المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند اللَّه تعالى، بشرط أن لا يكون وصل إلى حدّ انقطاع الأمل من الحياة، وعجز عن فهم الخطاب، وردّ الجواب، وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ: إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: ١٨] . ومنها: أن الذي ينفع الإنسان عمله، لا نسبه، فإذا كان غير متبع للإسلام، فلا تنفعه شفاعة الشافعين. ومنها: جواز الحلف من غير استحلاف، حيث قال النبي - ﷺ -: «لأستغفرنّ لك»، وفي رواية مسلم: «أما واللَّه لأستغفرنّ لك»، قال النوويّ: وكأن الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب انتهى. ومنها: أن الهداية بمعنى التوفيق للخيرات، وكذا الضلال من اللَّه تعالى، ولا يقدر على ذلك أحد من الخلق، لا نبيّ مرسل، ولا ملك مقرّب، فهو الذي يَهدي من يشاء، وُيضلّ من يشاء، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
أَضَلَّ مَنْ شَاءَ وَمَنْ شَاءَ هَدَى … مَا بِيَدِ الْعَبْدِ ضَلَالٌ وَهُدَى
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٣٦ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْتَغْفِرُ لأَبَوَيْهِ، وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، وَهُمَا مُشْرِكَانِ، فَقَالَ: أَوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ؟ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن منصور) الكَوْسَج المروزي، ثقة ثبت [١١] ٧٢/ ٨٨.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ الحافظ الثبت الناقد البصريّ [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان بن سعيد) الثوريّ الكوفيّ الإمام الثبت الحجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ العابد الثبت يدلس، واختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (أبو الخليل) عبد اللَّه بن الخديل، ويقال: ابن أبي الخديل، ويقال: عبد اللَّه بن الخليل بن أبي الخليل الحضرميّ الكوفيّ، مقبول [٢].
روى عن عمر، وعليّ، وابن عباس، وزيد بن أرقم. وعنه أبو إسحاق السبيعيّ،
والشعبي، والأعمش، وإسماعيل بن رجاء. ذكره ابن حبّان في «الثقات»، وفرق بين عبد اللَّه بن الخديل الحضرميّ، روى عن زيد بن أرقم، وعنه الشعبيّ، وبين عبد اللَّه بن أبي الخليل، سمع عليا قوله، روى عنه أبو إسحاق، وكذا فرق بينهما البخاريّ، فقال في الراوي عن زيد بن أرقم: لا يُتابع عليه، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. روى له الأربعة، وله عند المصنف برقم ٢٠٣٦ و٣٤٨٨ و٣٤٩٠.
٦ - (علي) بن أبي طالب - ﵁ - ٧٤/ ٩١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي الخليل. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَلِيٍّ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْتَغْفِرُ لِأَبَوَيْهِ، وَهُمَا مُشْرِكَانِ) جملة في محلّ نصب، أي والحال أنهما ماتا مشركين (فَقُلْتُ: أَتَسْتَغْفِرُ لَهُمَا، وَهُمَا مُشْرِكَانِ؟) أي والشرك ينافي حصول المغفرة (فَقَالَ: أَوَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ إِبرَاهِيمُ لِأَبِيهِ؟) أي وهو مشرك (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا﴾ [التوبة: ١١٤]) أي مع الآية السابقة، وفي رواية أحمد من طريق وكيع، عن سفيان: «فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى آخر الآيتين». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث علي - ﵁ - هذا حسن.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١٠٢/ ٢٠٣٦ - وفي «الكبرى» ١٠٢/ ٢١٦٣. وأخرجه (ت) ٣١٠١ (أحمد) ٧٧٣ و١٠٨٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريدُ إلا الإصلاح، ما استطعتُ، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكّلت، وإليه أنيب».