HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٨٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ: اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص83
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ١١٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح البخاري, صحيح مسلم
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٧٥
و«عمرو بن عليّ»: هو الفلاّس. و«يحيى»: هو القطّان. و«أبو يونس القُشيريّ»: هو حاتم بن أبي صَغِيرة واسمه مسلم، جدُّهُ لأمه، وقيل: زوج أمه، بصريّ، ثقة [٦] ٦٦/ ١٨٠٠. و«ابن أبي مليكة»: هو عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي مليكة زهير بن عبد اللَّه المكيّ، ثقة فقيه [٣] ١٠١/ ١٣٢. و«القاسم بن محمد»: هو حفيد أبي بكر الصدّيق - ﵁ -، أبو عبد الرحمن المدني الفقيه الثبت، من كبار [٣] ١٢٠/ ١٦٦. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ، رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ، اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا». رجال هذا الإسناد ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن المبارك) المخرّميّ، أبو جعفر البغداديّ، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (أبو هشام) المغيرة بن سلمة المخزومي البصري، ثقة ثبت، من صغار [٩] ٢٨/ ٨١٥. ٣ - (وُهيب بن خالد، أبو بكر) الباهلي مولاهم البصري، ثقة ثبت لكنه تغير قليلًا بآخره [٧] ٢١/ ٤٢٧. ٤ - (ابن طاوس) هو: عبد اللَّه اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد [٦] ١١/ ٥١٤. ٥ - (أبوه) طاوس بن كيسان الحميري مولاهم، أبو عبد الرحمن اليماني، ثقة فقيه فاظل [٣] ٢٧/ ٣١. ٦ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه. ومنها: أن فيه أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «يُحْشَرُ النَّاسُ) ببناء الفعل للمفعول (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ظاهره أنه حشر الآخرة، لكن أكثر أهل العلم على أنه حشر في الدنيا، وهو آخر أشراط الساعة، وهذا هو المناسب لما يأتي من قوله:»تقيل معهم إذا قالوا، وتبيت معهم إذا باتوا الخ«، فالأولى أن يحمل قوله:»يوم القيامة«على معنى قرب يوم القيامة، من إعطاء ما قرب إلى الشيء حكم ذلك الشيء، وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الثالثة، إن شاء اللَّه تعالى. (عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ) وفي رواية لمسلم:«على ثلاثة طرائق»، و«الطرائق»جمع طريق، وهي تذكّر، وتؤنّث، فيجوز تذكير العدد معه، وتأنيثه بالاعتبارين (رَاغِبِينَ، رَاهِبِينَ) وللبخاريّ:«وراهبين»بواو العطف، وعلى الروايتين فهي الطريقة الأَولى (اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَة عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشْرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ) وفي رواية البخاريّ الأولى بالواو، والبواقي بلا عاطف، وفي رواية مسلم، والإسماعيليّ بالواو في الجميع، وعلى كلّ، فهذه هي الطريقة الثانية (وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ) ببناء الفعل للفاعل، و«بقيتهم»بالنصب مفعول مقدّم، و«النار»فاعل مؤخّر. قال في«الفتح»: هذه هي النار المذكورة في حديث حُذيفة بن أَسِيد -بفتح الهمزة-. عند مسلم في حديث فيه ذكر الآيات الكائنة قبل قيام الساعة، كطلوع الشمس من مغربها، ففيه:«وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن، تُرَحِّل الناس لا، وفي رواية له: »تَطْرُدُ الناس إلى حشرهم«. (تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا) أي تستريح معهم إذا استراحوا، والقيلولة النوم نصف النهار، يقال: قال يَقيل قَيلًا، من باب باع، وقَيْلُولةً: إذا نام نصف النهار (وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا») فيه إشارة إلى ملازمة النار لهم إلى أن يصلوا إلى مكان الحشر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجِه هنا -١١٨/ ٢٠٨٥ - وفي«الكبرى»١١٨/ ٢٢١٢. وأخرجه (خ) ٦٥٢٢ (م) ٢٨٦١. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في المراد بالحشر المذكور في هذا الحديث: قال الخطابيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: هذا الحشر يكون قبل قيام الساعة، تحشر الناسَ الأحياءَ إلى الشام، وأما الحشر من القبور إلى الموقف، فهو على خلاف هذه الصورة، من الركوب على الإبل، والتعاقب عليها، وإنما هو على ما ورد في حديث ابن عباس - ﵄ - في الباب:«حفاة، عراة، مشاة». قال وقوله:«واثنان على بعير، وثلاثة على بعير الخ» يريد أنهم يعتقبون البعير الواحد، يركب بعضٌ، ويمشي بعض. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وإنما لم يذكر الخمسة، والستّة، إلى العشرة، إيجازًا، واكتفاء بما ذكر من الأعداد، مع أن الاعتقاب ليس مجزوما به، ولا مانع أن يجعل اللَّه في البعير ما يقوى به على حمل العشرة. ومال الْحَلِيميّ إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور. وجزم به الغزاليّ. وقال الإسماعيليّ: ظاهر حديث أبي هريرة يخالف حديث ابن عباس - ﵃ - المذكور بعدُ أنهم يحشرون حُفَاة، عُرَاة، مُشَاة. قال: ويجمع بينهما بأن الحشر يعبّر به عن النشر؛ لاتصاله به، وهو إخراج الخلق من القبور حفاة، عراة، فيساقون، ويجمعون إلى الموقف للحساب، فحينئذ يحشر المتقون رُكبانًا على الإبل. وجمع غيره بأنهم يخرجون من القبور بالوصف الذي في حديث ابن عباس، ثم يفترق حالهم من ثَمّ إلى الموقف على ما في حديث أبي هريرة، ويؤيده حديث أبي ذرّ الآتي بعد هذا. وصوّب عياض ما ذهب إليه الخطابيّ، وقوّاه بحديث حذيفة بن أسِيد، وبقوله في آخر حديث الباب: «تقيل معهم، وتبيت، وتصبح، وتمسي»، فإن هذه الأوصاف مختصّة بالدنيا. وقال بعض شرّاح «المصابيح» : حمله على الحشر من القبور أقوى من أوجه: أحدها: أن الحشر إذا أطلق في عرف الشرع إنما يراد به الحشر من القبور، ما لم يخصّه دليل. ثانيها: أن هذا التقسيم المذكور في الخبر لا يستقيم في الحشر إلى أرض الشام؛ لأن المهاجر لا بدّ أن يكون راغبًا، أو راهبًا، أو جامعًا بين الصفتين، فأما أن يكون راغبًا راهبًا فقط، وتكون هذه طريقة واحدة، لا ثاني لها من جنسها فلا. ثالثها: حشر البقيّة على ما ذكر، وإلجاء النار لهم إلى تلك الجهة، وملازمتها حتى لا تفارقهم قول لم يرد به التوقيف، وليس لنا أن نحكم بتسليط النار في الدنيا على أهل الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف. رابعها: أن الحديث يفسر بعضه بعضًا، وقد وقع في الحسان من حديث أبي هريرة - ﵁ -: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف». وأخرجه البيهقيّ من وجه آخر عن عليّ بن زيد، عن أوس بن أبي أوس، عن أبي هريرة، بلفظ: «ثلاثًا على الدوابّ، وثلاثا يَنسِلُون على أقدامهم، وثلاثا على وجوههم». قال: ونرى هذا التقسيم الذي وقع في هذا الحديث نظير التقسيم الذي في تفسير الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ الآيات. فقوله: «راغبين راهبين» يريد به عوامّ المؤمنين، وهم من خَلَطَ عملًا صالحًا، وآخر سيّئا، فيتردّدون بين الخوف والرجاء، يخافون عاقبة سيئآتهم، ويرجون رحمة اللَّه بإيمانهم، وهؤلآء أصحاب الميمنة. وقوله: «واثنان على بعير الخ» يريد به السابقين، وهم أفاضل المؤمنين، يُحشرون ركبانًا. وقوله: «وتَحشر بقيتهم النار» يريد به أصحاب المشأمة، وركوب السابقين في الحديث يحتمل الحمل دفعة واحدة، تنبيهًا على أن البعير المذكور يكون من بدائع فطرة اللَّه تعالى حتى يقوى على ما لا يقوى عليه غيره من الْبِعْرَان. ويحتمل أن يراد به التعاقب. قال الخطابيّ: إنما سكت عن الواحد إشارة إلى أنه يكون لمن فوقهم في المرتبة، كالأنبياء؛ ليقع الامتياز بين النبيّ ومن دونه من السابقين في الراكب؛ كما وقع في المراتب انتهى مُلَخّصًا. وتعقّبه الطيبيّ، ورجّح ما ذهب إليه الخطابيّ. وأجاب عن الأول: بأن الدليل ثابت، فقد ورد في عدّة أحاديث وقوع الحشر في الدنيا إلى جهة الشام، وذكر حديث حذيفة بن أسيد الذي نبّهت عليه قبل، وحديث معاولة بن حَيْدَة، جدّ بَهْز بن حكيم، رفعه «إنكم محشورون، ونحا بيده نحو الشام رجالا، وركبانًا، وتُجرّون على وجوهكم». أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وسنده قويّ، وحديث «ستكون هجرة بعد هجرة، وينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم - ﵇ -، ولا يبقى في الأرض إلا شرارها، تلفظهم أَرَضُوهم، وتحشرهم النار مع القردة، والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتَقيل معهم إذا قالوا». أخرجه أحمد، وسنده لا بأس به. وأخرج عبدالرزاق، عن النعمان بن المنذر، عن وهب بن منبّه، قال: قال اللَّه تعالى لصخرة بيت المقدس: «لأضعنّ عليك عرشي، ولأحشُرنّ عليك خلقي». وفي تفسير ابن عيينة، عن ابن عباس: من شكّ أن المحشر ههنا -يعني الشام- فليقرأ أول سورة الحشر، قال لهم رسول اللَّه - ﷺ - يومئذ: «اخرجوا»، قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر». وحديث «ستخرج نار من حضرموت، تحشر الناس»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: «عليكم بالشام». ثم حكى خلافا، هل المراد بالنار نار على الحقيقة، أو هو كناية عن الفتنة الشديدة؛ كما يقال: نار الحرب لشدة ما يقع في الحرب، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٤]، وعلى كلّ حال، فليس المراد بالنار في هذه الأحاديث نار الآخرة، ولو أريد المعنى الذي زعمه المعترض لقيل: تحُشَر بيقتُهُم إلى النار، وقد أضاف الحشر إلى النار؛ لكونها هي التي تحشرهم، وتختطف من تخلّف منهم؛ كما ورد في حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد، عند أحمد، وغيره؛ وعلى تقدير أن تكون النار كناية عن الفتنة، فنسبة الحشر إليها سببيّة؛ كأنها تفشوا في كلّ جهة، وتكون في جهة الشام أخفّ منها في غيرها، فكلّ من عرف ازديادها في الجهة التي هو فيها أحبّ التحوّل منها إلى المكان الذي ليست فيه شديدة، فتتوفّر الدواعي على الرحيل إلى الشام، ولا يمتنع اجتماع الأمرين، وإطلاق النار على الحقيقة التي تخرج من قعر عدن، وعلى المجازية، وهي الفتنة، إذ لا تنافي بينهما، ويؤيد الحمل على الحقيقة ظاهر الحديث الأخير. والجواب عن الاعتراض الثاني: أن التقسيم المذكور في آيات «سورة الواقعة» لا يستلزم أن يكون هو التقسيم المذكور في الحديث، فإن الذي في الحديث ورد على القصد من الخلاص من الفتنة، فمن اغتنم الفرصة سار على فسحة من الظهر، ويسرة في الزاد، راغبًا فيما يستقبله، راهبا فيما يستدبره، وهؤلاء هم الصنف الأول في الحديث، ومن توانى حتى قلّ الظهر، وضاق عن أن يسعهم لركوبهم اشتركوا، وركبوا عقبةً، فيحصل اشتراك الاثنين في البعير الواحد، وكذا الثلاثة، ويمكنهم كل من الأمرين، وأما الأربعة في الواحد، فالظاهر من حالهم التعاقب، وقد يمكنهم إذا كانوا خفافا، أو أطفالًا، وأما العشرة فبالتعاقب، وسكت عما فوقها إشارة إلى أنها المنتهى في ذلك، وعما بينها وبين الأربعة؛ إيجارًا واختصارًا، وهؤلاء هم الصنف الثاني في الحديث. وأما الصنف الثالث فعبّر عنه بقوله: «وتحشر بقيتهم النار» إشارةً إلى أنهم عجزوا عن تحصيل ما يركبونه، ولم يقع في الحديث بيان حالهم، بل يحتمل أنهم يمشون، أو يسحبون، فرارًا من النار التي تحشرهم، ويؤيد ذلك ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام المعترض، وفيه أنهم سألوا عن السبب في مشي المذكورين، فقال: «يلقي اللَّه الآفة على الظهر، حتى لا يبقى ذات ظهر، حتى إن الرجل ليعطي الحديقة المعجبة بالشارف ذات القتب» أي يشتري الناقة المسنّة لأجل كونها تحمله على القتب بالبستان الكريم لهوان العقار الذي عزم على الرحيل عنه، وعزّة الظهر الذي يوصله إلى مقصوده، وهذا لائق بأحوال الدنيا، ومؤكّد لما ذهب إليه الخطابيّ، ويتنزّل على وفق حديث الباب -يعني من «المصابيح» -، وهو أن قوله: «فوج طاعمين كاسين راكبين» موافق لقوله: «راغبين راهبين». وقوله: «وفوج يمشون» موافق للصنف الذين يتعاقبون على البعير، فإن صفة المشي لازمة لهم، وأما الصنف الذين تحشرهم النار، فهم الذين تسحبهم الملائكة. والجواب عن الاعتراض الثالث: أنه تبيّن من شواهد الحديث أنه ليس المراد بالنار نار الآخرة، وإنما هي نار تخرج في الدنيا، أنذر النبي - ﷺ - بخروجها، وذكر كيفية ما تفعل في الأحاديث المذكورة. والجواب عن الاعتراض الرابع: أن حديث أبي هريرة من رواية عليّ بن زيد مع ضعفه لا يخالف حديث الباب؛ لأنه موافق لحديث أبي ذرّ في لفظه، وقد تبيّن من حديث أبي ذرّ ما دلّ على أنه في الدنيا، لا بعد البعث في الحشر إلى الموقف، إذ لا حديقة هناك، ولا آفة تُلقَى على الظهر حتى يَعِزّ، ويقلّ. ووقع في حديث علي بن زيد المذكور عند أحمد أنهم يتقون بوجوههم كلّ حدب وشوك، وقد سبق أن أرض الموقف أرض مستوية، لا عوج فيها، ولا أكمة، ولا حدب، ولا شوك. وأشار الطيبيّ إلى أن الأولى أن الحديث الذي من رواية عليّ بن زيد على من يُحشر من الموقف إلى مكان الاستقرار من الجنّة، أو النار، ويكون المراد بالركبان السابقين المتقين، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: أي ركبانا. وأخرج الطبريّ عن عليّ في تفسير هذه الآية، فقال: «أَمَا واللَّه ما يحشر الوفد على أرجلهم، ولا يساقون سوقًا، ولكن يُؤتَون بِنُوق لم تر الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة». والمراد سوق ركائبهم، إسراعا بهم إلى دار الكرامة؛ كما يُفعل في العادة بمن يُشرف، ويُكرم من الوافدين على الملوك، قال: ويستبعد أن يقال: يجيء وفد اللَّه عشرة على بعير جميعًا، أو متعاقبين، وعلى هذا فقد روى أبو هريرة حال المحشورين عند انقراض الدنيا إلى جهة أرض المحشر، وهم ثلاثة أصناف، وحال المحشورين في الأخرى إلى محلّ الاستقرار. انتهى كلام الطيبيّ عن جواب المعترض، ملخّصا موضّحًا بزيادات فيه. قال الحافظ: لكن تقدّم مما قررته أن حديث أبي هريرة من رواية علي بن زيد ليس في المحشورين من الموقف إلى محلّ الاستقرار. ثم ختم كلامه بأن قال: هذا ما سنح لي على سبيل الاجتهاد، ثم رأيت في «صحيح البخاريّ» في «باب الحشر»: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق»، فعلمت من ذلك أن الذي ذهب إليه الإمام التوربشتيّ هو الحقّ الذي لا محيد عنه. قال الحافظ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ولم أقف في شيء من طرق الحديث الذي أخرجه البخاريّ على لفظ «يوم القيامة»، لا في «صحيحه»، ولا في غيره، وكذا هو عند مسلم، والإسماعيليّ، وغيرهما ليس فيه «يوم القيامة». نعم ثبت لفظ «يوم القيامة» في حديث أبي ذرّ، المنبّه عليه قبلُ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله الحافظ من أنه ليس لفظ «يوم القيامة» في طرق حديث أبي هريرة، بل في حديث أبي ذرّ غير صحيح؛ لأنه ثابت في حديث أبي هريرة - ﵁ -، في رواية المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في هذا الباب، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. قال: وهو مؤول بأن المراد بذلك أن يوم القيامة يعقب ذلك، فيكون من مجاز المجاورة، ويتعيّن ذلك، لما وقع فيه أن الظهر يقلّ لما يلقى عليه من الآفة، وأن الرجل
مصادر المؤلف (٢)

١. - وقع في النسخة الهندية «وهب»، وهو تصحيف.

٢. - هو التوربشتيّ، كما صرح به القاري في «المرقاة» ج ٩ ص ٤٧١.