٨٤ - بَابُ مُوَارَاةِ الْمُشْرِكِ
٢٠٠٦ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ، فَمَنْ يُوَارِيهِ؟، قَالَ: «اذْهَبْ، فَوَارِ أَبَاكَ، وَلَا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا، حَتَّى تَأْتِيَنِي». فَوَارَيْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ، فَأَمَرَنِي، فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا لِي، وَذَكَرَ دُعَاءً، لَمْ أَحْفَظْهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عبيد اللَّه بن سعيد) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقة مأمون سنّيّ [١٠] ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطّان البصريّ الثبت الحجة [٩] ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) الثوريّ المذكور في الباب الماضي.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد، مختدط [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (ناجية بن كعب) الأسديّ الكوفي، ثقة [٣] ١٢٨/ ١٩٠.
٦ - (علي) بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ناجية، فأخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين غير شيخه، فسرخسي، ويحيى، فبصريّ. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. ومنها: أن صحابيه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، - ﵃ -. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيٍّ) - رضي اللَّه تعالى عنه - (قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ) يريد أبا طالب، والده (فَمَنْ يُوَارِيهِ؟) أي من الذي يَدفِنه، ويستره عن أعين الناس (قَالَ: اذْهَبْ، فَوَارِ أَبَاكَ) أي ادفنه، وغيّبه عن أعين الناس، لئلا يتأذّى أحد بجيفته.
وفيه أنه لم يأمره بغسله، وبتكفينه، وقد اختلف العلماء في ذلك، قال النوويّ في «المجموع»: مذهب الشافعيّ أن للمسلم غسله، ودفنه، واتباع جنازته، قال: ونقله ابن المنذر عن أصحاب الرأي، وأبي ثور، وقال مالك، وأحمد: ليس للمسلم، غسله،
ولا دفنه، لكن قال مالك: له مواراته انتهى. (١)
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح عندي أنه يواريه، لحديث الباب، ولا يغسله، ولا يتبع جنازته؛ لعدم صحة دليل على ذلك. واللَّه تعالى أعلم.
(وَلَا تحُدِثَنَّ حَدَثًا) من الإحداث، أي لا تفعلنّ شيئا، وفي رواية لأحمد من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ: «ولا تحدث من أمره شيئا» («حَتَّى تَأْتِيَنِي»، فَوَارَيْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ) أي النبيّ - ﷺ - (فَأَمَرَنِي) أي بالاغتسال، وفي الرواية المتقدمة في [١٢٨/ ١٩٠] «فقال لي: اغتسل» (فَاغْتَسَلْتُ) فيه الأمر بالاغتسال لدفن الكافر، وقد ترجم المصنّف -﵀- في -١٢٨/ ١٩٠ - بقوله: «الغسل من مواراة الكافر» (وَدَعَا لِي، وَذَكَرَ دُعَاءً، لَمْ أَحْفَظْهُ) أي ذكر النبيّ - ﷺ - دعاء دعا به لعليّ - ﵁ -، ولكنه لم يحفظه هو.
وفي رواية أحمد المذكورة: «ثم أتيته، فدعا لي بدعوات، ما يسرني بهن حُمْر النعم، وسُودها».
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث صحيح، ولا يضر فيه الكلام في ناجية؛ لأنه لم ينفرد به، فقد تابعه عليه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، عن عليّ - ﵁ -، أخرجه أحمد في «مسنده» رقم [١٠٧٧] بسنده عنه.
وتمام الكلام عليه، وعلى مسائله تقدم في «أبواب الطهارة» برقم [١٢٨/ ١٩٠]،
فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٨٥ - اللَّحْدُ وَالشَّقُّ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذه الترجمة تفضيل اللحد على الشّقّ؛ لأن الأحاديث التي أوردها صَريحه في ذلك على ما سيأتي بيانه، إن شاء اللَّه تعالى.
و«اللَّحد»-بفتح، فسكون-: الشَّقُّ في جانب القبر، والجمِع لُحُود، مثلُ فَلْس، وفُلُوس، واللُّحْدُ -بالضمّ- لغة، وجمعه ألْحاد، مثلُ قُفْل، وأقفال، ولَحَدتُ اللَّحْدَ لَحْدًا، من باب نَفَعَ، وألحدته إِلْحادًا: حَفَرته، ولَحَدتُ الميتَ، وألحدته: جعلته في اللحد. قاله في «المصباح».
وقال في «المنهل»: «واللحد» بفتح اللام، وقد تضمّ: الشَّقُّ الذي يُعمل في جانب