HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٣٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ وَهُوَ ابْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فَقَالَ: أَيْ عَمِّ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ﷿. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص67
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ٩٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٣٧
التوقّف، والسكوت انتهى كلام صاحب «المرعاة» . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى، والأسلم الوقوف مع النصوص الصحيحة، كحديث الباب، وحديث مسلم المذكور: «إن أبي وأباك في النار»، مع عدم التوسع والخوض بزيادة ما ليس في النصوص، وأما تصحيح حديث إحياء أبوي النبيّ - ﷺ -، كما قال ابن حجر الهيتميّ فمما لا يُلتفت إليه، فإن جلّ الحفّاظ من المحدثين على أنه موضوع، كما أشرت إليه فيما تقدّم. ثم إن هذه المسألة ما رأيت للمتقدّمين فيها كلاما، بل إنما أثارها، وتنازع فيها، وخاض غَمْرَتهَا المتأخرون، من أمثال السيوطي، ومن سار على دَرْبه فما وَسِع الأولين من السكوت، وعدم الخوض، وترك التنازع، والتخاصم هو الصواب لمن كان حريصًا على دينه، فلو كان في هذا الخوض خير لكان المتقدّمون أسبق إليه، وأحرص من المتأخرين عليه، فسلوك سبيلهم فيه السلامة في الدنيا والآخرة، فالواجب الوقوف على ما صحّ عن رسول اللَّه - ﷺ -، وعدم التوسّع، ونصبِ الخلاف فيما وراءه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٠٢ - النَّهْيُ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ ٢٠٣٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -وَهُوَ ابْنُ ثَوْرٍ- عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا، عِنْدَ اللَّهِ -﷿-، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ، كَلَّمَهُمْ بِهِ، عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ، فَنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وَنَزَلَتْ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعانيّ البصريّ، ثقة [١٠] ٥/ ٥. ٢ - (محمد بن ثَوْر) الصنعانيّ، أبو عبد اللَّه العابد، ثقة [٩]. قال الحسين بن الحسن الرازيّ، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائيّ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي: ما حالُ ابن ثور؟ قال: الفضل، والعبادة، والصدق، قلت: عبد اللَّه بن معاذ أحبّ إليك، أو ابن ثور؟ قال ابن ثور أحبّ إليّ. قال: وسألت أبا زرعة، عن ابن ثور، وهشام بن يوسف، وعبد الرزاق؟ فقال: ابن ثور أفضلهم. وقال البخاريّ: قال لي إبراهيم بن موسى: قال لنا عبد الرزاق: محمد بن ثور صوّام قوّام، كذا قال. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: مات سنة (١٩٠) أو قبلها بقليل، أو بعدها بقليل. روى له أبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب خمسة أحاديث. ٣ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الثبت الحجة [٤] ١/ ١. ٥ - (سعيد بن المسيّب) أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار من كبار [٣] ٩/ ٩. ٦ - (أبوه) المسيّب بن حزن -بفتح المهملة، وسكون الزاي- ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم المخزوميّ القرشيّ، أبو سعيد، له ولأبيه حَزْن صحبة، روى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبيه، وأبي سفيان بن حرب. وعنه ابنه سعيد. قال ابن لهيعة، عن بُكير بن الأشجّ، عن سعيد: كان المسيب تاجرًا، فذكر قصّة. قال الحافظ: وزعم الواقديّ، ومصعب الزبيريّ أنه من مسلمة الفتح، ولم يصنعا شيئًا، فقد ثبت في «الصحيح» أنه شهد الحديبية. وقال ابن يونس: قدم المسيب مصر لغزو إفريقية، سنة (٢٧). وفي «الثقات» لابن حبّان في التابعين: المسيّب بن حزن، فإن كان أراد هذا فقد وَهِمَ وَهَمًا قبيحًا. وعَدَّه الأزديّ وغيره فيمن لم يرو عنه إلا واحد، روى له البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده هذا الحديث فقط. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سداسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله رجال الصحيح، غير محمد بن ثور كما سبق آنفًا. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه. (ومنها): أن فيه من لم يرو عنه إلا واحد، وهو المسيّب، فإنه لم يرو عنه غير ابنه سعيد، كما مرّ آنفًا، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهو حديث اتفق البخاريّ، ومسلم على إخراجه في «صحيحيهما» من رواية سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن رسول اللَّه - ﷺ -، ولم يروه عن المسيب إلا ابنه سعيد، كذا قاله الحفّاظ، وفيه ردّ على الحاكم أبي عبد اللَّه بن البيَّعِ الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في قوله: لم يخرج البخاريّ، ولا مسلم -رحمهما اللَّه تعالى- عَن أحد ممن لم يرو عنه إلا راو واحد، ولعله أراد من غير الصحابة. واللَّه أعلم انتهى . (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بكسر الياء المشدّدة على الأرجح، ومنهم من يفتحها، كما قال السيوطيّ في «ألفية الحديث»: كُلُّ مُسَيَّبِ فَبِالْفَتْحِ سِوَى … أَبِي سَعِيدِ فَلِوَجْهَيْنِ حَوَى والفتح هو الذي اشتهر على الألسنة، وكان سعيد يكره ذلك، ولذا رجحنا الكسر (عَنْ أَبِيهِ) المسيب بن حَزْن - ﵄ - (قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ) واسم أبي طالب عبد مناف، قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: المراد قربت وفاته، وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] ويدلّ على أنه قبل المعاينة محاورته للنبيّ - ﷺ -، ومع كفار قريش. قال القاضي عياض -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار، وأن النبيّ - ﷺ - رجا بقوله ذلك حينئذ أن تناله الرحمة ببركته - ﷺ -، قال القاضي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وليس هذا بصحيح؛ لما قدّمناه انتهى . وقال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-بعد أن نقل نحو ما تقدّم عن النوويّ-: ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبيّ - ﷺ - أنه إذا أقرّ بالتوحيد، ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه، بخصوصه، وتسوغ شفاعته - ﷺ - لمكانه منه، ولهذا قال: «أجادل لك بها، وأشفع لك»، وسيأتي بيانه. ويؤيد الخصوصيّة أنه بعد أن امتنع من الإقرار بالتوحيد، وقال: هو على ملّة عبدالمطلب، ومات على ذلك أن النبيّ - ﷺ - لم يترك الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقّه. (دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ) عمرو بن هشام، والجملة في محلّ نصب على الحال، وفي رواية للبخاريّ: «فوجد عنده أبا جهل …» (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: يحتمل أن يكون المسيّب حضر هذه القصّة، فإن المذكورَينِ من بني مخزوم، وهو من بني مخزوم أيضًا، وكان الثلاثة يومئذ كفارًا، فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران. وأما قول بعض الشرّاح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة، فمردود؛ لأنه استدلّ بأن المسيّب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول العسكريّ ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأيًّا ما كان، فلم يشهد وفاة أبي طالب؛ لأنه توفي هو وخديجة في أيام متقاربة، في عام واحد، وللنبيّ - ﷺ - يومئذ نحو الخمسين انتهى. ووجه الرّدّ أنه لا يلزم من كون المسيب تأخر إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب، كما شهدها عبد اللَّه بن أبي أميّة، وهو يومئذ كافر، ثم أسلم بعد ذلك، والعجب من هذا القائل، كيف يعزو كون المسيب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكريّ، ويغفل عن كون ذلك ثابتا في هذا الصحيح الذي شرحه، كما مرّ في «المغازي» واضحًا انتهى. (فَقَالَ: «أَيْ عَمِّ)»أيْ«-بفتح الهمزة، وتخفيف المثنّاة التحتانيّة- حرف لنداء البعيد، أو كالبعيد، كالنائم، والساهي، كما عدّها ابن مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في»الخلاصة«بقوله: وَلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَالنَّاءِ يَا … وَأَيْ وَآ ثُمَّ أَيَا كَذَا هَيَا و«عمّ»منادى مضاف إلى ياء المتكلم، يجوز فيه إثبات الياء، وحذفها، ثم يجوز فيه ستة أوجه، كما أشار ابن مالك إلى الخمسة بقوله: وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِن يُضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا والسادس ضمه، تشبيهًا له بالنكرة المقصودة. (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً) بالنصب على البدل من«لا إله إلا اللَّه»، أو منصوب على الاختصاص، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، أي هي كلمة (أُحَاجُّ) بتشديد الجيم، من المحاجّة، وهي مفاعلة من الْحُجّة، والجيم مفتوحة بالجزم على أنه جواب الأمر، والتقدير إن تقل أحاجّ، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدإ محذوف، وفي رواية للبخاريّ، من طريق صالح بن كيسان، عن الزهريّ:«أشهد»، بدل«أحاجّ»، وفي رواية مجاهد عند الطبريّ:«أجادل عند اللَّه بها»، زاد الطبريّ من طريق سفيان بن حسين، عن الزهريّ، قال:«أي عمّ، إنك أعظم الناس عليّ حقا، وأحسنهم عندي يدًا، فقل: كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة». (لَكَ بِهَا، عِنْدَ اللَّهِ -﷿-) الجارّان، والظرف متعلقات بـ«أُحاجّ»(فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْل، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ) أي تُعرض (عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ) وفي رواية للبخاريّ:«فلم يزل رسول اللَّه - ﷺ - يَعْرِضها عليه، ويعيدانه بتلك المقالة … »، وفي رواية لمسلم:«فلم يزل رسول اللَّه - ﷺ - يَعرضها عليه، ويعيدان له بتلك المقالة»، والمراد قول أبي جهل، ورفيقه له:«أترغب عن ملة عبد المطّلب»(حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيْءٍ، كَلَّمَهُمْ بِهِ) أي كلّم به الحاضرين لديه (عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) خبر لمحذوف، أي هو على ملة عبد المطلب، وفي رواية للبخاريّ:«هو على ملة عبد المطّلب»، وأراد بذلك نفسه، ويحتمل أن يكون قال:«أنا»، فغيّرها الراوي آَنفَةً أن يحكي كلام أبي طالب، استقباحًا للفظ المذكور؛ وهي من التصرّفات الحسنة. ووقع في رواية مجاهد، قال:«يا ابن أخي ملة الأشياخ»، ووقع في حديث أبي حازم، عن أبي هريرة عند مسلم، والترمذيّ، والطبريّ:«قال: لولا أن تعيّرني قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك»، وفي رواية الشعبيّ عند الطبريّ:«قال: لولا أن يكون عليك عار، لم أبال أن أفعل». زاد في رواية البخاريّ:«وأبى أن يقول: لا إله إلا اللَّه»، وهو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يمكن اطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النبي - ﷺ - على ذلك. قال النوويّ: وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل. قال ابن فارس: مات أبو طالب، ولرسول اللَّه - ﷺ - تسع وأربعون سنة، وثمانية أشهر، وأحد عشر يومًا، وتوفيت خديجة، أم المؤمنين - ﵂ - بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام انتهى. (قَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) بصيغة المتكلم المبنيّ للمفعول، من النهي، أي مدة عدم نهي اللَّه تعالى إياي عن الاستغفار لك. قال الزين ابن الْمُنَيِّر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ليس المراد طلب المغفرة العامة، والمسامحة بذنب الشرك، وإنما المراد تخفيف العذاب عنه، كما جاء مبيّنًا في حديث آخر. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وهذه غلفة شديدة منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم تُردّ، وطلبُها لم يُنْهَ عنه، وإنما وقع النهي عن طلب المغفرة العامّة، وإنما ساغ ذلك للنبيّ - ﷺ -، اقتداءً بإبراهيم في ذلك، ثم ورد نسخ ذلك، كما سيأتي واضحًا انتهى . (فَنَزَلَتْ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]) أي ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي، هكذا وقع في هذه الرواية، وروى الطبري، من طريق شِبْل، عن عمرو بن دينار، قال: قال النبيّ - ﷺ -: «استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني ربي»، فقال أصحابه: لنستغفرنّ لآبائنا، كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت. وهذا فيه إشكال؛ لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة، اتفاقًا، وقد ثبت أن النبيّ - ﷺ - أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربّه أن يستغفر لها، فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرّر النزول. وقد أخرج الحاكم، وابن أبي حاتم، من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق، عن ابن مسعود - ﵁ -، قال: خرج رسول اللَّه - ﷺ - يوما إلى المقابر، فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا، ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: «إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها، فلم يأذن لي، فأنزل عليّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة، عن أبيه نحوه، وفيه:«نزل بنا، ونحن معه، قريب من ألف راكب»، ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبريّ من هذا الوجه:«لما قدم مكة أتى رسم قبر»، ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطيّة:«لما قدم مكة وقف على قبر أمه، حتى سخنت عليه الشمس، رجاء أن يؤذن له، فيستغفر لها، فنزلت». وللطبرانيّ من طريق عبد اللَّه بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود، وفيه:«لما هبط من ثنيّة عسفان»، وفيه نزول الآية في ذلك. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: فهذه طرق يعضد بعضها بعضًا، وفيها دلالة على تأخير نزل الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضًا أنه - ﷺ - قال يوم أحد بعد أن شجّ وجهه:«رب اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون»، لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصّا بالأحياء، وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر، وإن كان سببها تقدّم، ويكون لنزولها سببان، متقدّم، وهو أمر أبي طالب، ومتأخر، وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخير النزول ما تقدّم في تفسير براءة من استغفاره - ﷺ - للمنافقين، حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول، وإن تقدّم السبب، ويشير إلى ذلك أيضًا قوله في حديث الباب:«وأنزل اللَّه في أبي طالب: ﴿إنَّكّ لَا تهدِى مَنْ أَجبْتَ﴾ »؛ لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب، وفي غيره، والثانية نزلت فيه وحده. ويؤيّد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن عليّ - ﵁ -، قال: سمعت رجلًا يستغفر لوالديه، وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبيّ - ﷺ -، فأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآية. وروى الطبريّ من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: وقال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، كما استغفر إبراهيم لأبيه؟، فنزلت. ومن طريق قتادة، قال: ذكرنا له أن رجالًا، فذكر نحوه انتهى كلام الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . (وَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾) [القصص: ٥٦] قال النووي -﵀- تعالى: أجمع المفسّرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج وغيره، وهي عامّة، فإنه لا يَهدي، ولا يُضلّ إلا اللَّه تعالى. وقال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ الخ أي لا تقدر على توفيق من أراد اللَّه خذلانه، وكشف ذلك بأن الهداية الحقيقية هي خلق القدرة على الطاعة، وقبولها، وليس ذلك إلا للَّه تعالى، والهداية التي تصحّ نسبتها لغير اللَّه تعالى بوجهٍ مّا هي الإرشاد والدلالة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] أي ترشد، وتبيّن، كما قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨] وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. قال: وما ذكرناه هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي تدلّ عليه البراهين القاطعة انتهى. . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسأدة الأولى: في درجته: حديث المسيب بن حَزْن - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١٠٢/ ٢٠٣٥ - وفي «الكبرى» ١٠٢/ ٢١٦٢ - وفي «التفسير» ١١٢٣٠ «سورة التوبة» و١١٣٨٣ «سورة القصص». وأخرجه (خ) ١٣٦٠ و٣٨٨٤ و٤٦٧٥ و٤٧٧٢ (م) ١٣١ (أحمد) ١٣٢ و١١٦٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو النهي عن الاستغفار للمشركين. ومنها: جواز زيارة قبر المشرك. ومنها: جواز البكاء عند القبر. ومنها: أن من لم يعمل خيرا قط، إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا اللَّه حكم بإسلامه، وأجريت عليه أحكام
مصادر المؤلف (٦)

١. - «المرعاة» ج ٥ ص ٥١٢ - ٥١٣.

٢. - «شرح مسلم» ج ١ ص ١٦١. «كتاب الإيمان».

٣. - «شرح مسلم» ج ١ ص ١٦٢. «كتاب الإيمان».

٤. - «فتح» ٩/ ٤٥٨ «كتاب التفسير».

٥. - «فتح» ج ٩ ص ٤٥٨ - ٤٥٩ «كتاب التفسير» آخر «سورة القصص».

٦. - «المفهم» ج ١ ص ١٩٦. «كتاب الإيمان».