٢٠٥٨ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، سَمِعَ صَوْتًا، مِنْ قَبْرٍ، فَقَالَ: «مَتَى مَاتَ هَذَا؟». قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللَّهَ، أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ».
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سُويد بن نصر) المروزيّ، ثقة [١٠] ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد اللَّه) بن المبارك الإمام الحجة المروزيّ [٨] ٣٢/ ٣٦.
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل البصريّ الثقة العابد [٥] ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك - رضي اللَّه تعالى عنه - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو (١١٩) من رباعيات الكتاب. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه. (ومنها): أن شيخه وعبد اللَّه مروزيان، وحميدًا وأنسًا بصريان. (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، سَمِعَ صَوْتًا، مِنْ قَبْرٍ) أي من ميت مدفون في قبر (فَقَالَ: «مَتَى مَاتَ هَذَا؟) أي صاحب القبر (قَالُوا: مَاتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي في الأيام التي قبل الإسلام (فَسُرَّ بِذَلِكَ) بالبناء للمفعول، من السرور، أي استبشر النبي - ﷺ - بكون ذلك المدفون ممن مات قبل الإسلام، حيث لم يكن من أمته.
وقال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: والمراد أنه أزيل عنه ما لحقه من الغمّ والحزن باحتمال أن يكون الميت مؤمنًا معذّبًا في القبر. ويحتمل أن يقال: بجواز السرور بعذاب عدوّ اللَّه، من حيثية عداوته مع اللَّه تعالى انتهى .
(وَقَالَ) - ﷺ - (لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا) أي لولا خشية أن يفضي سماعكم إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضًا (لَدَعَوْتُ اللَّهَ، أَنْ يُسْمِعَكُمْ) من الإسماع (عَذَابَ الْقَبْرِ) قال السنديّ - رحمه اللَّه تعالى -: أي الصوت الذي هو أثره، وإلا فالعذاب لا يسمع، واللَّه تعالى أعلم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من سماع العذاب نفسه، كما تقدم في حديث
البراء - ﵁ -: «فيُضرَب بمطارق من حديد، ضربة، فيصيح صيحة، يسمعها من يليه من الثقلين». فلا يُستغرب أن يُسمع ضربُهُم بالمطارق، كما تُسمع صيحته. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذا الحديث قد رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي سعيد الخدريّ، عن زبد بن ثابت، - ﵄ -، مطوّلًا، فقال:
٢٨٦٧ - حدثنا يحيى بن أيوب، وأبو بكر بن أبي شيبة جميعا، عن ابن علية، قال ابن أيوب: حدثنا ابن علية، قال: وأخبرنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن زيد بن ثابت، قال أبو سعيد: ولم أشهده من النبي - ﷺ -، ولكن حدثنيه زيد بن ثابت، قال: بينما النبي - ﷺ -، في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستة، أو خمسة، أو أربعة، قال: كذا كان يقول الجريري، فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟»، فقال رجل: أنا، قال: «فمتى مات هؤلاء؟»، قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إن هذه الأمة تبتلى، في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت اللَّه أن يسمعكم، من عذاب القبر، الذي أسمع منه»، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: «تعوذوا باللَّه من عذاب النار»، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب النار، فقال: «تعوذوا باللَّه من عذاب القبر»، قالوا: نعوذ باللَّه من عذاب القبر، قال: «تعوذوا باللَّه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن»، قالوا: نعوذ باللَّه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوذوا باللَّه من فتنة الدجال»، قالوا: نعوذ باللَّه من فتنة الدجال انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ١١٤/ ٢٠٥٨ - وفي «الكبرى» ١١٤/ ٢١٨٥. وأخرجه (م) ٢٨٦٧ و٢٨٦٨ (أحمد) ١١٧١٣ و١٢١٤٣ و١٣٤٧٦. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
منها: ما بوّب له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو إثبات عذاب القبر. ومنها: أن فيه معجزة للنبيّ - ﷺ -، حيث كان يسمع عذاب من يعذّب في قبره. ومنها: بيان لطف اللَّه تعالى بعباده، حيث أخفى عنهم عذاب القبر، مع أنه يسمعه سائر الحيوانات، وذلك رأفة بهم، وبمن يموت، إذ لولا ذلك لتعطل دفن الموتى، ولأهينت جُثث الأموات، وصارت كجُثث سائر البهائم. ومنها: بيان شدّة رأفة النبي - ﷺ - بأمته، حيث لم يدع اللَّه