برفع «زوج» بدلًا عن «ميمونة»، وقد تقدّم أن إطلاق، «زوج» بدون هاء على المرأة لغة فصيحة، جاء بها القرآن، كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] (قَالَتْ: أَخْبَرَنِي النَّبِيُّ - ﷺ -، قَالَ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي قائلًا، ويحتمل أن يكون بدلًا من «أخبر»، بَدَلَ فعل من فعل، كما قال ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «خلاصته»:
وَيُبدَلُ الفِعْلُ مِنَ الفِعْلِ كَمَنْ … يَصِلْ إِلَيْنَا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ
(مَا مِنْ مَيِّتٍ، يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمّةٌ) الجملة في مجلّ جرّ صفة لـ«ميت» (مِنَ النَّاسِ) بيان لـ«أمّة» (إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ) بتشديد الفاء، أي قُبلت شفاعتهم فيه (فَسَأَلْتُ أَبَا الْمَلِيحِ) السائل هو أبو بكّار الراوي عنه (عَنِ الأُمَّةِ) أي عن عدد الأمة الذين تقبل شفاعتهم في الميت (فَقَالَ: أَرْبَعُونَ) لعله أخذه عن ابن عباس - ﵄ -، أو عن غيره، فقد تقدّم من حديث ابن عباس - ﵄ -، مرفوعًا: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون باللَّه شيئًا، إلا شفّعهم اللَّه فيه». رواه مسلم. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث ميمونة - ﵂ - هذا حديث صحيح، انفرد به المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا ٧٨/ ١٩٩٣ - وفي «الكبرى» ٧٨/ ٢١٢٠.
وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٧٩ - بَابُ ثَوَابِ مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ
وفي نسخة: «من يصلي».
١٩٩٤ - أَخْبَرَنَا نُوحُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنِ انْتَظَرَهَا، حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ، وَالْقِيرَاطَانِ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نوح بن حبيب) القُومسيّ البَذَشِيّ، أبو محمد، ثقة سنّيّ [١٠] ٩٧/ ١٠١٠.
٢ - (عبد الرزّاق) بن همام الصنعاني الحافظ الثقة [٩] ٦١/ ٧٧.
٣ - (معمر) بن راشد الصنعانيّ الحافظ الثبت [٧] ١٠/ ١٠.
والباقون تقدموا قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فتفرد به هو، وأبو داود. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه قومسيّ، وعبد الرزاق، ومعمر صنعانيان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رَأْسُ المكثرين من الرواية. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ») وفي الرواية الآتية: «من تبع جنازة رجل مسلم؛ احتسابًا» (فَلَهُ قِيرَاطٌ) وتقدم ضبط القيراط، وتفسيره في شرح حديث البراء بن عازب - ﵄ - المتقدّم في ٥٤/ ١٩٤٠.
وهذا محلّ الترجمة، فإنه نصّ صريح في فضل من صلّى على جنازة. واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَنِ انْتَظَرَهَا، حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ) المراد دفنها، بدديل الرواية الآتية بلفظ: «حتى تُدفَن» (فَلَهُ قِيرَاطَانِ، وَالْقِيرَاطَانِ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ«) وقد فُسِّر الجبل العظيم بأحد، وفي الرواية الآتية من طريق الشعبيّ، عن أبي هريرة:»كلّ واحد منهما أعظم من أحد«، وقد تقدّم شرح الحديث مُستوفًى، وكذا بيان اختلاف الروايات، ووجه الجمع بينها في شرح حديث البراء المذكور، فراجعه، تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٧٩/ ١٩٩٤ و١٩٩٥ و١٩٩٦ و١٩٩٧ و٥٠٣٣ - وفي «الكبرى» ٧٩/ ٢١٢١ و٢١٢٢ و٢١٢٣ و٢١٢٤. وأخرجه (خ) ٤٧ (م) ٩٤٥ و٩٤٦ (د) ٣١٦٨