد اللَّه الراوي عنه صدوق [٧] ١٩٧/ ٣١٥. ٤ - (الوليد بن أبي هشام) زياد، القرشي مولاهم، أخو أبي المقدام، البصريّ، وقيل: المدني، ثقة [٦]. روى عن الحسن البصريّ، وفرقد أبي طلحة، ومسلم بن أبي مريم، ونافع مولى ابن عمر، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وعمه أخوه أبو المقدام هشام بن زياد، ووهيب بن خالد، وجويرية بن أسماء، وغيرهم. قال أبو القاسم البغويّ، عن أحمد: ثقة في الحديث جدًّا. وقال ابن معين، وأبو داود، وأبو حاتم: ثقة. زاد أبو حاتم: لا بأس به، أوثق من أخيه. وذكره ابن حبّان في «الثقات». له في مسلم حديثه عن ابن حزم، عن عمرة، عن عائشة في الصلاة النافلة قاعدًا. روى له الجماعة، سوى البخاري، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (١٥٩٨) و(١٦٥٠) و(٥٠٩٦). ٥ - (نافع) مولى ابن عمر المدني الفقيه الحجة الثبت [٣] ١٢/ ١٢. ٦ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين إلى الوليد، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن نَافِع، أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «صَلُّوا فِي بُيُوتكُمْ) هذا لفظ مسلم من طريق أيوب، عن نافع، وفي لفظ له:»اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم«، ولفظ البخاري:»اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم«. قال القرطبيّ -﵀-:«من»للتبعيض، والمواد النوافل بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا:«إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده، فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته»وقال القاضي عياض: هذا في الفريضة، ومعناه: اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم، ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة، وعبيد، ومريض، ونحوهم، قال: وقال الجمهور: بل هو في النافلة، لإخفائها، وللحديث الآخر:«أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». قال النووي: الصواب أن المراد النافلة، وجميع أحاديث الباب تقتضيه، ولا يجوز حمله على الفريضة. انتهى. قال الحافظ بعد نقل كلام عياض: ما نصه: وهذا، وإن كان محتمِلًا، لكن الأول هو الراجح. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما صوّبه النووي -﵀- هو الحقّ عندي، وكونه محتملا للفريضة كما قال الحافظ بعيد، وكيف يحتمل، مع حديث.«فمن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»؟. واللَّه تعالى أعلم. وإنما حثّ على النافلة في البيت، لكونه أخفى، وأبعد من الرياء، وأصون من المحبطات، وليتبرك البيت بذلك، وتنزل فيه الرحمة، والملائكة، وينفر منه الشيطان، كما جاء في الحديث الآخر عند مسلم في«صحيحه»، وهو معنى قوله - ﷺ - في الرواية الأخرى عند مسلم أيضًا:«فإن اللَّه جاعل في بيته من صلاته خيرًا». (وَلَا تَتَّخِذوهَا قُبُورًا) أي لا تصيّروها كالقبور التي ليست فيها صلاة. وقال السنديّ: أي كالقبور في الخلوّ عن ذكر اللَّه، والصلاة، أو لا تكونوا كالأموات في الغفلة عن ذكر اللَّه، والصلاة، فتكون البيوت لكم قبورًا، مساكن للأموات انتهى. وقد احتجّ الإمام البخاري -﵀- في«صحيحه»بهذا الحديث على كراهية الصلاة في المقابر، فقال:«باب كراهية الصلاة في المقابر»، فاعترض عليه الإسماعيليّ بأن الحديث دالّ على كراهة الصلاة في القبر، لا في المقابر. ورُدّ عليه بأنه قد ورد الحديث بلفظ«المقابر»كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -:«لا تجعلوا بيوتكم مقابر». وقال ابن التين: تأوله البخاريّ على كراهة الصلاة في المقابر، وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى لا يصلّون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلّون في بيوتهم، وهي القبور، قال: فأما جواز الصلاة في المقابر، أو المنع منه، فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك. قال الحافظ: إن أراد أنه لا يؤخذ منه بطريق المنطوق، فمسلّم، وإن أراد نفي ذلك مطلقًا، فلا، فقد قدمنا وجه استنباطه . وقال في «النهاية»، تبعًا لـ «المطالع»: إن تأويل البخاريّ مرجوح، والأولى قول من قال: معناه إن الميت لا يصلي في قبره. وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلّوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع الصلاة، وكذا قال البغوي في «شرح السنّة»، والخطابيّ، وقال أيضًا: يحتمل أن المراد لا تجعلوا بيوتكم وطنًا للنوم فقط، لا تصلون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلّي. وقال التوربشتيّ: حاصل ما يحتمله أربعة معان، فذكر الثلاثة الماضية، ورابعها: يحتمل أن يكون المراد أنّ مَن لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت، وبيته كالقبر. قال الحافظ: ويؤيده ما رواه مسلم: «مثلُ البيت الذي يذكرُ اللَّهُ فيه، والبيت الذي لا يُذكر اللَّه فيه، كمثل الحيّ والميت». قال الخطابيّ: وأما مَن تأوّله على النهي عن دفن الموتى في البيوت، فليس بشيء، فقد دُفن رسول اللَّه - ﷺ - في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته. قال الحافظ: ما ادعى أنه تأويل هو ظاهر لفظ الحديث، ولا سيّما إن جُعل النهي حكما منفصلًا عن الأمر، وما استدل به على رده تَعَقّبه الكرماني، فقال: لعلّ ذلك من خصائصه، وقد رُوي أن الأنبياء يُدفنون حيث يموتون. قال الحافظ: هذا الحديث رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس، عن أبي بكر - ﵁ -، مرفوعَا: «ما قُبض نبيّ إلا دُفن حيث يُقبض»، وفي إسناده حسين بن عبد اللَّه الهاشميّ، وهو ضعيف، وله طرق أخرى، مرسلة، ذكرها البيهقيّ في «الدلائل»، ورَوَى الترمذيّ في «الشمائل»، والنسائيّ في «الكبرى» من طريق سالم بن عُبيد الأشجعيّ الصحابيّ - ﵁ -، عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنه قيل له: «فأين يُدفن رسول اللَّه - ﷺ -؟ قال: في المكان الذي قَبَض اللُه فيه روحَهُ، فإنه لم يَقبض روحَه إلا في مكان طيّب». وإسناده صحيح، لكنه موقوف، والذي قبله أصرح في المقصود. وإذا حُمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك، بل هو متّجه، لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيّرها مقابر، فتصير الصلاة فيها مكروهة، ولفظ حديث أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم أصرح من حديث الباب، وهو قوله: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر»، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقًا. واللَّه أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هو كلام نفيسٌ جدًا .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا- ١/ ١٥٩٨ - وفي «الكبرى» - ١/ ١٢٩٠ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في «كتاب الجمعة» ٩٠١ (م) في «صلاة المسافر» ٦٩٩ (د) ٧٧٧ (ت) ١٠٦٦ (ق) ١٢٥٥ (أحمد) ٣٥٩٠ و٤٤٩٧ و٢١١٦٩ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٥٩٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَسْجِدِ، مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيهَا لَيَالِيَ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً، فَظَنُّوا أَنَّهُ نَائِمٌ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ، لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صُنْعِكُمْ، حَتَّى خَشِيتُ، أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ». رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أحمد بن سليمان) الرُّهاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. ٢ - (عفّان بن مسلم) الصفّار البصريّ، ثقة ثبت، من كبار [١٠] ٢١/ ٤٢٧. ٣ - (وُهيب) بن خالد الباهلي مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، تغيّر قليلًا بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (موسى بن عُقبة) بن أبي عيّاش الأسديّ مولى آل الزبير المدني، ثقة فقيه إمام في المغازي [٥] ٩٦/ ١٢٢. ٥ - (أبو النضر) سالم بن أبي أمية، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيمي المدنيّ، ثقة ثبت، يرسل [٥] ٩٨/ ١٢١. ٦ - (بُسر بن سعيد) المدني العابد، مولى ابن الحضرميّ، ثقة جليل [٢] ١١/ ٥١٧. ٧ - (زيد بن ثابت) بن الضحّاك الأنصاريّ النجّاري، الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ١٢٢/ ١٧٩ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من موسى بن عقبة، وشيخه رُهاويّ، والباقيان بصريان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين المدنيين يروي بعضهم عن بعض: موسى، عن أبي النضر، عن بُسْر. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: ذِكرُ سالم أبي النضر بين موسى بن عقبة، وبسر في هذا الإسناد هو رواية الأكثرين، عن موسى، وخالفهم ابن جريج، عن موسى، فلم يذكر أبا النضر في الإسناد، أخرجه المصنّف في «الكبرى» ٢/ ١٢٩١ -، قال الحافظ: ورواية الجماعة أولى، وقد وافقهم مالك في الإسناد، لكن لم يرفعه في «الموطإ»، وقد أخرجه من طريقه المصنف في «الكبرى» أيضًا ٢/ ١٢٩٢ - ورُوي عنه خارج «الموطإ»، مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَن زَيدِ بْن ثَابِت) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنْ النَّبِيَّ - ﷺ -، اتَّخَذَ حُجْرَةً) بالراء قال الحافظ رحمه الَله تعالى: كذا للأكثر بالراء، ولأبي ذرّ عن الكشميهنيّ بالزاي، أي شيئًا حاجزًا، يعني مانعًا بينه وبين الناس. قال في «المصباح»: «الحُجْرة» أي بضم، فسكون-: البيت، والجمع حُجَر، وحُجُرَات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها انتهى. (فِي الْمَسْجِدِ) أي النبويّ، متعلق بـ «اتخذ»، أو بصِفَة لـ«حجرة»، وكذا قوله (مِنْ حَصِيرٍ) أو هو متعلق بحال محذوف من «حجرة». والمعنى أنه - ﷺ - حوّط في رمضان موضعا من المسجد بحصير، ليستره، فجعل الحصير كالْحُجْرة، ليصلي فيه التطوّع، ولا يمرّ بين يديه مار، ويتوفّر خشوعه، ويتفرّغ قلبه. وفيه جواز مثل هذا في المسجد، إذا لم يكن فيه تضييق على المصلين، ونحوهم، ولم يتخذه دائمًا، لأن النبي - ﷺ - كان يحتجزه بالليل، يصلي فيه، ويبسطه بالنهار، فيجلس عليه، كما في رواية عائشة - ﵂ -، عند الشيخين، وغيرهما (فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِيهَا) أي في تلك الحُجْرة. واستُشْكِلَ صلاته - ﷺ - في المسجد، لأنه يلزم منه أن يكون تاركًا للأفضل الذي أَمَر الناس به، حيث قال. «صلّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وأجيب عنه بأوجه: منها: أن هذه الصلاة مما استُثنِيَ، لأن الأفضل عند الجمهور في صلاة التراويح المسجد. ومنها: أنه - ﷺ - كان معتكفًا، إن ذاك، والمعتكف لا يصلي إلا في المسجد. ومنها: أنه إذا احتجر صار كأنه بيت بخصوصه. ومنها: أن السبب في كون صلاة التطوّع في البيت أفضل عدم شَوْبه بالرياء غالبًا، والنبي - ﷺ - منزّه عن الرياء في بيته، وفي غير بيته . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ويظهر لي وجه آخر، وهو أن ذلك لبيان الجواز، والنبي - ﷺ - إذا فعل شيئًا للتشريع يكون أفضل في حقه، وإن كان في حقّ غيره أدون. واللَّه أعلم. (لَيَالِيَ) أي من رمضان، كما بيّن في حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - (حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ) أي ليصلُّوا بصلاته، ففي حديث عائشة - ﵁ - عند البخاريّ : «أن رسول اللَّه - ﷺ - صلّى ذات ليلة في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول اللَّه - ﷺ - …» الحديث، وفي رواية «فلما أصبح تحدثوا أن النبي - ﷺ - صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم»، وفي رواية «فخرج النبي - ﷺ - في الليلة الثانية، فصلّوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلّوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله» (ثُمَّ فَقدُوا صَوْتَهُ لَيلَةً) أي لكراهته اجتماعهم لصلاة الليل، لما سيذكره من العلة (فَظَنُّوا أَنّهُ نَائِمٌ) حيث لم يخرج كعادته (فَجَعَلَ بَعضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ، لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) وفي رواية البخاري في «كتاب الأدب»: «ثم جاءوا ليلة، فحضروا، وأبطأ رسول اللَّه - ﷺ - عنهم، فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحَصَبُوا الباب». وقوله: «حصبوا الباب» يدلّ بظاهره على أنه دخل بيتًا من بيوت أزواجه بعد ما صلى بهم الفريضة، فلم يخرج منه إلى الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير، فحصبوا باب بيته، ليخرج منه إلى حجرة الحصير، فيصلّوا بصلاته من ورائها. وفي حديث عائشة عند أحمد «حتى سمعتُ ناسا منهم يقولون: الصلاة» (فَقَالَ) منكرًا عليهم (مَا زَالَ بِكُم الَّذِي رَأَيْت) «بكم» خبر «زال» قدّم على الاسم، وهو الموصول وقوله (مِنْ صُنْعِكُمْ) بيان للموصول، وللبخاريّ «صَنيعكم». يعني اجتماعهم، وتنحنحهم، ونحو ذلك، وفي حديث عائشة عند البخاري: «فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم»، وفي رواية «فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهّد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يَخْفَ عليّ مكانكم» (حَتى خَشِيتُ، أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ) أي يُفرض عليكم قيام الليل، وهذا ظاهر في أن عدم خروجه إليهم كان لهذه الخشية، لا لكون المسجد امتلأ، وضاق عن المصلين، قاله في «الفتح» (وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، مَا قُمْتُمْ بِه) أي لتركتموه مع القدرة عليه، وفي رواية للبخاري: «ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها»، أي تشق عليكم، فتتركونها مع القدرة عليها، وليس المراد العجز الكلّيّ، لأنه يُسقطُ التكليفَ من أصله. قال في «الفتح»: ثم إنّ ظاهر هذا الحديث أنه - ﷺ - توقّع ترتّب افتراض الصلاة بالليل جماعةً على وجود المواظبة عليها، وفي ذلك إشكال، وقد بناه بعض المالكية على قاعدتهم في أن الشروع مُلزِم، وفيه نظر. وأجاب المحبّ الطبريّ بأنه يحتمل أن يكون اللَّه -﷿- أوحى إليه أنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتُها عليهم، فأَحَبَّ التخفيف عنهم، فترك المواظبة، قال: ويحتمل أن يكون ذلك وقع في نفسه، كما اتفق في بعض القُرَب التي داوم عليها، فأفْتُرضت. وقيل. خشي أن يَظنّ أحد من الأمة من مداومته عليها الوجوبَ، وإلى هذا الأخير نحا القرطبيّ، فقال: قوله: «فتفرض عليكم»، أي تظنّونه فرضًا، فيجب على من ظنّ ذلك، كما إذا ظنّ المجتهد حِلّ شيء، أو تحريمه، فإنه يجب عليه العمل به، قال: وقيل: كان حكم النبي - ﷺ - أنه إذا واظب على شيء من أعمال البرّ، واقتدى الناسُ به فيه أنه يُفرض عليهم انتهى. ولا يخفى بُعْدُ هذا الأخير، فقد واظب النبي - ﷺ - على رواتب الفرائض، وتابعه أصحابه، ولم تُفرض. وقال ابن بطّال: يحتمل أن يكون هذا القول صدر منه - ﷺ - لَمّا كان قيام الليل فرضًا عليه، دون أمته، فخشي إن خرج إليهم، والتزموا معه قيام الليل أن يسوّي اللَّه بينه وبينهم في حكمه، لأن الأصل في الشرع المساواة بين النبي - ﷺ -، وبين أمته في العبادة، قال. ويحتمل أن يكون خشي من مواظبتهم عليها أن يضعفوا عنها، فيعصي من تركها بترك اتباعه - ﷺ -. وقد استشكل الخطّابي أصل هذه الخشية، مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: «هنّ خمس، وهنّ خمسون، لا يُبدّل القول لديّ»، فإذا أُمن التبديل، فكيف يقع الخوف من الزيادة؟ وهذا يَدفع في صدور الأجوبة التي تقدمت، وقد أجاب عنه الخطّابيّ بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه - ﷺ -، وأفعاله الشرعيّة يجب على الأمة الاقتداء به فيها -يعني عند المواظبة- فترك الخروج إليهم لئلا يدخل ذلك في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء به، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر، فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع، قال: وفيه احتمال آخر، وهو أن اللَّه فرض الصلاة خمسين، ثمّ حطّ معظمها بشفاعة نبيه - ﷺ -، فإذا عادت الأمة فيما استوهبه لها، والتزمت ما استعفى لهم نبيهم - ﷺ - منه لم يُستنكر أن يثبت ذلك فرضَا عليهم، كما التزم ناس الرهبانية من قِبَل أنفسهم، ثم عاتب اللَّه عليهم التقصير فيها، فقال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ الآية [الحديد: ٢٧]، فخشي - ﷺ - أن يكون سبيلُهم سبيلَ أولئك، فقطع العمل، شفقةً عليهم من ذلك، وقد تلقّى هذين الجوابين من الخطّابي جماعةٌ من الشراح، كابن الجوزي، وهو مبنيّ على أن قيام الليل كان واجبا عليه - ﷺ - وعلى وجوب الاقتداء بأفعاله، وفي كلّ من الأمرين نزاع. وأجاب الكرمانيّ بأن حديث الإسراء يدلّ على أن المراد بقوله تعالى: «ما يبدل القول لديّ» الأمنُ من نقص شيء من الخمس، ولم يتعرّض للزيادة انتهى. لكن في ذكر التضعيف بقوله: «هن خمس، وهن خمسون» إشارة إلى عدم الزيادة أيضا، لأن التضعيف لا ينقص عن العشر. ودفع بعضهم في أصل السؤال بأن الزمان كان قابلًا للنسخ، فلا مانع من خشية الافتراض. وفيه نظر، لأن قوله: «لا يبدّل القول لديّ» خبر، والنسخ لا يدخله على الراجح، وليس هو كقوله مثلًا لهم. صوموا الدهر أبدًا، فإنه يجوز فيه النسخ. قال الحافظ: وقد فتح الباري بثلاثة أجوبة أخرى: (أحدها): يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام، بمعنى جعل التهجّد في المسجد جماعةً شرطًا في صحة التنفّل بالليل، ويومىء إليه قوله في حديث زيد بن ثابت -يعني حديث الباب-: «حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلّوا أيها الناس في بيوتكم»، فمنعهم من الجمع في المسجد، إشفاقًا عليهم من اشتراطه، وأَمِنَ مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم. (ثانيها): يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية، لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، بل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها. (ثالثها): يحتمل أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصّة، فقد وقع في حديث عائشة أن ذلك كان في رمضان، وفي رواية سفيان ابن حسين: «خشيت أن يفرض عليكم قيام هذا الشهر»، فعلى هذا يرتفع الإشكال، لأن قيام رمضان لا يتكرّر كل يوم في السنة ، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس. قال: وأقوى هذه الأجوبة الثلاثة في نظري الأول، واللَّه سبحانه، وتعالى أعلم انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-. وهو بحث نفيس، واللَّه تعالى أعلم. ﴿فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ) أي صلّوا النوافل التي لا تستحبّ فيها الجماعة، والتي لا تختصّ بالمسجد، كركعتي تحيّة المسجد، والأمرُ للاستحباب (فَإنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ) هذا عامّ في جميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي هي من شعار الإسلام، كالعيد، والكسوف، والاستسقاء، وكذا ما يختص بالمسجد، كركعتي تحية المسجد. قال السنديّ -﵀-: قد ورد هذا الحديث في صلاة رمضان فى مسجده - ﷺ -، فإذا كان صلاة رمضان في البيت خيرًا منها في مسجده - ﷺ -، فكيف غيرها في مسجد آخر، نعم كثير من العلماء يرون أن صلاة رمضان في المسجد أفضل، وهذا يخالف هذا الحديث، لأن مورده صلاة رمضان، إلا أن يقال: صار أفضل، حين صار أداؤها في المسجد من شعار الإسلام، واللَّه تعالى أعلم انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في كلامه الأخير نظر لا يخفى، ومتى صار أداؤها في المسجد شعار الإسلام؟ وقد قال عمر - ﵁ - بعد ما جمع الناس على إمام واحد: «نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون». يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله. رواه البخاري. والحاصل أن صلاة رمضان في البيت أفضل في كلّ زمن، على ظاهر حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم (إِلا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ) أي المفروضة، وتقدّم أنه إنما حثهم على التنفّل في البيت، لكونه أخفى، وأبعد عن الرياء، ولتحصل البركة للبيت به، وتنزل الرحمة فيه، وينفر الشيطان .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا- ١/ ١٥٩٨ - وفي «الكبرى» ٢/ ١٢٩٢ - بالإسناد المذكور، وفي «الكبرى» ٢/ ١٢٩١ - عن عبدالله بن محمد بن تميم المصّيصيّ، عن حجاج الأعور، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن بُسر سعيد، عنه، ولم يذكر أبا النضر، واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ١٨٢ و٨/ ٣٤ و٩/ ١١٧ (م) ٢/ ١٨٨ (د) ١٤٤٧ و١٠٤٤ (ت) ٤٥٠ (أحمد) ٥/ ١٨٢ و٥/ ١٨٣ و٥/ ١٨٤ و٥/ ١٨٦ و٥/ ١٨٧ (عبد بن حميد) ٢٥٠ (الدارمي) ١٣٧٣ (ابن خزيمة) ١٢٠٣ و١٢٠٤ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الصلاة في البيوت، وبيان فضل ذلك، ووجهه أنه - ﷺ - فَضَّلَ الصلاة في البيت على الصلاة في مسجده، مع أن الصلاة فيه خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. ومنها: مشروعية قيام الليل، ولا سيما في رمضان جماعة، لأن الخشية المذكورة أُمنت بعد النبي - ﷺ -، ولذا جمعهم عمر بن الخطاب على أبي بن كعب - ﵄ -، قاله في «الفتح». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا لا ينافي أفضلية الصلاة في البيت. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: أن الكبير إذا فعل شيئًا، خلافَ ما اعتاده منه أتباعه يذكر لهم عذره، وحكمه، والحكمة فيه. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من الزهادة في الدنيا، والاكتفاء بما قلّ منها، والشفقة على أمته، والرأفة بهم. ومنها. ترك بعض المصالح لخوف المفسدة، وتقديم أهمّ المصلحتين. ومنها: جواز الاقتداء بمن لم ينو الإمامة. ومنها: ترك الأذان والإقامة للنوافل إذا صُلّيتْ جماعةً. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٠٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي الْوَزِيرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفِطْرِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَلَمَّا صَلَّى، قَامَ نَاسٌ يَتَنَفَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن بشار) بُندار البصري الحافظ الثبت [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (إبراهيم بن أبي الوزير) عُمر بن مطرّف، الهاشميّ مولاهم، أبو عمرو، أو أبو إسحاق المكيّ، نزيل البصرة، صدوق [٩]. روى عن مالك، وفُليح، ومحمد بن موسى الفطري، وغيرهم. وعنه بندار، ومحمد بن المثنى، وابن المدينيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم: لا بأس به. ووثقه بُندار. وقال الدارقطني: ثقة، ليس في حديثه ما يخالف الثقات، وقال ابن حبان في «الثقات»: هو خال عبد الرحمن بن مهديّ. قال البخاريّ: مات بعد أبي عاصم، ومات أبو عاصم سنة (٢١٢) وقال ابن قانع: مات سنة (٢١٢). روى له الجماعة، إلا مسلمًا، روى له البخاري مقرونًا، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٦٠٠) و(٤٠٣٨) و(٥٢١٩). ٣ - (محمد بن موسى) بن أبي عبد اللَّه، الفِطْريّ -بكسر الفاء، وسكون الطاء- مولاهم، أبو عبد اللَّه المدني، صدوق رُمي بالتشيع [٧]. روى عن المقبريّ، ويعقوب بن سلمة الليثيّ، وسعد بن إسحاق، وغيرهم. وعنه ابن مهديّ، وإبراهيم بن أبي الوزير، ومَعْن بن عيسى، وغيرهم. قال أبو حاتم: صالح الحديث، كان يتشيّع، وقال الترمذي: ثقة. وقال أبو جعفر الطحاوي. محمود في روايته، ذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال أحمد بن صالح: محمد بن موسى الفطريّ شيخ ثقة، من الفطريين، حسن الحديث، قليل الحديث. روى له الجماعة، سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث برقم (١٦٠٠) و(١٩٣٨) و(٣٣٤٠) و(٥٣٧١). ٤ - (سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة) البَلَويّ المدني، حليف بني سالم من الأنصار، ثقة [٥]. روى عن أبيه، وعمته زينب، وعمه عبد الملك، وأنس، ومحمد بن كعب، وغيرهم. وعنه الزهري، أكبر منه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومحمد بن موسى الفِطْريّ، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ، والدارقطنيّ: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. ووثّقه صالح جَزَرَة، وابن المدينيّ، وابن نمير، والعجليّ. وقال ابن عبد البرّ: ثقة، لا يُختَلف فيه. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: مات قبل خروج محمد بن عبد اللَّه بن الحسن. وأَرّخه ابن سعد بعد سنة (١٤٠) وقال. كان ثقة، وله أحاديث. روى له الأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (١٦٠٠) و(٣٥٢٨) وكرّره أربع مرات و(٤٤٢٨). ٥ - (أبوه) إسحاق بن كعب بن عُجرة البَلَويّ، حليف الأنصار، مجهول الحال [٣]. روى عن أبيه، وأبي قتادة. وعنه ابنه سعد، ذكره ابن حبان في «الثقات». وقال ابن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه سعد. وذكر الدمياطي أنه قُتل في الحرّة (٦٣). روى له أبو داود، والترمذيّ، والمصنّف، وله فى هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٦ - (جدّه) كعب بن عُجْرة الأنصاريّ المدني، أبو محمد الصحابي الشهير - رضي اللَّه تعالى عنه - ٨٦/ ١٠٤ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير سعد بن إسحاق، فمن رجال الأربعة، وغير أبيه، فمن رجالهم إلا ابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن جدّه، وتابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعْدِ بنِ إِسْحَقَ بنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَن أَبِيهِ) إسحاق (عَنْ جَدِّهِ) كعب - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: صَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - صَلَاةَ الْمَغْرِب، فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ) بطن من الأنصار (فَلَمَّا صَلَّى) أي انتهى من صلاة المغرب. ولفظ أبي داود: «فلما قضوا صلاتهم رآهم يسبّحون بعدها … (قَامَ نَاسٌ يَتَنَفَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:»عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ«أي الزموا هذه الصلاة في بيوتكم، لا في المسجد. ولفظ أبي داود:»هذه صلاة البيوت«. وهو خبر بمعنى الأمر، وفي رواية أحمد:»اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم«للسبحة بعد المغرب». قال السندي -﵀-: قوله: «بهذه الصلاة» أي الصلاة بعد المغرب، أو النافلة مطلقًا، والأول أقرب، ويلزم منه أن يكون للصلاة التي بعد المغرب زيادة اختصاص بالبيت فوق اختصاص مطلق النافلة به، انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن عُجْرة - ﵁ - هذا صحيح. [فإن قلت]: كيف يصحّ، وفي إسناده إسحاق بن كعب، وهو مجهول الحال، كما تقدم؟ [قلت]: يشهد له حديث محمود بن لبيد، عند الإمام أحمد -﵀-، في «مسنده» ج ٥ ص ٤٢٧ قال: حدثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاريّ، عن محمود بن لبيد، أحد بني عبد الأشهل، قال: أتانا رسول اللَّه - ﷺ -، فصلى بنا المغرب في مسجدنا، فلما سلّم منها قال: «اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم»للسبحة بعد المغرب«. وقال أيضًا: حدثنا ابن أبي عديّ، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم عمر … فذكره. ورجاله رجال الصحيح، فيشهد لحديث كعب المذكور. والحاصل أن حديث كعب - ﵁ - هذا صحيح. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا- ١/ ١٦٠٠ بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) ١٣٠٠ (ت) ٦٠٤ (ابن خزيمة). ١٢٠١ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: دلّ حديث كعب - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا على الأمر بأداء سنة المغرب في البيوت. وقد أخذ بظاهر الأمر ابن أبي ليلى، فقال بعدم صحة سنة المغرب في المسجد، واستحسنه أحمد. فقد ذكر عبد اللَّه بن أحمد بعد ذكر حديث محمود بن لبيد المتقدّم: ما نصّه: قلت لأبي: إن رجلًا قال: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد لم تجُزه، إلا أن يصليهما في بيته؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «هذه من صلوات البيوت». قال: من قال هذا؟ قلت: محمد بن عبد الرحمن، قال: ما أحسن ما قال! أو ما أحسن ما انتزع!. انتهى . لكن الجمهور حملوا الأمر على الندب للأحاديث الصحيحة الدالة على جواز النافلة في المسجد: فمنها: الحديث الماضي أنه - ﷺ - اتخذ حجرة في المسجد، فصلى فيها، وصلى بصلاته قوم، فلو كانت النافلة لا تصحّ لبيّن لهم ذلك، وإنما أرشدهم إلى ما هو الأفضل، وهو التنفل في البيوت. ومنها: ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا صلّيتم الجمعة، فصلّوا أربعًا»، زاد في رواية: «فإن عجل بك شيء، فصلّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت». ومنها: حديث أنس - ﵁ -، قال: كنا بالمدينة، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب، ابتدروا السواري، فركعوا ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صُلّيت، من كثرة من يصليهما». رواه مسلم، ورواه البخاري أيضًا بنحوه، ورواه أحمد، والنسائي، والبيهقيّ. ومنها: حديث حذيفة - رضي اللَّه تعالى عنه -، قال: أتيت النبي - ﷺ -، فصليت معه المغرب، فصلى إلى العشاء. رواه النسائي بإسناد جيّد. وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة الدالّة على مشروعية التطوع في المسجد، لكن الأفضل التطوع في البيوت؛ لحديث زيد بن ثابت - ﵁ - المتقدم:«فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». هذا كله في حقّ غير المعتكف، أما هو فيتنفّل في المسجد بلا كراهة، اتفاقًا . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. … ٢ - بَابُ قِيَامِ اللَّيْلِ ١٦٠١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْوَتْرِ؟، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِأَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: عَائِشَةُ، ائْتِهَا، فَسَلْهَا، ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِرَدِّهَا عَلَيْكَ، فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ بْنِ أَفْلَحَ، فَاسْتَلْحَقْتُهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا، إِنِّي نَهَيْتُهَا، أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا، فَأَبَتْ فِيهَا، إِلاَّ مُضِيًّا، فَأَقْسَمْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ مَعِي، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لِحَكِيمٍ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قُلْتُ: سَعْدُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، فَتَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: نِعْمَ الْمَرْءُ، كَانَ عَامِرًا، قَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: أَلَيْسَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ - الْقُرْآنُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي قِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: أَلَيْسَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ، فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلًا، حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ، وَأَمْسَكَ اللَّهُ -﷿- خَاتِمَتَهَا، اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ -﷿-، التَّخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا، بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ، وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ -﷿-، لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ، وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ، إِلاَّ عِنْدَ الثَّامِنَةِ، يَجْلِسُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ -﷿-، وَيَدْعُو، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا، يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَا بُنَيَّ فَلَمَّا أَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَخَذَ اللَّحْمَ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا سَلَّمَ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكَعَاتٍ، يَا بُنَيَّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يَدُومَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ وَجَعٌ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ -، قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا قَامَ لَيْلَةً كَامِلَةً، حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا، غَيْرَ رَمَضَانَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ: صَدَقَتْ، أَمَا إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهَا، لأَتَيْتُهَا حَتَّى تُشَافِهَنِي مُشَافَهَةً. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي، وَلَا أَدْرِي مِمَّنِ الْخَطَأُ، فِي مَوْضِعِ وِتْرِهِ ﵇). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (محمد بن بشار) بُندار البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٢ - (يحيى بن سعيد) القطّان البصريّ الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. ٣ - (سعيد) بن أبي عروبة: مِهْرَان البصريّ، ثقة ثبت، يدلّس، واختلط بآخره [٦] ٣٤/ ٣٨. ٤ - (قتادة) بن دعامة السدوسيّ البصريّ، ثقة ثبت مدلس [٤] ٣٠/ ٣٤. ٥ - (زُرَارة) بن أوفَى العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ، قاضيها، ثقة عابد [٣] ٢٧/ ٩١٧. ٦ - (سعد بن هشام) بن عامر الأنصاريّ المدنيّ، ثقة [٣] ٦٧/ ١٣١٥. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين إلى زُرارة، والباقيان مدنيّان. (ومنها): أن فيه ثلاثة من ثقات التابعين، يروي بعضهم عن بعض: قتادة، عن زُرارة، عن سعد. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعْدِ) بسكون العين المهملة (بْنِ هِشَامٍ) الأنصاري المدني ابن عمّ أنس - ﵁ -، من أوساط التابعين، استُشهد بأرض الهند غازيًا ببلدة تسمّى مُكران -بضم الميم- (أَنَّهُ لَقِيَ ابنَ عَبَاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فَسَألَهُ عَنِ الْوَتْرِ؟) وفي الحديث قصّة ساقها مسلم في «صحيحه» من طريق محمد بن أبي عديّ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، أن سعد ابن هشام بن عامر، أراد أن يغزو في سبيل اللَّه، فقدم المدينة، فاراد أن يبيع عَقَارًا له بها، فيجعله في السلاح، والكُرَاع، ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أُناسًا، من أهل المدينة، فنَهَوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطًا ستّةً، أرادوا ذلك في حياة نبيّ اللَّه - ﷺ -، فنهاهم نبي اللَّه - ﷺ -، وقال: «أليس لكم فيّ أسوةٌ؟»، فلمّا حدّثوه بذلك، راجع امرأته، وقد كان طلّقها، وأشهد على رجعتها، فأتى ابن عباس، فسأله عن وتر رسول اللَّه - ﷺ -؟ فقال ابن عباس: ألا أدلّك على أعلم أهل الأرض … «الحديث. (فَقَالَ) ابن عبّاس - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَلَا أُنَبِّئُكَ) من الإنباء، أو من التنبيء، ولفظ مسلم:«ألا أدلّك»(بِأَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِوِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) فيه أنه يستحبّ للعالم إذا سئل عن شيء، ويعرف أن غيره أعلم به منه أن يرشد السائل إليه، فإن الدين النصحية، ويتضمّن مع ذلك الإنصاف، والاعتراف بالفضل لأهله، والتواضع. (قَالَ:) سعد (نَعَمْ) أي أنبئيني به، ولفظ مسلم:«مَن؟ »، أي من هو الأعلم بذلك؟ (قَالَ:) ابن عباس (عَائِشَةُ) خبر لمحذوف، أي هي عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها -، وإنما كانت عائشة أعلم بذلك لأن الوتر صلاة ليليّة، تؤدّى في البيت، وأمهات المؤمنين أعلم بذلك، وأولاهنّ به عائشة، لشدة حرصها على حفظ آثار النبي - ﷺ -، وكان يخصّها بما لم يخصّ به غيرها، من نسائه، فقد كان يحبّ الْمُقام عندها كثيرًا، وقد تنازلت لها سودة بنت زَمْعة عن نَوْبتها - ﵄ - (ائْتِهَا) بهمزتين، الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، وفي نسخة «ايتها» بإبدال الهمزة الثانية ياء، لوقوعها ساكنة بعد كسرة همزة الوصل، ولم تُبدل في النسخة الأولى على تقدير إسقاط همزة الوصل، لوصل الكلمة السابقة بها (فَسَلْهَا) وفي نسخة، «فاسألها» (ثُمَّ ارْجِعْ إِلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي) وفي نسخة «وأخبرني» (بِرَدِّهَا عَلَيْكَ) أي بجوابها على سؤالك، وفيه شدّة حرص ابن عبّاس - ﵄ - على تعلم سنة النبي - ﷺ -، وإنما لم يتعلّم بنفسه منها، لكونه لا يدخل عليها، كما سيذكره آخر الحديث (فَأَتَيْتُ عَلَى حَكِيمِ ابْنِ أَفْلَحَ) حجازيّ، روى عن أبي مسعود، وعائشة، وروى عنه جعفر بن عبد اللَّه، والد عبد الحميد، لم يرو عنه غيره، كما قاله الذهبيّ، له في «ابن ماجه» حديث واحد في ما للمسلم على المسلم، وذكره ابن حبّان في «الثقات» (فَاسْتَلْحَقْتُهُ) وفي نسخة «واستلحقته» (إِلَيْهَا) أي طلبت منه أن يلحق بي، ويصاحبني في ذهابي إلى عائشة - ﵂ -، وإنما طلب ذلك منه لمعرفتها إياه، دون سعد ابن هشام، كما يدلّ عليه ما يأتي (فَقَالَ: مَا أَنَا بِقَارِبِهَا) اسم فاعل من قَرَب يقرُب، كقتل يقتُلُ، وفيه لغة أخرى، كتعب، يقال: قَرَبْتُ الأمرَ، أَقرُبُهُ، من باب قَتَلَ، وتَعِبَ، قِرْبَانًا بالكسر: فعلته، أو دانيته، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، ومن الثاني قولك: لا تقرب الحمى، أي لا تدن منه. وأما قرُب بضم الراء، ككَرُم، فإنه لازم يتعدى بـ «من»، يقال: قرُب الشيء، منّا، قُرْبًا، وقَرَابة، وقُرْبة، وقُرْبَى . (إِنِّي نَهَيْتُهَا) هذا بيان لسبب عدم قربه منها (أَنْ تَقُولَ فِي هَاتَيْنِ الشِّيعَتَيْنِ شَيْئًا) «الشيعتان» الفرقتان، والمراد تلك الحروب التي جرت بين فرقتى عليّ ومعاوية - ﵄ - (فَأَبَتْ فِيهَا، إِلا مُضِيَّا) أي امتنعت من قبول نصحي، ومضت على وجهها، حتى حصل وقعة الْجَمَل المشهور (فَأقْسَمْتُ عَلَيْهِ) أي حلفت عليه على أن يذهب معي (فَجَاءَ مَعِي، فَدَخَلَ عَلَيْهَا) أي بعد الاستئذان، ففي رواية مسلم: «فجاء، فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنّا عليها، فأذنت لنا، فدخلنا عليها» (فَقَالَتْ لِحَكِيمٍ: مَن هَذَا مَعَكَ؟) ولمسلم «فقالت: أحكيمٌ؟ فعرفَتْهُ، فقال: نعم، فقالت: ومن معك؟ قال: سعد (قُلْتُ: سَعدُ بْنُ هِشَام) خبر لمحذوف: أي أنا سعد بن هشام (قَالَتْ: مَنْ هِشَامٌ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَامِرٍ، فَتَرَحُمَتْ عَلَيْهِ) أي دعت له بالرحمة، وفي الرواية الآتية ١٨/ ١٦٥١ - من طريق الحسن، عن سعد بن هشام:»قالت: رحم اللَّه أباك«(وَقَالَتْ: نعْمَ الْمَرْءُ، كَانَ عَامِرًا) هكذا في رواية المصنّف بنصب عامر، وفي رواية مسلم:»نعم المرء كان عامر«برفعه، وهو الظاهر، قال أبو البقاء الْعُكبريّ في إعراب الحديث، ص ٤٧٤ - ٤٧٦:»المرء«فاعل»نعم«، و»عامر«المخصوص بالمدح، و»كان«يجوز أن تكون زائدة، ويجوز أن تكون الجملة من»نعم«والمرفوعين بعدها خبر»كان«، ويكون في»كان«ضمير الشأن، كما تقول: كان نعم الرجل زيد، وزيد نعم الرجل كان، ليس من ضمير الشأن؛ لأن ضمير الشأن مُصدَّرٌ على الجملة، وإنما ينبغي أن يكون على هذا اسم كان مضمرًا فيها، وهو عامر، وتكون الجملة المتقدّمة خبرًا لها مُقدّمًا، ونظير زيادة»كان«ههنا زيادتها في التعجّب، كقولك: ما كان أحسن زيدًا. انتهى كلام أبي البقاء. وزاد في رواية مسلم:«قال قتادة: وكان أصيب يوم أحد». يعني إنما ترحمت عليه عائشة - ﵂ -، ومدحته لأنه كان ممن استشهد يوم أحد (قَالَ) ولمسلم«فقلت»(يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَنْبئِيني) أي أخبريني، ولأبي داود«حدثيني» (عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي عن صفاته الطبيعية، والخُلُق بضم المعجمة، واللام، وقد تسكن، في الأصل مَلَكَة راسخة في النفس، تَصدُر عنها الأفعال بسهولة، فإن صدر عنها المحمود عقلًا وشرعًا، فهي الخلق الحسن، وإلا فهي الخلق السيّء، والمراد به هنا ما كان عليه النبي - ﷺ - من الآداب والمكارم (قَالَتْ: أَلَيْسَ تَقْرَأُ القُرْآن؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَت: فإن خُلُقَ نَبيٍّ اللَّهِ - ﷺ - الْقُرْآنُ) قال النووي -﵀-: معناه العمل بالقرآن، والوقوف عند حدوده، والتأدّب بآدابه، والاعتبار بأمثاله، وقصصه، وتدبّره، وحسن تلاوته انتهى. فكان - ﷺ - متمسكًا بآدابه، وأوامره، واقفًا عند حدوده، معتبرًا بأمثاله وقصصه، محسّنًا لتلاوته، فكان عاملًا بقول اللَّه تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقوله تعالي إخبارًا عن لقمان: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]، وقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، وغير ذلك، متحلّيًا بما حثّ عليه اللَّه تعالى بنحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، متجنّبًا ما نهى اللَّه عنه، بنحو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. وبالجملة، فكلّ ما قصّ اللَّه تعالى في كتابه عن الأنبياء وغيرهم، من مكارم الأخلاق، أو حثّ عليه، أو ندب إليه، أو ذكر بالوصف الأتمّ، والنعت الأكمل، كان النبي - ﷺ - متحلّيًا به، ومتوليًا له، ومتخلّقًا به، وبالغًا فيه من المراتب أقصاها، حتى جمُع له من ذلك ما تفرّق في سائر الخلق، وكلّ ما نهى اللَّه عنه كان - ﷺ - لا يحوم حوله، بل كان أبعد الناس منه، ولذا أثنى اللَّه تعالى عليه بأعظم الثناء، حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. (فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ) زاد في رواية مسلم: «ولا أسأل أحدًا عن شيء، حتى أموت». يعني أن سعدًا أراد أن يقوم من عند عائشة - ﵂ -، حيث أجملت له ما كان عليه النبي - ﷺ - من مكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، على وجه أكمل، وأوجز، حينما أحالته على القرآن الكريم الجامع لكلّ صفات الكمال، والمنفّر عن كلّ ذميم الخصال، فيمكنه تتبع أخلاقه - ﷺ - منه إجمالًا وتفصيلًا، فلا يبقى عليه حاجة إلى سؤال شيء من أخلاقه - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وهذا من فصاحة عائشة - ﵂ -، وغزارة علمها، حيث أوجزت، وأبلغت، وأتقنت (فَبَدَا لِي قِيَامُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي ظهر لي السؤال عن كيفية قيامه - ﷺ - في الليل (فَقَال) ولمسلم: «فقلت» (يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَنْبئِينِي عَنْ قِيَامِ نَبِيِّ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَتْ: أَلَيسَ تَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]) بدل من «هذه السورة» (قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- افْتَرَضَ) وفي نسخة «فرض» (قِيَامَ اللَّيْل، فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -، وَأَصْحَابُهُ، حَوْلَا) أي سنة كاملة (حَتَّى انْتَفَخَتْ أَقْدَامُهُمْ) أي من طول قيامهم (وَأَمْسَكَ اللَّهُ -﷿- خَاتِمَتَهَا، اثنَيْ عَشَرَ شَهْرًا) هو معنى قولها: «حولَا» (ثُم أَنزَلَ اللَّهُ ﷿، التخْفِيفَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ) أي في قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ الآية [المزّمّل: ٢٠]، (فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا، بَعدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً) قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: هذا ظاهر أنه صار تطوعا في حق رسول اللَّه - ﷺ - والأمة، فأما الأمة، فهو تطوع في حقهم بالإجماع، وأما النبي - ﷺ -، فاختلفوا في نسخه في حقّه، والأصحّ عندنا نسخه. وأما ما حكاه القاضي عياض -﵀- عن بعض السلف أنه يجب على الأمة من قيام الليل ما يقع عليه الاسم، ولو قدر حلب شاة، فغلط، ومردود بإجماع مَنْ قبله، مع النصوص الصحيحة أنه لا واجب إلا الصلوات الخمس انتهى. (فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ، فَبَدَا لِي وِترُ رَسُولِ اللَهِ - ﷺ -) أي ظهر لي السؤال عن وتره - ﷺ - (فَقُلتُ: يَا أُمَّ الْمُؤمِنِين، أَنبِئِيني عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أي عن وقته، وكيفيته، وعدد ركعاته (قَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ) من الإعداد، أي نهيّء (له سِوَاكَهُ، وَطَهُورَهُ) بفتح الطاء، أي الماء الذي يتطهر به، وفيه استحباب إعداد ذلك، والتأهب بأسباب العبادة قبل وقتها، والاعتناء بها (فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ -﷿-) أي يوقظه (لِمَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ) اللام للتوقيت، أي في الوقت الذي شاء أن يوقظه فيه، ويحتمل أن يكون بفتح اللام، وتشديد الميم، فتكون بمعنى «حين»، أي يوقظه حين شاء اللَّه -﷿- (مِنَ اللَّيْلِ) أي في بعض ساعات الليل، وأوقاته، فـ«من» تبعيضية، وقيل: بيانية (فَيَتَسَوَّكُ) أي يستعمل السواك، وفيه استحباب السواك عند القيام من النوم (وَيَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي ثَمَانِيَ) وفي نسخة «ثمان» (رَكَعَاتٍ) هذا من الأخطاء في هذه الرواية، وسيأتي أن الصواب «تسع ركعات» (لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ) أي في خلال تلك الركعات (إِلاَّ عِنْدَ الثَّامِنَةِ) فيه الردّ على الحنفية القائلين بوجوب الجلسة عند كلّ ركعتين، لأنه - ﷺ - كان يصلي ثمانيًا متصلا، بلا تخلّل جلسات بينها على الشفعات. وأجابوا بأن المراد بالجلسة المنفية الجلسة الخالية عن السلام، قالوا: فالوتر منها ثلاث ركعات، والست قبله من النفل. قال العيني: وهذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر وسلامه، لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر، ولم يسأل عن غيره، فأجابته مبيّنة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام، والجلوس أيضًا على الثالثة بسلام، وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها، وعن السلام فيها، كما أن السؤال لم يقع عنها، فجوابها قد طابق سؤال السائل انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العيني مكابرة، وتحريف للنصّ الصريح -قاتل اللَّه التعصّب- كيف يقول: وسكتت عن جلوس الركعات التي قبلها الخ، وقد صرّحت بقولها: لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فأين السكوت المزعوم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بتقليد ذوي الاعتساف. والحاصل أنه - ﷺ - أوتر بتسع ركعات، جلس في الثامنة بلا تسليم، وفي التاسعة بتسليم، ولم يجلس في غيرهما، وهذه إحدى أنواع إيتاره - ﷺ -. (يَجْلِسُ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ -﷿-) أي يقرأ التشهد (وَيَدْعُو، ثُم يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا، يُسْمِعُنَا) من الإسماع، أي يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه، وهذا أيضًا من الأخطاء، فإن هذا التسليم بعد التاسعة، لا بعد الثامنة، كما يأتي (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ) فيه مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعل الأمر في قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا، مختصّا بمن أوتر آخر الليل، وحمله النووي على أنه - ﷺ - فعل ذلك لبيان جواز النفل بعد الوتر، وجواز التنفل جالسًا، يعني أن الأمر فيه أمر ندب، لا أمر إيجاب، فلا تعارض بينهما. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله النووي -رحمه اللَّه تعالى- من وجه الجمع هو الصواب عندي، وأما ما جمع به الشوكاني -﵀- من أنه لا يعارض فعله قوله، فالجواز مختصّ به، والأمر مختص بالأمة، فليس بصحيح، وقد تقدم الرد عليه غير مرة، فتنبّه واللَّه تعالى أعلم. (ثُم يُصَلِّي رَكْعَةً) وهذا من الأخطاء أيضًا، فإن الصواب أن هذه الركعة قبل الركعتين اللتين يصليهما، وهو جالس، وهذا هو الخطأ الذي أشار إليه المصنف -رحمه اللَّه تعالى- في آخر الحديث. (فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَا بُنَيَّ، فَلَما أَسَنَّ رَسُولُ اللَهِ - ﷺ -) أي كبر سِنُّهُ (وَأَخَذَ اللَّحْمَ) وفي نسخة «وأخذه اللحم». قيل: أي السمن، وقيل: معناه ضَعُفَ، وكان ذلك قبل موته بنحو سنة، على ما قيل. وقال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه أنه أخذ اللحم في آخر عمره - ﷺ -، ولعلّ ذلك لفرحه بقدومه على اللَّه بما جاءه من البشارات الأخروية - ﷺ - انتهى. (أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ، بَعْدَ مَا سَلَّم) وفي نسخة «يسلّم» (فَتِلْكَ تِسْعُ ركَعَاتٍ، يَا بُنَيَّ) فنقص ركعتين من التسع لأجل الضعف (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا صَلى صَلَاة) أي من النوافل، وفي نسخة «إذا صلى الصلاة» بالتعريف (أَحَبَّ أَنْ يَدُومَ عَلَيهَا) وفي نسخة «أن يداوم»، أي لأن أحب الأعمال إلى اللَّه تعالى أدومها (وَكَانَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ نَوْمٌ، أَوْ مَرَضٌ، أَوْ وَجَعٌ) كمَرَضٍ وَزْنًا ومعنى، قال الفيّوميّ -﵀-: يقال: وجِع فلانًا رأسُهُ، أو بطنُهُ، يُجعل الإنسان مفعولًا، والعضوُ فاعلًا، وقد يجوز العكس، وكأنه على القلب، لفهم المعنى، يَوجَعُ وَجَعًا، من باب تَعِبَ، فهو وَجِعٌ: أي مريض متألّم، ويقع الوجع على كلّ مرض، وجمعه أَوْجاع، مثل سبب وأسباب، ووِجَاع أيضًا بالكسر، مثل جَبَل وجِبَال انتهى. فيكون عطفه على «مرض» للتأكيد (صَلَّى مِنَ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةَ) تعني أنه - ﷺ - إذا منعه من قيام الليل مانع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة بدلًا مما فاته من قيام الليل، وهو ظاهر في كونه يقتصر في القضاء على ثنتي عشرة ركعة فقط. وإنما لم تذكر الوتر لأنه لم يقضه، فلعلّه - ﷺ - كان إذا طرأ عليه ما يفوّت صلاة الليل بادر بالوتر فأوتر بالليل، وأخر غيره، فقضاه بالنهار. واللَّه تعالى أعلم. وقال النووي -﵀-: هذا فيه دليل على استحباب المحافظة على الأوراد، وأنها إذا فاتت تُقضَى انتهى. (وَلَا أَعْلَمُ أَن نَبِيَّ اللَّهِ - ﷺ -، قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةِ) تعني أنه - ﷺ - ما ختم القرآن كله في ليلة واحدة (وَلَا قَامَ لَيْلَةً كَامِلَةً، حَتَّى الصَّبَاحَ) هذا على حسب علمها - ﵂ -، كما يدلّ عليه قولها: «ولا أعلم»، وإلا فقد ثبت في حديث خبّاب ابن الأرتّ - ﵁ - الآتي ١٦/ ١٦٣٨ أنه راقب رسول اللَّه - ﷺ - في ليلة، فصلى الليلة كلها حتى كان مع الفجر (وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا، غَيْرَ رَمَضَانَ) هذا لا ينافي ما ثبت عنها أنه - ﷺ - كان يصوم شعبان كله، لأن المراد به أنه يصوم أكثره، كما سيأتي في محله، إن شاء اللَه تعالى وقوله: (فَأتَيْتُ ابْنَ عَباسٍ) من كلام سعد بن هشام: أي ثم، بعد ما سمعت الحديث من عائشة - ﵂ -، جئتُ إلى ابن عباس - ﵄ - لأخبره بما سمعت منها حيث طلب مني ذلك (فَحَدَثْتُهُ بِحَدِيثِهَا، فَقَالَ) أي ابن عباس - ﵄ - (صَدَقَتْ، أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، مثل «ألا» (إِنِّي لَوْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلَيْهَا) قيل: سبب عدم دخوله عليها هو السبب الذي تقدّم في عدم دخول حكيم بن أفلح عليها، وهو الأمر الذي كان بين علي ومعاوية - ﵄ - (لَأَتَيْتُهَا، حَتى تُشَافِهَنِي مُشَافَهَةً) أي حتى تكلمني بهذا الحديث مشافهة. زاد في رواية مسلم: «قلت لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدّثتك حديثها»، وهذا قاله سعد معاتبة لابن عباس على مقاطعته إياها، وعدم دخوله عليها. [فإن قيل]: كيف جاز لابن عباس مقاطعتها، وقد صح عنه - ﷺ -: «لا يحلّ لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» متفق عليه؟. [أجيب]: بأنه ليس المنهي عنه ترك الكلام مطلقا، وإنما المنهي عنه الإعراض، وترك الكلام عند اللقاء، كما يدلّ عليه قوله: «يلتقيان الخ»، وابن عباس لم يترك الكلام عند اللقاء، بل ترك الدخول عليها، والقرب منها. أو يقال: إن مقاطعته لها، لا لغرض نفسيّ، بل لأمر دينيّ في ظنه، وذلك أنه ظنّ أنها عاصية في دخولها في أمر الشيعتين المتقدّمتين، ولا شكّ أن هجران العاصي جائز. واللَّه تعالى أعلم. (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائي -رحمه اللَه تعالى- (كَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي، وَلَا أَدْرِي مِمَّنِ الْخَطَأُ، فِي مَوضِعِ وَتْرِهِ - ﵇ -؟) يعني أنه وقع هذا الحديث في كتابه على هذا السياق، وفيه خطأ في موضع وتره - ﷺ -، حيث جعله بعد الركعتين اللتين يصليهما جالسًا، ولم يعلم مَن هو المخطىء، هل هو نفسه حينما كتبه، أم شيخه، أم غيرهما؟. والحاصل أن هذا السياق فيه أخطاء، فقوله: «ثماني ركعات» خطأ، والصواب «تسع ركعات»، وقوله: «ثم يسلم الخ» خطأ أيضًا، والصواب أن التسليم بعد الركعة التاسعة، وقوله: «ثم يصلي ركعتين، وهو جالس» خطأ أيضًا، والصواب أنهما بعد ركعة الوتر، لا قبلها. وسيأتي للمصنف على الصواب في ١٦٥١ و١٧١٩ و١٧٢٥ و١٧٢١ ولفظه في ٤٣/ ١٧٢٠ -: «ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهنّ إلا عند الثامنة، يحمد اللَّه، ويصلي على نبيّه - ﷺ -، ويدعو بينهنّ، ولا يسلّم تسليما، ثم يصلي التاسعة، ويقعد، - وذكر كلمة نحوها - ويحمد اللَّه، ويصلي على نبيه - ﷺ -، ويدعو، ثم يسلّم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلّم، وهو قاعد .. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٢/ ١٦٠١ - وفي «الكبرى» ٣/ ١٢٩٤ بالإسناد المذكور، وفي ٦٧/ ١٣١٦ عن محمد بن بشار، عن يحيى القطان به. و١٧/ ١٦٤١ و٤٣/ ١٧٢٠ - عن هارون بن إسحاق، عن عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة به. و١٨/ ١٦٥١ - و«الكبرى» ٥٥/ ١٤١٦ عن عمرو بن عليّ، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن، عن سعد بن هشام به. و٣٦/ ١٦٩٨ و«الكبرى» ٥٠/ ١٤٠٠ عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضّل، عن سعيد بن أبي عروبة به. و٤٢/ ١٧١٨ - عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد الْهُجَيمي، عن شعبة، عن قتادة به. و٤٢/ ١٧١٩ - و«الكبرى» ٥٣/ ١٤٠٩ عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة به. و٤٣/ ١٧٢١ و٤٣/ ١٧٢٢ - عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة به. و٤٣/ ١٧٢٣ و«الكبرى» ٥٣/ ١٤١٠ عن محمد بن بشار، عن حجاج، عن حماد، عن قتادة به. و٤٣/ ١٧٢٤ - عن محمد بن عبدالله الخَلَنْجي، عن أبي سعيد مولى بني هاشم، عن حُصين بن نافع، عن الحسن به. و٦٤/ ١٧٨٩ - عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن قتادة به. و٧٠/ ٢٣٤٨ و«الكبرى» ٥٣/ ١٤٠٨ و«الكبرى» ٥٥/ ١٤١٤ عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) ٢/ ١٦٨ و٢/ ١٧٠ و٢/ ١٧١ (د) ١٣٤٢ و١٣٤٣ و١٣٤٤ و١٣٤٥ و١٣٤٩ (ت) ٤٤٥ وفي «الشمائل» ٢٦٧ (ق) ١١٩١ (أحمد) ٦/ ٥٣ و٦/ ٩٤ و٦/ ١٠٩ و٦/ ١٦٣ و١٦٨ و٦/ ٢٣٦ و٦/ ٢٥٨ (الدارمي) ١٤٨٣ (البخاري) في «خلق أفعال العباد» ٤٨ (ابن خزيمة) ١٠٧٨ و١١٢٧ و١١٦٩ و١١٧٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية قيام الليل. ومنها: ما كان عليه السلف من السؤال، والبحث عن عبادة النبي - ﷺ - حتى يقتدوا به فيها. ومنها: أن من أدب العالم المسؤول إذا كان هناك من هو أعلم منه أن يرشد إليه، لأن الدين النصحية. ومنها: بيان فضل عائشة - ﵂ -، حيث كانت أعلم الناس بعبادة النبي - ﷺ - بشهادة ابن عباس - ﵄ - لها بذلك. ومنها: ما أكرم اللَّه تعالى به نبيه - ﷺ - حيث أدبه بآداب القرآن، فكان المثل الأعلى في التخلق بالأخلاق السامية، كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ومنها: بيان أن قيام الليل كان واجبا، ثم نسخ رحمةً من اللَّه تعالى ولطفًا. ومنها: استحباب التأهب لقيام الليل بإعداد السواك، والطُّهُور. ومنها: استحباب السواك لمن قام من النوم. ومنها. مشروعية الوتر بتسع، يجلس في الثامنة منها، دون تسليم، وفي التاسعة مع التسليم. ومنها: أن أحب العمل إلى اللَّه تعالى ما داوم عليه صاحبه، وإن قلّ. ومنها. استحباب قضاء ما فات من قيام الليل لمرض، أو نحوه. ومنها: أنه لا ينبغي إحياء الليل كله بالعبادة، لأنه ليس من هدي رسول اللَّه - ﷺ -، وكذا استيعاب الشهر كله بالصوم غير رمضان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». ٣ - بَابُ ثَوَابِ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا، وَاحْتِسَابًا ١٦٠٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا، وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الفقيه الحجة [٧] ٧/ ٧. ٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الإمام الثبت الحجة [٤] ١/ ١. ٤ - (حُميد بن عبدالرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة [٢] ٣٢/ ٧٢٥. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، والظاهر أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ)»من« شرطية (إِيمَانًا) أي تصديقًا بأنه حقّ وطاعة للَّه تعالى. وقيل: أي يحمله على ذلك الإيمان باللَّه، أو بفضل رمضان (وَاحْتِسَابًا) أي إرادة وجه اللَّه تعالى، لا لرياء، ونحوه، فقد يفعل الإنسان الشيء الذي يعتقد أنه صدق، لكن لا يفعله مخلصًا، بل لرياء، أو خوف، ونحو ذلك. وانتصابهما على المفعول لأجله، أو على الحال، أو التمييز (غُفِرَ لَهُ) جوب الشرط (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) اسم جنس مضاف، فيتناول جميع الذنوب، إلا أنه مخصوص عند الجمهور بالصغائر، للأدلة الأخرى، وسيأتي تمام الكلام على ذلك في »كتاب الصيام« إن شاء اللَّه تعالى. قال الكرماني: وكلمة «مِنْ» إما متعلّقة بقوله: «غُفر له»، أي غفر من ذنبه ما تقدّم، فهو منصوب المحلّ، أو هي مبينة لـ «ما تقدّم»، وهو مفعول لما لم يسمّ فاعله، فيكون مرفوع المحلّ انتهى . واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وسيأتي تمام شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به في كتاب «الصيام» إن شاء اللَّه تعالى؛ لأنه المحل المناسب لها. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٠٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن إسماعيل أبو بكر) الطبراني، ثقة [١٢]. روى عن أحمد بن حنبل، وعبد اللَّه بن محمد بن أسماء، وأبي علي عبد الرحمن بن بَحْر الخلاّل، وأبي مروان عبد الملك بن حبيب البزّاز. وعنه النسائي، وقال: ثقة، حسن الأخذ للحديث. وقال مسلمة بن قاسم: روى عنه محمد بن وضّاح. انفرد به المصنّف. وله في هذا الكتاب ستة أحاديث برقم ١٦٠٣ و٢٢٠١ و٢٧١٨ و٣٩٢٢ و٤٩٣٤ و٥٠٢٦. ٢ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أخو حميد المذكور معه، المدني، ثقة فقيه [٣] ١/ ١. والباقون تقدموا قريبًا، فعبد اللَّه، وجويرية تقدما قبل باب، والباقون في السند الماضي. والحديث متّفق عليه، وقد تقدم البحث عنه مستوفى في الحديث الماضي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤ - (بَابُ قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) ١٦٠٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ذَاتَ لَيْلَةٍ وَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ، وَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا، مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: «قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ، إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ». وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: رجال هذا الحديث خمسة كلهم تقدّموا قريبًا، والحديث متفق عليه، وشرحه يعلم من شرح حديث زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه - الماضي؛ لأنه بمعناه. أخرجه المصنف هنا -٤/ ١٦٠٤ - وفي «الكبرى» ٥/ ١٢٩٧ - بالإسناد المذكور، وفي ٣٩/ ٢١٣٩ عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن يونس الأيلي، عن الزهري به. و٣٩/ ٢١٩٥ - عن محمد بن خالد، عن بشر بن شُعيب، عن أبيه، عن الزهري به. وأخرجه (خ) ٢/ ١٣ و٣/ ٥٨ و٢/ ٦٢ و٣/ ٥٨ (م) ٢/ ١٧٧ (د) ١٣٧٣ (مالك في الموطإ) ص ٩١ (أحمد) ٦/ ١٦٩ و٦/ ١٧٧ و٦/ ١٨٢ و٦/ ٢٣٢ (عبد بن حميد) ١٤٦٩ (ابن خزيمة) ١١٢٨ و٢٢٠٧ و١١٢٨ واللَّه تعالى أعلم. وقوله: «صلى ذات ليلة في المسجد» وفي رواية عمرة عن عائشة، «أنه صلى في حجرته» وليس المراد بها بيته، وإنما المراد الحصير الذي كان يحتجره بالليل في المسجد، فيجعله على باب بيت عائشة - ﵂ -، فيصلي فيه، ويجلس عليه بالنهار. وقوله: «ثم صلى من القابلة» أي في الليلة المقبلة. وقوله: «ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة، أو الرابعة» كذا رواه مالك بالشكّ، وفي رواية عقيل، عن ابن شهاب عند البخاري، «فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس، فتحدثوا»، ولأحمد من رواية ابن جريج، عن ابن شهاب: «فلما أصبح تحدثوا أن النبي - ﷺ - صلى في المسجد من جوف الليل، فاجتمع أكثر منهم»، زاد يونس: «فخرج النبي - ﷺ - في الليلة الثانية، فصلوا معه، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فأكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله». وفي رواية معمر، عن ابن شهاب «امتلأ المسجد حتى غُصّ بأهله». أفاده في «الفتح». وقوله: «فلما أصبح قال الخ» في رواية عُقيل «فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يَخْفَ عليّ مكانكم»، وفي رواية يونس، وابن جريج «لم يخف عليّ شأنكم»، زاد في رواية أبي سلمة «اكلَفُوا من العمل ما تُطيقون»، وفي رواية معمر أن الذي سأله عن ذلك بعد أن أصبح عمر بن الخطاب. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ولم أر في شيء من طرقه بيان عدد صلاته في تلك الليالي، لكن رَوَى ابن خزيمة، وابن حبان من حديث جابر، قال. «صلى بنا رسول اللَّه - ﷺ - في رمضان ثمان ركعات، ثم أوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا حتى أصبحنا، ثم دخلنا، فقلنا: يا رسول اللَّه» الحديث، فإن كانت القصة واحدة احتمل أن يكون جابر ممن جاء في الليلة الثالثة، فلذلك اقتصر على وصف ليلتين، وكذا ما وقع عند مسلم من حديث أنس «كان رسول اللَّه - ﷺ - يصلي في رمضان، فجئت، فقمت إلى جنبه، فجاء رجل فقام حتى كنا رهطًا، فلما أحس بنا تجوّز، ثم دخل رحله» الحديث، والظاهر أن هذا كان في قصة أخرى انتهى . وقوله: «خشيت أن يُفرض عليكم». زاد في رواية مسلم: «صلاةُ الليل، فتعجزوا عنها». وسئل الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام -رحمه اللَّه تعالى- عن هذا الحديث، فإنه يدلّ على أن المداومة على ما ليس بواجب تُصيره واجبَا، والمداومة لم تُعهد في الشرع مغيّرة لأحكام الأفعال، فكيف خشي - ﷺ - أن يُغَيَّر بالمداومة حكم القيام؟ فأجاب بأنه - ﷺ - منه تُتلقّى الأحكام، والأسباب، فإن أخبر أن هاهنا مناسبة اعتقدنا ذلك، واقتصرنا بهذا الحكم على مورده. انتهى . وقد تقدم تمام البحث في هذا عند شرح حديث زيد بن ثابت - رضي اللَّه تعالى عنه -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٠٥ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا، حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا، حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا فِي السَّادِسَةِ، فَقَامَ بِنَا فِي الْخَامِسَةِ، حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ، قَالَ: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»، ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا، وَلَمْ يَقُمْ حَتَّى بَقِيَ ثَلَاثٌ مِنَ الشَّهْرِ، فَقَامَ بِنَا فِي الثَّالِثَةِ، وَجَمَعَ أَهْلَهُ، وَنِسَاءَهُ، حَتَّى تَخَوَّفْنَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، وقد تقدم شرحه، وبيان مسائله في ١٠٣/ ١٣٦٤ - فراجعه هناك تستفد. و«عبد اللَّه بن سعيد» هو أبو قُدَامة السرخسي، ثقة ثبت. و«محمد بن الفضيل»: هو ابن غزوان أبو عبد الرحمن الضبيّ الكوفيّ، صدوق عارف رُمي بالتشيّع [٩]. و«داود بن أبي هند» بصري ثقة متقن تغير بآخره. و«الوليد بن عبد الرحمن»: هو الجُرَشيّ الحمصيّ ثقة. و«جُبير بن نُفير» هو الحضرمي الحمصيّ ثقة مخضرم نبيل. و«أبو ذرّ» هو جندب بن جنادة الصحابي المشهور - ﵁ -. وقوله: «نفلتنا» بتشديد الفاء، وتخفيفها: أي أعطيتنا الزيادة من القيام في بقية ليلتنا هذه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٠٦ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ زِيَادٍ، أَبُو طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، عَلَى مِنْبَرِ حِمْصَ، يَقُولُ: قُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الْفَلَاحَ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السُّحُورَ. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أحمد بن سليمان) أبو الحسين الرُّهَاويّ، ثقة حافظ [١١] ٣٨/ ٤٢. ٢ - (زيد بن الحُبَاب) العُكليّ، أبو الحسين الكوفي، صدوق [٩] ٣٣/ ٣٧. ٣ - (معاوية بن صالح) الحمصيّ، صدوق له أوهام [٧] ٥٠/ ٦٢. ٤ - (نُعيم بن زياد أبو طلحة) الأنماريّ -بفتح أوله، وسكون النون- الشامي، ثقة يرسل [٣] ١٠٨/ ١٤٧. ٥ - (النعمان بن بشير) بن سعد الأنصاري الخزرجي، الصحابي ابن الصحابي - رضي اللَّه تعالى عنهما - سكن الشام، ثم الكوفة ١٩/ ٥٢٨ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن أفراد، ونعيم بن زياد، فتفرد به هو وأبو داود في «كتاب التفرّد» له. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين من معاوية، وزيد كوفي، وشيخه رُهاويّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن نعيم بن زياد أنه (قال: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (عَلَى مِنْبَرِ حِمْصَ) بكسر، فسكون بالصرف وعدمه: البلد المعروف (يَقُولُ: قُمنَا مَعَ رَسُولِ اللَهِ - ﷺ -، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ، إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، ثُم قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ خَمْسِ وَعِشْرِينَ، إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُم قُمْنَا مَعَهُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، حَتى ظَنَنَّا أَنْ لَا نُدْرِكَ الفَلَاحَ) هو بمعنى قول حذيفة - ﵁ -: «حتى تخوّفنا أن يفوتنا الفلاح» (وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ السُّحُورَ) قال السندي -رحمه اللَّه تعالى-: الضمير هو المفعول الثاني، و«السحور» هو المفعول الأول، فهو من تقديم المفعول الثاني على الأوّل انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ووقع في نسخة من «الكبرى» «يسمون به السحور». وهو واضح، ويمكن أن يحمل ما هنا عليه، بأن يكون من الحذف والإيصال، حذفت الباء، فاتصل الضمير بالفعل. والمعنى أنهم يسمون السحور بالفلاح. و«السُّحُور» بالضم اسم للأكل وقت السحر، و«السَّحُور» بالفتح وزان رَسُول: اسم لما يؤكل في ذلك الوقت. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث النعمان بن بشير هذا صحيح، انفرد به المصنف، أخرجه هنا-٤/ ١٦٠٦ - وفي «الكبرى» ٥/ ١٢٩٩ بالإسناد المذكور. وأخرجه (أحمد) ٤/ ٢٧٢ و(ابن خزيمة) ٢٢٠٤ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥ - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ ١٦٠٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ، عَقَدَ الشَّيْطَانُ عَلَى رَأْسِهِ، ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ، لَيْلًا طَوِيلًا، أَيِ ارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ، فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا، فَيُصْبِحُ طَيِّبَ النَّفْسِ، نَشِيطًا، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ، كَسْلَانَ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن يزيد) المقرئ، أبو يحيى المكيّ، ثقة [١٠] ١١/ ١١. ٢ - (سفيان) بن عيينة الإمام الحافظ الحجة [٨] ١/ ١. ٣ - (أبو الزناد) عبد اللَّه بن ذَكْوان المدني، ثقة فقيه [٥] ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدني، ثقة ثبت [٣] ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد له هو وابن ماجه. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وسفيان، فمكيّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - من المكثرين رواية للحديث. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ، عَقَدَ الشَّيْطَان) أي إبليس، أو بعض جنوده، ولعله بالنظر إلى كلّ شخص شيطانه. قاله السنديّ. وقال في»الفتح«: كأن المراد به الجنس، وفاعل ذلك هو القرين، أو غيره، ويحتمل أن يراد به رأس الشياطين، وهو إبليس، وتُجوّز نسبة ذلك إليه، لكونه الآمر به الداعي إليه. انتهى (عَلَى رَأْسِهِ) وفي رواية البخاريّ:»على قافية رأس أحدكم«. أي مؤخّر عنقه، وقافيةُ كلّ شيء مؤخّره، ومنه قافية القصيدة. وفي»النهاية«: القافية القفا، وقيل: مؤخّر الرأس، وقيل: وسطه. وظاهر قوله:«أحدكم»التعميم في المخاطبين، ومن في معناهم، ويمكن أن يُخصّ منه من ورد في حقّه أنه يحفظ من الشيطان، كالأنبياء، ومن تناوله قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، وكمن قرأ آية الكرسيّ عند نومه، فقد ثبت أنه يُحفظ من الشيطان حتى يُصبح. أفاده في«الفتح». وقال في موضع آخر: وقد يُظنّ أن بين هذا الحديث وحديث أبي هريرة - ﵁ -:«إن قارئ آية الكرسيّ عند نومه لا يقربه الشيطان» معارضة، وليس كذلك، لأن العقد إن حُمل على الأمر المعنويّ، والقربَ على الأمر الحسيّ، وكذا العكس، فلا إشكال، إذ لا يلزم من سحره إياه مثلًا أن يماسّه، كما لا يلزم من مماسّته أن يقربه بسرقة، أو أذى في جسده، ونحو ذلك، وإن حُملا على المعنويين، أو العكس، فيجاب بادعاء الخصوص في عموم أحدهما، والأقرب أن المخصوص حديث الباب، كما تقدّم تخصيصه عن ابن عبد البرّ بمن لم ينو القيام، فكذا يمكن أن يقال: يختصّ بمن لم يقرأ آية الكرسيّ لطرد الشيطان. واللَّه تعالى أعلم. (ثَلَاثَ عُقد) قال البيضاوي -﵀-: التقييد بالثلاث، إما للتأكيد، أو لأن ما تنحلّ به عقده ثلاثة أشياء، الذكر، والوضوء، والصلاة، فكأن الشيطان منع عن كلّ واحدة منها بعقدة عقدها انتهى . (يَضْرِبُ) أي بيده (عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ) تأكيدًا لها وإحكامًا، قائلًا ذلك، وقيل. معنى يضرب يحجب الحسّ عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾، أي حجبنا الحسّ أن يلج في آذانهم، فينتبهوا، وفي حديث أبي سعيد: «ما أحد ينام، إلا ضُرب على سِمَاخِه بجرير معقود». أخرجه المخلص في «فوائده». و«السماخ» -بكسر المهملة، وآخره معجمة، ويقال بالصاد المهملة بدل السين-، وعند سعيد بن منصور بسند جيّد عن ابن عمر. «ما أصبح رجل على غير وتر إلا أصبح على رأسه جرير قدر سبعين ذراعًا». (لَيلًا طَوِيلًا) بالنصب على الإغراء، في رواية ابن عيينة، عن أبي الزناد، وهي رواية الأكثرين عند مسلم، وعند البخاري في جميع طرقه بالرفع على الابتداء، أي باق عليك، أو بإضمار فعل، أي بَقِيَ. وقال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى، لأنه الأمكن في الغرور من حيث إنه يخبره عن طول الليل، ثم يأمره بالرُّقَاد بقوله: «فارقد»، وإذا نُصِب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: «فارقد» ضائعًا. ومقصود الشيطان بذلك تسويفه بالقيام، والإلباس عليه. قال في «الفتح»: ظاهره اختصاص ذلك بنوم الليل، وهو كذلك، لكن لا يبعد أن يجيء مثله في النهار كالنوم حالة الإبراد مثلًا. قال: وقد اختلف في هذه العُقَد، فقيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يعقد الساحر مَن يسحره، وأكثر من يفعله النساء، تأخذ إحداهنّ الخيط، فتعقد منه عُقدة، وتتكلّم عليه بالسحر، فيتأثّر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس، لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس، أو في غيره؟ الأقرب الثاني، إذ ليس لكلّ أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه أن على رأس كل آدمي حبلًا، ففي رواية ابن ماجه، ومحمد بن نصر من طريق أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «على قافية رأس أحدكم حبل، فيه ثلاث عُقد»، ولأحمد من طريق الحسن، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «إذا نام أحدكم عُقِد على رأسه بجرير»، ولابن خزيمة، وابن حبان من حديث جابر - ﵁ -، مرفوعًا: «ما من ذَكَر، ولا أنثى إلا على رأسه جَرير معقود حين يرقُد …» الحديث. وفي «الثواب» لآدم بن أبي إياس من مرسل الحسن نحوه. و«الجرير» بفتح الجيم: هو الحبل. وفَهِمَ بعضهم من هذا أن العُقَدَ لازمة، ويردّه التصريح بأنها تنحلّ بالصلاة، فيلزم إعادة عَقْدها، فأبهم فاعله في حديث جابر، وفسّر في حديث غيره. وقيل: هو على المجاز كأنه شُبّه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك التصرّف مَن يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم. وقيل: المراد به عقد القلب، وتصميمه على الشيء، كأنه يوسوس له بأنه بقي من الليلة قطعة طويلة، فيتأخّر عن القيام، وانحلال العُقَد كناية عن علمه بكذبه فيما وسوس به. وقيل: العقد كناية عن تثبيط الشيطان للنائم بالقول المذكور، ومنه عَقَدت فلانًا عن امرأته، أي منعته عنها، أو عن تثقيله عليه النوم، كأنه قد شدّ عليه شدادا. وقال بعضهم: المراد بالعُقَد الثلاث الأكل، والشرب، والنوم، لأن من أكثر الأكل والشرب كثُر نومه. واستبعده المحبّ الطبريّ لأن الحديث يقتضي أن العُقَد تقع عند النوم، فهي غيره. قال القرطبي: الحكمة في الاقتصار على الثلاث أن أغلب ما يكون انتباه الإنسان في السَّحَر، فإن اتفق له أن يرجع إلى النوم ثلاث مرّات لم تنقَض النومة الثالثة إلا وقد ذهب الليل. وقال البيضاويّ: التقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأنه يريد أن يقطعه عن ثلاثة أشياء، الذكر، والوضوء، والصلاة، فكأنه مُنع كلّ واحدة منها بعقدة عقدها على رأسه، وكأن تخصيص القفا بذلك لكونه محل الوهم، ومجال تصرّفه، وهو أطوع القوى للشيطان، وأسرعها إجابة لدعوته. وفي كلام الشيخ الملويّ أن العقد يقع على خِزَانة الالهيات من الحافظة، وهي الكنز المحصّل من القوى، ومنها يتناول القلب ما يريد التذكر به انتهى «فتح» . (أَي ارْقُدْ) هكذا في رواية المصنّف بـ «أي» التفسيرية، وفي رواية الشيخين: «فارقد» بالفاء (فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) أي من نومه (فَذَكَرَ اللَّهَ) قال في «الفتح»: لا يتعين للذكر شيء مخصوص لا يجزئ غيره، بل كلّ ما صدق عليه ذكر اللَّه أجزأ، ويدخل فيه تلاوة القرآن، وقراءة الحديث النبويّ، والاشتغال بالعلم الشرعي، وأولى ما يُذكر به ما أخرجه البخاري من حديث عُبادة بن الصامت - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال: «من تعارّ من الليل، فقال:»لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شىء قدير، الحمد للَه، وسبحان اللَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا باللَه، ثم قال: اللَّهم اغفر لي -أو دعا- استجيب، فإن توضأ قُبلت صلاته انتهى (انْحَلت عُقدَة) أي واحدة من تلك العقد الثلاث (فَإِنْ تَوَضَّأَ) إنما خصّ الوضوء بالذكر، لأنه الغالب، وإلا فالجنب لا يحل عقدته إلا الاغتسال، وهل يقوم التيمم مقام الوضوء، أو الغسل لمن ساغ له ذلك؟ محل بحث، قال الحافظ: والذي يظهر إجزاؤه، ولا شكّ أن في مُعاناة الوضوء عونا كبيرًا على طرد النوم لا يظهر مثله في التيمم (انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتِ العُقَدُ كُلُّهَا) قال في «الفتح»: بلفظ الجمع بغير اختلاف في البخاريّ، ووقع لبعض رواة «الموطإ» بالإفراد، ويؤيّده رواية أحمد المشار إليها قبلُ، فإن فيها: «فإن ذكر اللَّه انحلت عقدة واحدة، وإن قام، فتوضأ أُطلقت الثانية، فإن صلى أطلقت الثالثة»، وكأنه محمول على الغالب، وهو من ينام مضطجعًا، فيحتاج إلى الوضوء إذا انتبه، فيكون لكلّ فعل عقدة يحلُّها. انتهى. (فَيُصْبِحُ طَيِّبَ النَّفْس) أي لسروره بما وفّقه اللَّه تعالى له من الطاعة، وبما وعده من الثواب، وبما زال عنه من عقد الشيطان، قال الحافظ -﵀-: كذا قيل، والذي يظهر أن في صلاة الليل سرًّا في طيب النفس، وإن لم يستحضر المصلي شيئا مما ذُكر، وكذا عكسه، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. وقد استنبط بعضهم منه أن من فعل ذلك مرة، ثم عاد إلى النوم لا يعود إليه الشيطان بالعقد المذكور ثانيًا. واستثنى بعصهم ممن يقوم، ويذكر، ويتوضأ، ويصلي من لم ينهه ذلك عن الفحشاء، بل يفعل ذلك من غير أن يُقلع، والذي يظهر فيه التفصيل بين من يفعل ذلك مع الندم والتوبة والعزم على الإقلاع، وبين المصرّ. (نَشِيطًا، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) أي بتركه ما كان اعتاده، أو أراده من فعل الخير، كذا قيل، وقد تقدم ما فيه (كَسْلَانَ) غير مصروف للوصف، ولزيادة الألف والنون، ومقتضى قوله: «وإلا أصبح» أنه إن لم يجمع الأمور الثلاثة دخل تحت من يصبح خبيثًا كسلان، وإن أتى ببعضها، وهو كذلك، لكن يختلف ذلك بالقوّة والخفّة، فمن ذكر اللَّه مثلًا كان في ذلك أخفّ ممن لم يذكر أصلًا. وفي حديث أبي سعيد: «فإن قام فصلى انحلّت العُقَد كلهن، وإن استيقظ، ولم يتوضأ، ولم يصلّ أصبحت العقد كلها كهيئتها». وقال ابن عبد البر -رحمه اللَّه تعالى-: هذا الذمّ يختصّ بمن لم يَقُم إلى صلاته وضيّعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة، أو إلى النافلة بالليل، فغلبته عينه، فنام، فقد ثبت أن اللَّه يكتب له أجر صلاته، ونومُهُ عليه صدقة. وقال أيضًا: زعم قوم أن هذا الحديث يعارض قوله - ﷺ -: «لا يقولنّ أحدكم خبُثت نفسي»، وليس كذلك، لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك إلى نفسه كراهة لتلك الكلمة، وهذا الحديث وقع ذمًا لفعله، ولكلّ من الحديثين وجه. وقال الباجيّ: ليس بين الحديثين اختلاف، لأنه نَهَى عن إضافة ذلك إلى النفس، لكون الخبث بمعنى فساد الدين، ووَصَفَ بعضَ الأفعال بذلك تحذيرا منها وتنفيرًا. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: تقرير الإشكال أنه - ﷺ - نهى عن إضافة ذلك إلى النفس، فكل ما نُهي المؤمن أن يضيفه إلى نفسه نُهي أن يضيفه إلى أخيه المؤمن، وقد وصف - ﷺ - هذا المرء بهذه الصفة، فيلزم جواز وصفنا له بذلك لمحل التأسي، ويحصل الانفصال فيما يظهر بأن النهي محمول على ما إذا لم يكن هناك حامل على الوصف بذلك، كالتنفير والتحذير . [تنبيه]: ذكر الحافظ أبو الفضل العراقي في «شرح الترمذيّ» أن السرّ في استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين المبادرةُ إلى حلّ عُقَد الشيطان، وبناه على أن الحلّ لا يتمّ إلا بتمام الصلاة، وهو واضح؛ لأنه لو شرع في صلاة، ثم أفسدها لم يساو من أتمّها، وكذا الوضوء، وكأن الشروع في حلّ العقد يحصل بالشروع في العبادة، وينتهي بانتهائها. وقد ورد الأمر بصلاة الركعتين الخفيفتين عند مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -، فاندفع إيراد من أورد أن الركعتين الخفيفتين إنما وردتا من فعله - ﷺ -، وهو منزّه عن عقد الشيطان، حتى ولو لم يَرِد الأمر بذلك لأمكن أن يقال: يحمل فعله على تعليم أمته، وإرشادهم إلى ما يحفظهم من الشيطان. وقد وقع عند ابن خزيمة من وجه آخر عن أبي هريرة في آخر الحديث: «فحُلُّوا عقد الشيطان ولو بركعتين». قاله في «الفتح» . وهو بحث نفيس جدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٥/ ١٦٠٧ - وفي «الكبرى» ٦/ ١٣٠١ - بالإسناد المذكور. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٦٥ و٤/ ١٤٨ (م) ٢/ ١٨٧ (د) ١٣٠٦ (أحمد) ٢/ ٢٤٣ و٢/ ٢٥٣ و٢/ ٤٩٧ (١) ١٣٢٩ (ابن خزيمة) ١١٣١ و١١٣٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الترغيب في قيام الليل. ومنها: بيان تسلط الشيطان على الإنسان، وحرصه على أن لا يتقرّب إلى ربّه، فيصدّه عن ذكر اللَّه، وعن الصلاة. ومنها: فضل ذكر اللَّه تعالى، والوضوء، والصلاة، حيث تنحلّ بها العُقَد التي يعقدها الشيطان على رأس الإنسان. ومنها: أن من اجتهد، ودافع عن نفسه مكائد الشيطان، فاز بالنفحات الربانية، فأصبح طيّب النفس، نشيطًا، ومن تقاعس عن ذلك، ولم يجتهد، فقد وافق مراد الشيطان، وابتعد عن تلك النفحات، فأصبح خبيث النفس، كسلان. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٠٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَجُلٌ، نَامَ لَيْلَةً، حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ». رجال هذا بإسناد: خمسة: ١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الإمام المروزي، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي، ثقة ثبت [٨] ٢/ ٢. ٣ - (منصور) بن المعتمر الكوفي، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٤ - (أبو وائل) شقيق بن سلمة الكوفي، ثقة مخضرم نبيل [٢] ٢/ ٢. ٥ - (عبد اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - ٣٥/ ٣٩ واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ عند من يجعل منصورًا من صغار التابعين. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبدِ اللَّه) بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - رَجُل) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن أخرج سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن ابن يزيد النخعي، عن ابن مسعود ما يؤخذ منه أنه هو، ولفظه بعد سياق الحديث بنحوه: «وايم اللَّه، لقد بال في أذن صاحبكم ليلة» يعني نفسه (نَامَ لَيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحَ) ظاهر صنيع المصنّف -﵀- أنه حمله على ترك قيام الليل، لكن يحتمل أنه ترك صلاة العشاء. وفي رواية البخاريّ من طريق أبي الأحوص، عن منصور: «ما زال نائما حتى أصبح، ما قام إلى الصلاة». قال في «الفتح»: المراد الجنس، ويحتمل العهد، ويُراد به صلاة الليل، أو المكتوبة (قَالَ: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيهِ») بالتثنية، وفي رواية البخاري المذكورة بالإفراد. واختُلف في بول الشيطان، فقيل هو على حقيقته، قال القرطبيّ وغيره: لا مانع من ذلك، إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان يأكل، ويشرب، ويَنكِح، فلا مانع من أن يبول. وقيل: كناية عن سدّ الشيطان أذن الذي نام عن الصلاة حتى لا يسمع الذكر. وقيل: معناه أن الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل، فحجب سمعه عن الذكر. وقيل: هو كناية عن ازدراء الشيطان به. وقيل: معناه أن الشيطان استولى عليه، واستخفّ به، حتى اتخذه كالكنيف المعدّ للبول، إذ من عادة المستخفّ بالشيء أن يبول عليه. وقيل: هو مثل مضروب للغافل عن القيام بثقل النوم، كمن وقع البول في أذنه، فثقّل أذنه، وأفسد حسّه، والعرب تَكني عن الفساد بالبول، قال الراجز: بَالَ سُهَيلٌ فِي الْفَضِيخِ فَفَسَدْ وكنى بذلك عن طلوعه لأنه وقت إفساد الفضيخ، فعبَّر عنه بالبول. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي القول الأول هو الصواب، فبول الشيطان في أذن هذا النائم على حقيقته، إذ ما لا نع من ذلك، كما تقدم عن القرطبي وغيره، فلا داعي لصرف ظاهر النصّ إلى هذه التكلّفات التي ذكروها، فتبصّر. واللَّه تعالى أعلم. ووقع في رواية الحسن عن أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - في هذا الحديث عند أحمد: «قال الحسن: إن بوله واللَّه لثقيل». ورَوى محمد بن نصر من طريق قيس بن أبي حازم، عن ابن مسعود - ﵁ -: «حسبُ الرجل من الخيبة والشرّ أن ينام حتى يصبح، وقد بال الشيطان في أذنه». وهو موقوف صحيح الإسناد. وقال الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: خصّ الأذن بالذكر، وإن كانت العين أنسب بالنوم إشارة إلى ثقل النوم، فإن المسامع هي موارد الانتباه، وخصّ البول لأنه أسهل مدخلًا في التجاويف، وأسرع نفوذًا في العروق، فيورث الكسل في جميع الأعضاء. قاله في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد اللَّه بن مسعود - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا-٥/ ١٦٠٨ - وفي «الكبرى» ٧/ ١٣٠٢ - بالإسناد المذكور، وفي ٥/ ١٦٠٩ - عن عمرو بن عليّ، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور به. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ٢/ ٦٦ و٤/ ١٤٨ (م) ٢/ ١٨٧ (ق) ١٣٣٠ (أحمد) ١/ ٣٧٥ و١/ ٤٢٧ (ابن خزيمة). ١١٣٠ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٦٠٩ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانًا نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ الْبَارِحَةَ، حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ، بَالَ فِي أُذُنَيْهِ». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث متفق عليه، وهذا طريق آخر لحديث ابن مسعود - ﵁ - المذكور قبله، تقدم الكلام عليه. وعمرو بن عليّ: هو الفلاّس البصريّ المثبت الحافظ [١٠]. ٤/ ٤. وعبد العزيز بن عبد الصمد: هو العَمّيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقة حافظ، من كبار [٩] ١٧/ ١٥٥١. وقوله: «البارحة»: هي أقرب ليلة مضت قاله المجد. وقال الفيّوميّ: العرب تقول قبل الزوال: فعلنا الليلةَ كذا لقربها من وقت الكلام، وتقول بعد الزوال: فعلنا البارحةَ انتهى. وقوله: «ذاك» مبتدأ، وقوله: «شيطان» مبتدأ ثان، سوغ الابتداء به مع تنكيره كونه فاعلا في المعنى، وجملة «بال في أذنيه» خبر للمبتدإ الثاني، والجملة خبر للأول. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
مصادر المؤلف (٢٤)

١. - قال في «ت»: صدوق، والظاهر أنه ثقة، إذ لم يُختَلَف فيه، بل اتفقوا على توثيقه، كما يظهر من مراجعة ترجمته في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٣٢٧. واللَّه تعالى أعلم.

٢. - «شرح مسلم» ج ٦ ص ٦٧ - ٦٨.

٣. - وهو قوله في شرح الترجمة: استَنبط من قوله في الحديث: «ولا تتخذوها قبورًا» أن القبور ليست بمحلّ العبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة.

٤. - فتح ج٣ ص ٩٥ - ٩٦.

٥. - انظر «المرعاة»ج ٤ ص ٣١٢.

٦. - ويأتي للمصنف في ٤/ ١٦٠٤.

٧. - هكذا نسخة «الفتح»، ولعل الصواب «بل في السنة» بزيادة «بل».

٨. - «شرح السندي» ج ٣ ص ١٩٨.

٩. - وفي نسخة «حدثنا».

١٠. -«شرح السندي» ج ٣ ص ١٩٩.

١١. -«المسند»ج ٥ ص ٤٢٨.

١٢. - راجع«المنهل»ج ٧ ص ٢١٧.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».

١٣. - راجع «المصباح المنير».

١٤. - «المرعاة» ج ٤ ص ٢٦٤.

١٥. - «المرعاة» ج ٤ ص ٢٦٥.

١٦. «فتح» ج ٤ ص ٦٠٩ - ٦١٠

١٧. - «فتح» ج ٣ ص ٣١٨.

١٨. - راجع «زهر الربى» ج٣ ص٢٠٢ - ٢٠٣.

١٩. - راجع «زهر الربى» ج٣ ص ٢٠٣ - ٢٠٤.

٢٠. - «صِمَاخِ الأذن»: الخَرْقُ الذي يُفضي إلى الرأس، وهو السمع، وقيل: هو الأذن نفسها، والجمع أَصْمِخَة، مثل سلاح وأسلحة. اهـ «المصباح».

٢١. - «فتح» ج ٣ ص ٣٣٣ - ٣٣٤.

٢٢. - «فتح» ج ٣ ص ٣٣٠ - ٣٣٦.

٢٣. - «فتح» ج ٣ ص ٣٣٦ - ٣٣٧.

٢٤. -«فتح» ج ٣ ص ٣٣٨.