HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٩٣٨

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص39
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٤ ص ٥٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٩ ص١٣٢
ذكرت الحديث بطوله في هذا الشرح في «باب ما يُلَقَّى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه» ٩/ ١٨٣٣. وباللَّه تعالى التوفيق. (ومنها): التنبيه على الاهتمام بإصلاح العمل، حيث إنه لا يفارق عامله في دار البقاء (ومنها): أن مما يجب على العاقل عدمَ الاشتغال بالأهل والمال عن الأعمال الصالحات، إلا فيما له تعلّق بالآخرة، كتعليم أهله دينهم، وتوجيههم إلى الخير، والقيام بماله، ليصل به رحمه، ويواسي به الفقراء والمحتاجين، وينفقه في سبيل اللَّه تعالى، فإنه هذا يعدّ من أعماله الصالحات التي تدخل معه القبر، وينتفع بها، وما عدا ذلك فهو فتنة، وقد حذّر اللَّه تعالى منها، حيث قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية [التغابن: ١٤] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ١٩٣٨ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ، يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ، أَوْ شَهِدَ»). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ذُكر في نُسَخ «المجتبى» التي بين يديّ، وكذا في «الكبرى» في هذا الباب، وهذا يحتمل أن يكون من صنيع المصنّف - ﵀ - تعالى، ولكن لم تظهر لي المناسبة بينه وبين الباب ، إذ هو مما يناسب الباب التالي، فكان الأولى ذكره هناك، غير أن المصنف اتفق له غير مرّة أن يذكر في آخر أَيِّ باب حديثًا من أحاديث الباب الذي يليه، كما نبّهت عليه فى مواضعه. ويحتمل أن يكون من تصرّف النّسّاخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (قتيبة) المذكور في الذي قبله. ٣ - (محمد بن موسى) الفِطْريّ المدنيّ، صدوق رُمي بالتشيّع [٧] ١/ ١٦٠٠. ٣ - (سعيد بن أبي سعيد) كَيْسان المقبريّ، أبو سَعْدٍ المدني، ثقة، تغيّر قبل موته بأربع سنين [٣] ٩٥/ ١١٧. ٤ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من رباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وهو (١١٦) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ الصحابة، رَوَى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ) أتى بـ»على«إشارةً إلى أن هذه الخصال واجبة، وقد جاء التصريح بالوجوب في رواية مسلم من طريق عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهريّ، بلفظ:»خمس تجب للمسلم على المسلم، وله من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -: «حق المسلم على المسلم ستّ …». قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد تبين أن معنى «الحقّ» هنا الوجوب، خلافًا لقول ابن بطّال: المراد حقّ الحرمة والصحبة، والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول بالكفاية على الإطلاق فيه نظر، فإن بعضها على الأعيان، كتشميت العاطس، كما سنحقّقه، إن شاء اللَّه تعالى. (يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ) برفع «يعودُ»، ويجوز نصبه على مذهب الكوفيين، وهو في تأويل المصدر بان مقدّرة، بدل من «ست»، أي عيادةُ المريض، أي زيارته، والسؤال عن حاله. وفيه دلالة على مشروعية عيادة المريض، وهي مشروعة بالإجماع، وجزم البخاريّ -﵀- بوجوبها، فقال: «باب وجوب عيادة المريض». قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية، كإطعام الجائع، وفكّ الأسير، ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولًا على الندب، وجزم الداوديّ بالأول، وقال الجمهور بالندب، وقد تصل إلى الوجوب في حقّ بعض دون بعض. وعن الطبريّ تتاكد في حقّ من تُرجى بركته، وتسنّ فيمن يُراعى حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي حقّ الكافر خلاف، ونقل النوويّ الإجماع على عدم الوجوب. قال الحافظ: يعني على الأعيان. انتهى. [فائدة]: حذف «أن» ورفع الفعل جائز عند الأخفش، وجعل منه قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ الآية [الزمر: ٦٤] و«تسمعُ بالمُعَيديّ خير من أن تراه» برفع ﴿أعبدُ﴾ و«تسمعُ». وقد وافق ابن مالك الأخفشَ في شرح التسهيل، حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْق﴾ الآية [الروم: ٢٤] أن ﴿يريكم﴾ صلة «أن» حُذفت، وبقي الفعل مرفوعًا، وهذا هو القياس، لأن الحرف عامل ضعيف، فحذفه يُبطل عمله انتهى. وأما حذف «أن»، ونصب الفعل، فقياس عند الكوفيين أيضًا، وشاذّ عند البصريين، وأيدّه ابن مالك، حيث قال في «الخلاصة»: وَشّذّ حَذْفُ «أَنْ» وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى وذهب قوم إلى أن الحذف في غير مواضع التي أجازوا الحذف فيها سماعيّ مطلقا، سواء رُفِعَ الفعلُ، أو نصب . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الصحيح أن حذف «أن» ورفعَ الفعل جائز، كما ذهب إليه الأخفش؛ لوقوعه في القرآن الكريم، كما مرّ آنفًا، وتخريجُ الآية على وجه شاذّ غير صحيح. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيهات]: (الأول): عموم هذا الحديث يدلّ على مشروعية عيادة كلّ مريض، لكن استثنى بعضهم الأرمد، لكون عائده قد يرى ما لا يراه هو، وهذا الأمر خارجيّ، قد يأتي مثله في بقية الأمراض، كالْمُغمَى عليه، وقد جاء في عيادة الأرمد بخصوصه حديث زيد بن أرقم - ﵁ -، قال: «عادني رسول اللَّه - ﷺ -، من وجع كان بعيني». أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم، وهو عند البخاريّ في «الأدب المفرد»، وسياقه أتم. وأما ما أخرجه البيهقيّ، والبراني مرفوعًا: «ثلاثة ليس لهم عيادة: العين، والدُّمَّلُ، والضِّرْس»، فصحح البيهقيّ أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير. [الثاني]: يؤخذ من إطلاق الحديث عدم تقييد العيادة بزمان يمضي، من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور، وجزم الغزاليّ في «الإحياء» بأنه لا يُعاد إلا بعد ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه، عن أنس - ﵁ -، «كان رسول اللَّه - ﷺ - لا يعود إلا بعد ثلاث». وهذا حديث ضعيف جدًّا، تفرّد به مسلمة بن عليّ، وهو متروك، وقد سئل عنه أبو حاتم؟ فقال: هو حديث باطل، وله شاهد من حديث أبي هريرة، عند الطبرانيّ في «الأوسط»، لكن فيه راو متروك، فلا يثبت الحديث أصلًا. واللَّه تعالى أعلم. ويلتحق بعادة المريض تعهّده، وتفقّد أحواله، والتلطّف به، وربما كان ذلك في العادة سببًا لوجود نشاطه، وانتعاش قوّته. وفي إطلاق الحديث أيضا أن العيادة لا تتقيّد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها في طرفي النهار، وترجم البخاريّ -﵀-، في «الأدب المفرد» «العيادة في الليل»، وساق عن خالد بن الربيع، قال: «لما ثقُل حذيفة أتوه في جوف الليل، أو عند الصبح، فقال: أيّ ساعة هذه؟ فأخبروه، فقال: أعوذ باللَّه من صباح إلى النار …؟» الحديث. ونقل الأثرم عن أحمد أنه قيل له بعد ارتفاع النهار في الصيف: تعود فلانًا؟ قال: ليس هذا وقت عيافى ة. ونقل ابن الصلاح عن الفُرَاويّ أن العيادة تستحبّ في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا، وهو غريب. [الثالث]: من آداب العيادة أن لا يُطيل الجلوس حتى يُضجر المريض، أو يشقّ على أهله، فإن اقتضت ذلك ضرورة، فلا بأس، كما في حديث جابر - ﵁ - حيث عاده النبي - ﷺ -، وأبو بكر - ﵁ -، فوجداه أغمي عليه، فتوضأ النبي - ﷺ -، ثم صبّ وَضُوءه عليه، فأفاق، فإذا النبي - ﷺ - عنده، فقاله: كيف أصنع في مالي؟ الحديث، أخرجه البخاريّ. أفاده في «الفتح» . [الرابع]: قد ورد في فضل عيادة المريض أحاديث كثيرة جياد، منها عند مسلم، والترمذيّ، من حديث ثوبان - ﵁ -، مرفوعًا: «إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم، لم يزل في خُرْفة الجنّة». و«الخرفة» بضم المعجمة، وسكون الراء بعدها فاء، ثم هاء: هي الثمرة، إذا نضِجَت، شُبّه ما يحوزه عائد المريض من الثواب بما يحوزه الذي يجتني الثمر. وقيل: المراد بها هنا الطريق، والمعنى أن العائد يمشي في طريق تؤديه إلى الجنّة، والتفسير الأول أولى، فقد أخرجه البخاري فى «الأدب المفرد» من هذا الوجه، وفيه فقلت لأبي قلابة: ما خرفة الجنّة؟ قال: جَنَاها، وهو عند مسلم من جملة المرفوع. وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» أيضًا من طريق عمر بن الحكم، عن جابر، رفعه: «من عاد مريضًا خاض في الرحمة، حتى إذا قعد استقرّ فيها»، وأخرجه أحمد، والبزّار، وصححه ابن حبّان، والحاكم من هذا الوجه، وألفاظهم مختلفة، ولأحمد نحوه من حديث كعب بن مالك بسند حسن . وسيأتي بيان اختلاف العلماء في حكم عيادة المريض في المسائل الآتية في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ) إعرابه كسابقه، أي وحضور جنازة المسلم إذا مات، ليقوم بتجهيزه، والصلاة عليه، ودفنه. (وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ) وإعرابه كسابقيه، أي وإجابة دعوته إذ دعاه. وظاهره عموم وجوب الإجابةَ لكل دعوة، عُرْسًا كانت، أوغيرها، وبه كان يقول ابن عمر - ﵄ -، وهو الحقّ، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسائل الآتية في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى. (وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ) أي وسلامه عليه إذا لقيه، وهو واجب على الكفاية، أما وجوبه، فلوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الآية [النساء: ٨٦]، وأما كونه على الكفاية، فلحديث عليّ - ﵁ -، رفعه: «يجزىء عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم، وبجزىء عن الجُلُوس أن يردّ أحدهم». أخرجه أبو داود، والبزّار، وفي سنده ضعف، لكن له شاهد من حديث الحسن بن عليّ - ﵄ - عند الطبرانيّ، وفي سنده مقال، وآخر مرسل في «الموطإ» عن زيد بن أسلم. قاله في «الفتح» . (وُيشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ) التشميت بالسين المهملة، والشين المعجمة، لغتان مشهورتان، قال ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والتسميت ذكر اللَّه على الشيء، وقيل: التسميتُ ذكر اللَّه -﷿- على كلّ حال، والتسميت الدعاء للعاطس، وهو قولك له: يرحمك اللَّه. وقيل: معناه هداك اللَّه إلى السمت، وذلك لما في العاطس من الانزعاج، والْقَلَق، هذا قول الفارسيّ. وقد سمَّتَهُ: إذا عطس، فقال له يرحمك اللَّه، أُخِذَ من السمت إلى الطريق، والقصدِ، كأنه قصده بذلك الدعاء، أي جعلك اللَّه على سمت حسن. وقد يجعلون السين شينًا، كسمّر السفينةَ، وشمّرها: إذا أرساها. وقال النضر بن شُميل: التسميتُ الدعاء بالبركة، يقول: بارك اللَّه فيه. وقال أبو العباس: يقال: سَمَّتَ العاطسَ تسميتًا، وشمّته تشميتًا: إذا دعا له بالهديِ، وقصدِ السَّمْتِ المستقيمِ، والأصل فيه السين، فقُلبت شينًا. انتهى . وقال صاحب «المحكم»: التسميت: الدعاء للعاطس، وقال الهرويّ في باب الشين المعجمة: قال أبو عبيد: يقال: سمّت العاطسَ، وشمّته بالسين، والشين: إذا دعا له بالخير، والسين أعلى اللغتين. وقال أبو بكر: يقال: سمَّتُّ فلانا، وسَمَّتُّ عليه: إذا دعوت له، وكلّ داع بالخير، فهو مسمّتٌ، ومشمّتٌ. وقال أحمد بن يحيى: الأصل فيها السين، من السمت، وهو القصد، والهدي، قال ثعلب: ومعناه بالمعجمة: أبعد اللَّه عنك الشماتة انتهى . وقال في «الفتح»: ما نصّه: قال الخليل، وأبو عبيد، وغيرهما: يقال بالمعجمة، وبالمهملة، وقال ابن الأنباريّ: كلّ داع بالخير مشمّت بالمعجمة، وبالمهملة، والعرب تجعل الشين والسين في اللفظ الواحد بمعنى، انتهى. وهذا ليس مطّرادًا، بل هو في مواضع معدودة، وقد جمعها شيخنا شمس الدين الشيرازيّ صاحب «القاموس» في جزء لطيف، قال أبو عبيد: التشميت بالمعجمة أعلى وأكثر، وقال عياض: هو كذلك للأكثر من أهل العربية، وفي الرواية. وقال ثعلب: الاختيار بالمهملة، لأنه مأخوذ من السمت، وهو القصد، والطريق القويم، وأشار ابن دقيق العيد في «شرح الإلمام» إلى ترجيحه. وقال القزّاز: التشميت التبريك، والعرب تقول: شَمَّتَهُ: إذا دعا له بالبركة، وشَمَّتَ عليه: إذا برّك عليه. وفي الحديث في قصّة تزويج علي بفاطمة - ﵄ -: «شَمَّتَ عليهما»: إذا دعا لهما بالبركة. ونقل ابن التين عن أبي عبد الملك، قال: التسميت بالمهملة أفصح، وهو من سُمَّتِ الإبلُ في المرعى إذا جُمِعَت، فمعناه على هذا جمع اللَّه شملك، وتعقّبه بأن سمت الإبل إنما هو بالمعجمة، وكذا نقله غير واحد أنه بالمعجمة، فيكون معنى سَمَّتَه دعا له بأن يُجمَع شمله. وقيل: هو بالمعجمة من الشماتة، وهو فرح الشخص بما يسوء عدوّه، فكأنه دعا له أن يكون في حال من يُشْمَتُ به، أو أنه إذا حمد اللَّه أدخل على الشيطان ما يسوؤه، فشَمَّت هو بالشيطان. وقيل: هو من الشوامت، جمع شامتة، وهي القائمة، يقال: لا ترك اللَّه له شامتة، أي قائمة. وقال ابن العربي في «شرح الترمذيّ»: تكلّم أهل اللغة على اشتقاق اللفظين، ولم يُبَيّنوا المعنى فيه، وهو بديع، وذلك أن العاطس يَنْحَلّ كلّ عضو في رأسه، وما يتّصل به من العنق، ونحوه، فكأنه إذا قيل: رحمك اللَّه، كان معناه أعطاه اللَّه رحمة يرجع بها بذلك إلى حاله قبل العطاس، ويقيم على حاله من غير تغيير، فإن كان التسميت بالمهملة، فمعناه رجع كلّ عضو إلى سَمْته الذي كان عليه، وإن كان بالمعجمة، فمعناه صان اللَّه شوامته، أي قوائمه التي بها قوام بدنه عن خروجها عن الاعتدال، قال: وشوامت كلّ شيء قوامه، فقوام الدابّة بسلامة قوامها التي يُنتَفع بها إذا سلمت، وقوائم الآدميّ بسلامة قوائمه التي بها قوامه، وهي رأسه، وما يتّصل به من عنق وصدر انتهى ملخّصًا . [تنبيه]: من آداب العاطس أن يَخفِض صوته بالعُطاس، ويرفع بالحمد، وأن يُغطّي وجهه، لئلا يبدو من فيه، أو أنفه ما يتأذّى به جليسه، ولا يَلْوِي عنقه يمينا، ولا شمالًا، لئلا يتضرّر بذلك. قال ابن العربيّ -﵀-: الحكمة في خفض الصوت بالعطاس أن في رفعه إزعاجًا للأعضاء، وفي تغطية الوجه أنه لو بدر منه شيء آذى جليسه، ولو لوى عنقه صيانة لجليسه لم يَأْمَن من الالتواء، وقد شاهدنا مَن وقع له ذلك. وقد أخرج أبو داود، والترمذيّ بسند جيّد عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا عطس وضع يده على فيه، وخفض صوته». وله شاهد من حديث ابن عمر بنحوه عند الطبرانيّ. قال ابن دقيق العيد -﵀-: ومن وفوائد التشميت تحصيل المودّة، والتأليف بين المسلمين، وتأديب العاطس بكسر النفس عن الكبر، والحملِ على التواضع، لما في ذكر الرحمة من الإشعار بالذنب الذي لا يَعْرَى عنه أكثر المكلّفين، انتهى . (وَيَنْصَحُ لَهُ) أي يريد له الخير، أو يُصَفِّي له الودّ، قال المازريّ: النصيحة مشتقة من نَصَحتُ العسل: إذا صفّيته، يقال: نصح الشيءُ: إذا خلُص، ونصح له القولَ: إذا أخلصه له، أو مشتقّة من النصح، وهي الخياطة بالْمِنْصَحة، وهي الإبرة، والمعنى أنه يَلُمّ شعث أخيه بالنصح، كما تلُمّ الْمِنصَحَة، ومنه التوبة النصوح، كأن الذنب يُمَزّق الدين، والتوبة تخيطه. وقال الخطابيّ: النصحية كلمة جامعة معناها حِيَازة الحظّ للمنصوح له، وهي من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تُسْتَوفَى بها العبارةُ عن معنى هذه الكلمة انتهى . (إِذَا غَابَ، أَوْ شَهِدَ») أي في جميع أحواله، إذ الأحوال لا تخلو عن غَيبَة وحضور، والمقصود أنه لا يقصِّر النصح على الحضور فقط، كحال كثير من الناس، يُراعون النصيحة في الحضور، ويهملونها في الغيبة، بل الواجب أن ينصح في كلّ الأحوال، في الحضور والغيبة، والسرّ والعَلَن، لأن الدين النصحية، فقد أخرج مسلم -﵀- تعالى في«صحيحه»عن تميم الداريّ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، أنه قال:«الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال:«للَّه، ولرسوله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم».
مصادر المؤلف (١٢)

١. اللهم إلا أن يقال: إنه أخذ المناسبة من قوله: «وينصح له إذا غاب، أو شهد»؛ لأن الميت غائب، فمن النصح له أن لا يسبَّه. واللَّه تعالى أعلم.

٢. - «فتح» ج ٣ ص ٤٤٨.

٣. - انظر «حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة» في «باب إعراب الفعل» ج ٢ ص ١٨٣.

٤. - «فتح» ج ١١ ص ٢٥١ - ٠٢٥٢ «كتاب المرضى».

٥. - «فتح» ج ١١ ص ٢٥٢ كتاب المرضى.

٦. - «فتح» ج ١٢ ص ٢٦٦ - ٢٦٧. «كتاب الاستئذان».

٧. - «لسان العرب» في مادّة سمت.

٨. - «تهذيب الأسماء واللغات» ج ٣ ص ١٥٤ - ١٥٥.

٩. - هكذا نسخة «الفتح» «بذلك»، ولعلّ الصواب: «بدنه». واللَّه أعلم.

١٠. - راجع«الفتح»ج ١٣ ص ٢٤٧«كتاب الأدب».

١١. -«فتح»ج ١٢ ص ٢٤٨«كتاب الأدب».

١٢. - راجع«الفتح»ج ١ ص ١٦٧«كتاب الإيمان». نسخة دار الريان.