HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٣٢

أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَامْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص66
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٤ ص ٨٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٢٣
والْمَزَار -بفتح الميم- يكون مصدرًا، وموضعُ الزيارة، والزِّيَارةُ في الْعُرْف قَصْدُ المزور؛ إكرامًا له، واستئناسًا به. أفاده في «المصباح» واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٣٢ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِيِّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ، إِلاَّ فِي سِقَاءٍ، فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن آدم) بن سليمان الجهنيّ، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥. ٢ - (ابن فضيل) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوق عارف، رمي بالتشيّع [٩] ١٨/ ٧٩٩. ٣ - (أبو سنان) الشيبانيّ الأكبر، ضِرَار -بكسر أوله، مخفّف الراء- ابن مُرّة، الكوفيّ، ثقة ثبت [٦]. قال ابن المدينيّ، عن يحيى القطّان: كان ثقة. وقال أبو طالب، عن أحمد: كوفيّ ثبت. وقال أبو حاتم: ثقة لا بأس به. وقال النسائيّ: كوفيّ ثقة. وقال العجليّ: ثقة ثبت في الحديث، مبرّز، صاحب سنّة، وهو في عداد الشيوخ، ليس بكثير الحديث. وقال ابن يونس، عن أبي بكر بن عيّاش: حدثنا أبو سنان ضِرَار بن مُرّة، وكان من خيار الناس. وقال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، حَفَر قبره قبل موته بخمس عشرة سنة، وكان يأتيه، فيختم فيه القرآن. ونقل ابن خلفون، عن ابن نُمير، أنه وثقه. وقال يعقوب بن سفيان: كان خيارًا ثقة. وفي موضع آخر: ثقة ثقة. وقال الدارقطنيّ: كوفيّ ثقة فاضل. وقال ابن عبد البرّ: أجمعوا على أنه ثقة ثبت. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: مات سنة (١٣٢) وكذا أرّخه يعقوب بن سفيان، وخليفة، وابن قانع. روى له البخاريّ في «الأدب المفرد» وأبو داود في «المراسيل»، والباقون، سوى ابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا الحديث، وأعاده في «الأشربة» برقم (٥٦٥٤)، و٢٢١٣ حديث: «الصوم لي، وأنا أجزي به ..» الحديث، و٥٤٤٤ حديث: «كان يتعوّذ من أربع ..» الحديث. [تنبيه]: وقع في بعض النسخ: «ابن سنان» بدل «أبي سنان»، وهو غلط فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه آخر]: ولهم أبو سنان الشيبانيّ الأصغر، وهو سعيد بن سِنَان الْبُرْجُميّ الكوفيّ، نزيل الريّ، صدوق له أوهام، وهو أيضًا من الطبقة [٦] وتقدّم في ١١/ ١٦٢٣. ٤ - (مُحارب بن دِثَار) السّدوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقة إمام زاهد [٤] ١٦/ ٦٥٢. ٥ - (عبد اللَّه بن بُريدة) بن الحصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ القاضي، ثقة [٣] ٢٠/ ١٣٩٩. ٦ - (أبوه) بُريدة بن الحُصَيب أبو سهل الأسلميّ الصحابيّ المشهور - ﵁ - ١٠/ ١٣٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فقد تفرّد به هو وأبو داود. (ومنها): أن شيخه مصّيصيّ، وبريدة وولده مروزيان، والباقون كوفيون. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الحصيب - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) ولفظ الرواية التالية: «أنه كان في مجلسٍ فيه رسول اللَّه - ﷺ - فقال:»إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي … «(»نَهَيتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ) قيل: سبب النهي عن زيارة القبور في أول الأمر أنهم كانوا حديث عهد بالجاهليّة، وقريب عهد بعبادة الأوثان، ودعاء الأصنام، فنهوا عن زيارة القبور، خشية أن يقولوا، أو يفعلوا عندها ما كانوا يعتادونه في الجاهلية، وخوفا من أن يكون ذلك ذريعة لعبادة أهل القبور . واللَّه تعالى أعلم. (فَزُورُوهَا) وفي الرواية التالية: «فمن أراد أن يزورها، فليزرها، ولا تقولوا: هُجْرًا». بضم، فسكون: أي ما لا ينبغي من الكلام، ولفظ الرواية الآتية في «الأضاحي»-٣٦/ ٤٤٢٩ - من طريق زُبيد بن الحارث، عن محارب: «فزروها ولْتَزدكم زيارتها خيرًا»، و٣٦/ ٤٤٣٠ - من طريق الزبير بن عديّ، عن ابن بُريدة: «ومن أراد زيارة القبور، فإنها تذكر الآخرة». وللحاكم من حديث أنس - ﵁ -: «وتُرِقّ القلبَ، وتُدمِع العين، فلا تقولوا هُجْرًا»، وله من حديث ابن مسعود - ﵁ -: «فإنها تزهد في الدنيا». ولمسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: «زُرُوا القبور، فإنها تذكّر الموت». وفي قوله: «ومن أراد زيارة القبور الخ» بيان أن الأمر في زيارتها للاستحباب، لا للوجوب، لأنه علّقه بالإرادة، ففيه الردّ على بعض من قال: إن زيارتها واجبة -كابن حزم- مستدلّا بلفظ الأمر، حيث إنه للوجوب. واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا من الأحاديث التي تَجمَع بين الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن زيارتها سنّة، وأما النساء ففيهنّ خلاف لأصحابنا انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي أن الراجح هو الجواز للنساء أيضًا؛ لقوة دليله. واللَّه تعالى أعلم. (وَنَهَيتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ) أي عن أكل لحومها (فَوْقَ ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ، فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ) ولفظ الرواية التَالية: «فكلوا، وأطعموا، وادخروا، ما بدا لكم». وسبب نهيه - ﷺ - عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، هو ما سيأتي للمصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «كتاب الأضاحي» برقم ٤٤٣١ - من طريق عمرة، عن عائشة، - ﵂ - قالت: دَفَّت دَافّة من أهل البادية، حضرةَ الأضحى، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «كلوا، وادخروا ثلاثا، فلما كان بعد ذلك، قالوا: يا رسول اللَّه، إن الناس كانوا ينتفعون من أضاحيهم، يُجَمِّلُون منها الوَدَكَ، ويتخذون منها الأسقية، قال: وما ذاك؟ قال: الذي نهيت من إمساك لحوم الأضاحي، قال:»إنما نهيت للدافّة التي دَفّت، كلوا، وادخروا، وتصدقوا«. والدّافّة بتشديد الفاء: الجماعة التي تسير سيرًا ليّنًا، وسيأتي تمام ما يتعلّق به هناك، إن شاء اللَّه تعالى (وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ) فعيل بمعنى مفعول، يقال: نَبَذْته نَبْذًا، من باب ضرب: ألقيتُهُ، فهو منبوذ، وصبيّ منبوذ: مطروح، ومنه سمي النبيذ؛ لأنه يُنبَذ، أي يُترك حتى يشتدّ. قاله في«المصباح». والمعنى نهيتكم عن شرب النبيذ، في الظروف (إِلَّا) حالة كونه (فِي سِقَاءٍ) أي قِرْبَة. ولفظ الرواية التالية:«وذكرت لكم أن لا تنتبذوا في الظروف: الدبّاء، والمزفّت، والنقير، والحنتم»(فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا) ولفظ،«الكبرى»:«في الأوعية كلها»، وهو بوزن«الأسقية»ومعناها. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أي الظروف، وإلا لا يصحّ المقابلة انتهى (وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا«) ولفظ الرواية التالية: »انتبذوا فيما رأيتم، واجتنبوا كلّ مسكر«. يعني أن الانتباذ في جميع الظروف جائز، وانما المنهيّ عنه هو شرب المسكر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة - ﵁ - هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١٠٠/ ٢٠٣٢ و٢٠٣٣ و٤٤٢٩/ ٣٦ و٤٤٣٠ و٤٠/ ٥٦٥١ و٥٦٥٢ و٥٦٥٣ و٥٦٥٤ و٥٦٥٥ و٤٨/ ٥٦٧٨ - وفي «الكبرى» ١٠٠ و٢١٥٩ و٢١٦٠ و٣٧/ ٤٥١٨ و٤٥١٩. وأخرجه (م) ٢٢٥٧ و٢٢٥٨ و٥٠٨٦ و٥٠٨٧ و٥١٧٥ و٥١٧٦ و٥١٧٧ (د) ٣٦٩٨ (ت) ١٠٥٤ و١٥١٠ و١٨٦٩ (ق) ٣٤٠٥. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إباحة زيارة القبور، ونسخه بعد أن كان منهيّا عنه، بشرط أن لا يقولوا منكرا من القول، وأن لا يفعلوا فعلًا منكرا أيضًا. ومنها: نسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام، وسيأتي تمام الكلام عليه في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى. ومنها: نسخ النهي عن الانتباذ، إلا في الأسقية، وإباحته في كلّ وعاء، بشرط الاتقاء عن شرب المسكر، وسيأتي تمام الكلام فيه أيضًا في موضعه، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في أقوال أهل العلم في حكم زيارة القبور: قال الإمام الترمذيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «جامعه» بعد أن أخرج حديث الباب: ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأسًا، وهو قول ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. وقال أيضًا بعد أن أخرج حديث أبي هريرة - ﵁ -: «أن رسول اللَّه - ﷺ - لعنَ زَوّارات القبور». ما نصه: وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخّص النبيّ - ﷺ - في زيارة القبور، فلما رخّص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور للنساء، لقلة صبرهنّ، وكثرة جزعهنّ انتهى كلام الترمذيّ -﵀- تعالى . وقال العلامة القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوله: «فزروها» نصّ في النسخ للمنع المتقدّم، لكن اختلف العلماء، هل هذا النسخ عامّ للرجال وللنساء، أم هو خاصّ للرجال، دون النساء، والأول أظهر. وقد دلّ على صحة ذلك أنه - ﷺ - قد رأى امرأة تبكي عند قبر، فلم يُنكر عليها الزيارة، وإنما أنكر عليها البكاء. وقال أيضًا عند قوله: «فإنها تذكّر الموت»: ما نصّه: وتَذَكُّر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء، على أن أصحّ ما في نهي النساء عن زيارة القبور ما خرّجه الترمذيّ، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - «لعن زَوَّارات القبور»، صححه الترمذيّ على أن في إسناده عُمَر بن أبي سلمة، وهو ضعيف عندهم. ثم إن هذا اللعن إنما هو للمكثرات من الزيارة، لأن زوّارات للمبالغة، ويمكن أن يقال: إن النساء إنما يُمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوج، والتبرّج، والشهرة، والتشبّه بمن يلازم القبور لتعظيمها، ولِمَا يُخاف عليها من الصُّرَاخ، وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يُفرّق بين الزائرات، والزّوّارت، والصحيح نسخ المنع عن الرجال والنساء، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، هو الحقّ؛ لقوة دليله، كما سيأتي تحقيقه قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «الفتح»: قال النوويّ تبعًا للعبدريّ، والحازميّ، وغيرهما: اتفقوا على أن زيارة القبور للرجال جائزة، كذا أطلقوا، وفيه نظر، لأن ابن أبي شيبة وغيره روى عن ابن سيرين، وإبراهيم النخعيّ، والشعبيّ الكراهة مطلقًا، حتى قال الشعبيّ: لولا نهي النبي - ﷺ - لزرت قبر ابنتي. فلعلّ من أطلق أراد بالاتفاق ما استقرّ عليه الأمر بعد هؤلاء، وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ، واللَّه أعلم. ومقابل هذا قول ابن حزم: إن زيارة القبور واجبة، ولو مرّة واحدة في العمر، لورود الأمر به. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تقدّم أن الصواب كون الأمر للاستحباب؛ لصحة قوله - ﷺ - في رواية المصنّف: «فمن أراد أن يزور فليزر»، ولعلّ ابن حزم لم يستحضر هذه الرواية حينما قال بالوجوب، واللَّه تعالى أعلم. قال: واختُلف في النساء، فقيل: دخلن في عموم الإذن، وهو قول الأكثر، ومحلّه ما إذا أُمِنت الفتنة، ويؤيد الجواز حديث الباب -يعني حديث أنس - ﵁ - الذي أورده البخاريّ مستدلاًّ على مشروعية زيارة القبور، فقال في «صحيحه»: ١٢٨٣ - حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: مَرّ النبي - ﷺ -، بامرأة تبكي عند قبر، فقال: «اتقي اللَّه، واصبري»، قالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - ﷺ -، فأتت بابَ النبي - ﷺ -، فلم تجد عنده بَوّابِين، فقالت: لم أعرفك، فقال: «إنما الصبر، عند الصدمة الأولى». وموضع الدلالة منه أنه - ﷺ - لم ينكر على المرأة قعودها عند القبر، وتقريرُهُ - ﷺ - حجة. وممن حمل الإذن على عمومه للرجال والنساء عائشة - ﵂ -، فروى الحاكم من طريق ابن أبي مليكة، أنه رآها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، فقيل لها: أليس قد نهى النبي - ﷺ - عن ذلك؟ قالت: نعم، كان نهى، ثم أمر بزيارتها. وقيل: الإذن خاصّ بالرجال، ولا يجوز للنساء زيارة القبور، وبه جزم الشيخ أبو إسحاق في «المهذّب»، واستدلّ بحديث عبد اللَّه بن عمرو الذي تقدم للمصنف في ٢٧/ ١٨٨٠ - عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: بينما نحن نسير مع رسول اللَّه - ﷺ -، إذ بصر بامرأة … «الحديث، وفيه: قال لها:»ما أخرجك من بيتك، يا فاطمة«، قالت: أتيت أهل هذا الميت، فترحمت إليهم، وعزيتهم بميتهم، قال:»لعلك بلغت معهم الكُدَى؟ «قالت: معاذ اللَّه أن أكون بلغتها، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، فقال لها:»لو بلغتها معهم، ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك«. لكن الحديث ضعيف كما تقدّم. وبحديث:«لعن اللَّه زَوّارات القبور»، أخرجه الترمذيّ، وصححه من حديث أبي هريرة، وله شاهد من حديث ابن عباس، ومن حديث حسان بن ثابت. قال: واختلف من قال بالكراهة في حقّهنّ، هل هي كراهة تحريم، أو تنزيه؟. انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الراجح في هذه المسألة هو ما عليه أكثر أهل العلم، من أن زيارة القبور جائزة للرجال والنساء؛ لصحّة الأحاديث بذلك: فمنها: حديث الباب، فإن الخطاب، وإن كان للذكور، إلا أنه يشمل النساء بدليل الأحاديث الأخرى. ومئها: حديث عائشة - ﵂ - الذي أخرجه مسلم، من حديثها الطويل، وفيه: أنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول اللَّه؟: قال: «قولي: السلام على أهل الديار، من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منا، والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم للاحقون». فإنه - ﷺ - علمها ما يُشرَع قوله عند زيارة القبور، ولم يمنعها من الزيارة، فدلّ على جوازه للنساء. ومنها: ما أخرجه الحاكم بإسناد صحيح من طريق أبي التيّاح يزيد بن حميد، عن عبد اللَّه بن أبي مليكة: «أن عائشة - ﵂ - أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت لها: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت من قبر أخي عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول اللَّه - ﷺ - نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى، ثمّ أمر بزيارتها» . ومنها: حديث أنس - ﵁ - عند البخاريّ، وقد تقدّم قريبًا، فإنه - ﷺ - لم ينكر عليها زيارتها للقبر، وإنما أنكر عليها البكاء، وعدمَ الصبر، ولذلك استدلّ به الإمام البخاريّ على جواز زيارة القبور، ولم يذكر من الأحاديث الدالّة على الجواز في «باب زيارة القبور» غيره، قال الحافظ في «الفتح»: وكأنه لم تثبت على شرطه الأحاديث المصرّحة بالجواز. والحاصل أن هذه الأحاديث الصحاح تدلّ دلالة واضحة على جواز زيارة القبور للنساء. ولم يأت المانعون بحجة تُعارض هذه الأحاديث الصحاح، فكلّ ما استدلّوا به من الأحاديث لا يخلو من كلام. فمنها: حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي تقدم: «أنه - ﷺ - لعن زَوّرات القبور»، فهو وإن صححه الترمذيّ، إلا أن في سنده عُمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والأكثرون على تضعيفه. ومنها: حديث حسان بن ثابت - ﵁ -، أخرجه أحمد، وابن ماجه، واللفظ له: «لعن رسول اللَّه - ﷺ - زوّارات القبور». وفي سنده عبد الرحمن بن بَهْمان، لم يرو عنه غير عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، وقال ابن المدينيّ: لا يعرف، ووثقه بعضهم. ومنها: حديث ابن عباس - ﵄ -، أخرجه أبو داود، والمصنف، كما سيأتي قريبًا، وابن ماجه، بلفظ: «لعن رسول اللَّه - ﷺ - زائرات القبور، والمتخذين عليها السرج». وفي سنده أبو صالح باذان، أو باذام، مولى أم هانىء ضعفوه، ومنهم من كذّبه. فهذه الأحاديث، وإن قيل: إنها يتقوّى بعضها ببعض، لكنها لا تعارض الأحاديث السابقة الصحيحة، لأمور: أحدهما: رجحان تلك عليها، من حيث الصحّة. الثاني: أن الظاهر كون النبي - ﷺ - قالها قبل النسخ، كما بينته عائشة - رضي اللَّه تعالى - عنها، لما سألها ابن أبي مليكة، كما تقدّم. الثالث: أنها محمولة على ما إذا كانت زيارتهنّ مشتملة على محظور، من النياحة،
مصادر المؤلف (٦)

١. - راجع «المرعاة» ج ٥ ص ٥١٠.

٢. - «شرح مسلم» ج ٧ ص ٥٠.

٣. - انظر «جامع الترمذيّ» ج ٣ ص ٣٦١ - ٣٦٣.

٤. - «المفهم» ج٢ ص ٦٣٢ - ٦٣٣.

٥. - «فتح» ج ٣ ص ٤٩٢ - ٤٩٣.

٦. - راجع «المستدرك» ج ١ ص ٣٧٦.