HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٨٥٨

أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: «لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ فَبَكَيْنَ النِّسَاءُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ رَأَى رَكْبًا تَحْتَ شَجَرَةٍ فَقَالَ: انْظُرْ مَنِ الرَّكْبُ، فَذَهَبْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: هَذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِصُهَيْبٍ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ أُصِيبَ عُمَرُ فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ يَقُولُ: وَا أُخَيَّاهُ وَا أُخَيَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَمَا وَاللهِ مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ كَاذِبَيْنِ مُكَذَّبَيْنِ وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ لَمَا يَشْفِيكُمْ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص16
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٤ ص ١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٨ ص٣٠٦
رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عبد الجبّار بن العلاء بن عبد الجبار) العطّار البصريّ، أبو بكر، نزيل مكة، لا بأس به، من صغار [١٠] ١٣٢/ ١٩٩. ٢ - (سفيان) بن عيينة، أبو محمد المكي الإمام الحجة الثبت [٨] ١/ ١. ٣ - (عمرو بن دينار) الأثرم المكيّ، ثقة ثبت [٣] ١٢٢/ ١٥٤. ٤ - (ابن أبي مليكة) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة التيمي المكيّ الثقة الفقيه [٣١٠١/ ١٣٢]. والباقيان تقدما قريبًا. وقوله: «إن اللَّه يزيد الكافر» قال السنديّ -﵀-: فحملت الميت على الكافر، وأنكرت الإطلاق، وقد جاء فيه الزيادة، كقوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وقوله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، لكن قد يقال: زيادة العذاب بعمل الغير أيضًا مشكلة، معارضة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فينبغي أن تحُمل الباء في قوله: «ببعض بكاء أهله» على المصاحبة، لا السبيية، وتخصيص الكافر حينئذ لأنه محلّ للزيادة، واللَّه تعالى أعلم انتهى . وقوله: «ببعض بكاء أهله» إنما قيده بالبعض لأن منه ما لا يكون سببا للتعذيب، كعتق الرقاب، وصلة الأرحام، ونحوهما، كما تقدم في كلام القرطبيّ --﵀- تعالى-. والحديث متفق عليه، وقد سبق تمام البحث فيه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجعِ والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٨٥٨ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَلْخِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ، حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ، فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَبَكَيْنَ النِّسَاءُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ عَنِ الْبُكَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ، يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ، رَأَى رَكْبًا، تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَقَالَ: انْظُرْ مَنِ الرَّكْبُ، فَذَهَبْتُ، فَإِذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا صُهَيْبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ عَلَيَّ بِصُهَيْبٍ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، أُصِيبَ عُمَرُ، فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ، يَقُولُ: وَاأُخَيَّاهُ، وَاأُخَيَّاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنْ كَاذِبَيْنِ، مُكَذَّبَيْنِ، وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ، وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، لَمَا يَشْفِيكُمْ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هو سليمان بن منصور البَلْخيّ) البزّاز الدُّهْنيّ، لقبه زَرْغَنْده لا بأس به [١٠] تقدم في ٦٠/ ٧٥ - من أفراد المصنف. ٢ - (عبد الجبار بن الوَرْد) بن أبي الورد، المخزومي مولاهم، أبو هشام المكيّ، صدوق يهم [٧]. قال أحمد: ثقة لا بأس به. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، ويعقوب بن سفيان، والعجليّ. وقال ابن المديني: لم يكن به بأس. وقال البخاريّ: يُخالف في بعض حديثه. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: يخطىء ويَهِم. وقال ابن عديّ: هو عندي لا بأس به، يكتب حديثه. وعن الدارقطنيّ: ليّن. أخرج له أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. والباقون تقدموا قريبًا، واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف، وهو (١١٠) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما عنده من الأسانيد، كما سبق غير مرّة، وفيه ابن عمر، وابن عباس - ﵄ -، من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن عبد الجبار بن الورد أنه قال: (سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد اللَّه بن عبيد اللَّه المذكور في السند الماضي (يَقُولُ: لَمَّا هَلَكَتْ أُمُّ أَبَانَ) هي بنت عثمان ين عفان - ﵁ -، ماتت بمكة (حَضَرْتُ مَعَ النَّاسِ) أي للصلاة عليها، ودفنها (فَجَلَسْتُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسِ) ولفظ البخاريّ من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة: «قال: توفيت ابنة لعثمان - ﵁ - بمكة، وجئنا لنشهدها، وحَضَرَها ابنُ عمر وابن عباس - ﵄ -، وإني لجالس بينهما، أو قال: جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر، فجلس إلى جنبي …»، ولمسلم من طريق أيوب عن ابن أبي مليكة، قال: كنت جالسا إلى جنب ابن عمر، ونحن ننتظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس، يقوده قائده، فأُراه أخبره بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، فكنت بينهما، فإذا صوت من الدار … «. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دليل لجواز الجلوس، والاجتماع لانتظار الجنازة، واستحبابه. وأما جلوسه بين ابن عمر، وابن عباس - ﵄ -، وهما أفضل بالصحبة، والعلم، والفضل، والصلاح، والنسب، والسنّ، وغير ذلك، مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين إلا لعذر، فمحمول على عذر، إما لأن ذلك الموضع أرفق بابن عباس، وإما لغير ذلك انتهى (فَبكَيْنَ النِّسَاءُ) تقدم أن مثل هذا يتخرّج على لغة«أكلوني البراغيث»(فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (أَلَا تَنْهَى هَؤُلَاءِ) هكذا رواية المصنف هنا، وفي«الكبرى»لم يذكر المخاطب، وقد ثبت في روية الشيخين، ولفظ البخاريّ:«فقال عبد اللَّه بن عمر لعَمْرو بن عثمان: ألا تنهى عن البكاء؟ .... ». وعمرو بن عثمان هو أكبر أولاد عثمان - ﵁ - الذين أعقبوا، وإن معاوية زوّجه لما ولي الخلافة ابنته رملة. قاله الزبير بن بكّار. ويكنى أبا عثمان، مدنيّ ثقة، من كبار التابعين (عَنِ الْبُكَاءِ) أي بالصياح والنياح، وهو متعلق بـ«تنهى»(فَإِنِّي) الفاء للتعليل، أي لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) فيه أن ابن عمر - ﵄ - سمعه بنفسه، وهذا لا يعارض ما تقدم من أنه سمعه من أبيه، لاحتمال أن يسمعه من أبيه أوّلًا، ثم يسمعه من النبي - ﷺ -، فكان يحدّث بهما. واللَّه تعالى أعلم. (يَقُولُ: إِن الْمَيِّتَ لَيُعَذبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) هكذا نسخ«المجتبى» «ببعض بكاء أهله عليه»، والذي في«الكبرى»:«ببكاء أهله عليه»، وهو الذي في رواية الشيخين، والظاهر أنه الصواب بدليل قول ابن عباس - ﵄ -:«قد كان عمر يقول بعض ذلك»، فلو كان كلام ابن عمر«ببعض بكاء أهله»، لما استقام قول ابن عباس - ﵄ - هذا. ومما يؤيد ذلك أيضًا زيادة في رواية مسلم، وهي:«قال: فأرسلها عبد اللَّه مرسلة، وأما عمر فقال: ببعض». قال النووي: معناه أن ابن عمر أطلق في روايته تعذيب الميت ببكاء الحيّ، ولم يقيده بيهوديّ، كما قيّدته عائشة، ولا بوصيّة، كما قيده آخرون، ولا قال:«ببعض بكاء أهله»، كما رواه أبوه عمر انتهى. والحاصل أن الظاهر أن رواية ابن عمر - ﵄ - هنا غير مقيدة«ببعض». واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ، يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ) أي العموم، وهو أن يكون بصوت، أو ندبة، أو يروي بعض ذلك الكلام، لأن في روايته«ببعض بكاء أهله»، كما سيأتي قريبًا (خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ) وفي رواية البخاريّ:«ثم حدّث، فقال: صَدَرتُ مع عمر من مكة حتى إذا كنا بالبيداء … »(حَتَّى إِذَا كُنَّا بالْبَيْدَاءِ) بفتح الموحّدة، وسكون التحتانية: مفازة بين مكة والمدينة، قاله العينيّ، وقالَ القاري: موضع قريب من ذي الحليفة (رَأَى رَكْبًا) بفتح، فسكون: أي جماعة راكبين (تَحْتَ شَجَرَةٍ) ولفظ الشيخين:«فإذا هو بركب تحت ظلّ سمرة»و«السمرة» بفتح المهملة، وضم الميم: شجرة عظيمة، من شجر العضاه (فَقَالَ) أي عمر - ﵁ - (انْظرْ مَنِ الرَّكْبُ؟) أي تحقق لي هؤلاء الجماعة، من هم؟ (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا) هي الْفُجَائِيَّةُ (صُهَيْبٌ) بصيغة التصغير ابن سنان بن قاسط، كان من السابقين الأولين المعذّبين في اللَّه تعالى، وقد تقدّمت ترجمته ٨٩/ ١٣٤٦ (وَأَهْلُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَيهِ) أي إلى عمر (فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا) الركب (صُهَيبٌ وَأَهْلُهُ، فَقَالَ) عمر (عَلَيَّ بصُهَيْبٍ) وللبخاري: «ادعه لي»، و«عليّ» اسم فعل، بمعنى أحضره عندي. زاد في رواية البخاري: «فرجعت إلى صهيب، فقلت: ارتحل، فالحَقْ أمير المؤمنين» (فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ، أُصِيبَ عُمَرُ) - ﵁ -، أي أصيب بالطعن، طعنه أبو لؤلؤة عبد للمغيرة بن شعبة - ﵁ -، وسبب ذلك ما رواه ابن سعد في «الطبقات» بإسناد صحيح إلى الزهري، قال: «كان عمر - ﵁ - لا يَأذَن لسبي قد احتلم في دخول المدينة، حتى كتب المغيرة بن شعبة، وهو على الكوفة، يذكر له غلاما عنده صانعًا، ويستأذنه أن يُدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالًا تنفع الناس، إنه حدّاد، نقّاش، نجّار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة كلَّ شهر مائة، فشكى إلى عمر شدّة الخراج، فقال له: ما خراجك بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطًا، فلبث عمر ليالي، فمرّ به العبد، فقال: ألم أُحَدَّث بأنك تقول: لو أشاء لصنعت رحًى، تَطحَن بالريح؟، فالتفت إليه عابسًا، فقال: لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعّدني العبد، فلبث ليالي، ثم اشتمل على خنجر ذي رأسين نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في الغلس حتى خرج عمر يوقظ الناس: »الصلاة الصلاة«، وكان عمر يفعل ذلك، فلما دنا منه عمر وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات، إحداهنّ تحت السرّة، قد خرقت الصفاق ، وهي التي قتلته». وفي حديث أبي رافع:«كان أبو لؤلؤة عبدا للمغيرة بن شعبة، وكان يستغلّه أربعة دراهم -أي كلّ يوم- فلقي عمر، فقال: إن المغيرة أثقل عليّ، فقال: اتق اللَّه، وأحسن إليه، ومن نيّة عمر أن يَلقَى المغيرةَ، فيكلّمه، فيخفّف عنه، فقال العبد: وَسِعَ الناسَ عدلُهُ غيري، وأضمر على قتله، فصنع له خنجرًا، له رأسان، وسَمَه، فتحرّى صلاة الغداة حتى قام عمر، فقال: أقيموا صفوفكم، فلما كبر طعنه في كتفه، وفي خاصرته، فسقط». وعند مسلم من طريق معدان بن أبي طلحة:«أن عمر خطب، فقال: رأيت ديكًا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي»، وزاد في رواية:«فما مرّ إلا تلك الجمعة، حتى طُعن». وقد ساق البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- قصة قتله - ﵁ - في«صحيحه» مطولة فقال: ٣٧٠٠ - حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر بن الخطاب - ﵁ -، قبل أن يُصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف، قال: كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا، قد حملتما الأرض ما لا تطيق، قالا: حَمَّلْناها أمرا، هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظرا، أن تكونا حملتما الأرض، ما لا تطيق، قال: قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني اللَّه، لأدعن أرامل أهل العراق، لا يحتجن، إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه إلا رابعة، حتى أصيب، قال: إني لقائم، ما بيني وبينه، إلا عبد اللَّه بن عباس، غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير، فيهن خللا، تقدم، فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك، في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو، إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العِلْج بسكين، ذات طرفين، لا يمر على أحد، يمينا ولا شمالا، إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه بُرْنُسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمرُ يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فمن يلي عمر، فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون، غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، فصلى بهم عبدالرحمن، صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة، قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله اللَّه، لقد أمرت به معروفا، الحمد للَّه الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل، يَدَّعي الإسلام، قد كنتَ أنت وأبوك، تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس، أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلتُ، أي إن شئت قتلنا، قال: كذبتَ، بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلَّوا قبلتكم، وحجوا حجكم، فاحتُمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس، لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ، فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن، فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس، فجعلوا يُثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين، ببشرى اللَّه لك، من صحبة رسول اللَّه - ﷺ -، وقدم في الإسلام، ما قد علمتَ، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا علي، ولا لي، فلما أدبر، إذا إزاره يمس الأرض، قال: رُدُّوا عليّ الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد اللَّه بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفا، أو نحوه، قال: إن وفى له مال آل عمر، فأدَّه من أموالهم، وإلا فسل فى بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تَعْدُهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يَقرَأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب، أن يدفن مع صاحبيه، فسلَّمَ، واستأذَنَ، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد اللَّه بن عمر، قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب، يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد للَّه، ما كان من شيء، أهمّ إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت، فاحملوني، ثم سلم، فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي، فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة، والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجتُ داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف، قال: ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر، من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين توفي رسول اللَّه - ﷺ -، وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد اللَّه بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدا، فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أُمّر، فإني لم أعزله عن عجز، ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي، بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ٩]، أن يُقبَل من محسنهم، وأن يُعفَى عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم رِدْءُ الإسلام، وجُبَاة المال، وغيظ العدو، وأن لا يؤخذ منهم، إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يؤخذ من حواشي أموالهم، ويرد على فقرائهم، وأوصيه بذمة اللَّه، وذمة رسوله - ﷺ -، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم، فلما قُبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد اللَّه بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك، مع صاحبيه، فلما فُرغ من دفنه، اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر، فنجعله إليه، واللَّه عليه والإسلام، لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبدالرحمن: أفتجعلونه إليّ؟ واللَّه علي أن لا آلُوَ عن أفضلكم، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول اللَّه - ﷺ -، والقدم في الإسلام، ما قد علمت، فاللَّهُ عليك لئن أمّرتك، لتعدلن، ولئن أمّرت عثمان، لتسمعن، ولتطيعن، ثم خلا بالآخر، فقال له: مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار، فبايعوه انتهى . (فَجَلَسَ صُهَيْبٌ يَبْكِي عِنْدَهُ) جملة في محل نصب على الحال (يَقُولُ) بدل اشتمال من «يبكي»، أو حال، فيكون من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة (وَا أُخَياهُ، وَا أُخَياهُ) لفظة «وا» للندبة، والألف في آخره زيدت للندبة، لتويل الصوت، والهاء للسكت، و«أُخَيَّا» بصيغة التصغير. ولفظ البخاريّ: «وا أخاه، وا صاحباه» (فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ، لَا تَبْكِ) قال السنديّ -﵀-: خاف أن يفضي بكاؤه إلى البكاء بعد الموت، وإلا فالحديث في البكاء بعد الموت انتهى. وفي رواية البخاريّ: يا صهيب، أتبكي علي، وقد قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن الميت …» (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَقُولُ: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ، بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ») قيّده ببعض البكاء، فَيُحمَل على ما فيه نوح، وندبة، جمعًا بين الأحاديث، وقيل: المراد بالبعض ما يكون من وصيته، وقد تقدم تمام البحث في هذا، فلا تغفُل (قَالَ) أي ابن عباس - ﵄ - (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ) ولفظ البخاريّ: «فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللَّه عمر، لا، واللَّه ما حدّث رسول اللَّه - ﷺ - إن اللَّه يعذّب المؤمن ببكاء أحد». قال النووي -﵀- في «شرحه»: في هذا جواز الحلف بغلبة الظنّ بقرائن، وإن لم يقطع الإنسان، وهذا مذهبنا، ومِنْ هذا قالوا: له الحلف بدين رآه بخط أبيه الميت على فلان، إذا ظنه. فإن قيل: فلعلّ عائشة لم تحلف على ظنّ، بل على علم، وتكون سمعته من النبي - ﷺ - في آخر أجزاء حياته. قلنا: هذا بعيد من وجهين: أحدهما: أن عمر، وابن عمر سمعاه - ﷺ - يقول: «يعذّب ببكاء أهله». والثاني: لو كان كذلك لاحتجّت به عائشة، وقالت: سمعته في آخر حياته - ﷺ -، ولم تحتجّ به، إنما احتجّت بالآية. واللَّه أعلم انتهى . (فَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ، مَا تُحَدِّثُونَ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ كَاذِبَيْنِ، مُكَذَّبَينِ) اسم مفعول من كذّبه مضعّفًا: إذا نسبه إلى الكذب، تعني أنهما لا يكذبان قصدًا، ولا يَنسُبُهما أحد إلى الكذب (وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ) تعني أن هذا مما أخطأ فيه سمعهما (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرْآنِ، لَمَا يَشْفِيكُمْ) أي يزيل إشكالكم في هذه المسألة، وهو قوله تعالى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، «أن» مخففة من الثقيلة، أدغمت في «لا» النافية، واسمها ضمير مقدر، وخبرها الجملة المنفية، وإلى هذا أشار ابن مالك في «الخلاصة»، حيث قال: وَإنْ تُخَفَّفْ «أَن» فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَة مِنْ بَعْدِ «أَنْ» والمعنى أنه لا تحمل نفس وازرة وزر نفس أخرى (وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) يحتمل أن تشدد نون «لكن»، و«رسولُ اللَّه» اسمها، وأن تخفف، وما بعدها مبتدأ وخبر (قَالَ: «إِنَّ اللَهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا، ببُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» زاد في رواية الشّيخين: «وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، قال ابن عباس - ﵄ - عند ذلك: واللَهُ ﴿هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، قال ابن أبي مليكة: واللَّه ما قال ابن عمر - ﵄ - شيئًا انتهى. قال في«الفتح»: قوله: قال ابن عباس الخ: أي عند انتهاء حديثه عن عائشة: واللَهُ ﴿هُوَ أَضحَكَ وَأَبكى﴾ أي إن العَبْرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها، فكيف يعاقب عليها، فضلا عن الميت. وقال الداوديّ: معناه أن اللَّه تعالى أَذِنَ في الجميل من البكاء، فلا يُعذِّب على ما أذن فيه. وقال الطيبي: غرضه تقرير قول عائشة، أي أن بكاء الإنسان، وضحكه من اللَّه يظهر فيه، فلا أثر له في ذلك انتهى. وقوله:«ما قال ابن عمر شيئا»قال الطيبي وغيره: ظهرت لابن عمر الحجة، فسكت مُذعِنا. وقال الزين ابن المنير: سكوته لا يدلّ على الإذعان، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام. وقال القرطبيّ: ليس سكوته لشكّ طرأ له بعد ما صرّح برفع الحديث، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل، ولم يتعيّن له محمل يحمله عليه إذ
مصادر المؤلف (٨)

١. - «شرح السندي» ج ٤ ص ١٨.

٢. - بفتح الزاي، وسكون الراء، بعدها غين معجمة، ثم ساكنة.

٣. -«شرح مسلم»ج ٦ ص ٤٧٠.

٤. «الصِّفَاق» ككتاب: الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والْمُصْرَان، أو جلد البطن كله. قاله في «ق». ص ٨١٠ - ٨١١.

٥. -هي أرض السواد، بعثهما إليها يضربان عليها الخراج، وعلى أهلها الجزية.

٦. -بكسر، فسكون: الرجل من كفار العجم، جمعه عُلُوج، وأعلاج. «ق».

٧. - انظر «صحيح البخاري» بنسخة «الفتح» ج ٧ ص ٤١٩ - ٤٢١.

٨. -«شرح مسلم» ج ٦ ص ٤٧١.