٢٠٠٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعُودٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ،، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَامَ، فَقُمْنَا، وَرَأَيْنَاهُ قَعَدَ، فَقَعَدْنَا.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثان لحديث عليّ - ﵁ -، وهو أعلى إسنادًا من السابق، وتقدم الكلام عليه، ورجاله تقدّموا غير مرّة، و«خالد» هو ابن الحارث الهجيميّ.
وقوله: «رأيت رسول اللَّه - ﷺ -» ولفظ «الكبرى»: «رأينا» في الموضعين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٠١ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ زَاذَانَ عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي جَنَازَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ يُلْحَدْ، فَجَلَسَ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هارون بن إسحاق) الهمْدَانيّ، أبو القاسم الكوفيّ، صدوق، من صغار [١٠] ١٣/ ٣٤٦.
٢ - (أبو خالد الأحمر) سُليمان بن حيّان الأزديّ، الكوفيّ، صدوق يُخطىء [٨] ٣٠/ ٩٢١.
٣ - (عمرو بن قيس) الْمُلائيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة متقن عابد [٦] ٩٢/ ١٣٤٩.
٤ - (الْمِنْهال بن عمرو) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، صدوق ربّما وهم [٥] ١٣/ ٨٩٢.
٥ - (زاذان) أبو عمر الكنديّ البزّاز، صدوق يرسل، وفيه شيعيّة [٢] ٤٦/ ١٢٨٢.
٦ - (البراء) بن عازب - ﵄ - ٨٦/ ١٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فمن رجال الأربعة. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازب - ﵁ -، أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فِي جَنَازَةٍ) أي في تشييع جنازة، أو «في» بمعنى «مع»، أي مصاحبين لها، وفي رواية أبي داود: «في جنازة رجل من الأنصار» (فَلَمَّا انْتَهَيْنَا) أي وصلنا (إِلَى الْقَبْرِ، وَلَمْ يُلْحَدْ) بالبناء
للمفعول، ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير الْحَفّار، وهو من ألحد رباعيًا، أو من لَحَدَ، كنفع، ثلاثيّا، قال في «المصباح»: اللَّحْدُ: الشَّقُّ في جانب القبر، ولَحَدت اللحدَ لَحْدًا، من باب نفع، وألحدته، إلحادًا: حَفَرته، ولَحَدت الميتَ، وألحدته: جعلته في اللحد انتهى.
وفي بعض النسخ: «ولَمَّا يُلحَد»، و«لما» بمعنى «لم»، والجملة في محلّ نصب على الحال. وقوله: (فَجَلَسَ) جواب «لَمّا»، من قوله: «فلما انتهينا»، والفاء زائدة (وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ) بالنصب على الظرفيّة، أي في الجهات المحيطة بالنبيّ - ﷺ -، ومثلُ حَوْلَه حَوْالَيه، أفاده في «المصباح».
وهذا محلّ الترجمة، حيث إنه يدلّ على أنهم جلسوا قبل أن توضع الجنازة في اللحد، مع أنهم خرجوا متبعين لها، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «ومن تبعها، فلا يقعدنّ حتى توضع»، وفي رواية: «حتى توضع في اللحد»، وفي رواية: «حتى توضع بالأرض»، وكأن المصنّف يرجّح رواية «في اللحد»، وقد تقدّم في [٤٥/ ١٩١٤] أن البخاريّ، وأبا داود رجحا رواية: «بالأرض».
(كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ) قال في «النهاية»: معناه وَصْفُهُمْ بالسكون، والوقار، وأنهم لم يكن فيهم طَيش، ولا خِفّة، لأن الطير لا تكاد تقع إلا على شيء ساكن انتهى .
وفيه أدب الصحابة - ﵃ -، وتعظيمهم للنبيّ - ﷺ -، وسكونهم عند سماع كلامه.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف -﵀-، وهو حديث طويل، وقد ساقه أبو داود -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «كتاب السنّة» من «سننه» بتمامه، فقال:
٤٧٥٣ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدئنا جرير ح وحدثنا هَنّاد بن السَّرِيّ، حدثنا أبو معاوية -وهذا لفظ هناد- عن الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول اللَّه - ﷺ -، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول - ﷺ -، وجلسنا حوله، كأنما على رءوسنا الطير، وفي يده عُود، يَنكُتُ به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: استعيذوا باللَّه، من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثا، زاد في حديث جرير هاهنا: وقال: وإنه ليسمع خفق نعالهم، إذا ولوا مدبرين، حين يقال له: يا هذا، من ربك؟، وما دينك؟، ومن نبيك؟، قال هناد: قال: ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟، فيقول: ربي اللَّه، فيقولان له: ما دينك؟، فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ قال:
فيقول: هو رسول اللَّه - ﷺ -، فيقولان: وما يدريك؟ فيقول: قرأت كتاب اللَّه، فآمنت به، وصدقت، زاد في حديث جرير: فذلك قول اللَّه -﷿-: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٢٧]، ثم اتفقا، قال: فينادي مناد من السماء، أن قد صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، وألبسوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، قال: ويفتح له فيها، مَدّ بصره«. قال:»وإن الكافر، فذكر موته، قال: وتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه، هاه، هاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، فينادي مناد من السماء، أن كذب، فأفرشوه من النار، وألبسوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، قال: فياتيه من حَرّها، وسمومها، قال: ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، زاد في حديث جرير: قال: ثم يقيض له أعمى، أبكم، معه مِرْزَبة من حديد، لو ضرب بها جبل، لصار ترابا، قال: فيضربه بها ضربة، يسمعها ما بين المشرق والمغرب، إلا الثقلين، فيصير ترابا، قال: ثم تعاد فيه الروح. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث البراء - ﵁ - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٨١/ ٢٠٠١ وفي «الكبرى» ٨١/ ٢١٢٨. وأخرجه (د) ٣٢١٢ و٤٧٥٣ (ق) ١٥٤٨ و١٥٤٩ (أحمد) ١٨٠٦٣ و١٨١٤٠ و١٨١٥١. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو بيان حكم الوقوف للجنازة، وقد سبق وجه دلالته. ومنها: مشروعيّة اتباع الجنازة. ومنها: استحباب اللحد للميت، وسيأتي بعد ثلاثة أبواب بباب مفرد، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: تأدب الصحابة - ﵃ - مع النبي - ﷺ -، وشدّة تعظيمهم له، وسكونهم عند سماع كلامه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب».