HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٧٣

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللهُ - ﷿ - إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص79
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ٤ ص ١٠٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, مسند أحمد, موطأ مالك
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٢٣
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١١٧ - أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هكذا في «الكبرى» أيضًا، ووقع في بعض نسخ «المجتبى» زيادة: «وغيرهم». اعلم: أن المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أورد في هذا الباب ثمانية أحاديث، ومطابقة الحديث الأول للترجمة واضحة، حيث بين أن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، وأما الحديث الثاني، والثالث، والرابع فمطابقتها على هذه النسخة واضحة، من حيث إنها تدلّ على أن أرواح الكفّار معذّبة، خلاف أرواح المؤمنين، وأما على النسخة الأولى، فيكون من حذف الواو مع ما عطفت، أي «وغيرهم»، وأما بقية الأحاديث، فالظاهر كونها من أحاديث الباب التالي. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٧٣ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، كَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ، طَائِرٌ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ -﷿-، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». رجال هذا الإسناد: خمسة، مشهورون، تقدّموا، غير مرّة: ١ - (عبد الرحمن بن كعب) بن مالك الأنصاريّ، أبو الخطاب المدنيّ، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبيّ - ﷺ -[٢] ٣٨/ ٧٣١. ٢ - (كعب بن مالك) بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ المدني الصحابيّ المشهور، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا - ﵁ - ٣٨/ ٧٣١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ، عن تابعيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ) أي أنّ عبدَ الرحمن أخبر ابنَ شهاب. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: في رواية مالك هذه بيان سماع الزهريّ لهذا الحديث من عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وكذلك رواه يونس، عن الزهريّ، قال: سمعت عبد الرحمن بن كعب بن مالك، يحدّث، عن أبيه. وكذلك رواه الأوزاعيّ، عن الزهريّ، حدثني عبد الرحمن بن كعب. ورواه محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فُضيل، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. فاتفق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، والحارث ابن فُضيل على رواية هذا الحديث، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه. ورواه شُعيب بن أبي حمزة، ومحمد ابن أخي الزهريّ، وصالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك. فاتفق هؤلاء على أن جعلوا الحديث لعبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن جدّه كعب بن مالك. وذكره إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، أنه بلغه أن كعب بن مالك كان يحدّث. وذكر أبو اليمان: حدثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه ابن كعب، أن كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللَّه - ﷺ -، مثل حديث مالك سواءً. ورواه معمر، وعُقيل، وعمرو بن دينار، عن الزهريّ، عن ابن كعب، لم يقولوا: عبد اللَّه، ولا عبد الرحمن. ذكره عبد الرزّاق، عن معمر، وذكره الليث، عن عُقيل، وذكره ابن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهريّ، كلهم عن ابن كعب بن مالك، في حديث «نسمة المؤمن»، كلّ هذا. وقال محمدُ بن يحيى -يعني الذُّهليّ-: المحفوظ عندنا -واللَّه أعلم- هذا، وهو الذي يشبه حديث صالح بن كيسان، وشعيب، وابن أخي ابن شهاب. قال أبو عمر: لا وجه عندي لما قاله محمد بن يحيى، من ذلك، ولا دليل عليه، واتفاق مالك، ويونس بن يزيد، والأوزاعيّ، ومحمد بن إسحاق أولى بالصواب، والنفس إلى قولهم، وروايتهم أسكن، وهم من الحفظ، والإتقان بحيث لا يقاس بهم من خالف في هذا الحديث. وباللَّه تعالى التوفيق. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الحديث موصولًا صحيح، ولا يضرّه كونه منقطعا عند هؤلاء؛ لأن الذين وصلوه ليسوا بدون الذين رووه منقطعًا، بل هم أعلى منهم، كما قال أبو عمر، فإن مالكًا مقدّم على غيره في الزهريّ. واللَّه تعالى أعلم. (أَنَّ أَبّاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) - ﵁ - (كانَ يُحَدِّثُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ) بفتحتين: أي روحه. قال أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: النسمة ههنا الروح، يدلّ على ذلك قوله - ﷺ - في الحديث نفسه:»حتى يرجعه اللَّه إلى جسده، يوم القيامة«. وقيل: النسمة: الروح والنفس، والبدن، وأصل هذه اللفظة -أعني النسمة- الإنسان بعينه، وإنما قيل للروح نسمة -اللَّه أعلم- لأن حياة الإنسان بروحه، وإذا فارقه عُدم، أو صار كالمعدوم. والدليل على أن النسمة الإنسان قوله - ﷺ -:»من أعتق نسمة مؤمنة … «. وقول عليّ - ﵁ -:»والذي فَلَق الحبّة، وبرأ النسمة … «. وقول الشاعر [من المتقارب]: بِأَعْظَمَ مِنْكَ تُقًى فِي الحِسَابِ … إِذَا النَّسَمَاتُ نَفَضْنَ الْغُبَارَا يعني إذا بعث الناس من قبورهم يوم القيامة. وقال الخليل بن أحمد: النسمة الإنسان، قال: والنسمة نفس الروح، والنسيم هبوب الريح. انتهى . قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام: هذا العموم محمول على المجاهدين انتهى. وقال القرطبيّ: هذا الحديث ونحوه محمول على الشهداء، وأما غيرهم، فتارة تكون في السماء، لا في الجّنة، وتارة تكون على أفنية القبور، قال: ولا يتعجل الأكل، والنعيم لأحد إلا للشهيد في سبيل اللَّه، بإجماع من الأمة، حكاه القاضي أبو بكر بن العربيّ في «شرح الترمذيّ»، وغير الشهداء بخلاف هذا الوصف، إنما يُملأ عليه قبره، وُيفسح له فيه انتهى. وقال السيوطي في «شرحه»: وقد ورد التصريح بأن هذا الحديث في الشهداء في بعض طرقه عند الطبرانيّ ، فأخرج من طريق سفيان بن عُيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق حيث شاءت». انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأولى أن تحمل رواية مالك هذه على أرواح جميع المؤمنين غير الشهداء، ورواية سفيان بن عيينة على أرواح الشهداء، فرواية سفيان، غير رواية مالك، بل هي رواية مستقلّة حدث فيها كعب بن مالك - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - عن أرواح الشهداء، كما ثبت في حديث ابن عباس، وأبي سعيد الخدريّ - ﵃ - في أرواح الشهداء، كما سيأتي، ولا غرابة في أن يحدث صحابيّ واحد حديثين مختلفين، سمعهما من النبي - ﷺ -، والدليل على ذلك اختلاف ألفاظهما، فلفظ حديث مالك: «إنما نسمة المؤمن طائر، يعدق في الجنّة حتى يبعثه اللَّه إلى جسده يوم القيامة»، ودفظ ابن عيينة: «إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق من ثمر الجنة». والحاصل أن الحديثين صحيحان، أحدهما بَيَّنَ كون روح المؤمن طيرًا تعلق في الجنة، والآخر بَيَّنَ أن أرواح الشهداء تكون في جوف طير خضر تعلق في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلّقة بالعرش، فهم متيمِّزون عن سائر المؤمنين. وسيأتي تمام هذا البحث في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (طَائِرٌ) ظاهر أن الروح يتشكّل، ويتمثل بأمر اللَّه تعالى طائرًا، كتمثل الملك بشرًا. وقيل: يحتمل أن المراد أن الروح يدخل في بدن طائر، كما في روايات أخرى، وقد عرفت أن هذا في الشهداء، فالأول هو الصواب. قال السيوطيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «حاشية سنن أبي داود»: إذا فسّرنا الحديث بأن الروح تتشكّل طيرًا، فالأشبه أن ذلك في القدرة على الطيران فقط، لا في صورة الخلقة، لأن شكل الإنسان أفضل الأشكال. قال السنديّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا إذا كان الروح الإنسانيّ له شكل في نفسه، ويكون على شكل الإنسان، وأما إذا كان في نفسه لا شكل له، بل يكون مجرّدًا، وأراد اللَّه تعالى أن يتشكّل ذلك المجرّد؛ لحكمة مّا، فلا يبعد أن يتشكّل أوّل الأمر على شكل الطائر، وأما على الثاني، فقد أورد عليه الشيخ علم الدين العراقيّ أنه لا يخلو، إما أن يحصل للطير الحياة بتلك الأرواح، أوّلا، والأول عين ما تقوله التناسخيّة، والثاني مجرّد حبس للأرواح، وتسجين. وأجاب السبكيّ باختيار الثاني، ومنع كونه حبسًا، وتسجينًا؛ لجواز أن يقدّر اللَّه تعالى في تلك الأجواف، من السرور، والنعيم ما لا يجده في الفضاء الواسع . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله السبكي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. (فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ) هكذا نسخ «المجتبى»، ووقع في «الكبرى»، وشرح السنديّ: «تعلق في شجر الجنة». قال السنديّ: هكذا في بعض النسخ بثبوت قوله: «تعلق»، وسقط في بعضها، وهو بضمّ اللام، وقيل: أو بفتحها ، ومعناه تأكل، وترعى انتهى وقال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقوله: «تعلق في شجر الجنّة»، يروى بفتح اللام، وهو الأكثر، ويروى بضم اللام، والمعنى واحد، وهو الأكل، والرَّعْيُ، يقول: تأكل من ثمار الجنّة، وتسرح بين أشجارها، والعلوقة، والعلوق: الأكل، والرعي، تقول العرب: ما ذاق اليوم عُلوقًا، أي طعامًا، قال الربيع بن زياد، يصف الخيل: [من الكامل]: وَمُجَنَّبَاتٍ لَا يَذُقْنَ عُلُوقَةَ … يَمْصَعْنَ بِالْمُهْرَاتِ والأَمْهَارِ يعني ما يرعين، ولا يذقن شيئا. وقال الأعشى [من الخفيف]: وَفَلَاةٍ كَأَنَها ظَهْرُ تُرْسِ … لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الرَّجِيعَ عَلَاقُ (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ -﷿-، إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») وفي«الكبرى»حتى يرجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه«. وذكر الضمير مع أنه يعود إلى »نسمة«، باعتبار معنى »طائر«. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث كعب بن مالك - ﵁ - هذاصحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -١١٧/ ٢٥٧٣ - وفي «الكبرى، ١١٧/ ٢٢٠٠. وأخرجه (ت) ١٦٤١ (ق) ١٤٤٩ و٤٢٧١ (أحمد) ١٥٣٤٩ و١٥٣٦٠ و١٥٣٦٥ و٢٦٦٢٥ (الموطأ) ٥٦٦. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في ذكر أقوال أهل العلم في معنى هذا الحديث: قال الحافظ أبو عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: واختدف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال قائلون منهم: أرواح المؤمنين عند اللَّه في الجنّة، شهداءَ كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنّة كبيرة، ولا دَين، وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم. قال: واحتجوا بأن هذا الحديث لم يخصّ فيه شهيدًا من غير شهيد. واحتجّوا أيضًا بما روي عن أبي هريرة - ﵁ - أن أرواح الأبرار في علّيّين، وأرواح الفجّار في سجّين، وعن عبد اللَّه بن عمرو مثل ذلك. قال أبو عمر: وهذا قول يُعارضه من السنّة ما لا مدفع في صحّة نقله، وهو قوله: «إذا مات أحدكم عُرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة». وقال آخرون: إنما معنى هذا الحديث في الشهداء، دون غيرهم؛ لأن القرآن، والسنة إنما يدلاّن على ذلك: أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]. وأما الآثار، فذكر حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - طريق بقيّ بن مخلد، مرفوعًا: «الشهداء يغدون، ويروحون، ثم يكون مأماهم إلى قناديل معلّقة بالعرش، فيقول لهم الربّ تبارك، وتعالى: هل تعلمون كرامة أفضل من كرامة أُكرمتموها؟ فيقولون: لا، غيرَ أنا ودِدنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل مرة أخرى، فنقتل في سبيلك». رواه عن هناد، عن إسماعيل بن المختار، عن المختار، عن عطيّة العوفي، عنه. وفيه عطيّة، وهو كثير الخطأ والتدليس. ثم ساق حديث ابن عباس - ﵄ -، من طريق سعيد بن جبير، عنه، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل اللَّه أرواحهم، في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل، من ذهب، معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا، أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكُلُوا عند الحرب، فقال اللَّه سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾ إلى آخر الآية رواه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح. ثم ذكر حديث الأعمش، عن عبد اللَّه بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد اللَّه - ﵁ - عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك؟ فقال: «أرواحهم في جوف طير، خضر، لها قناديل، معلقة بالعرش، تَسرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربهم اطّلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة، حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا، من أن يُسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا، في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا». رواه مسلم في «صحيحه». ثم ساق من طريق بقيّ بن مخلد، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا ابن عيينة، عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: «أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة». ومن طريق أبي عاصم النبيل، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد اللَّه ابن عمرو: «أرواح الشهداء، في طير كالزرازير ، يتعارفون، ويرزقون من ثمر الجنّة». قال أبو عمر: هذه الآثار كلها تدلّ على أنهم الشهداء، دون غيرهم، وفي بعضها «في صورة طير»، وفي بعضها: «في أجواف طير»، وفي بعضها «كطير»، قال«: والذي يشبه عندي -واللَّه أعلم- أن يكون القول قول من قال:»كطير«، أو»صور طير«، لمطابقته لحديثنا المذكور -يعني حديث كعب بن مالك- وليس هذا موضع نظر، ولا قياس؛ لأن القياس إنما يكون فيما يسوغ فيه الاجتهاد، ولا مدخل للاجتهاد في هذا الباب، وإنما نسلّم فيه لما صحّ من الخبر عمن يجب التسليم له. قال: أبو عمر: فعلى هذا التأويل، كأنه - ﷺ - قال: إنما نسمة المؤمن من الشهداء طائر، يعلق في شجر الجنّة. انتهى كلام أبي عمر -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- باختصار . قال الإمام شمس الدين ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا تنافي بين قوله - ﷺ -: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة»، وبين قوله: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل الجنّة، فمن أهل الجنّة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار». وهذا الخطاب يتناول الميت على فراشه، والشهيدَ، كما أن قوله: «نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة»، يتناول الشهيد وغيره، ومع كونه يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، تَرِدُ روحه أنهار الجنّة، وتأكل من ثمارها. وأما المقعد الخاصّ به، والبيت الذي أعدّ له، فإنه إنما يدخله يوم القيامة، ويدلّ عليه أن منازل الشهداء، ودورهم، وقصورهم التي أعدّ اللَّه لهم ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعًا، فهم يرون منازلهم، ومقاعدهم من الجنة، ويكون مستقرّهم في تلك القناديل المعلّقة بالعرش، فإن الدخول التامّ الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك. ونظير هذا أهل الشقاء تُعرض أرواحهم على النار غدوّا وعشيا، فإذا كان يوم القيامة دخلوا منازلهم، ومقاعدهم التي كانوا يُعرضون عليها في البرزخ، فتنعم الأرواح بالجنة في البرزخ شيء، وتنعمها مع الأبدان يوم القيامة بها شيء آخر، فغذاء الروح من الجنّة في البرزخ دون غذائها مع بدنها يوم البعث، ولهذا قال: «تعلق في شجر الجنّة»، أي تأكل الْعُلْقة، وتمام الأكل والشرب، واللبس، والتمتع، فإنما يكون إذا رُدّت إلى أجسادها يوم القيامة، فظهر أنه لا يعارض هذا القولَ من السنن شيء، وإنما تعاضده السنّة، وتوافقه. وأما قول من قال: إن حديث كعب في الشهداء، دون غيرهم، فتخصيص، ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، وهو محلّ اللفظ العامّ على أقلّ مسمياته، فإن الشهداء بالنسبة إلى عموم المؤمنين، قليل جدًّا والنبي - ﷺ - علّق هذا الجزاء بوصف الإيمان، فهو المقتضي له، ولم يُعلّقه بوصف الشهادة، ألا ترى أن الحكم الذي اختصّ بالشهداء علّق بوصف الشهادة، كقوله فيما أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، واللفظ لأحمد من حديث المقدام بن معديكرب - ﵁ -: قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن للشهيد عند اللَّه -﷿-، ست خصال، أن يُغفر له في أول دَفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويجار من عذاب القبر، ويأمن يوم الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منه خير من الدنيا، وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة، من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانا من أقاربه» . قال: فلما كان هذا يختصّ بالشهيد، قال: «إن للشهيد»، ولم يقل: إن للمؤمن. وكذلك ما أخرجه أحمد بإسناد صحيح، من حديث قيس الجُذَاميّ، -رجل كانت له صحبة- قال: قال النبي - ﷺ -: «يعطى الشهيد ست خصال، عند أول قطرة من دمه، يكفر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوج من الحور العين، ويُؤَمَّن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حلة الإيمان» . قال: وأما ما علّق فيه الجزاء بالإيمان، فإنه يتناول كلّ مؤمن، شهيدًا كان، أو غير شهيد. وأما النصوص، والآثار التي ذُكرت في رزق الشهداء، وكون أرواحهم في الجنّة، فكلّها حقّ، وهي لا تدلّ على انتفاء دخول أرواح المؤمنين الجنّة، ولا سيّما للصدّيقين الذين هم أفضل من الشهداء، بلا نزاع بين الناس، فيقال لهؤلاء: ما تقولون، أرواح الصدّيقين، هل هي في الجنّة، أم لا؟، فإن قالوا: إنها في الجنة -لا يسوغ لهم غير هذا القول- فثبت أن هذه النصوص لا تدلّ على اختصاص أرواح الشهداء بذلك، وإن قالوا: ليست في الجنّة، لزمهم من ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة، كأبي بكر الصديق، وأبي بن كعب، وعبد اللَّه بن مسعود، وأبي الدرداء، وحذيفة بن اليمان، وأشباههم - ﵃ - ليست في الجنة، وأرواح شهداء زماننا في الجنّة، وهذا معلوم البطلان؛ ضرورة. فإن قيل: فإذا كان هذا الحكم لا يختصّ بالشهداء، فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص؟. قلت: التنبيه على فضل الشهادة، وعلوّ درجتها، وأن هذا مضمون لأهلها، ولا بدّ، وأن لهم منه أوفر نصيب، فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم، من الأموات على فراشهم، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم، فله نعيم يختصّ به، لا يشاركه فيه من هو دونه. ويدلّ على هذا أن اللَّه -﷿- جعل أرواح الشهداء، في أجواف طير خُضْر، فإنهم لما بذلوا أنفسهم للَّه، حتى أتلفها أعداؤه فيه، أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرًا منها تكون فيها إلى يوم القيامة، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجرّدة عنها، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير، أو كطير، ونسمة الشهيد في جوف طير، وتأمّل لفظ الحديثين، فإنه قال: «نسمة المؤمن طير»، فهذا يعمّ الشهيد وغيره، ثم خصّ الشهيد بأن قال: «هي في جوف طير»، ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير، فصلوات اللَّه، وسلامه على من يصدّق كلامه بعضه بعضًا، ويدلّ على أنه حقّ، من عند اللَّه. وهذا الجمع أحسن من جمع أبي عمر، وترجيحه رواية من روى «أرواحهم كطير خضر»، بل الروايتان حقّ، وصواب، فهي كطير خضر، وفي أجواف طير خضر انتهى كلام العلامة ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في اختلاف أهل العلم في مستقرّ الأرواح: اعلم: أنه قد فصّل هذه المسألة الإمامُ ابن قيم الجوزية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في كتابه النافعِ: «الروح»، وسرد الأقوال، وذكر أدلة كل قول، وناقشها، وبيّن ما لها، وما عليها، أحببت ذكر المهمّ منه، تكميلًا للفائدة، فدونك خلاصته: قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذه مسألة عظيمة، تكلّم الناس فيها، واختلفوا فيها، وهي إنما تُتَلقّى من السمع فقط، واختلف في ذلك: فقال قائلون: أرواح المؤمنين عند اللَّه في الجنّة شهداء كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنة كبيرة، ولا دَين، وتلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد اللَّه بن عمر - ﵃ -. وقالت طائفة: هم بفناء الجنة على بابها، يأتيهم، من رَوحها، ونعيمها، ورزقها. وقالت طائفة: الأرواح على أفنية قبورها. وقال مالك: بلغني أن الروح مرسلة، حيث شاءت. وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد اللَّه: أرواح الكفّار في النار، وأرواح المؤمنين في الجنة. وقال أبو عبد اللَّه ابن منده: وقالت طائفة، من الصحابة، والتابعين: أرواح المؤمنين عند اللَّه -﷿-، ولم يزيدوا على ذلك، قال: روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أن أرواح المؤمنين بالجابية، وأرواح الكفّار ببرهوت، بئر بحضرموت. وقال صفوان بن عمرو: سألت عامر بن عبد اللَّه، أبا اليمان: هل لأنفس المؤمنين مجتمع؟ فقال: إن الأرض التي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قال: هي الأرض التي يجتمع إليها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث. وقالوا: هي الأرض التي يورثها اللَّه المؤمنين في الدنيا. وقال كعب: أرواح المؤمنين في عليّين، في السماء السابعة، وأرواح الكفار في سجّين في الأرض السابعة تحت جند إبليس. وقالت طائفة: أروح المؤمنين ببئر زمزم، وأرواح الكفّار ببئر برهوت. وقال سلمان الفارسي: أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض، تذهب حيث شاءت، وأرواح الكفّار في سجّين، وفي لفظ عنه: نسمة المؤمن تذهب في الأرض حيث شاءت. وقالت طائفة: أرواح المؤمنين عن يمين آدم، وأرواح الكفار عن شماله. وقالت طائفة أخرى، منهم ابن حزم: مستقرّها حيث كانت قبل خلق أجسادها، قال: والذي نقول به في مستقرّ الأرواح هو ما قاله اللَّه -﷿-، ونبيّه - ﷺ - لا نتعدّاه، فهو البرهان الواضح، وهو أن اللَّه -﷿- قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية [الأعراف: ١١]. فصحّ أن اللَّه تعالى خلق الأرواح جملة، وكذلك أخبر - ﷺ - «أن الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وأخذ اللَّه عهدها، وشهادتها له بالربوبيّة، وهي مخلوقة، مصوّرة، عاقلة، قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم، وقبل أن يدخلها في الأجساد، والأجساد يومئذ تراب، وماء، ثم أقرّها حيث شاء، هو البرزخ الذي ترجع إليه عند الموت، ثم لا تزال يبعث منها الجملة بعد الجملة، فينفخها في الأجساد المتولّدة من المنيّ، إلى أن قال: فصحّ أن الأرواح أجساد حاملة لأعراضها من التعارف، والتناكر، وأنها عارفة مميّزة، فيبدوهم اللَّه في الدنيا، كما يشاء، ثم يتوفّاهم، فترجع إلى البرزخ الذي رآها فيه رسول اللَّه - ﷺ - ليلة أُسري به عند سماء الدنيا، أرواح أهل السعادة عن يمين آدم، وأرواح أهل الشقاوة عن يساره، وذلك عند منقطع العناصر، ويعجّل أرواح الأنبياء، والشهداء إلى الجنّة. قال: وقد ذكر محمد بن نصر المروزيّ، عن إسحاق بن راهويه أنه ذكر هذا الذي قلنا بعينه، قال: وعلى هذا أجمع أهل العلم. قال ابن حزم: وهو قول جميع أهل الإسلام، قال: وهذا قول اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٨ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ إلى آخرها [الواقعة: ٨٨ - ٨٩]، فلا تزال الأرواح هنالك حتى يتمّ عدد الأرواح كلها بنفخها في الأجساد، ثم برجوعها إلى البرزخ، فتقوم الساعة، ويُعيد اللَّه -﷿- الأرواح إلى أجسادها ثانية، وهي الحياة الثانية، يُحاسب الخلق، فريق في الجنّة، وفريق في السعير انتهى. وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: أرواح الشهداء في الجنة، وأرواح عامة المؤمنين على أفنية قبورهم. وقال ابن المبارك، عن ابن جُريج، فيما قُرئ عليه، عن مجاهد: ليس هي في الجنة، ولكن يأكلون من ثمارها، ويجدون ريحها. وذكر معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُويد، أنه سأل ابن شهاب، عن أرواح المؤمنين؟ فقال: بلغني أن أرواح الشهداء كطير خُضْر، معلقة بالعرش، تغدو، وتروح إلى رياض الجنّة، تأتي ربها في كلّ يوم، تسلّم عليه. وقال أبو عمر ابن عبد البرّ في شرح حديث ابن عمر: «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة، والعشيّ ....» الحديث. قال: وقد استدلّ به من ذهب إلى أن الأرواح على أفنية القبور، وهو أصحّ ما ذهب إليه في ذلك، واللَّه أعلم؛ لأن الأحاديث بذلك أحسن مجيئا، وأثبت نقلًا من غيرها. قال: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها، لا على أنها تلزم، ولا تفارق أفنية القبور، كما قال مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أنه بلغه أن الأرواح تَسرَح حيث شاءت. قال: وعن مجاهد أنه قال: الأرواح على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت، لا تفارق ذلك، واللَّه أعلم. وقالت فرقة: مستقرّها العدم المحض، وهذا قول من يقول: إن النفس عرض، من أعراض البدن، كحياته، وإدراكه، فتعدم بموت البدن، كما تعدم سائر الأعراض المشروطة بحياته. وهذا قول مخالف لنصوص القرآن والسنة، وإجماع الصحابة، والتابعين. وقالت فرقة: مستقرّها بعد الموت أرواح أُخَر، تناسب أخلاقها، وصفاتها التي اكتسبتها في حيال حياتها، فتصير كل روح إلى بدن حيوان يشاكل تلك الأرواح، فتصير النفس السَّبُعِيّة إلى أبدان السباع، والكلبية إلى أبدان الكلاب، والبهيمية إلى أبدان البهائم، والدنيّة، والسفليّة إلى أبدان الحشرات. وهذا قول المتناسخة، منكري المعاد، وهو قول خارج عن أقوال أهل الإسلام كلهم. ثم ذكر الإمام ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: أدلة هذه الأقوال، وما لها، وعليها، بما لا تجده في كتاب غير كتابه هذا. ثم قال: فإن قيل: فقد ذكرتم أقوال الناس في مستقرّ الأرواح، ومأخذهم، فما هو الراجح من هذه الأقوال حتى نعتقده؟ قيل: الأرواح متفاوتة في مستقرّها في البرزخ أعظمَ تفاوت: فمنها: أرواح في أعلى علّيّين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء، صلوات اللَّه، وسلامه عليهم، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي - ﷺ - ليلة الإسراء. ومنها: أرواح في حواصل طير خضر، تسرح في الجنّة حيث شاءت، وهي أرواح بعض الشهداء، لا جميعهم، بل من الشهداء من تُحبس روحه عن دخول الجنة لدَيْنٍ عليه، أو غيره، كما في «المسند»، عن محمد بن عبد اللَّه بن جحش، أن رجلا جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، مالي إن قتلتُ في سبيل اللَّه؟ قال: «الجنة»، فلما ولى قال: «إلا الدين، سارني به جبريل آنفًا». ومنهم: من يكون محبوسًا على باب الجنّة، كما في الحديث الآخر: «رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنّة». ومنهم: من يكون محبوسا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غَلّها، ثم استشهد، فقال الناس: هنيئا له الجنّة، فقال النبيّ - ﷺ -: «والذي نفسي بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره». ومنهم: من يكون مَقرّه باب الجنّة، كما في حديث ابن عباس: «الشهداء على بارق نهر الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنّة بكرةً وعشيّة». رواه أحمد. وهذا بخلاف جعفر بن أبي طالب، حيث أبدله اللَّه من يديه جناحين يطير بهما في الجنّة حيث شاء. ومنهم: من يكون محبوسًا في الأرض، لم تَعْلُ روحه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت روحا سفلية أرضيّة، فإن الأنفس الأرضيّة لا تُجامع الأنفس السماوية، كما تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها، ومحبته، وذكره، والأنس به، والتقرّب إليه، بل هي أرضيّة سفليّة، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أن النفس العلوية التي كانت في الدنيا عاكفة على محبة اللَّه، وذكره، والتقرّب إليه، والأنس به، تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرء مع من أحبّ، في البرزخ، ويوم القيامة، واللَّه تعالى يزوّج النفوس بعضها ببعض في البرزخ، ويوم المعاد، كما تقدّم في الحديث: «ويجعل روحه -يعني المؤمن- مع النسيم الطيّب». أي الأرواح الطيّبة المشاكلة، فالروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها، وإخوانها، وأصحاب عملها، فتكون معهم هناك. ومنها: أرواح تكون في تنّور، الزناةُ، والزواني. وأرواح في نهر الدم تسبح فيه، وتُلقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدِها، وشقيِّها مستقرّ واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية، لا تصعد عن الأرض. وأنت إذا تأملت السنن، والآثار، في هذا الباب، وكان لك بها فضل اعتناء، عرفت حجة ذلك، ولا تظنّ أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنها كلها حقّ، يصدّق بعضها بعضًا، لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس، وأحكامها، وأن لها شأنا غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنّة فهي في السماء، وتنفعل بفِنَاء القبر، وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركة، وانتقالًا، وصعودًا، وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة، ومحبوسة، وعلويّة، وسُفليّة، ولها بعد المفارقة صحة، ومرض، ولذّة، ونعيم، وألم أعظم مما كان لها حال اتصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس، والألم، والعذاب، والمرض، والحسرة، وهنالك اللذّة، والراحة، والنعيم، والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال ولد في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار. فلهذه الأنفس أربع دُور، كلّ دار أعظم من التي قبلها: الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك الحصر، والضيق، والغمّ، والظلمات الثلاث. والدار الثانية: هي الدار التي نشأت فيها، وألفتها، واكتسبت فيها الخير والشرّ، أسباب السعادة والشقاوة. والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار، وأعظم، بل نسبتها إليها كنسبة هذه الدار إلى الأولى. والدار الرابعة: دار القرار، وهي الجنة، أو النار، فلا دار بعدها، واللَّه ينقلها في هذه الدار طبقًا بعد طبق، حتى يبلغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهي التي خُلقت لها، وهُيّئت للعمل الموصل إليها، ولها في كلّ دار من هذه الدور حكم، وشأن، غير شأن الدار الأخرى، فتبارك اللَّه، فاطرها، ومنشوّها، ومميتها، ومحييها، ومسعدها، ومشقيها الذي فاوت بينها في درجات سعادتها، وشقاوتها، كما فاوت بينها في مراتب علومها، وأعمالها، وقواها، وأخلاقها. فمن عرفها كما ينبغي شهد أن لا إله إلا اللَّه، وحده، لا شريك له، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، وله القوّة كلها، والقدرة كلها، والعزّ كله، والحكمة كلها، والكمال المطلق من جميع الوجوه، وعرف بمعرفة نفسه صدقَ أنبيائه، ورسله، وأن الذي جاءوا به هو الحقّ الذي تشهد به العقول، وتقرّ به الفِطَرُ، وما خالفه فهو الباطل، وباللَّه التوفيق انتهى كلام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو كلام نفيس وبحث أنيس. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم انتفاع الأموات بعمل الأحياء: قد حقّق هذا الموضوع الإمام ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أيضًا، وطوّل النفَسَ في تحقيقه، ودونك مختصره: قال -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هل تنتفع أرواح الموتى بشيء من سَعْي الأحياء أم لا؟. وَالجواب: أنها تنتفع من سعي الأحياء بأمرين مجمع عليهما بين أهل السنة من الفقهاء، وأهل الحديث، والتفسير: أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته. والثاني: دعاء المسلمين، واستغفارهم له، والصدقة، والحجّ على نزاع ما الذي يصل من ثوابه، هل ثواب الإنفاق، أو ثواب العمل؟. فعند الجمهور يصل ثواب العمل نفسه، وعند بعض الحنفيّة إنما يصل ثواب الإنفاق. واختلفوا في العبادة البدنيّة؛ كالصوم، والصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، فمذهب الإمام أحمد، وجمهور السلف وصولها، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة، نصّ على هذا الإمام أحمد في رواية محمد بن يحيى الكحال، قال: قيل لأبي عبد اللَّه: الرجل يعمل الشيء من الخير، من صلاة، أو صدقة، أو غير ذلك، فيجعل نصفه لأبيه، أو لأمه؟ قال: أرجو، أو قال: الميت يصل إليه كل شيء، من صدقة، أو غيرها. وقال أيضًا: اقرأ آية الكرسيّ ثلاث مرّات، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقل: اللَّهمّ إن فضله لأهل المقابر. والمشهور من مذهب الشافعيّ، ومالك أن ذلك لا يصل. وذهب بعض أهل البدع، من أهل الكلام أنه لا يصل إلى الميت شيء البتة، لا دعاء، ولا غيره. (فالدليل على انتفاعه بما تسبب إليه في حياته): ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فاستثناء هذه الثلاث من عمله يدلّ على أنها منه، فإنه هو الذي تسبب إليها. وفي «سنن ابن ماجه»، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن مما يَلحَق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته علمًا علّمه ونشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورّثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أكراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته، تلحقه من بعد موته». وفي «صحيح مسلم» أيضًا من حديث جرير بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». وهذا المعنى روي عن النبيّ - ﷺ - من عدّة وجوه، صحاح، وحسان. وفي «المسند»: عن حذيفة - ﵁ - قال: سأل رجل على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، فأمسك القوم، ثم إن رجلًا أعطاه، فأعطى القوم، فقال النبيّ - ﷺ -: «من سنّ خيرًا، فاستُنّ به، كان له أجره، ومن أجور من تبعه، غير منتقص من أجورهم شيئًا، ومن سنّ شرّا، فاستُنّ به، كان عليه وزره، ومن أوزار من تبعه، غير منتقص من أوزارهم شيئًا». وقد دلّ على هذا قوله - ﷺ -: «لا تُقتَل نفسٌ ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أوّل من سنّ القتل»، فإذا كان هذا في العذاب والعقاب، ففي الفضل والثواب أولى، وأحرى. قال: والدليل على انتفاعه بغير ما تسبب فيه القرآن، والسنّة، والإجماع، وقواعد الشرع: أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: آية ١٠]. فأثنى اللَّه سبحانه عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم، فدلّ على انتفاعهم باستغفار الأحياء. وقد يمكن أن يقال: إنما انتفعوا باستغفارهم لأنهم سنّوا لهم الإيمان بسبقهم إليه، فلما اتبعوهم فيه كانوا كالمستنين في حصوله لهم، لكن قد دلّ على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة. وفي «السنن» من حديث أبي هريرة - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء». وفي «صحيح مسلم» من حديث عوف بن مالك - ﵁ - قال: صلى رسول اللَّه - ﷺ - على جنازة، فحفظت من دعائه، وهو يقول: «اللَّهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء، والثلج، والبرد، ونقّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدنس»، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنّة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار«. وفي«السنن»عن واثلة بن الأسقع - ﵁ - قال: صلى رسول اللَّه - ﷺ - على رجل من المسلمين، فسمعته، يقول:«اللَّهم إن فلان ابن فلان في ذمّتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء، والحقّ، فاغفر له، وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم». وهذا كثير في الأحاديث، بل هو المقصود بالصلاة على الميت، وكذلك الدعاء له بعد الدفن. وفي«السنن»من حديث عثمان بن عفّان - ﵁ - قال: كان النبيّ - ﷺ - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال:«استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل». وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم، كما في«صحيح مسلم»من حديث بريدة بن الحصيب - ﵁ - قال: كان رسول اللَّه - ﷺ - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا:«السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، نسأل اللَّه لنا، ولكم العافية». وفي«صحيح مسلم»أيضًا أن عائشة - ﵂ -، سألت رسول اللَّه - ﷺ - كيف تقول، إذا استغفرت لأهل القبور؟ قال:«قولى: السلام على أهل الديار من المؤمنين، والمسلمين، ويرحم اللَّه المستقدمين منّا، والمستأخرين، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون ». وفي«صحيحه»عنها أيضًا: أن رسول اللَّه - ﷺ - خرج في ليلتها من آخر الليل إلى البقيع، فقال:«السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجّلون، وإنا إن شاء اللَّه بكم لاحقون، اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد». ودعاء النبيّ - ﷺ - للأموات فعلًا، وتعليمًا، ودعاء الصحابة، والتابعين؛ عصرًا بعد عصر أكثر من أن يذكر، وأشهر من أن ينكر. وقد جاء أن اللَّه يرفع درجة العبد في الجنّة، فيقول: أَنَّى لي هذا؟ فيقال: بدعاء ولدك لك. قال: وأما وصول ثواب الصدقة، ففي«الصحيحين»عن عائشة - ﵂ -، أن رجلا أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه إن أمي افتُلِتت نفسها، ولم توص، وأظنّها لو تكلّمت تصدّقت، أفلها أجر إن تصدّقت عنها؟ قال:«نعم». وفي«صحيح البخاريّ»عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ - أن سعد بن عبادة توفّيت أمه، وهو غائب عنها، فأتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي توفّيت، وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ قال:«نعم»، قال: فإني أشهدك أن حائطي الْمِخْرَاف صدقة عنها. وفي«صحيح مسلم»عن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا قال للنبيّ - ﷺ -، إن أبي مات، وترك مالًا، ولم يوص، فهل يكفي عنه أن أتصدّق عنه؟ قال:«نعم». وفي«السنن»، و«مسند أحمد»عن سعد ابن عبادة - ﵁ - أنه قال: يا رسول اللَّه إن أم سعد ماتت، فأيّ الصدقة أفضل؟ قال:«الماء»، فحفر بئرًا، وقال: هذه لأم سعد. وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن العاص ابن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة، وأن هشام بن العاص نحر حصّته خمسين، وأن عمرًا سأل النبيّ - ﷺ - عن ذلك؟ فقال:«أما أبوك فلو أقرّ بالتوحيد، فصُمتَ، وتصدّقت عنه نفعه ذلك». رواه الإمام أحمد بسند حسن. قال: وأما وصول ثواب الصوم، ففي«الصحيحين»عن عائشة - ﵂ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال:«من مات، وعليه صيام صام عنه وليّه». وفي«الصحيحين»أيضًا عن ابن عباس - ﵄ -، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟، قال:«نعم، فدَينُ اللَّه أحقّ أن يُقضى». وفي رواية: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فقالت: يا رسول اللَّه، إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أفرأيت لو كان على أبيك دين، فقضيته، أكان يؤدي عنه؟«، قال: نعم، قال: »فصومي عن أمك«. وهذا اللفظ للبخاري وحده تعليقًا. وعن بريدة - ﵁ - قال: بينما أنا جالس عند رسول اللَّه - ﷺ - إذ أتته امرأة، فقالت: إني تصدّقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، فقال: «وجب أجرك، وردها عليك الميراث»، فقالت: يا رسول اللَّه إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: «صومي عنها»، قالت: إنها لم تحجّ قط، أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». رواه مسلم، وفي لفظ: «شهرين». وعن ابن عباس - ﵄ - أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها اللَّه أن تصوم شهرًا، فنجاها اللَّه، فلم تصم حتى ماتت، فجاءت بنتها، أو أختها إلى رسول اللَّه - ﷺ -، فأمرها أن تصوم عنها. رواه أهل السنن، والإمام أحمد. وكذلك رُوي عنه - ﷺ - وصول ثواب بدل الصوم، وهو الإطعام. ففي السنن عن ابن عمر - ﵁ -، قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «من مات، وعليه صيام شهر، فليطعم عنه لكلّ يوم مسكين». رواه الترمذيّ، وابن ماجه، قال الترمذيّ، ولا نعرفه، مرفوعا إلا من هذا الوجه ، والصحيح عن ابن عمر - ﵄ - من قوله موقوفًا. وفي سنن أبي داود عن ابن عباس - ﵄ -، قال: «إذا مرض الرجل في رمضان، ولم يصم أطعم عنه، ولم يكن عنه قضاء، وإن نذر قضى عنه وليّه». قال: وأما وصول ثواب الحجّ، ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس - ﵄ - أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ، فلم تحجّ حتى ماتت، أفأحجّ عنها؟ قال: «حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟، اقضوا اللَّه، فاللَّه أحقّ بالقضاء». وقد تقدّم حديث بُريدة، وفيه أن أمي لم تحجّ، أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها». وعن ابن عباس - ﵄ - قال: إنَّ امرأة سنان بن سلمة الجهنيّ سألت رسول اللَّه - ﷺ - أن أمها ماتت، ولم تحجّ، أفيجزىء أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان على أمها دين، فقضته عنها ألم يجزىء عنها؟». رواه النسائيّ. وروى أيضًا عن ابن عباس - ﵄ - أن امرأة سألت النبيّ - ﷺ - عن ابنها مات، ولم يحجّ، قال: «حجي عن ابنك». وروى أيضًا عنه، قال: قال رجل: يا نبيّ اللَّه إن أبي مات، ولم يحجّ، أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين اللَّه أحقّ». وأجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمته، ولو كان من أجنبيّ، أو غير تركته. وقد دلّ عليه حديث أبي قتادة حيث ضَمِنَ الدينارين عن الميت، فلما قضاهما قال له النبيّ - ﷺ -: «الآن بردت جلدته». وأجعوا على أن الحيّ إذا كان له في ذمة الميت حقّ من الحقوق، فأحله منه أنه ينفعه، ويبرأ منه كما يسقط من ذمة الحيّ. فإذا سقط من ذمة الحيّ بالنصّ، والإجماع مع إمكان أدائه له بنفسه، ولو لم يرض به، بل رده، فسقوطه من ذمة الميت بالإبراء حيث لا يمكن من أدائه أولى وأحرى، وإذا انتفع بالإبراء والإسقاط، فكذلك ينتفع بالهبة والإهداء، ولا فرق بينهما، فإن ثواب العمل حقّ المهدي الواهب، فإذا جعله للميت انتقل إليه، كما أن ما على الميت من الحقوق من الدين وغيره، وهو محض حقّ الحيّ، فإذا أبرأه وصل الإبراء إليه، وسقط من ذمته، فكلاهما حقّ للحيّ، فأي نصّ، أو قياس، أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع وصول الآخر. هذه النصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت إذا فعلها الحيّ عنه، وهذا محض القياس، فإن الثواب حقّ العامل، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه له من بعد موته. وقد نبّه النبيّ - ﷺ - بوصول ثواب الصوم الذي هو مجرد ترك، ونيّة تقوم بالقلب لا يطّلع عليه إلا اللَّه، وليس بعمل الجوارح على وصول ثواب القراءة التي هي عمل باللسان تسمعه الأذن، وتراه العين بطريق الأولى. ويوضحه أن الصوم نية محضة، وكفّ النفس عن المفطرات، وقد أوصل اللَّه ثوابه إلى الميت، فكيف بالقراءة التي هي عمل ونيّة، بل لا تفتقر إلى النية، فوصول ثواب الصوم إلى الميت فيه تنبيه على وصول سائر الأعمال. والعبادات قسمان: مالية، وبدنيّة، وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول ثواب سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحجّ المركّب من المالية والبدنيّة، فالأنواع الثلاثة ثابتة بالنصّ والاعتبار. وباللَّه التوفيق. انتهى المقصود من كلام ابن القيم -رحمه اللَّه تعالى- . وهذا الذي قرره ابن القيم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- من وصول ثواب جميع أعمال البر إلى الميت هو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فقد سئل عن قراءة أهل الميت، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، هل تصل إذا أهديت إلى الميت؟ فأجاب: بأنه يصل إلى الميت قراءة أهله، وتسبيحهم، وتكبيرهم، وسائر ذكر اللَّه تعالى، إذا أهدوه إليه . وقال أيضًا: وأما القراءة، والصدقة، وغيرهما من أعمال البرّ، فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية، كالصدقة، والعتق، كما يصل أيضا الدعاء، والاستغفار، والصلاة عليه صلاة الجنازة، والدعاء عند قبره. وتنازعوا في وصول الأعمال البدنيّة، كالصوم والصلاة، والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي رجحه الإمامان: ابن تيمية وابن القيم -رحمهما اللَّه تعالى- من وصول ثواب جميع الأعمال إلى الميت هو الصواب عندي، إلا أني متوقف في قراءة القرآن والتسبيح والتكبير ونحوها؛ لعدم ورود النصّ بذلك، فإن الصحابة - ﵃ - كانوا أحرص الناس على الخير، وكان القرآن أعظم شيء عندهم، فما كانوا يقرءونه للأموات، ولا سألوا النبي - ﷺ - عنه. ولا أرشدهم هو إليه، فهذا كله مما يحمل على التوقف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أقوى ما استدلّ به المانعون عن انتفاع الميت بعمل غيره مطلقًا قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقد أجاب المحققون عن الآية بأجوبة: فقيل: المراد بالإنسان الكافر، وقيل: إن الآية إخبار بشرع من قبلنا. وقيل: اللام بمعنى «على»، أي وليس على الإنسان إلا ما سعى. وقيل: في الكلام حذف تقديره: وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، أو سُعي له. وقيل: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١]. وقيل: المراد بالإنسان ههنا الحيّ، دون الميت. وقالت طائفة أخرى، وهو جواب أبي الوفاء بن عقيل، قال: الجواب الجيّد عندي أن يقال: الإنسان بسعيه، وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء، وأَولَدَ الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودّد إلى الناس، فترحموا عليه، وأهدوا له العبادات، وكان ذلك أثر سعيه. كما قال - ﷺ -: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه». ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر: «إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: علم يُنتفع به من بعده، وصدقة جارية عليه، أو ولد صالح يدعو له». قال ابن القيّم -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا جواب متوسط، يحتاج إلى تمام، فإن العبد بإيمانه، وطاعته للَّه ورسوله قد سعى في انتفاعه بعمل إخوانه المؤمنين مع عمله كما ينتفع بعملهم في الحياة مع عمله، فإن المؤمنين ينتفع بعضهم بعمل بعض في الأعمال التي يشتركون فيها، كالصلاة في جماعة، فإن كل واحد منهم تضاعف صلاته إلى سبعة وعشرين ضعفا لمشاركة غيره له في الصلاة، فعمل غيره كان سببا لزيادة أجره كما أن عمله سبب لزيادة أجر الآخر، بل قد قيل: إن الصلاة يضاعف ثوابها بعدد المصلين، وكذلك اشتراكهم في الجهاد، والحجّ، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون على البرّ والتقوى، وقد قال النبيّ - ﷺ -: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، وشبّك بين أصابعه». ومعلوم أن هذا بأمور الدين أولى منه بأمور الدنيا، فدخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كل من المسلمين إلى صاحبه في حياته، وبعد مماته، ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم. وقد أخبر اللَّه -﷿- عن حملة العرش، ومن حولهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، ويدعون لهم، وأخبر عن دعاء رسله، واستغفارهم للمؤمنين، كنوح، وإبراهيم، ومحمد صلى اللَّه عليهم وسلم، فالعبد بإيمانه قد تسبب إلى وصول هذا الدعاء إليه، فكأنه من سعيه. يوضّحه أن اللَّه -﷿- جعل الإيمان سببا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين، وسعيهم، فإذا أتى به، فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه، وقد دلّ على ذلك قول النبيّ - ﷺ - لعمرو بن العاص: «إن أباك لو كان أقرّ بالتوحيد نفعه ذلك»، يعني العتق الذي فعل عنه بعد موته، فلو أتى بالسبب لكان قد سعى في عمل يوصل إليه ثواب العتق. وهذه طريقة حسنةٌ جدًا. وقالت طائفة أخرى: القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى، فأخبر تعالى أنه لا يملك إلا سعيه، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره، وإن شاء أن يبقيه لنفسه، وهو سبحانه لم يقل: لا ينتفع إلا بما سعى، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللَّه تعالى-، ورجحه. فقد قال -كما في مجموع الفتاوى-: وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعدّدة، كما قيل: إنها تختصّ بشرع من قبلنا. وقيل: إنها مخصوصة. وقيل: إنها منسوخة. وقيل: إنها تنال السعي مباشرة، وسببًا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه. ولا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل ظاهر الآية حقّ، لا يخالف بقية النصوص، فإنه قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا حقّ، فإنه إنما يستحقّ سعيه، فهو الذي يملكه، وسيتحقّه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو
مصادر المؤلف (١٩)

١. - «التمهيد» ج ١١/ ٥٦ - ٥٨ ..

٢. - وفي «التمهيد» «يقي الحساب»، وفي نسخة منه «تقي في الحساب»، وما هنا هو الذي في «لسان العرب».

٣. - «التمهيد» ١١ ص ٥٨ - ٥٩.

٤. - هذا الحديث أخرجه الترمذيّ في «جامعه» عن ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار .... ج ٤ ص ١٧٦ رقم الحديث ١٦٤١ - ولفظه: «إن أرواح الشهداء في طير خضر، تعلق من ثمر الجنة، أو شجر الجنّة». فكان الأولى للسيوطيّ أن يعزوه إليه.

٥. -«شرح السنديّ»ج ٣ ص ١٠٨.

٦. - في«ق»أنه من بابي نصر، وسمع.

٧. - المصدر السابق.

٨. - والعَلاق بـ«الفتح»الأكل، والرجيع الْجِرَّةُ، يقول: لا تجد الإبل فيها علاقًا، إلا ما تردّه من جِرَّتها. اهـ«لسان».

٩. - جمع زُرزُ، نوع من العصافير. اهـ «المصباح».

١٠. - «التمهيد» ٥٩ - ٦٤.

١١. - أخرجه أحمد رقم ١٦٧٣٠ - والترمذيّ ١٦٦٣ وابن ماجه ٣٧٩٩. وهو من رواية إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، وهو شاميّ، فالحديث صحيح.

١٢. - أخرجه أحمد رقم ١٧٣٢٩.

١٣. - «كتاب الروح» ص ١٥٢ - ١٥٧.

١٤. - أخرجه أحمد، وابن ماجه بسند رجاله ثقات.

١٥. - وفي سنده أشعث بن سوّار مختلف فيه، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيء الحفظ. والحاصل أن الحديث مرفوعًا لا يصح. واللَّه تعالى أعلم.

١٦. - «الروح» ج ١٨٧ - ١٩٥.

١٧. - «مجموع الفتاوى» ج ٢٤ ص ٣٢٤.

١٨. - «مجموع الفتاوى» ج ٢٤ ص ٣٦٦.

١٩. - هكذا النسخة، ولعله لا تُنَافي السعي الخ. أو نحو ذلك، فليحرر.