والجزع، وتجديد الحزن، أو من التبرّج، والتزين الذي يتسبب للفتنة.
وقد تقدّم عن القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أن اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة، لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يُفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرّج، وما ينشأ من الصياح، وقد يقال: إذا أُمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن، لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى.
قال الشوكاني -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر انتهى .
والحاصل أن الصواب جواز زيارة القبور للنساء، لكن بشرط أن يكنّ ملتزمات ما أوجب الشرع عليهنّ عند الخروج إلى المساجد، ونحوها، بأن يكنّ محتجبات، غير متطيبات، وغير مُظهرات زينتهنّ، وغير قاصدات للمحظور المذكور، من النياحة، بل لمجرّد السلام، والدعاء للميت، وتذكر الآخرة، والاعتبار بأصحاب القبور، كما بيّن النبي - ﷺ - ذلك حينما أمر بزيارتها، بقوله: «إنها تذكر الآخرة»، وقوله: «تزهد في الدنيا»، و«تُرِقّ القلب، وتُدمع العين»، وأشار - ﷺ - إلى اجتناب المحظورات بقوله: «فلا تقولوا هُجرا». واللَّه ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٣٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سُبَيْعٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ، أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ الأَضَاحِيِّ، إِلاَّ ثَلَاثًا، فَكُلُوا، وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، مَا بَدَا لَكُمْ، وَذَكَرْتُ لَكُمْ، أَنْ لَا تَنْتَبِذُوا فِي الظُّرُوفِ: الدُّبَّاءِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْحَنْتَمِ، انْتَبِذُوا فِيمَا رَأَيْتُمْ، وَاجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَزُورَ، فَلْيَزُرْ، وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا».
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (محمد بن قُدامه) بن أعين الهاشميّ مولاهم، المصّيصيّ، ثقة [١٠] ١٩/ ٥٢٨.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيّ، ثقة ثبت [٨] ٢/ ٢.
٣ - (أبو فَرْوة) الأكبر عروة بن الحارث الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقة [٥].
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له
الجماعة سوى الترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا و٤٩٩٣ حديث: «الإسلام أن تعبد اللَّه، ولا تشرك به شيئًا».
[تنبيه]: ولهم أبو فروة الأصغر، وهو مسلم بن سالم النَّهْديّ الكوفيّ، صدوق من [٦]، له في هذا الكتاب حديث واحد، وهو حديث: «لا تشربوا في إناء الذهب والفضّة ..».
٤ - (المغيرة بن سُبيع) -بمهملة، وموحّدة، مصغّرًا- العجليّ، ثقة [٥].
قال العجليّ: تابعيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». روى له الترمذيّ، والمصنف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقيان تقدّما في السند الماضي، وكذا شرح الحديث، والكلام على مسائله، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: «ما بدا لكم» بلا همز: أي ما ظهر لكم. وقوله: «الظروف» جمع ظرف، كفلس وفلوس: بمعنى الوعاء.
وقوله: «أن لا تنتبذوا»: الانتباذ هو أن يجعل في الماء حبات من تمر، أو زبيب، أو نحو هما، ليحلو، ويُشرَب.
وقوله: «الدبّاء» بالجرّ بدل من «الظروف»، أو عطف بيان له، وهو بضم الدال، وتشديد الموحدة، وبالمدّ: القرع اليابس، أي الوعاء منه.
وقوله: «المزفّت» بضم الميم، وفتح الزاي، وتشديد الفاء، آخره مثناة فوقية: هو المطليّ بالزفت، وهو القار، وقيل: نوع من القار.
وقوله: «النّقير» بالنون المفتوحة، وبالقاف: جِذع يُنقر وسطه.
وقوله: «الحنتم»: بحاء مهملة مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم تاء مثناة من فوق، ثم ميم، الواحدة حنتمة، واختُلِف في تفسيرها، فقيل: إنها جِرَار خضر، وهو قول الأكثرين، وهو الأصحّ، وقيل: إنها الجرار كلها، وقيل: جرار يؤتى بها من مصر مُقَيَّرات الأجواف.
وقيل: جرار أعناقها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من مصر. وقيل: جرار أفواهها في جنوبها، يجلب فيها الخمر من الطائف. وقيل: جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم.
قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما خصت هذه الأربع بالنهي، لأنه يسرع إليه الإسكار فيها، فيصير حراما نجسًا، وتبطل ماليته، فنُهي عنه، لما فيه من إتلاف المال، ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه، ولم يُنهَ عن الانتباذ في أسقية الأدم، بل أُذن فيها؛ لأنها لرقتها لا يَخفَى فيها المسكر، بل إذا صار مسكرًا شقها غالبًا. انتهى .
وقوله: «هُجْرًا» بضم الهاء، وسكون الجيم: أي كلاما فاحشًا، فإنه ينافي المطلوب