HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٩٠٤

أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ نَافِعٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص30
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ٣٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٩ ص٥٢
الكفن من رأس المال، وهو قوله: «وكفّنوه في ثوبيه» انتهى كلام ابن المنذر --﵀- تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن المنذر --﵀- تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. وحاصله أن الكفن من جميع المال، وأنه مقدّم على الدين والوصية، لأن النبي - ﷺ - نصّ على تكفين مصعب بتلك النمرة، ولم يستفصل، هل عليه دين، أو وصية، أم لا؟ وكذلك في قصّة المحرم، كما سيأتي، إن شاء اللَّه تعالى، وقد ثبت عن الإمام الشافعي --﵀- تَعَالَى- مقالته المشهورة وهي، قاعدةٌ مسلّمة لَدَى المحقّقين في باب الاستدلال، وهي: «تركُ الاستفصال، في حكاية الحال، مع يّام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب» … ٤١ - كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ إِذَا مَاتَ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وهكذا ترجم الإمام البخاريّ --﵀- تَعَالَى-، فقال ابن المنيّر -﵀-: تضمّنت الترجمة الاستفهام عن الكيفية، مع أنها مبيّنة، لكنها لما كانت تحتمل أن تكون خاصة بذلك الرجل، وأن تكون عامة لكلّ محرم آثر المصنّف الاستفهام انتهى. قال الحافظ --﵀- تَعَالَى-: والذي يظهر لي أن المراد بقوله: «كيف يُكفّن» أي كيفية التكفين، ولم يرد الاستفهام، وكيف يُظنّ به أنه متردد فيه، وقد جزم قبل ذلك بأنه عامّ في حقّ كلّ أحد، حيث ترجم بجواز التكفين في ثوبين؟ انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الحافظ --﵀- تَعَالَى- حسنٌ جدًّا. وحاصله أن مقصود الترجمة الإشارة إلى أن الحديث المذكور تحتها فيه بيان كيفية تكفين المحرم إذا مات في حال إحرامه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٠٤ - أَخْبَرَنَا عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا، وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُمِسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عتبة بن عبد اللَّه) بن عُتبة الْيُحْمِديّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، صدوق [١٠] ٨١/ ٩٨. ٢ - (يونس بن نافع) الْخُراسانيّ، أبو غانم القاضي، صدوق يخطئ [٨]. روى عن أبي سهل كثير بن زياد، وعمرو بن دينار، وأبي الزبير، ومنيع بن عبد اللَّه، وأبي إياس الشاميّ، والمثنى. وعنه حامد بن آدم، وابن المبارك، وعتبة بن عبد اللَّه، ومعاذ بن أسد، وأبو تُملية المروزبون. قال ابن المبارك: هو أول من اختلفت إليه. قال النسائي في «الكبرى» بعد إيراد حديث الباب: ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: يونس بن نافع، يُكنى أبا غانم، ثقة مروزيّ، روى عنه عبد اللَّه بن المبارك انتهى. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: يُخطىء، مات سنة (١٥٩). روى له أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (عمرو بن دينار) هو المذكور في الباب الماضي. ٤ - (سعيد بن جُبير) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقة ثبت فقيه [٣] ٢٨/ ٤٣٦. ٥ - (ابن عبّاس) عبد اللَّه البحر - ﵄ - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، يونس بن نافع، وقد وُثّق. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. (ومنها): أن فيه ابن عباس من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ) - ﵄ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اغْسِلُوا الْمُحْرِمَ) وفي بعض النسخ:»اغسلوا الميت«، و،»ال«فيهما للعهد الحضوريّ، أي الرجل الذي مات محرما عندهم في عرفة، كما يوضّحه سياق الحديث، فإنه مختصر، وسيأتي تاما في»كتاب مناسك الحجّ«، ولفظه في -٩٩/ ٢٨٥٥ - من طريق أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: بينا رجل واقف بعرفة مع رسول اللَّه - ﷺ -، إذ وقع من راحلته، فأقعصه -أو قال فأقعصته- فقال رسول اللَّه - ﷺ -:»اغسلوه بماء وسدر، وكفّنوه في ثوبين، ولا تحنّطوه، ولا تخمّروا رأسه، فإن اللَّه -﷿- يبعثه يوم القيامة ملبيًا«. ومعنى«أقعصه»: أي قتله قتلًا سريعًا. وفي لفظ:«وقصت رجلًا محرما ناقته: أي كسرت عنقه. (فِي ثَوْبَيْهِ) متعلّق بـ «اغسلوا» (اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا) فيه أن المحرم يغسل في ثوبيه، ولا يُنزعان منه عند الغسل، لئلا تنكشف عورته (وَاغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فيه أن السدر ليس من الطيب المحرّم على المحرم (وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ) هذا نصّ في أن كفن المحرم ثوباه اللذان أحرم بهما، ولا يزاد عليهما غيرهما. وفي رواية أخرى: «في ثوبين» بدون الضمير، قال القاضي عياض: والأولى أكثر الروايات، قال القرطبيّ: فعلى الرواية الأولى يحتجّ الشافعيّ على بقاء حكم إحرامه، كما سيأتي، لأنه أمر أن يكفّن في ثيابه التي كانت عليه. والرواية الثانية يحتمل أن تُحمل على الأولى، ويحتمل أن يريد زيدوا على ثوبه الذي أحرم فيه ثوبين، ليكون كفنه وترًا، والأول أولى لأن إحدى الروايتين مفسِّرة للأخرى. وقال المحبّ الطبريّ -﵀- في «أحكامه»: إنما لم يزده ثوبًا ثالثًا، تكرمةً له، كما في الشهيد، حيث قال: «زمّلوهم بدمائهم» انتهى . وقال في «الفتح»: يحتمل اقتصاره له على التكفين في ثوبيه، لكونه مات فيهما، وهو متلبّس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأول هو الظاهر، كما بينه المحبّ الطبريّ، ورجحه القرطبيّ -رحمهما اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا تَمَسُّوهُ) بفتح التاء، والميم، يقال: مَسّ الماء الجسدَ، من باب تَعِبَ، مَسًّا: أصابه، ويتعدى إلى ثان بالحرف، وبالهمزة، فيقال: مسِسْتُ الجسدَ بماء، وأمسَسْتُ الجسد الماءَ. قاله في «المصباح»، فالباء في قوله (بِطِيبٍ) للتعدية، فما وقع في شرح السيوطيّ، والسنديّ، من ضبطه بضم التاء، وكسر الميمَ، من الإمساس رباعيا فغلطٌ، لأن الرباعيّ يتعدى بنفسه، لا بالباء، ولفظ الرواية الآتية في- ٩٨/ ٢٨٥٤ -: «ولا تُمسّوه طيبًا» وعليه فهو بضم التاءِ، وكسر الميم، من الإمساس. فتنبّه. وفي الرواية الآتية في- ٩٩/ ٢٨٥٥ -: «ولا تُحَنِّطُوه»: هو بالحاء المهملة: أي لا تمسوه حَنُوطًا، والْحَنُوط بفتح الحاء، ويقال له: الْحِنَاط بكسر الحاء، وهو أخلاط من طيب، تُجمع للميت خِاصّة، لا تُستعمل في غيره . (وَلَا تخُمِّرُوا رَأْسَهُ) أي لا تُغَطُّوا رأسه، ثم علّل النهي بقوله (فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا») أي لأنه يُبعث يوم القيامة على الحالة التي مات عليها، وهي الإحرام. وفي الرواية الآتية - في - ٩٩/ ٢٨٥٥ -«فإن اللَّه -﷿- يَبعثه يوم القيامة ملبّيًا». وفي لفظ:«يُبْعَثُ يُهِلُّ»، وفي لفظ:«يلبي». قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: معناه على الهيئة التي مات عليها، ومعه علامة لحجّه، وهي دلالة الفضيلة، كما يجيء الشهيد يوم القيامة، وأوداجه تَشْخَب دمًا انتهى. ووقع في رواية:«يبعث يوم القيامة ملبّدًا»بدال بدل التحتانية، والتلبيد جمع الشعر بصمغ، أو غيره، ليخفّ شعثه، وكانت عادتهم في الإحرام أن يصنعوا ذلك. وقد أنكر عياض هذه الرواية، وقال: ليس للتلبيد معنى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا وجه لإنكار القاضي عياض درواية«مُلَبِّدًا» بعد صحة نقلها، ودعواه عدم المعنى لها، غير صحيحة، بل لها معنى مقصود، وهو أن يكون التلبيد علامة على موته، وهو كذلك، كما أن الشهيد يأتي بدمه وكلمه علامة على موته كذلك. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٤١/ ١٩٠٤ - و٤٧/ ٢٧١٣ و٩٨/ ٢٨٥٤ و٩٩/ ٢٨٥٥ و٢٨٥٦ و١٠٠/ ٢٨٥٧ و١٠١/ ٢٨٥٨٠ وفي «الكبرى» ٤١/ ٢٠٣١ و٩٦/ ٣٨٣٦ و٩٧/ ٣٨٣٧ و٩٨/ ٣٨٣٨ و٣٨٣٩ و٩٩/ ٣٨٤٠ و١٠٠/ ٣٨٤١. وأخرجه (خ) ١٢٦٥ و١٢٦٦ و١٢٦٧ و١٨٥٠ و١٨٥١ (م) ١٢٠٦ (د) ٣٢٣٨ و٣٠٨٤ (ق) ٣٠٨٤ (أحمد) ١٨٥٣ و١٩١٧ و٢٣٩٠ و٢٥٨٦ (الدارمي) ١٨٥٢ واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان كيفية تكفين المحرم. ومنها: استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه، وأن إحرامه باق. ومنها: أنه لا يكفّن في المخيط. ومنها: أن فيه التعليل بالفاء، لقوله: «فإنه يبعث الخ». ومنها: أن التكفين في الثياب الملبوسة جائز، قال النووي -﵀-: وهو مجمع عليه انتهى. ومنها: جواز التكفين في ثوبين، والأفضل الثلاثة إذا تيسر، لغير المحرم. ومنها: أن الكفن يكون من رأس المال، وأنه مقدّم على الدين وغيره، لأن النبي - ﷺ - أمر بتكفينه في ثوبيه، ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق، أم لا؟ ومنها: أن التكفين واجب، قال النوويّ -﵀-. وهو إجماع في حقّ المسلم، وكذلك غسله، والصلاة عليه، ودفنه انتهى. ومنها: استحباب دوام التلبية في الإحرام، واستحباب التلبيد. ومنها: إباحة غسل المحرم الحيّ بالسدر، خلافًا لمن كرهه له. ومنها: أن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحّة، بل هو مستحبّ لغير المحرم، وهو قول الجمهور، واختلف فيما إذا شحّ بعض الورثة بالثاني، أو الثالث، والمرجّح أنه لا يلتفت إليه، وأما الواحد الساتر لجميع البدن، فلا بدّ منه بالاتفاق. ومنها: أن الإحرام يتعلّق بالرأس، وسيأتي الكلام على ما وقع في -٤٧/ ٢٧١٤ - بلفظ: «ولا تخمروا وجهه، ورأسه الخ» في محله إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: أن من شرع في عمل طاعة، ثم حال بينه وبين إتمامه الموت يُرجَى له أن اللَّه يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل. ومنها: أنه يدلّ على ترك النيابة في الحجّ، لأنه - ﷺ - لم يأمر أحدًا أن يُكَمِّل عن هذا المحرم أفعال الحجّ. هكذا قيل، وفيه نظر لا يخفى. ومنها: أنه استنبط الإمام الشافعي، وتبعه المزنيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من هذا الحديث جواز قطع شجر السدر، لقوله: «اغسلوه بماء وسدر». وأما حديث: «من قطع شجر سدر، صوّب اللَّه رأسه في النار». حديث صحيح أخرجه أبو داود، فمحمول على من قطع ما يَستَظِلُّ به ابنُ السبيل، والبهائم عبثا بغير حقّ، وقيل: غير ذلك. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أغرب القرطبيّ، فحكى عن الشافعيّ أن المحرم لا يصلَّى عليه، وليس ذلك بمعروف عنه. ذكره في «الفتح» . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف العلماء فيما يُفعل بالمحرم إذا مات: قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختلف أهل العلم في تخمير رأس المحرم الميت، وتطييبه، فقالت طائفة: يُصنع به كما يُصنع بسائر الموتى، هذا قول عائشة، وبه قال عمر، وطاوس، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا بأس بأن يُحنِّطَ الحلالُ المحرمَ الميتَ بالطيب. وقالت طائفة: لا يُغطى رأسه، ولا يُمسّ طيبا، رُوي هذا القول عن عليّ - ﵁ -، وقال ابن عباس - ﵄ -: لا يُغطّى رأسه، وقال الشافعيّ: لا يُمسّ طيبًا، ولا يُخمّر رأسه، وبه قال أحمد، وإسحاق. قال ابن المنذر -﵀-: وبما ثبت عن رسول اللَّه - ﷺ - نقول -يعني حديث الباب-. قال: وكان الثوريّ يميل إلى القول بالحديث، قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وبما قاله ابن المنذر، ومال إليه الثوريّ -رحمهما اللَّه تعالى- أقول، لصحة المنقول. وحاصله أن المحرم الميت يكفّن في ثوبيه، ولا يمسّ طيبًا، ولا يغطّى رأسه، كما أرشد إلى ذلك النبي - ﷺ - في حديث الباب. واللَّه تعالى أعلم. قال: وروينا عن عطاء قولا ثالثًا، وهو أن يُغسل بالماء، ويكفّن، وُيغطّى رأسه، ولا يُحنّط. قال: واختلفوا في تخمير وجهه، فأما من قال: إذا مات المحرم ذهب إحرامه، فلا معنى للمسألة على مذهبه، لأنه يَرى أن يُفعل به كما يُفعل بسائر الموتى، وقياس قول من رأى أن للمحرم الحيّ أن يُخمِّرَ وجهَهُ أن يقول: يُخَمِّرُ وجهُ المحرم الميت. وممن كان لا يرى بأسًا أن يُخَمِّرَ المحرمُ وجهَهُ سعد بن أبي وقّاص، وجابر بن عبد اللَّه، والقاسم بن محمد، وطاوس، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وكرهت طائفة من أصحاب الحديث أن يُخَمِّرَ وجهَهُ، وأن يُخَمَّر وجهُ المحرم الميت. وحُجَّةُ هؤلاء حديثُ ابن عباس الآتي ٤٧/ ٢٧١٤ - بلفظ: «ولا تخمروا وجهه ورأسه …». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما عزاه إلى أصحاب الحديث هو الحقّ، لصحة الحديث بذلك كما سيأتي في محله إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه تعالى أعلم . وقال في «الفتح» عند قول البخاريّ: «باب الحنوط للميت»: أي غير المحرم، وأورد حديث ابن عباس المذكور في الباب، قال: وشاهد الترجمة قوله: «ولا تحنّطوه»، ثم علل بأنه يُبعث ملبيًا، فدلّ على أن سبب النهي أنه كان محرمًا، فإذا انتفت العلّة انتفى النهي، وكأن الحنوط للميت كان مقرّرا عندهم، وكذا قوله: «ولا تخمّروا رأسه»، أي لا تُغَطُّوه. قال البيهقيّ -﵀-: فيه دليل على أن غير المحرم يُحنّط، كما يُخمّر رأسه، وأن النهي إنما وقع لأجل الإحرام، خلافا لمن قال من المالكيّة وغيرهم: إن الإحرام ينقطع بالموت، فيُصنع بالميت ما يُصنع بالحيّ. قال ابن دقيق العيد -﵀-: وهو مقتضى القياس، لكن الحديث بعد أن ثبت يقدّم على القياس. وقد قال بعض المالكية: إثبات الحنوط في هذا الخبر بطريق المفهوم من منع الحنوط للمحرم، ولكنها واقعة حال، يتطرّق الاحتمال إلى منطوقها، فلا يستدلّ بمفهومها. وقال بعض الحنفية: هذا الحديث ليس عامّا بلفظه، لأنه في شخص معيّن، ولا بمعناه، لأنه لم يقل: يبعث ملبيا لأنه محرم، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل منفصل. وقال ابن بزيزة: وأجاب بعض أصحابنا عن هذا الحديث بأن هذا مخصوص بذلك الرجل، لأن إخباره - ﷺ - بأنه يُبعث ملبيا شهادة بأن حجه قُبل، وذلك غير محقّق لغيره. وتعقّبه ابن دقيق العيد بان هذه العلة إنما ثبتت لأجل الإحرام، فتعمّ كلّ محرم، وأما القبول وعدمه فأمر مغيّب. واعتلّ بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وبقوله - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»، وليس هذا منها، فينبغي أن ينقطع عمله بالموت. وأجيب بأن تكفينه في ثوبي إحرامه، وتبقيته على هيئة إحرامه من عمل الحيّ بعده، كغسله، والصلاة عليه، فلا معنى لما ذكره. وقال ابن المنيّر -﵀- في «الحاشية»: وقد قال - ﷺ - في الشهداء: «زمّلوهم بدمائهم» مع قوله: «واللَّه أعلم بمن يُكلم في سبيله»، فعمّم الحكم في الظاهر، بناء على ظاهر السبب، فينبغي أن يُعمّم الحكم في كلّ محرم، وبين المجاهد والمحرم جامعٌ، لأن كلاّ منهما في سبيل اللَّه. وقد اعتذر الداوديّ عن مالك، فقال: لم يبلغه هذا الحديث. وأورد بعضهم أنه لو كان إحرامه باقيًا، لوجب أن يكمّل به المناسك، ولا قائل به. وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على مورد النصّ، ولا سيّما وقد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام، كاستبقاء دم الشهيد انتهى ما قاله في «الفتح» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أكثر هذه الأقوال آراء ساقطة، لأنها في مقابلة النصّ، واحتجاج على المنقول بالمعقول، وأحسن ما يُعتذر به عن الأئمة كمالك، ونحوه هو ما قاله الداوديّ، وهو أنه لم يبلغهم النصّ، وإلا لما خالفوه مع وضوحه. والحاصل أن الصواب العمل بما دلّ عليه حديث ابن عباس - ﵄ - المذكور في الباب، فلا يُخمّر رأسه المحرم الميت، ولا وجهه، ولا يحنّط، وأنه باق على إحرامه، وأن العلة هي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل أن ما ثبت لشخص في زمنه - ﷺ - ثابت لغيره حتى يدلّ الدليل على خلافه، ولم يثبت خلافه، كيف، وقد ثبت أنه - ﷺ - قال: «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه» رواه مسلم، وهذا عام في كل صورة ومعنى، فاقتضى ذلك تعلق هذا الحكم على الإحرام حيث مات محرما، فيعمّ كل محرم، كيف والتلبية من لوازم الإحرام، والعمل بالحديث مقدم على القياس، وهو متعين. ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [مِن الوافر]: إِذأ جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تجُارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤٢ - الْمِسْكُ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذه الترجمة الاستدلال على مشروعية استعمال المسك للميت، ووجه ذلك أن النبي - ﷺ - قال في قصّة المحرم: «ولا تَمَسُّوه بطيبٍ»، فإن مفهومه أن غير المحرم من الأموات يُمَسُّ طيبًا، وحديث الباب نصّ في كون المسك من أطيب اليب، فدل على أن استعمال المسك للميت غيرِ المحرم مستحبّ، وهذا من دقيق فقه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فللَّه درّه ما أحدّ نظره، وما أصوب فكره. وصنعيه هذا نظير صنيع الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حيث ترجم بقوله: «باب الحنوط للميت»، ثم أورد قصة المحرم، وفيه: «ولا تحُنّطوه»، فاستنبط من مفهوم النهي استحبابَ الحنوط للميت غير المحرم، واستنباط المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أدقّ. واللَّه
مصادر المؤلف (١٢)

١. - «الأوسط» ج ٥ ص ٣٦٢ - ٣٦٣.

٢. - راجع «الإعلام» ج ٤ ص ٤٥٠ - ٤٥١. و«الفتح» ج ٣ ص ٤٨٠.

٣. - «فتح» ج ٣ ص ٤٨٠.

٤. - «شرح مسلم» ج ٨ ص ٣٦٧.

٥. - «فتح» ج٣ ص ٤٧٩.

٦. - «شرح مسلم» ج ٨ ص ٣٦٦.

٧. - «فتح» ج ٣ ص ٣٧٧.

٨. - «فتح» ج ٣ ص ٣٧٧.

٩. - «فتح»ج ٣ ص ٤٨٠.

١٠. - «الأوسط» ج ٥ ص ٣٤٣ - ٣٤٦.

١١. - «فتح» ج ٣ ص ٤٧٨.

١٢. - انظر «الإعلام» ج ٤ ص ٤٥٣.