HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٨٦٨

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: «أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ اللهِ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا رَحْمَةٌ يَجْعَلُهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص20
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٨ ص٣٣٤
«المصباح». وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: الاحتساب من الحَسَب، كالاعتداد من العَد، وإنما قيل لمن ينوي بعمله وجه اللَّه: احتسبه، لأن له حينئذ أن يعتدّ عملَه، فجُعِلَ في حال مباشرة الفعل كأنه معتدّ به، والحِسْبةُ اسم من الاحتساب، كالعدة من الاعتداد، والاحتسابُ في الأعمال الصالحة، وعند المكروهات: هو البِدَار إلى طلب الأجر، وتحصِيلِهِ بالتسليم والصبر، أو باستعمال أنواع البرّ والقيام بها على الوجه المرسوم فيها، طلبًا للثواب المرجوّة منها انتهى . و«الصبر»: مصدر صَبَرَ، يقال: صَبَرتُ صَبْرًا، من باب ضَرَب: حَبَسْتُ النفس عن الْجَزَع. ذكره في «المصباح». وقال في «الفتح»: وأحسن ما وصف به الصبر أنه حبس النفس عن المكروه، وعقد اللسان عن الشكوى، والمكابدة في تحمله، وانتظار الفرج، وقد أثنى اللَّه تعالى على الصابرين في عدّة آيات. وأخرج الطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود - ﵁ - موقوفًا: «اليقين الإيمان كلّه، والصبر نصف الإيمان»، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية»، والبيهقي في «الزهد» مرفوعًا، ولا يصحّ رفعه. وقال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق، صبرتُ الشيءَ حبستُهُ، فالصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل، أو الشرع، وتختلف معانيه بتعلقاته، فإن كان عن مصيبة، سمي صبرًا فقط، وإن كان في لقاء عدوّ سمي شجاعةً، وإن كان عن كلام سمي كتمانًا، وإن كان عن تعاطي ما نهُي عنه سمي عفّةً انتهى . و«المصيبة»: الشدّة النازلة، وجمعها المشهور مَصَائب، قالوا: والأصل مَصَاوب، وقال الأصمعيّ: قد جمُعت على لفظها بالألف والتاء، فقيل: مصيبات، قال: وأرى أن جمعها على مَصَائب من كلام أهل الأمصار. ذكره في «المصباح». واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٨٦٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَيْهِ، أَنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ، يَقْرَأُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَ اللَّهِ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ». فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ، تُقْسِمُ عَلَيْهِ، لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ، وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الصَّبِيُّ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: «هَذَا رَحْمَةٌ، يَجْعَلُهَا اللَّهُ، فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الجليل المشهور [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (عاصم بن سليمان) الأحول البصريّ ثقة [٤] ١٤٨/ ٢٣٩. ٤ - (أبو عثمان) عبدالرحمن بن ملّ النهديّ المخضرم الثقة الثبت العابد الكوفيّ [٢] ١١/ ٦٤١. [تنبيه]: كتب في «الكبرى» عقب هذا الحديث: ما نصّه: قال لنا أبو عبد الرحمن: أبو عثمان هو النهديّ، واسمه عبد الرحمن بن ملّ انتهى . ٥ - (أسامة بن زيد) الصحابي ابن الصحابي - ﵄ - ٩٦/ ١٢٠. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف، ورجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وهو ثقة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وأن صحابيه حبُّ رسول - ﷺ - وابن حِبِّه - ﵄ -. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) النهديّ وفي رواية للبخاري في أواخر «الطبّ» من طريق شعبة، عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان (قَالَ: حَدَّثَنى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الصحابيّ ابن الصحابيّ، حبّ رسول اللَّه - ﷺ -، وابن حبّه - ﵁ -، تقدمت ترجمته في ٩٦/ ١٢٠ (قَالَ: أَرْسَلَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ - ﷺ -) هي زينب، كما وقع في رواية أبي معاوية، عن عاصم المذكور في «مصنّف بن أبي شيبة، وكذا ذكره ابن بشكوال (إِلَيْهِ، أَنَّ ابْنًا لِي) قيل: هو علي بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب، كذا كتب الدمياطيّ بخطه في»الحاشية«. قال الحافظ: وفيه نظر ، لأنه لم يقع مسمّى في شيء من طرق هذا الحديث، وأيضًا فقد ذكر الزبير بن بكّار وغيره، من أهل العلم بالأخبار أن عليّا المذكور عاش حتى ناهز الحُلُم، وأن النبي - ﷺ - أردفه على راحلته يوم فتح مكة، ومثل هذا لا يقال: في حقه صبي عرفا، وإن جاز من حيث اللغة. قال: ووجدت في«الأنساب»للبلاذريّ أن عبد اللَّه بن عثمان بن عفّان من رقية بنت النبي - ﷺ - لَمّا مات وضعه النبي - ﷺ - في حجره، وقال:«إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء». وفي«مسند البزّار»من حديث أبي هريرة، قال: ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبي - ﷺ -، فذكر نحو حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء، فعلى هذا، فالابن المذكور محسن بن عليّ بن أبي طالب، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرًا، في حياة النبي - ﷺ -، فهذا أولى أن يفسّر به الابن إن ثبت أن القصّة كانت لصبيّ، ولم يثبت أن المرسلة زينب، لكن الصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولد صبيّة، كما ثبت في«مسند أحمد»، عن أبي معاوية، بالسند المذكور، ولفظه:«أُتِي النبيُّ - ﷺ - بأمامة بنت زينب»، زاد سعدان بن نصر في الثاني من حديثه، عن أبي معاوية بهذا الإسناد:«وهي لأبي العاص بن الربيع، ونفسها تقعقع، كأنها في شنّ»، فذكر حديث الباب، وفيه مراجعة سعد بن عبادة، وهكذا أخرجه أبو سعيد بن الأعرابيّ في«معجمه»، عن سعدان، ووقع في رواية بعضهم«أُمينة»بالتصغير، وهى أمامة المذكورة، فقد اتفق أهل العلم بالنسب أن زينب لم تلد لأبي العاص إلا عليّا، وأمامة فقط. وقد استُشكِل ذلك، من حيث إن أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أن أمامة بنت أبي العاص من زينب بنت النبي - ﷺ -، عاشت بعد النبي - ﷺ -، حتى تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، ثم عاشت عند عليّ حتى قُتل عنها. ويجاب بأن المراد في حديث الباب:«أن ابنا لي قُبض»، أي قارب أن يُقبض، ويدلّ على ذلك أن في رواية حماد:«أرسلت تدعوه إلى ابنها في الموت»، وفي رواية شعبة:«أن ابنتي قد حُضِرَت»، وهو عند أبي داود من طريقه:«أن ابني»، أو«ابنتي»، وقد قدّمنا أن الصواب قول من قال:«ابنتي»، لا«ابني». ويؤيدّه ما رواه الطبرانيّ في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، في«المعجم الكبير»من طريق الوليد ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال:«استُعِزَّ بأمامة بنت أبي العاص، فبَعَثَت زينب بنت رسول اللَّه - ﷺ - إليه، تقول له … »، فذكر نحو حديث أسامة، وفيه مراجعة سعد في البكاء، وغير ذلك. وقوله في هذه الرواية:«استُعِزّ» -بضم المثناة، وكسر المهملة، وتشديد الزاي-: أي اشتدّ بها المرض، وأشرفت على الموت. قال: والذي يظهر لي أن اللَّه تعالى أكرم نبيّه - ﷺ - لَمَا سَلَّمَ لأمر ربه، وصبّر ابنته، ولم يملك مع ذلك عينيه من الرحمة، والشفقة، بأن عافى اللَّه ابنة ابنته في ذلك الوقت، فخَلَصَت من تلك الشدّة، وعاشت تلك المدّة، وهذا ينبغي أن يُذكَر في دلائل النبوّة، واللَّه المستعان انتهى كلام الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر في أن الجمع بين هذه الروايات بتعدد الواقعة أولى، من تخطئة الرواية الصحيحة، فالصواب في حديث الباب أن المحتضر «ابن»، لا «ابنة»، كما هو نصّ حديث الباب. ثم رأيت القسطلاّنيّ نقل عن البرماويّ بأنه جمع بين ذلك باحتمال تعدد الواقعة في بنت، أو بنتين، أرسلت زينب في عليّ، أو أمامة، أو رقيّةُ في عبد اللَّه بن عثمان، أو فاطمة في ابنها محسن بن عليّ انتهى . واللَّه تعالى أعلم. (قُبِضَ) بالبناء للمفعول، أي قرب من أن يُقبض، أي هو في حالة القبض، ومعالجة الروح، فأطلق القبض مجازًا، باعتبار أنه في حالة كحالة النزع (فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ، يَقْرَأ) بفتح الياء (السَّلَامَ) بالنصب مفعول، ومتعلِّقُهُ محذوف: أي عليها، لأنه يتعدى إلى المفعول الثاني بـ «على». يقال: قرأت على زيد السلامَ، أقرؤه عليه، قراءةً، وإذا أمرت منه قلتَ: اقْرَأْ - ﵇ -، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأ، فلا يقال: اقْرَأْه السلامَ، لأنه بمعنى اتلُ عليه، وحكَى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه، رباعيًا، فيقال: فلان يُقرِئك السلامَ. قاله في «المصباح». ورواية البخاريّ «يُقرىء» بضم الياء، وجملة «يقرأ» حال من فاعل «أرسل» (وَيَقُولُ) تسليةً لها (إِنَّ لِلهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى) أي فلا حيلة إلا الصبر، وقدّم ذكر الأخذ على الإعطاء، وإن كان متأخرًا في الواقع، لأن المقامَ يقتضيه، والمعنى أن الذي أراد أن يأخذه هو الذي كان أعطاه، فإن أخذه أخذ ما هو له، فلا ينبغي الجزع، لأن مُستَودَعَ الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه. ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت، أو ثوابهم على المصيبة، أو ما هو أعمّ من ذلك. أفاده في «الفتح». وقال النووي -﵀-: قوله: «إن للَّه ما أخذ»: معناه الحثّ على الصبر، والتسليم لقضاء اللَّه تعالى، وتقديره أن هذا الذي أُخذ منكم كان له، لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا تَجزَعوا، كما لا يجزع من استُرِدّت منه وديعةٌ أو عاريةٌ. وقوله: «وله ما أعطى»: معناه: أن ما وهبه لكم ليس خارجًا عن ملكه، بل هو ﷾ يفعل فيه ما يشاء. انتهى . ولفظ «ما» في الموضعين مصدريّة، أي إن للَّه الأخذ والإعطاء، ويحتمل أن تكون موصولة، والعائد محذوف للدلالة على العموم، فعلى الأول التقدير إن للَّه الأخذَ والإعطاءَ، أي أخذ الأولاد، وإعطاءهم، أو ما هو أعمّ من الأولاد، وعلى الثاني إن للَّه الذي أخذه من الأولاد، وله الذي أعطى منهم، أو ما هو أعمّ من ذلك. (وَكُلُّ شَيْء) أي من الأخذ والإعطاء، أو من الأنفس، أو ما هو أعمّ من ذلك (عِنْدَ اللَّهِ) تعالى (بِأَجَلِ مُسَمَّى) أي مقدّر بأجل معلوم، و«الأجل» يطلق على الحدّ الأخير، وعلى مجموع العمر. وفي نسخة «وكلٌ عنده بأجل مسمّى». وقال النووي -﵀-: معنى قوله: «وكل شيء عنده بأجل مسمى»: اصبروا، ولا تجزعوا، فمن كل من مات قد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدّمه أو تأخّره عنه، فإذا علمتم هذا كله فاصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم. وهذا الحديث من قواعد الإسلام المشتملة على جُمَل من أصول الدين، وفروعه، والآداب. واللَّه أعلم انتهى بتصرّف . (فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ) أي تنوي بصبرها طلب الثواب من ربها، ليُحْسَبَ لها ذلك من عملها الصالح (فأرْسَلَتْ إِلَيهِ) أي أرسلت ابنة النبيّ - ﷺ - إليه مرةً أخرى (تُقْسِمُ عَلَيْهِ) بضمّ التاء، من الإقسام، والجملة في محلّ نصب على الحال، ووقع في حديث عبد الرحمن ابن عوف عند الطبرانيّ أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة، وكأنها ألَحَّت عليه في ذلك دفعًا لما يظنه بعض أهل الجهل أنها ناقصة المكانة عنده، أو ألهمها اللَّه تعالى أن حضور نبيه - ﷺ - عندها يدفع عنها ما هي فيه من الألم ببركة دعائه، وحضوره، فحقّق اللَّه ظنها . والظاهر أنه امتنع أوّلًا مبالغة في إظهار التسليم لربه، أو ليبيّن الجواز في أن من دُعي لمثل ذلك لم تجب عليه الإجابة، بخلاف الوليمة مثلًا (لَيأْتِيَنَّهَا) بفتح اللام، ونون التأكيد المشددة، والجملة جواب القسم (فَقَامَ) - ﷺ - (وَمعه) الواو للحال أي: والحال أن مع النبي - ﷺ - (سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلِ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَال آخرون) ذُكر منهم في غير هذه الرواية عبادةُ بن الصامت، وأَسامة بن زيد، راوي الحديث، وعبد الرحمن بن عوف (فَرُفِعَ) بالبناء للمفعول، قال في «الفتح»: كذا هنا بالراء، وفي رواية حماد «فدُفع» بالدال، وبين في رواية شعبة أنه وُضع في حجره - ﷺ -، قال: وفي هذا السياق حذف، والتقدير: فمشوا، إلى أن وصلوا إلى بيتها، فاستأذنوا، فأُذن لهم، فدخلوا، فرُفِع، ووقع بعض هذا المحذوف في رواية عبد الواحد، ولفظه: «فلما دخلنا، ناولوا رسول اللَّه - ﷺ - الصبيّ … (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - الصَّبِيُّ) أي وضع في حجره - ﷺ - (وَنَفْسُهُ) أي روحه (تَتَقَعْقَعُ) وفي نسخة»تقعقع«بحذف إحدى التاءين، أي تضطرب، وتتحرّك، ولا تثبت على حالة واحدة، كذا في»النهاية«. والجملة في محلّ نصب على الحال من»الصبيّ«. وزاد في رواية للبخاري بعد قوله:«ونفسه تتقعقع»: ما لفظه:«قال: حسبت كأنها شَنّ»، ولفظه في رواية:«ونفسه تقعقع، كأنها في شنّ». قال في«الفتح»: والقعقعة صوت الشيء اليابس إذا حُرّك، والشّنّ بفتح المعجمة، وتشديد النون: القِرْبة الخَلَقَة اليابسة، وعلى الرواية الثانية شبّه البدن بالجلد اليابس الخَلَق، وحركةَ الروح فيه بما يُطرح في الجلد من حصاة ونحوها، وأما الرواية الأولى، فكأنه شبّه النفس بنفس الجلد، وهو أبلغ في الإشارة إلى شدة الضعف، وذلك أظهر في التشبيه انتهى . (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) أي سألت بالدموع عينا رسول اللَّه - ﷺ - (فَقَالَ سَعْدٌ) أي ابن عبادة المتقدّم، ووقع في رواية ابن ماجه من طريق عبد الواحد: «فقال عبادة بن الصامت»، والصواب ما في «الصحيح». قاله في «الفتح» (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟) أي أيّ شيء هذا البكاء الذي نشاهده منك؟. وفي رواية للبخاريّ: «فقال سعد بن عبادة: أتبكي؟»، وزاد أبو نعيم في «المستخرج»: وتنهى عن البكاء«(قَالَ) - ﷺ - (هَذَا رَحْمَةٌ) أي هذا الدمع الذي تراه أثر رحمه من اللَّه تعالى، وللبخاري:»هذه رحمة«، أي الدمعة. (يَجْعَلُهَا اللَّهُ، فِي قُلُوب عِبَادِهِ) أي أن الذي يَفيض من الدمع من حزن القلب بغير تعقد من صاحبه، ولا استدعاء منه، لا مؤاخذة عليه، وإنما المنهي عنه الجزع، وعدم الصبر. وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-:«قوله: »هذه رحمة«: أي هذه رقّة يجدها الإنسان في قلبه، تبعثه على البكاء من خشية اللَّه، وعلى أفعال البرّ والخير، وعلى الشفقة على المبتلَى والمُصاب، ومن كان كذلك جازاه اللَّه برحمته، وهو المعنيّ بقوله - ﷺ -: »إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء«، وضدّ ذلك القسوة في القلوب الباعثةُ على الإعراض عن اللَّه تعالى، وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٢] انتهى . وقال النووي -﵀-: قوله: «ففاضت عيناه، فقال له سعد: ما هذا؟ الخ»: معناه: أن سعدًا - ﵁ - ظنّ أن جميع أنواع البكاء حرام، وأن دمع العين حرامٌ، وظنّ أن النبيّ - ﷺ - نسي، فذكّره، فأعلمه النبي - ﷺ - أن مجرّد البكاء، ودمع العين، ليس بحرام، ولا مكروه، بل هو رحمة، وفضيلة، وإنما المحرّم النوح، والندب، والبكاء المقرون بهما، أو بأحدهما انتهى (وَإِنَّمَا يَرحَمُ اللَّهُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ) وفي رواية للبخاريّ في «كتاب الطبّ»: «ولا يرحم اللَّه من عباده إلا الرحماء». و«مِنْ» في قوله: «من عباده» بيانية، وهي حال من المفعول، وهو «الرحماء»، وقُدِّم عليه ليكون أوقع. و«الرحماء»: جمع رحيم، وهو من صيغ المبالغة، ومقتضاه أن رحمة اللَّه تختصّ بمن اتصف بالرحمة، وتحقّق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد اللَّه ابن عمرو، عند أبي داود وغيره: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، و«الراحمون» جمع راحم، فيدخل كلّ مَن فيه أدنى رحمة. وقد ذكر الحربيّ مناسبة الإتيان بلفظ «الرحماء» في حديث الباب بما حاصله: أن لفظ الجلالة دالّ على العظمة، وقد عُرف بالاستقراء أنه حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فلما ذُكر هنا ناسب ذكر من كثرت رحمته، وعظمته، ليكون الكلام جاريًا على نسق التعظيم، بخلاف الحديث الآخر، فإن لفظ الرحمن دالّ على العفو، فناسب أن يُذكر معه كلّ ذي رحمة، وإن قلّت، واللَّه تعالى أعلم، ذكره في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أسامة بن زيد - ﵁ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ٢٢/ ١٨٦٨ - وفي «الكبرى» ٢٢/ ١٩٩٥ - وأخرجه (خ) ١٢٨٤ و٥٦٥٥ و٦٦٠٢ و٦٦٥٥ و٧٣٧٧ و٧٤٤٨ (م) ٩٢٣ (د) ٣١٢٥ (ف) ١٥٨٨ (أحمد) ٢١٢٨٢ و٢١٢٩٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو الحثّ على الاحتساب، والصبر عند نزول المصيبة. ومنها: مشروعيّة استحضار أهل الفضل، والصلاح عند المحتضر.
مصادر المؤلف (١٤)

١. - «النهاية» ج ١ ص ٣٨٢.

٢. - راجع «الفتح» ج ١٣ ص ٩٤.

٣. - انظر«السنن الكبرى»ج ١ ص٦١٣.

٤. - انظر«عمدة القاري»ج ٦ ص ٤٣٨.

٥. - تعقّب العينيّ تعقّب الحافظ على الدمياطيّ، فانظر كلامه في«عمدة القاري»ج ٦ ص ٤٣٨ - ٤٣٩.

٦. - «فتح» ج ٣ ص ٥٠٢ - ٥٠٣.

٧. - «إرشاد الساري» ج ٢ ص ٤٠١ ..

٨. - «شرح مسلم» ج ٦ ص ٤٦٤.

٩. - المصدر المذكور.

١٠. فيه أن ولدها شفي من مرضه.

١١. - «فتح» ج ٣ ص ٥٠٤.

١٢. - «المفهم» ج ٣ ص ٥٧٥ - ٥٧٦.

١٣. - «شرح مسلم» ج ٦ ص ٤٦٤ - ٤٦٥.

١٤. - «فتح»ج ٣ ص ٥٠٤ - ٥٠٥.