٢٠٧٥ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ، مِنَ اللَّيْلِ بِبِئْرِ بَدْرٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، قَائِمٌ يُنَادِي: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيَّةُ بْنَ خَلَفٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا؟، فَقَالَ:: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ، لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوا».
قال الجامع عفا اللَّه تعَالى عنه: هذا طريق آخر لحديث أنس - ﵁ -، وهو حديث صحيح. و«عبد اللَّه»: هو ابن المبارك. و«حميد»: هو الطويل. وقوله: «من الليل» أي في الليل، فـ «من» بمعنى «في»، وقوله: «ببئر بدر» متعلّق بـ «سمع»، والإضافة بمعنى «في». وقوله: «يا أبا جهل الخ» مقول لقول مقدّر، حال من فاعل «ينادي»، أي قائلًا: يا أبا جهل الخ. وقوله: «قد جيّفوا» بتشديد الياء، وبناء الفعل للفاعل، أي صاروا جُثَثًا منتنة، يقال: جافَتِ الجيفةُ، تَجِيف: أنتنت، كَجَيَّفَت، واجتَافَتْ، قاله في «القاموس»، وفي «المصباح»: والجيفة بكسر الجيم: الميتة، من الدوابّ، والمواشي، إذا أنتنت، والجمع جِيَف، مثل سدرة، وسِدَر، سميت بذلك؛ لتغير ما في جوفها انتهى.
وتمام شرح الحديث، والكلام على مسائله تقدما في الذي قبله، وباللَّه تعالى التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٧٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟»، قَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الآنَ، مَا أَقُولُ لَهُمْ»، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: وَهَلَ ابْنُ عُمَرَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّهُمُ الآنَ يَعْلَمُونَ، أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ»، ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الآيَةَ [النمل: ٨٠].
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمد بن آدم) الجهني المصيصي، صدوق [١٠] ٩٣/ ١١٥.
٢ - (عبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت من صغار [٨] ٧/ ٣٣٩
٣ - (هشام) بن عروة، أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، ربما دلّس [٥] ٤٩/ ٦١.
٤ - (أبوه) عروة بن الزبير الفقيه المدني، ثقة ثبت [٣] ٤٠/ ٤٤.
٥ - (ابن عمر) عبد اللَّه - رضي اللَّه تعالى عنهما - ١٢/ ١٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فَتَفَرَّدَ به هو وأبو داود. (ومنها): أن فيه رواية الابن عن
أبيه، وتابعي، عن تابعي وفيه ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة، والعبادلة الأربعة. واللَّه تعالى أعلم
شرح الحديث
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ) بفتح القاف، وكسر اللام: البئر، وهو مذكّر، قال الأزهريّ: القَلِيب عند العرب البئر العاديّة القديمة، مطويّةً، كانت، أو غير مطويّة، والجمع قُلُبٌ، مثلُ بَرِيد وبُرُد. قاله في «المصباح» (فَقَالَ:: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟) أي من العذاب (قَالَ:»إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الآنَ) أي في الوقت الحاضر (مَا أَقُولُ لَهُمْ) أي من التوحيد، وشرائع الإسلام (فَذُكرَ ذَلِكَ) أي ما قاله ابن عمر - ﵄ -، مما نقله عن النبيّ - ﷺ - (لِعَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى - عنها (فَقَالَتْ: وَهِلَ ابْنُ عُمَرَ) بفتح الواو، وكسر الهاء، يقال: وَهِلِ عن الشيء، وفيه، من باب تَعِب: إذا غلِطَ فيه. وأما وَهَلَ إليه، بفتح الهاء، من باب وَعَد: إذا ذهب وَهْمُهُ إليه، وهو يريد غيره، فلا يناسب هنا. واللَّه تعالى أعلم (إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّهُمُ الْآنَ يَعْلَمُونَ، أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ، هُوَ الحَقُّ) تعني بذلك نفي سماع الموتى كلام الأحياء، ولذا استدلت بالآية، كما قال (ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حَتَّى قَرَأَتِ الْآيَةَ) أي حتى قرأت الآية المذكورة بتمامها.
قال في«الفتح»: وهذا مصير من عائشة إلى ردّ رواية ابن عمر المذكورة، وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر؛ لموافقة من رواه غيره عليه. وأما استدلالها بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقالوا: معناها لا تُسمِعهم سماعًا ينفعهم، أو لا تُسمعهم إلا أن يشاء اللَّه.
وقال السهيليّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: عائشة - ﵂ - لم تحضر قول النبيّ - ﷺ -، فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبيّ - ﷺ -، وقد قالوا له: يا رسول اللَّه أتخاطب قومًا قد جَيَّفُوا؟، فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال: واذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤوسهم، كما هو قول الجمهور، أو بآذان الروح على رأي من يوجّه السؤال إلى الروح، من غير رجوع إلى الجسد. قال: وأما الآية، فإنها كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي﴾ [الزخرف: ٤٠]: أي إن اللَّه هو الذي يسمع، ويهدي انتهى.
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقوله: إنها لم تحضر صحيح، لكن لا يقدح ذلك في روايتها؛ لأنه مرسل صحابيّ، وهو محمول على أنها سمعت ذلك ممن حضره، أو من النبيّ - ﷺ - بعدُ، ولو كان ذلك قادحًا في روايتها لقدح في رواية ابن عمر، فإنه لم يحضر
أيضًا. ولا مانع أن يكون النبيّ - ﷺ - قال اللفظين معًا، فإنه لا تعارض بينهما.
وقال ابن التين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: لا معارضة بين حديث ابن عمر - ﵄ -، والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شكّ، لكن إذا أرد اللَّه إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وقوله: ﴿فَقَالَ: لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ الآية [فصّلت: ١١].
وقال البيهقيّ: العلم لا يمنع من السمع، والجواب عن الآية أنه لا يُسمعهم، وهم موتى، ولكن اللَّه أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة. ولم ينفرد عمر، ولا ابنه بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، وللطبرانيّ من حديث ابن مسعود مثله، بإسناد صحيح. ومن حديث عبد اللَّه بن سِيدان نحوه، وفيه: قالوا: يا رسول اللَّه، وهل يسمعون؟ قال: يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون». وفي حديث ابن مسعود:«ولكنهم اليوم لا يُجيبون».
ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق روايةِ يونس بن بُكير بإسناد جيّد عن عائشة مثلُ حديث أبي طلحة، وفيه:«ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا، فكأنها رجعت عن الإنكار لَمَّا ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة؛ لكونها لم تشهد القصّة.
وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم، والذكاء، وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى ردّ رواية الثقة إلا بنصّ مثله، يدلّ على نسخه، أو تخصيصه، أو استحالته، فكيف، والجمع بين الذي أنكرته، وأثبته غيرها ممكن؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله - ﷺ -: «إنهم الآن يسمعون»، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللَّه تعالى هو الذي أسمعهم بأن أبلغهم صوت نبيّه - ﷺ - بذلك. وأما جوابها بأنه إنما قال: إنهم ليعلمون، فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية «يسمعون»، بل يؤيدها.
وقد اختلف أهل التأويل في المراد بالموتى في الآية المذكورة، وكذلك في المراد بـ «مَنْ في القبور»، فحملته عائشة على الحقيقة، وجعلته أصلًا احتاجت معه إلى تأويل قوله: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم»، وهذا قول الأكثر. وقيل: هو مجاز، والمراد بالموتى، وبمن في القبور الكفّار، شُبّهوا بالموتى، وهم أحياء، والمعنى من هم في حال الموتى، أو في حال من سكن القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليل على ما نفته عائشة - ﵂ -. واللَّه تعالى أعلم. انتهى ما في «الفتح» بتصرّف . واللَّه تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -١١٧/ ٢٠٧٦ - وفي «الكبرى» ١١٧/ ٢٢٥٣. وأخرجه (خ) ١٣٧٠ و٣٩٨ و٤٠٢٦ (م) ٩٣٢ (أحمد) ٤٨٤٩ و٤٩٣٨ و٦١١٠. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: دل هذا الحديث على أن الموتى يسمعون كلام الأحياء، وأنكرت ذلك عائشة - ﵂ -، محتجّة بآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقد عرفت جواب أهل العلم عن هذه الآية، فالحقّ أنهم يسمعون كلامهم سماعًا حقيقيّا.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هل يسمع الميت كلام زائره؟ فأجاب قائلًا: نعم يسمع الميت في الجملة، كما ثبت في «الصحيحين» عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: «يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه». وثبت عن النبيّ - ﷺ - أنه ترك قتلى بدر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال: يا أبا جهل بن هشام .... الحديث، وفيه: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا». قال: وقد ثبت في «الصحيحين» من غير وجه أنه - ﷺ - كان يأمر بالسلام على أهل القبور، ويقول: «قولوا: السلام عليكم أهل الديار .... الحديث. قال: فهذا خطاب لهم، وإنما يُخاطب من يسمع. ورَوَى ابن عبد البرّ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال:»ما من رجل يمرّ بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه إلا ردّ اللَّه عليه روحه حتى يردّ - ﵇ -«. قال: وفي»السنن«أنه - ﷺ - قال: أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ ....» الحديث.
قال: فهذه النصوص، وأمثالها تبيّن أن الميت يسمع في الجملة كلام الحيّ، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يَعرض للحيّ، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يَعرِض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتّب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفيّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن اللَّه جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت، وإن سمع الكلام، وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أُمِر به، ونُهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٢٣]. انتهى كلام شيخ