HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٩٣٢

أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَجَبَتْ. وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَجَبَتْ. فَقَالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْتَ: وَجَبَتْ وَمُرَّ بِجِنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْتَ: وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص37
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ٤٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٩ ص١١٤
٥٠ - (بَابُ الثَّنَاءِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أراد جواز ثناء الناس على الميت، وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، بنحو من ترجمته، حيث قال: «باب ثناء الناس على الميت». أي مشروعية الثناء على الميت، وجوازه مطلقًا، بخلاف الحيّ، فإنه منهيّ عنه، إذا أفضى إلى الإطراء، خشيةً عليه من الزَّهْوِ، أشار إلى ذلك الزين ابن المُنَيِّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٣٢ أ- (أَخْبَرَنِي زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَجَبَتْ»، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ: «مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ»). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زياد بن أيّوب) أبو هاشم الطُّوسيّ، نزيل بغداد، يُلقب دَلُّويَهْ، وكان يَغضَب منها، ولقبه أحمد شعبةَ الصغير، ثقة حافظ [١٠] ١٠١/ ١٣٢. ٢ - (إسماعيل) ابن عُليّة البصريّ الحافظ الحجة [٨] ١٨/ ١٩. ٣ - (عبد العزيز) بن صُهَيب البُنَانيّ البصريّ، ثقة [٤] ١٧/ ١٦٤٣. ٤ - (أنس) بن مالك - ﵁ - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٤) وهو أعلى الأسانيد له، كما تقدّم غير مرّة، وأنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيخه، فطوسيّ، ثم بغداديّ، وفيه أنس - ﷺ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أنَسِ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: مُرَّ) بضمّ الميم، على البناء للمفعول (بِجَنَازَةٍ) تقدّم ضبطه بالكسر والفتح، واختلاف العلماء في معناه (فَأُثنِيَ عَلَيْهَا) قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: الثناء بالفتح والمدّ، يقال: أثنيت عليه خيرًا، وبخير، وأثنيت عليه شرّا، وبشرّ، لأنه بمعنى وَصَفْتُهُ، هكذا نصّ عليه جماعة، منهم صاحب «المحكم»، وكذلك صاحب «البارع»، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن القُوطِيّة، وهو الحبر الذي ليس في منقوله غَمْزٌ، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر عَنَاه بقوله: إِذَا قَالَتْ: حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ: حَذَامِ وقد قيل فيه: هو العالم النَّحْرير، ذو الإتقان والتحرير، والحجّةُ لمن بعده، والبُرْهان الذي يوقَف عنده. وتبعه على ذلك مَن عُرف بالعدالة، واشتَهَرَ بالضبط، وصحّة المقالة، وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابن القَطّاع، واقتصر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم يَنفُوا غيرَه، ومن هذا اجترأ بعضهم، فقال: لا يُستعمَل إلا في الحسن، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو كان الثناء لا يُستعمل إلا في الخير كان قول القائل: أثنيت على زيد كافيًا في المدح، وكان قوله: «له الثناء الحسن»، لا يُفيد إلا التاكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: «الحسن» احترازٌ عن غير الحسن، فإنه يُستعمل في النوعين، كما قال: «والخير في يديك، والشرّ ليس إليك». وفي «الصحيحين»: مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا … «، فقال - ﷺ -:»وَجَبَت«، ثم مرّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرّا، فقال - ﷺ -:»وَجبت«، وسُئل عن قوله:»وجبت؟ «، فقال:»هذا أثنيتم عليه خيرّا، فوجبت له الجنّة، وهذا أثنيتم عليه شرّا، فوجبت له النار … « الحديث. وقد نُقِل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفصحاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يَكتفون بالنقل عن واحد، ولا يُعرَف حاله، فإنه قد يَعْرِض له ما يُخرجه عن حيِّزِ الاعتدال، من دَهَشٍ، وسُكْرٍ، وغير ذلك، فإذا عُرِف حاله لم يُحتجّ بقوله. وَيرجِع قول من قال: لا يُستعمل إلا في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسمع، فلا يقال، والإثبات أولى، ولله درّ من قال: وَإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعُ … وَمَا لِخِلَافِهِ أَبدًا سَبِيلُ وقال بعض المتأخرين: إنما استُعمل في الشرّ في الحديث للازدواج. وهذا كلام من لا يَعرف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيّوميّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . (خَيْرًا) صفة لمصدر محذوف، أي ثناءً خيرًا، أو هو منصوب بنزع الخافض، أي أُثني عليها بخير. وفي رواية النضر بن أنس، عن أبيه، عند الحاكم: «كنتُ قاعدًا عند النبيّ - ﷺ -، فمُرّ بجنازة، فقال:»ما هذه الجنازة؟ «، قالوا: جنازة فلان ابن فلان الفلانيّ، كان يحبّ اللَّه ورسوله، ويَعمل بطاعة اللَّه، وَيسعَى فيها، وقال ضدّ ذلك في التي أثنوا عليها شرّا». ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشرّ في رواية عبد العزيز. وللحاكم أيضًا من حديث جابر - ﵁ -: «فقال بعضهم: لنعم المرءُ، لقد كان عفيفًا مسلمًا»، وفيه أيضًا: «فقال بعضهم:»بئس المرءُ كان، إن كان لَفَظًّا غليظًا«. (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:«وَجَبَتْ») أي ثبتت له الجنّة. وفي رواية لمسلم:«وجبت، وجبت، وجبت»ثلاث مرّات. قال النوويّ: والتكرار فيه لتأكيد الكلام المهتمّ بتكراره، ليُحفَظَ، ويكون أبلغ انتهى. (وَمُرَّ بجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا) قال الطيبيّ: استعمال الثناء في الشرّ مشاكلة، أو تهكّم انتهى. وقال القاري: ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وصفوا، فيحتاج إلى القيد، ففي«القاموس»: الثناء وصف بمدح، أو ذمّ، أو خاصّ بالمدح انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم في كلام الفيّوميّ أن الصواب عند أهل اللغة أنّ الثناء هو الوصف مطلقًا، وأما كونه خاصّا بالمدح فغير ثابت عنهم، وقد اعترض الشارح على صاحب«القاموس»قولَه: أو خاصّ بالمدح بأنه لم يَقُل به أحد ممن يوثق به . فما ادعاه الطيبيّ من المشاكلة، وكذا ما أجاب به القاري غير صحيح. فتبصّر بالتحقيق، واللَّه تعالى الهادي إلى أقوم الطريق. (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:«وَجَبَتْ»، فَقَالَ عُمَرُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمَّي) فيه جواز التفدية بالأبوين (مُرَّ بِجَنَازَةِ) ببناء الفعل للمفعول، وكذا قوله (فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَاُثْنِيَ عَلَيهَا شَرًّا، فَقُلْتَ: وَجَبَتْ) يعني ما المراد بقولك:«وجبت»في هاتين الجنازتين (فَقَالَ) - ﷺ - (مَنْ أَثْنَيتُمْ عَلَيهِ خَيْرًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) يعني أن المراد بقوله:«وجبت»أي الجنّة لذي الخير، والنار لذي الشرّ، والمراد بالوجوب الثبوت، إذ هي في صحّة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على اللَّه شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل. ورواية المصنّف -وهي لمسلم أيضًا- بلفظ«من أثنيتم الخ»أبين قي العموم من رواية البخاريّ، بلفظ:«هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرّا، فوجبت له النار». وفيها ردٌّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالميتين المذكورين، لغيب أطلع اللَّه نبيه - ﷺ - عليه، فالصواب أنه خبر عن حكم أعلمه اللَّه تعالى به. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قوله - ﷺ -:«من أثنيتم شرّا الخ» يشكل عليه النهي عن سبّ الأموات -الآتي بعد باب- وأجيب عن هذا الإشكال بأوجه: (أحدها): أن الذي تحُدّث عنه بالشرّ كان مستظهرًا له، ومشهورًا به. (الثاني): أن محمل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله، فيجوز، ليتعظ به الفسّاق، وهذا كما يُكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدَع والكبائر. (الثالث): أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشرّ يحتمل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال - ﷺ -: «وجبت له النار»، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (الرابع): أن النهي عن سبّ الأموات متأخر عن هذا الحديث، فيكون ناسخا. أفاده القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الوجه الأول أرجح. واللَّه تعالى أعلم. (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ») وفي رواية مسلم تكراره ثلاث مرّات،«أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض، أنتم شهداء اللَّه في الأرض». والخطاب للصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان. وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة، لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، بخلاف من بعدهم. قال: والصواب أن ذلك يختصّ بالثقات والمتقين انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق كونه عاما للصحابة، وغيرهم من المؤمنين، فقد ثبت في«صحيح البخاريّ»في«كتاب الشهادات»بلفظ:«المؤمنون شهداء اللَّه في الأرض». وللمصنف من حديث أبي هريرة التالية:«الملائكة شهداء اللَّه في السماء، وأنتم شهداء اللَّه في الأرض»، ولأبي داود، من حديث أبي هريرة - ﵁ - أيضًا في نحو هذه القصّة:«إن بعضكم عدى بعض لشهيد». واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شرّا كان من المنافقين. انتهى. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة -﵀- بإسناد صحيح، أنه - ﷺ - لم يصلّ على الذي أثنوا عليه شرّا، وصلى على الآخر انتهى . وقال الداوديّ -﵀-: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفَسَقَة، لأنهم يُثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة، لأن شهادة العدوّ لا تقبل انتهى. ونقل الطيبيّ عن بعض شرّاح«المصابيح»قال: ليس معنى قوله:«أنتم شهداء اللَّه في الأرض»أن الذي يقولونه في حقّ شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحقّ الجنة من أهل النار بقولهم، ولا بالعكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامة كونه من أهل الجنّة، وبالعكس. وتعقّبه الطيبيّ بأن قوله:«وجبت»بعد الثناء حُكْمٌ عَقَبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلّيّة، وكذا قوده:«أنتم شُهداء اللَّه في الأرض»، لأن الإضافة فيه للتشريف، لأنهم بمنزدة عالية عند اللَّه، فهو كالتزكية للأمّة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثرٌ، قال: وإلى هذا يومىء قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. قال الحافظ: وقد استشهد محمد بن كعب القُرَظيّ لما روى عن جابر نحو حديث أنس - ﵁ - بهذه الآية، أخرجه الحاكم. وقد وقع ذلك في حديث مرفوع غيرِه عند ابن أبي حاتم في التفسير، وفيه أن الذي قال للنبيّ - ﷺ -: «ما قولك: وجبت» هو أُبَيّ بن كعب. وقال النوويّ: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أَثْنَى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنّة، فإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه. قال: والصحيح أنه على عمومه، وأن من مات منهم، فألهم اللَّه تعالى الناس الثناء عليه بخير، كان دليلًا على أنه من أهل الجنّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أولا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا إلهام، يُستدلّ به على تعيينها، وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى. قال الحافظ: وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد، وابن حبّان، والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، مرفوعًا: «ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعدمون منه إلا خيرًا، إلا قال اللَّه تعالى: قد قبِلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون». ولأحمد من حديث أبي هريرة - ﵁ - نحوه، وقال: «ثلاثة» بدل «أربعة»، وفي إسناده من لم يُسمّ، وله شاهد من مراسيل بُشير بن كعب، أخرجه أبو مسلم الكجيّ. وأما جانب الشرّ فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حقّ من غلب شرّه على خيره. وقد وقع في رواية النضر المشار إليها أوّلًا في آخر حديث أنس: «إن للَّه ملائكة، تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشرّ». انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٥٠/ ١٩٣٠ وفي «الكبرى» ٥٠/ ٢٠٥٩٠ وأخرجه (خ) ١٣٦٨ و٢٦٤٢ (م) ٢١٩٧ و٢١٩٧٨. (ت) ١٠٥٨ (ق) ١٤٩١. (أحمد) ١٤٩١ و١٢٤٢٦ و١٢٥٢٢٦ و١٢٦٢٧ و١٢٧٩١. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الثناء على الميت بما فيه من خير وشر، للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة (ومنها): فضيلة هذه الأمة، حيث كانت شهداء اللَّه تعالى في أرضه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. (ومنها): إعمال الحكم بالظاهر (ومنها): أنه أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة، وأن أقلها اثنان، لقوله في حديث عمر - ﵁ - الآتي: «فقلنا: واثنان؟ قال: واثنان». (ومنها): ما قاله ابن العربي -﵀-: فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال (ومنها): قيل: فيه استعمال الثناء في الشرّ للمؤاخاة والمشاكلة، وحقيقته إنما هو في الخير. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا قيل، لكن تقدّم أن الصواب استعمال الثناء في الخير والشرّ، ولم يثبت عمن يعتبر قوله من أهل اللغة عدم استعماله في الشرّ، فقوله: للمؤاخاة والمشاكلة الخ غير صحيح، كما تقدّم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ
مصادر المؤلف (٦)

١. - «فتح» ج ٣ ص ٥٩٥.

٢. - «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير» في مادة ثنى.

٣. - انظر ما كتبه نصر الهُورينيّ على هامش«ق»ص ١١٤١.

٤. -«المفهم»٢ ص ٦٠٧ - ٦٠٨.

٥. -«فتح»ج ٣ ص ٥٩٦.

٦. - «فتح» ج ٣ ص ٥٩٨.