HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٩٥٣

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ ابْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ سَبْيًا فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ. فَقَالَ: إِنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ. فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللهَ فَصَدَقَهُ ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٤ ص ٦٠

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٩ ص٢٠٢
٦١ - الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر من صنيع المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أنه يرى جواز الصلاة على الشهداء، وجواز تركها، حيث ترجم بـ «الصلاة على الشهداء»، ثم أورد حديثين، كلّ منهما يدلّ على جواز الصلاة عليهم، ثم ترجم بعد هذا بـ «ترك الصلاة عليهم»، وأورد حديثًا يدلّ على ترك الصلاة عليهم، فدلّ على أنه يرى أنه إن صُلي عليهم، فحسن، وإن ترك، فحسن، وهو المنقول عن أحمد، وإسحاق بن راهويه، وهو المذهب الراجح، كما سيأتي بيان ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. و«الشُهداء»: جمع شَهِيد، كما قال في «الخلاصة»: وَلِكَرِيمٍ وَبَخِيلٍ فُعَلَا … كَذَا لِمَا ضَاهَاهُمَا قَدْ جُعِلَا وهو فَعيل، بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، على اختلاف التأويل التالي. قال ابن الأنباريّ: سمي الشهيد شهيدًا، لأن اللَّه، وملائكته شُهُود له بالجنّة. وقيل: سمُّوا شهداء، لأنهم ممن يُستَشهَد يوم القيامة مع النبي - ﷺ - على الأمم الخالية. وقال أبو منصور: والشهادة تكون للأفضل، فالأفضل من الأمة، فأفضلهم من قُتل في سبيل اللَّه، مُيّزوا عن الخلق بالفضل، وبيّن اللَّه أنهم ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، ثم يتلوهم في الفضل من عدّه النبي - ﷺ - شهيدًا، فإنه قال: «المبطون شهيد، والمطعون شهيد». وقيل: سمي شهيدًا لأنه حيّ لم يمت، كأنه شاهد أي حاضر. وقيل: لأن ملائكة الرحمة تشهده. وقيل: لقيامه بشهادة الحق في أمر اللَّه حتى قُتل. وقيل: لأنه يشهد ما أعدّ اللَّه له من الكرامة بالقتل. وقيل: غير ذلك. أفاده ابن منظور -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ١٩٥٣ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، أَنَّ ابْنَ أَبِي عَمَّارٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ، غَنِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَبْيًا ، فَقَسَمَ، وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ، قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ، عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ، فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: «إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ»، فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُحْمَلُ، قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ، حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَهُوَ هُوَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ»، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ قَدَّمَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ، «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (سويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك المروزيّ الإمام الحجة الثبت [٨] ٣٢/ ٣٦. ٣ - (ابن جُريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقة فقيه فاضل مدلس [٦] ٢٨/ ٣٢. ٤ - (عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام المخزوميّ المكيّ، ثقة [٣] ٣٧/ ٩٤٠. ٥ - (ابن أبي عمّار) عبدالرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمّار المكيّ، الملقّب بالقَسّ، ثقة عابد [٣] ١/ ١٤٣٣. ٦ - (شدّاد بن الهاد) الليثيّ، صحابيّ شهد الخندق، وما بعدها [١٧٢/ ١١٤١]. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، والصحابي، فإنهما من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) قيل: اسمه أُسامة، ولقبه شدّاد، واسم الهاد عمرو، وقال خليفة ابن خياط: اسم الهاد أسامة بن عمرو بن عبد اللَّه بن جابر بن بشر بن عتوارة بن عامر بن مالك ابن ليث بن بكر . وإنما قيل له: الهاد لأنه كان يوقد النار بالليل للأضياف . (أَن رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ) لم أر من سماه (جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ) من عطف اللازم على الملزوَم، لأن الإيمان يستلزم الاتباع (ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ) أي قال للنبي - ﷺ -: أترك بلدي، وأكون معك في المدينة، وإنما طلب ذلك منه رغبةً فيما أعدّ للمهاجرين من الثواب، وليتمكّن من الخروج للجهاد ونحوه، بسهولة (فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، بَعْضَ أَصْحَابِهِ) عطف على مقدّر، أي أذن له - ﷺ - في أن يهاجر، وأن يكون معه، ثم أوصى، أي أمر النبي - ﷺ - بعض الصحابة، ليقوم بأمره، حيث إنه غريب، يحتاج إلى من يساعده في أموره. فإن قلت: ظاهر هذا الحديث يعارض ما أخرجه الشيخان، وأبو داود، والمصنّف من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - أن أعرابيا، سأل رسول اللَّه - ﷺ - عن الهجرة؟، فقال: «ويحك، إن شأن الهجرة شديد، فهل لك من إبل؟»، قال: نعم، قال: «فهل تؤدي صدقتها»، قال: نعم، قال: «فاعمل من وراء البحار ، فإن اللَّه -﷿-، لن يَتِرَك من عملك شيئا». فإنه يدلّ على أن النبي - ﷺ -، لم يأذن لهذا الأعرابيّ في الهجرة، بخلاف الأعرابي المذكور في حديث الباب، فقد أذن له فيها، فكيف توفّق بينهما؟. قلت: يجمع بينهما بأن النبي - ﷺ - كان يعامل كلّ أحد بما يناسب حاله، فالأعرابيّ في حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - كان ممن لا يتحمّل مشقة الغربة عى أهله، ووطنه، بخلاف الأعرابيّ الذي في حديث الباب، فإنه كان ممن يتحمّل المشاقّ في سبيل اللَّه، كما ظهر مصداق ذلك في إعراضه عن الغنائم، واشتياقه إلى النعيم المقيم الدائم، فمنع الأول من الهجرة، وأذن للثاني فيها، نظرًا لمصلحة كلّ منهما، واللَّه تعالى أعلم. (فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةْ) لم أعرف هذه الغزوة، و«كان» هنا تامّة، ولذا اكتفت بمرفوعها، كما قال ابن مالك -﵀- في «الخلاصة»: ..................... … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وقال الحريري -﵀- في «ملحته»: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ (غَنِمَ) بكسر النون، يقال: غَنِمْتُ الشيءَ أَغْنَمُهُ، من باب تَعِبَ، غُنْمًا بالضمّ: أَصَبْتُهُ غَنيمَة. أفاده في «المصباح». وفي «ق»: والغَنِيمُ، والغَنِيمةُ، والغُنْمُ بالضمّ: الفَيءُ، غَنِمَ بالكسر، غُنْمًا بالضمّ، وبالفتح، وبالتحريك، وغَنِيمَةً، وغُنْمَانًا، بالضمّ، والفَوْزُ بالشيء بلا مشقّةٍ، أو هذا الغُنْمُ، والفَيْىءُ: الغنيمة انتهى (النَّبِيُّ - ﷺ - سَبْيًا) أي أُسارَى، يقال: سَبَى العدوَّ سَبْيًا، وسِبَاءً: أسَرَه، كاستباه، فهو سَبِيٌّ، وهي سبيٌّ أيضًا. قاله في «ق». وفي «المصباح»: سبيت العدوَّ سَبْيًا، من باب رَمَى، والاسم السِّبَاء، وزانُ كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيته مثلهُ، فالغلام سبيّ، والجارية سبيّةٌ، ومسبيّةٌ، وجمعها سبايا، مثل عطيّة وعَطَايا، وقومٌ سَبْيٌ، وَصْفٌ بالمصدر انتهى . ووقع في نسخة «شيئًا» بدل «سبيًا». (فَقَسَمَ) - ﷺ - ذلك السبي، يقال: قسمته قَسْمًا، من باب ضرب: فَرَزْتُهُ أجزاءً، والاسم القِسْم بالكسر، ثم أطلق القِسْم على الحصّة والنصيب، فيقال: هذا قِسْمي، والجمع أقسام، مثلُ حِمْلٍ، وأَحْمَال. أفاده في «المصباح» (وَقَسَمَ لَهُ) أي لذلك الأعرابي (فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ) أي أعطى النبي - ﷺ - حظَّ ذلك الأعرابي من الغنية لأصحابه، والضمير في «أصحابه» يحتمل أن يعود لذلك الأعرابيّ، ومعناه: رُفقته الذين يلازمونه في حال سفره، ويحتمل أن يعود إلى النبي - ﷺ - (وَكَانَ) ذلك الرجل (يَرْعَى ظَهْرَهُمْ) أي يَحرُس ظهر النبي - ﷺ -، وأصحابه، لئلا يأتيهم العدوّ من جهته بغتةً (فَلَمَّا جَاءَ) من محلّ حراسته (دَفَعُوهُ إِلَيْهِ) أي أعطوه حظه الذي أعطاهم النبي - ﷺ - ليحفظوه له (فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ) بكسر القاف: أي نصيب، كما تقدم ضبطه قريبًا (قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَخَذَهُ) أي ذلك القِسم (فَجَاءَ بهِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: قَسَمْتُهُ لَكَ، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ) أي لم أتبعك لَأجل أن أصيب عَرَضًا دنيويا (وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ، عَلَى أَنْ أُرْمَى) بالبناء للمفعول (إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ) متعلّق بـ «أشار»، أو بـ «أُرْمَى» (فَأَمُوتَ، فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ) أي إنما اتبعتك لأجل أن أدخل الجنَّة بالاستشهاد في سبيل اللَّه تعالى (فَقَالَ) - ﷺ - (إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقكَ) بتخفيف الدال المهملة في الموضعين، من باب نصر، يقال: صدَقَ صِدقًا: خلاف كَذَبَ، فهو صادق، وصَدُوقٌ مبالغةٌ، وصدقته في القول، يتعدّى، ولا يتعدّى. قاله في «المصباح». والمعنى: إن كنتَ صادقًا ومخلصًا فيما تقول، وتُعاهد اللَّه تعالى عليه، يجازيك على صدقك بإعطاء ما رغبت فيه (فَلَبِثُوا قَلِيلًا، ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ) أي قاموا مُسرِعين، يقال: نَهَضَ إلى العدوّ: أسرع إليه. قاله الفيّوميّ، فـ«في» بمعنى «إلى» (فَأُتِيَ بهِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُحْمَلُ) بالبناء للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه محمولا (قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ، حَيْثُ أَشَارَ) أي في المحلّ الذي أشار إليه حينما قال للنبي - ﷺ -: «ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى ههنا» (فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَهُوَ هُوَ؟) أي أهذا المحمول هو ذلك الرجل الذي قال مقالته التي سبقت؟ (قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهَ) بتخفيف الدال في الموضعين، أي أخلص للَّه في قوله، وعهده (فَصَدَقَهُ) أي جازاه بتحقيق رغبته (ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ - ﷺ -) والظاهر أن تكفينه في جبته - ﷺ - لبركتها، وإلا فالسنة أن يُكفّن الشهيد في ثيابه، فقد أمر - ﷺ - في قتلى أحد أن يُنزع عنهم الحديد، والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم، وثيابهم، رواه أبو داود، وابن ماجه، وفي سنده ضعف، لكن يشهد له ما أخرجه أبو داود بإسناد على شرط مسلم، عن جابر رضي اللَّه قال: »رُمي رجل بسهم في صدره، فمات، فأُدرج في ثيابه، كما هو، ونحن مع رسول اللَّه - ﷺ -) (ثُمَّ قَدَّمَهُ) أي وضعه بين يديه (فَصَلَّى عَلَيْهِ) هذا محلّ الترجمة، حيث يدلّ على أنه - ﷺ - صلّى على شهيد (فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ) أي تبيّن لمن صلّى معه من الدعاء لذلك الميت (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ، خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبيلِكَ، فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ) أي على المذكور من هجرته في سبيل اللَّه، ثم قتله شهيدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث شدّاد بن الهاد - ﵁ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا ٦١/ ١٩٥٣ - وفي «الكبرى» ٦١/ ٢٠٨٠. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: قال المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «الكبرى» بعد إخراجه لهذا الحديث: ما نصّه: قال أبو عبدالرحمن: ما نعلم أحدًا تابع ابن المبارك على هذا، والصواب ابن أبي عَمَّار، عن ابن شدّاد بن الهاد، وابن المبارك أحد الأئمة، ولعلّ الخطأ من غيره. واللَّه أعلم انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن المصنّف -﵀- يريد إعلال الحديث بالإرسال، فإن ابن شدّاد تابعيّ، لكن الذي يظهر أن انفراد ابن المبارك بوصله كاف، لأنه إمام ثبت، فزيادته مقبولة، فلا يؤثّر مخالفة غيره له بالإرسال، فلعل المصنف -﵀- أعرض عن ذكر هذا الإعلال لما اختصر «المجتبى»، لعدم تأثيره. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعيّة الصلاة على الشهداء. ومنها: أن النبي - ﷺ - كان يعامل كلّ أحد على حسب حاله، فقد أذن لهذا الأعرابيّ في الهجرة، لكونه ممن يقوم بحقّها، ومنع منها الأعرابي الذي قد منا ذكره، لكونه ممن لا يقوم بحقها. ومنها: شدة عنايته - ﷺ - بأصحابه، ولا سيما الغرباء، فقد أمر بعض أصحابه أن يقوم بشان هذا الأعرابيّ، لئلا يناله مشقة الغربة، فيحمله على أن يبغض الإسلام، كما وقع لبعضهم، فقد أخرج البخاريّ في «صحيحه» عن جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -، أن أعرابيا، بايع رسول اللَّه - ﷺ - على الإسلام، فأصاب الأعرابيَّ وَعْكٌ بالمدينة، فجاء الأعرابي إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، أقلني بيعتي، فأبى رسولُ اللَّه - ﷺ -، ثم جاءه، فقال: أقلني بيعتي، فابى، ثم جاءه، فقال: أقلني بيعتي، فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إنما المدينة كالكِير، تَنفِي خَبَثَها، ويَنصَعُ طيبها». ومنها: كون الغنيمة حلالًا. ومنها: أن الغنيمة تقسم بين من حضر الوقعة. ومنها: أن الإمام يقسم الغنيمة، لمان لم يجتمع الغزاة، فمن حضر أعطاه حظّه، ومن غاب حفظه له. ومنها: مشروعية حِرَاسة ظهور الجيش، لئلا يفاجئهم العدوّ من جهتها. ومنها: استحباب الإعراض عن الغنيمة، وإن كانت حلالًا، لئلا ينقص من أجر الغزو شيء، فقد أخرج مسلم في «صحيحه» عن عبد اللَّه بن عمرو، - ﵄ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «ما من غازية تغزو، في سبيل اللَّه، فَيُصيبون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة، تَمَّ لهم أجرهم». ومنها: فضل صدق العبد ربّه في معاملته، ليجازيه على صدقه، فإن هذا الرجل لما صَدَق في كونه غزا ليفوز بالجنة، لا لعَرَض الدنيا، حقق اللَّه تعالى رغبته في ذلك، فاستُشهِد، ودخل الجنّة. ومنها: عدم مشروعية غسل الشهيد، حيث إنه - ﷺ - لم يغسل هذا الشهيد. ومنها: مشروعية تكفين الشهيد. ومنها: مشروعيّة الدعاء للميت في الصلاة عليه، وقد ثبت الأمر بذلك، فيما رواه أبو داود، وصححه ابن حبّان، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إذا صلّيتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في الصلاة على الشهداء: قال الإمام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختلف أهل العلم في الصلاة على الشهيد، فقال بعضهم: لا يصلى على الشهيد، وهو قول أهل المدينة، وبه يقول الشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يصلّى على الشهيد، واحتجّوا بحديث النبي - ﷺ - أنه صلى على حمزة، وهو قول الثوريّ، وأهل الكوفة، وبه يقول إسحاق انتهى كلام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . وقال الحافظ وليّ الدين العراقيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، والجمهور إلى أنه لا يصلى عليهم. وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزنيّ، وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلّال، وحكاه ابن بطّال عن الثوريّ، والأوزاعيّ، وعكرمة، ومكحول انتهى . وقد وردت أحاديث تدلّ لما ذهب إليه الفريقان، ولنذكرها، مع بيان ما لها، وما عليها: فمنها: حديث جابر بن عبد اللَّه - ﵄ -، قال: كان النبي - ﷺ -، يجمع بين الرجلين، من قتلى أحد، في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن»، فإذا أشير له إلى أحدهما، قدّمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء، يوم القيامة»، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم. متفق عليه. ومنها: حديث أنس - ﵁ - إن شهداء أحد لم يغسّلوا، ودفنوا بدمائهم، ولم يصلّ عليهم. رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وقال: إنه غريب، لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود في «المراسيل»، والحاكم من حديثه، قال: «مرّ النبي - ﷺ - على حمزة، وقد مُثل به، ولم يصلّ على أحد من الشهداء غيره». وأعلّه البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ بأنه غَلِطَ فيه أسامةُ بن زيد -يعني الليثيّ- فرواه عن الزهريّ، عن أنس، ورجّحوا رواية الليث، عن الزهريّ، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن جابر - ﵁ -. ومنها: ما أخرجه الحاكم من حديث جابر - ﵁ -، قال: فَقَدَ رسولُ اللَّه - ﷺ - حمزة حين جاء الناس من القتال، فقال رجل: رأيته عند تلك الشجيرات، فلما رآه، ورأى ما مُثل به شَهِق، وبكى، فقام رجل من الأنصار، فرمى عليه بثوب، ثم جيء بحمزة، فصلى عليه … «الحديث. وفي إسناده أبو حماد الحنفيّ، وهو متروك. ومنها: حديث شدّاد بن الهاد - ﵁ - المذكور في الباب. لكن حمله البيهقيّ على أنه لم يمت في المعركة. وفيه نظر، إذ ظاهر الحديث على خلافه. ومنها: حديث عقبة بن عامر - ﵁ - الآتي للمصنّف بعد هذا. ومنها: حديث ابن عباس - ﵄ - عند ابن إسحاق، قال:«أمر رسول اللَّه - ﷺ - بحمزة، فسُجِّي ببردة، ثم صلى عليه، وكبّر سبع تكبيرات، ثم أُتي بالقتلى، فيوضعون إلى حمزة، فيصلي عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاةً». وفي إسناده رجل مبهم، لأن ابن إسحاق قال: حدثني من لا أتّهم، عن مقسم، مولى ابن عباس، عن ابن عباس. قال السهيليّ: إن كان الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسنَ بنَ عُمَارة، فهو ضعيف، وإلا فهو مجهول، لا حجة فيه. قال الحافظ: الحامل للسهيليّ على ذلك ما وقع في مقدّمة مسلم، عن شعبة أن الحسن بن عمارة حدّثه، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس:«أن النبي - ﷺ - صلى على قتلى أحد»، فسألت الحكم؟ فقال: لم يصلّ عليهم انتهى. لكن حديث ابن عباس رُوي من طرق أخرى: منها: ما أخرجه الحاكم، وابن ماجه، والطبرانيّ، والبيهقيّ، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس مثله، وأتمّ منه. ويزيد فيه ضعيف يسير. وفي الباب أيضًا عن أبي مالك الغفاريّ عند أبي داود في«المراسيل»من طريقه، وهو تابعيّ، اسمه غزوان، ولفظه:«أن النبي - ﷺ - صلى على قتلى أحد، عشرةً، عشرةً، في كلّ عشرة حمزة، حتى صلى عليه سبعين صلاة». قال الحافظ: ورجاله ثقات. وقد أعلّه الشافعيّ بأنه متدافع، لأن الشهداء كانوا سبعين، فإذا أُتي بهم عشرةً، عشرةً يكون قد صلى سبع صلوات، فكيف تكون سبعين؟ قال: وإن أراد التكبير، فيكون ثمانية وعشرين تكبيرة. وأجيب بان المراد صلى على سبعين نفسًا، وحمزة معهم كلهم، فكأنه صلى عليه سبعين صلاة. قال الجامع: في هذا التأويل نظر. واللَّه تعالى أعلم. وعن ابن مسعود عند أحمد بلفظ:«فوضع رسول اللَّه - ﷺ - حمزة، فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه، فصلى عليه، فرُفع الأنصاريّ، وتُرك حمزة، ثم جيء بآخر، فوضعه إلى جنب حمزة، فصلى عليه، ثم رُفع، وتُرك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة». قال الجامع: فيه عطاء بن السائب، مختل، والراوي عنه حماد بن سلمة، وهو ممن سمع منه قبل الاختلاط، وبعده ، فلا يعتمد على روايته. واللَّه تعالى أعلم. ومنها: حديث أبي سَلّام، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، قال: أغرنا على حيّ من جُهينة، فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم، فضربه، فأخطأه، وأصاب نفسه، فقال رسول اللَّه - ﷺ -:«أخوكم يا معشر المسلمين»، فابتدره الناس، فوجدوه قد مات، فلفّه رسول اللَّه - ﷺ - بثيابه، ودمائه، وصلى عليه، ودفنه، فقالوا: يا رسول اللَّه أشهيد هو؟ قال:«نعم، وأنا له شهيد». رواه أبو داود، وفي إسناده سلّام بن أبي سلّام، وهو مجهول، وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلّام المذكور: إنما هو عن زيد بن سلّام، عن جدّه أبي سلّام انتهى. احتجّ القائلون بمشروعية الصلاة على الشهيد بهذه الأحاديث، وأجاب عنها القائلون بعدم الصلاة عليه، فقالوا: أما حديث جابر، ففيه متروك، كما تقدّم، وأما حديث شدّاد بن الهاد، فهو مرسل، لأن شدادًا تابعيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الكلام خطأ، لأنه لم يقل أحد: إن شدّادًا تابعيّ، فقد تقدم أنه ممن شهد الخندق، وإنما الكلام هو الذي تقدّم عن المصنف في «الكبرى» أن هذا الحديث عن عبد اللَّه بن شدّاد، وهو تابعيّ، لا عن شدّاد، وقد تقدّم الجواب عنه، فلا تغفل. وأجاب البيهقي عنه أيضًا بأنه لم يمت في المعركة، وقد تقدم الجواب عن هذا بأنه مخالف لظاهر النصّ. وأجيب أيضًا بأن المراد بالصلاة الدعاء، والجواب عنه أيضًا أنه خلاف الظاهر. واللَّه تعالى أعلم. وأما حديث أنس، فقد تقدّم أن البخاريّ، والترمذيّ، والدارقطنيّ، قالوا: بأنه غلط فيه أسامة، وقد قال البيهقيّ، عن الدارقطنيّ: إن قوله فيه: «ولم يصلّ على أحد من الشهداء غيره»، ليست بمحفوظة. على أنه يقال: الحديث حجة عليهم، لا لهم لأنها لو كانت واجبة لما خَصّ بها واحدا من سبعين. وأما حديث عقبة، فلنبدأ بتقرير الاستدلال به، ثم نذكر جوابه، وتقريرُه: ما قاله الحاويْ: إن معنى صلاته - ﷺ - عليهم، لا يخلو من ثلاثة معان: إما أن يكون ناسخًا لما تقدّم من ترك الصلاة عليهم، أو يكون من سنتهم أن يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم، فإنها واجبة، وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم صلاته على الشهداء، ثم الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم، وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قبل الدفن أولى انتهى. وأجيب بأن صلاته عليهم تحتمل أمورًا أُخر: منها أن تكون من خصائصه، ومنها أن تكون بمعنى الدعاء، ثم هي واقعة عين لا عموم لها، فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد ثبت. وأيضًا لم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره الطحاويّ، كذا قال الحافظ. قال العلامة الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وأنت خبير بأن دعوى الاختصاص خلاف الأصل، ودعوى أن الصلاة بمعنى الدعاء يردّها قوله في الحديث: «صلاتَهُ على الميت». وأيضًا قد تقرّر في الأصول أن الحقائق الشرعيّة مقدّمة على اللغويّة، فلو فُرض عدم ورود هذه الزيادة لكان المتعيّنُ المصيرَ إلى حمل الصلاة على حقيقتها الشرعيّة، وهي ذات الأذكار والأركان. ودعوى أنها واقعة عين لا عموم لها يردّها أن الأصل فيما ثبت لواحد، أو لجماعة في عصره - ﷺ - ثبوته للغير. على أنه يمكن معارضة هذه الدعوى بمثلها، فيقال: ترك الصلاة على الشهداء في يوم أحد واقعة عين، لا عموم لها، فلا تصلح للاستدلال بها على مطلق الترك بعد ثبوت مطلق الصلاة على الميت، ووقوعِ الصلاة منه على خصوص الشهيد في غيرها، كما في حديث شدّاد بن الهاد، وأبي سلّام. وأما حديث ابن عباس - ﵄ -، وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم، فأجاب عن ذلك الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بأن الأخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي - ﷺ - لم يصلّ على قتلى أُحُد، قال: وما روي أنه - ﷺ - صلى عليهم، وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصحّ، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث أن يستحي على نفسه انتهى. وأجيب أيضًا بأن تلك الحالة الضيّقة لا تتسع لسبعين صلاة، وبأنها مضطربة، وبأن الأصل عدم الصلاة. قال الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولا يخفى عليك أنها رُويت من طرق يشدّ بعضها بعضًا ، وضيق تلك الحالة لا يمنع من إيقاع الصلاة، فإنها لو ضاقت عن الصلاة لكان ضيقها عن الدفن أولى. ودعوى الاضطراب غير قادحة، لأن جميع الطرق قد أثبتت الصلاة، وهي محلّ النزاع. ودعوى أن الأصل عدم الصلاة مُسَلَّمَة قبل ورود الشرع، وأما بعد وروده فالأصل الصلاة على مطلق الميت، والتخصيص ممنوع. وأيضًا أحاديث الصلاة قد شَدّ من عضدها كونُها مثبتة، والإثبات مقدّم على النفي، وهذا مرجّح معتبر. والقدح في اعتباره في المقام ببُعْد غفلة الصحابة عن إيقاع الصلاة على أولئك الشهداء مُعارَض بمثله، وهو بُعْدُ غفلة الصحابة عن الترك الواقع على خلاف ما كان ثابتًا عنه - ﷺ - من الصلاة على الأموات، فكيف يرجّح ناقله، وهو أقلّ عددًا من نقلة الإثبات الذي هو مظنّة الغُفُول عنه، لكونه واقعًا على مقتضى عادته - ﷺ - من الصلاة على مطلق الميت. ومن مرجّحات الإثبات الخاصة بهذا المقام أنه لم يُرو النفي إلا عن أنس، وجابر، وأنس عند تلك الواقعة من صغار الصبيان، وجابر قد روى أنه - ﷺ - صلى على حمزة، وكذلك أنس، كما تقدّم ، فقد وافقا غيرهما في وقوع مطلق الصلاة على الشهيد في تلك الواقعة، ويبعد كلّ البعد أن يخصّ النبي - ﷺ - بصلاته حمزة لمزيّة القرابة، ويدع بقية الشهداء، ومع هذا فلو سلّمنا أن النبي - ﷺ - لم يصل عليهم حال الواقعة، وتركنا جميع هذه المرجحات لكانت صلاته عليهم بعد ذلك مفيدة للمطلوب ، لأنها كالاستدراك لما فات، مع اشتمالها على فائدة أخرى، وهي أن الصلاة على الشهيد لا ينبغي أن تترك بحال، وإن طالت المدّة، وتراخت إلى غاية بعيدة. قال: وأما حديث أبي سلّام، فلم أقف للمانعين من الصلاة على جوابٍ عليه ، وهو من أدلّة المثبتين، لأنه قُتل في المعركة بين يدي رسول اللَّه - ﷺ -، وسماه شهيدًا، وصلى عليه. نعم لو كان النفي عامّا غير مقيّد بوقعة أحُد، ولم يرد في الإثبات كير هذا الحديث لكان مختصّا بمن قُتل على مثل صفته انتهى كلام الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تلخّص مما تقدّم من مناقشة هذه الأحاديث أن أحاديث صلاة النبي - ﷺ - على قتلى أُحُد يومَ أُحد لا تثبت، ولا تصلح لمعارضة ما في «الصحيح» من حديث جابر - ﵁ - أنه لم يصلّ عليهم، وإن حاول الشوكانيّ إثباتهَا، وذَكَرَ المرجحات لذلك، فهي كما قال الإمام الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كان ينبغي لمن عارض بهذه الأحاديث أن يستحي على نفسه انتهى. وإنما العمدة في هذا الباب حديثان: أحدهما: ما أخرجه البخاريّ وغيره من حديث عقبة بن عامر - ﵁ - أنه - ﷺ - صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميت»، وقد تقدّم أن دعوى كون المراد بالصلاة الدعاء غير صحيحة، بل المراد الصلاة المشروعة على الأموات، بدليل قوله:«صلاتَهُ على الميت». والثاني: حديث شداد بن الهاد - ﵁ - المذكور في هذا الباب، وقد عرفت أنه حديث صحيح. فهذان الحديثان يكفيان لإثبات مشروعية الصلاة على الشهيد، فالمذهب الراجح هو مذهب من أثبت الصلاة عليه، لكن على سبيل الجواز، لا على سبيل الوجوب، كما نقل عن الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فإنه قال في رواية المروزيّ عنه: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ. انتهى. وقال أبو محمد ابن حزم -﵀-: إن صُلي على الشهيد، فحسن، وإن لم يصلّ عليه فحسن، واستَدَلَّ بحديثي جابر، وعقبة - ﵄ - المذكورين، وقال: ليس يجوز أن يُترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حقّ مباح، وليس هذا مكان نسخ، لأن استعمالهما معًا ممكن في أحوال مختلفة انتهى . والحاصل أن الصواب جواز الصلاة على الشهيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله، والصلاة عليه، هل هو مختصّ بمن قُتل في المعركة في حرب الكفّار، أو أعم من ذلك؟: فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفّار، ولا فرق في ذلك بين الرجل، والمرأة، والكبير، والصغير، والحرّ، والعبد، والصالح، وغيره. وخرج بقوله: «في المعركة» من جُرح في المعركة، وعاش بعد ذلك حياة مستقرّة، وخرج بـ «حرب الكفّار» من مات بقتال المسلمين، كأهل البغي، وخرج بجميع ذلك من يسمّى شهيدًا بسببٍ غير السبب المذكور، كمن مات مبطونًا، أو مطعونًا، فإنما يقال له: شهيد بمعنى ثواب الآخرة، وهذا كله هو القول الراجح من مذاهب العلماء. وروي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد أن من جُرح في المعركة إن مات قبل الارتثاث، فشهيد، والارتثاث أن يُحمَل، أو يأكل، أويشرب، أو يوصي، أو يَبقَى في المعركة يوما وليلة حيًّا. وأما من قُتل مدافعًا عن نفس، أو مال، أو في المصر ظلمًا، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف شهيد، وقال الشافعيّ: إنه وان قيل له: شهيد، فليس من الشهداء الذين لا يُغسلون قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الشافعي -﵀- أرجح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في غسل الشهداء : قال الإمام ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قد اختلفوا في غسل الشهيد، فقال عامّة أهل العلم: لا يُغسَل، كذلك قال مالك بن أنس، ومن تبعه، من أهل المدينة، وبه قال الحكم، وحماد، وأصحاب الرأي، ومن وافقهم من أهل الكوفة، وبه قال الشافعيّ، وأصحابه، وكذلك قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وكذلك قال عطاء، وسليمان بن موسى، ويحيى الأنصاريّ، وإبراهيم النخعيّ. وكان الحسن، وسعيد بن المسيّب، يقولان: يغسل، فإن كلّ ميت يُجنب، وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد، فقال: قد غُسل عمرُ، وكُفّن، وحنّط، وصُلّي عليه، وكان شهيدًا. قال ابن المنذر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ثابت عن رسول اللَّه - ﷺ - أنه لم يَغسِل شُهداء أُحُد، ولم يُصلّ عليهم. قال: واختلفوا في الصبيّ، والمرأة يُقتلان، فكان الشافعيّ يقول: يُصنع بهما ما يُصنع بالشهداء، لا يُغسلان، ولا يصلّى عليهما، وكذلك قال أبو ثور، وقال يعقوب، ومحمد: يُصنع بالولدان ما يُصنع بالشهداء، ولا يغسلون. وكان النعمان يقول: أما النساء، والرجال، فلا يغسلون، ويصنع بهم ما يصنع بالشهيد، وأما الولدان الذين ليست لهم ذنوب فيغسلون. قال ابن المنذر: لما كانت السُّنَّة في غسل الرجال، والنساء، والولدان، والصلاة عليهم سبيلًا واحدًا، حيث يغسلون، وُيصلى عليهم، كان كذلك سبيلهم في الموضع الذي يوقف عنه عن غسلهم، والصلاة عليهم سبيلًا واحدًا، استدلالًا بالسنّة، لا فرق بين الأخيار والأشرار، والذين لهم ذنوب، والذين لا ذنوب لهم في ذلك، إن شاء اللَّه. قال: واختلفوا فيمن قتله غير أهل الشرك، فكان الشعبيّ يقول: من قتله اللصوص لم يغسل، وقال سفيان الثوريّ: من قُتل مظلوما لم يغسل، وكذلك قال الأوزاعيّ فيمن قتله اللصوص. وكان مالك، والشافعيّ يقولان: يغسلون، ويصلّى عليهم، قال الشافعيّ: الغسل، والصلاة سنة بني آدم لا يخرج منها إلا من تركه رسول اللَّه - ﷺ -،
مصادر المؤلف (٢١)

١. - «لسان العرب» باختصار.

٢. - وفي نسخة: «شيئا».

٣. - «تت» ج٢ ص ١٥٦.

٤. - «تحفة الأشراف» ج ٤ ص ١٤٨.

٥. - سيأتي للمصنف في «كتاب الجهاد» برقم ١١/ ٤١٦٤.

٦. - أي من وراء القرى والمدن.

٧. - أي لن يَنقُصك، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد - ﷺ -: ٣٥].

٨. -: «ق» و«المصباح» في مادة سبى.

٩. - بفتح، فسكون: أي وجع الحُمّى.

١٠. - من باب نفع: أي يخلُص.

١١. - راجع«الجامع»ج ٤ ص ١٢٧ - ١٢٨. بنسخة شرح المباركفوريّ.

١٢. -«طرح التثريب»ج ٣ ص ٢٩٤ - ٢٩٥.

١٣. - انظر ما كتبه في«تت»في ترجمة عطاء بن السائب.

١٤. - قد عرفت ما فيها من الضعف الشديد، فلا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة، فتفطّن.

١٥. - لكن قد عرفت أن رواية الإثبات عنهما ضعيفة، لا تقاوم النفي الثابت عنهما في الصحاح، فتبصّر.

١٦. -يعني صلاته على قتلى أحد بعد ثمان سنين، وهذا الوجه هو المعتبر المعوّل عليه مما ذكره الشوكاني لإثبات الصلاة على الشهيد، وحاول إثباته مع الضعف المعارَض بما صحّ في «صحيح البخاريّ» وغيره، فتنبّه.

١٧. - قد تقدّم أن راويه سلّام بن أبي سلّام مجهول، فهذا هو الجواب عنه، فلو ثبت لكان هو الثالث لحديثي جابر، وشداد الذين اعتمدنا عليهما في صحة مذهب القائلين بجواز الصلاة على الشهيد، كما يأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى.

١٨. - «نيل الأوطار» ج ٤ ص ٥٢ - ٥٦.

١٩. - «المحلى» ج ٥ ص ١١٥ - ١١٦.

٢٠. - أفاده في «الفتح» ج ٣ ص ٥٧١ و«نيل الأوطار» ج ٤ ص ٥٦، ونقلته باختصار.

٢١. - حق هذه المسألة أن تذكر قبل المسألة السابقة، لكن أخرتها لكون تلك موضوع ترجمة المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-.