تخيّل صاحبه ذلك، وادعاه، فإن الأحوال الصالحة، إنما تحصل بطاعة اللَّه تعالى، وأما المحرّمات، فلا يحصل بها إلا الأحوال الشيطانية، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
قال: وروى الإمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى- في «مسنده»، وغيرُهُ بإسناد جيّد، عن ابن عمر - ﵄ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال لرجل: «فعلتَ كذا وكذا»، قال: لا، والذي لا إله إلا هو، يا رسول اللَّه، ما فعلت، فقال: «بلى، ولكن غُفر لك بالإخلاص». وروي هذا المعنى أيضّا من حديث ابن عباس، وأنس، وابن الزبير - ﵃ - انتهى كلام وليّ الدين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٠٨٠ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لأَهْلِهِ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الْبَحْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ إِنْ يَقْدِرْ عَلَيَّ، لَمْ يَغْفِرْ لِي. قَالَ: فَأَمَرَ اللَّهُ -﷿- الْمَلَائِكَةَ، فَتَلَقَّتْ رُوحَهُ، قَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ، قَالَ: يَا رَبِّ، مَا فَعَلْتُ إِلاَّ مِنْ مَخَافَتِكَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ».
«إسحاق بن إبراهيم»: هو ابن راهويه. و«جرير»: هو ابن عبد الحميد. و«منصور»: هو ابن المعتمر. و«ربعيّ: هو ابن حِرَاش، أبو مريم العبسيّ الكوفيّ الثقة العابد المخضرم. و»حُذيفة«: هو ابن اليمان - ﵄ -.
والحديث أخرجه المصنّف هنا -١١٧/ ٢٠٨٠ وفي«الكبرى»١١٧/ ٢٢٠٧.
وأخرجه (خ) ٣٤٧٩ و٦٤٨٠ (أحمد) ٢٢٧٤٢ و٢٢٨٤٣ و٢٢٩٥٣. وشرحه يعلم مما قبله. واللَّه تعالى وليّ التوفيق.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١١٨ - الْبَعْثُ
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المراد بالبعث هو المعاد الجسمانيّ في الآخرة. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- بقوله:«باب الحشر». قال القرطبيّ
-رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: الحشر الجمع، وهو أربعة: حشران في الدنيا، وحشران في الآخرة، فاللذان في الدنيا:
أحدهما: المذكور في سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢].
والثاني: الحشر المذكور في أشراط الساعة الذي أخرجه مسلم، من حديث حُذيفة ابن أَسِيد، رفعه:«إن الساعة لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات»، فذكرها. وفي حديث ابن عمر عند أحمد، وأبي يعلى:«تخرج نار قبل يوم القيامة من حضر موت، فتسوق الناس»الحديث، وفيه«فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام». وفي لفظ آخر«ذلك نار تخرج من قَعْرِ عَدَن، تُرَحِّل الناس إلى المحشر».
وفي حديث أنس في مسائل عبد اللَّه بن سلام لما أسلم«أما أول أشراط الساعة، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب». وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو عند الحاكم، رفعه:«تُبْعَث نار على أهل المشرق، فتحشرهم إلى المغرب، تَبِيت معهم حيث باتوا، وتَقِيل معهم حيث قالوا، ويكون لها ما سقط منهم، وتخلّف، تسوقهم سوق الجمل الكسير».
قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وقد أشكل الجمع بين هذه الأخبار، وظهر لي في وجه الجمع أن كونها تخرج من قعر عدن، لا ينافي حشر الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن، فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها. والمراد بقوله:«تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» إرادة تعميم الحشر، لا خصوص المشرق والمغرب، أو أنها بعد الانتشار أول ما تحشر أهل المشرق، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائمًا من المشرق، وأما جعل الغاية إلى المغرب، فلأن الشام بالنسبة إلى المشرق مغرب. ويحتمل أن تكون النار في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشرّ العظيم، والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق حتى خرب معظمه، وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام، ومصر، وهما من جهة المغرب، كما شوهد ذلك مرارًا من المغل من عهد جنكيز خان، ومن بعده، والنار التي في الحديث الآخر على حقيقتها. واللَّه أعلم.
والحشر الثالث: حشر الأموات من قبورهم، وغيرها بعد البعث جميعا إلى الموقف، قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
والرابع: حشرهم إلى الجنّة، أو النار انتهى ملخصًا بزيادات.
قال الحافظ: الأول ليس حشرًا مستقلّا، فإن المراد حشر كلّ موجود يومئذ، والأول