HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٨٨

أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كَانَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ يَأْتِيهِ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَلَكَ فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ لِذِكْرِ ابْنِهِ فَحَزِنَ عَلَيْهِ. فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا لِي لَا أَرَى فُلَانًا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؛ أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمُرَكَ، أَوْ لَا تَأْتِي غَدًا إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ؟ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهَا لِي لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَذَاكَ لَكَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص84
  • زبير علي زئي:حسن
ج ٤ ص ١١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص١٩٤
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ١٢٠ - فِي التَّعْزِيَةِ قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: غرض المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بهذا الباب بيان مشروعية التعزية على المصيبة. و«التعزية»: مصدر عزّى يُعزّي: إذا قال: أحسن اللَّه عزَاءَك، أي رزقك الصبر الحسن. والعَزَاء، مثل سلام، اسم من ذلك، مثل سلّم سلامًا، وكلّم كلامًا، وتعزّى هو: تصبّر، وشعاره أن يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. أفاده الفيّوميّ. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٠٨٨ - أَخْبَرَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ -وَهُوَ ابْنُ أَبِي الزَّرْقَاءِ- قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ، مِنْ أَصْحَابِهِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ، لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ، فَيُقْعِدُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَلَكَ، فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ، لِذِكْرِ ابْنِهِ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا لِي، لَا أَرَى فُلَانًا؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيَّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ عُمْرَكَ، أَوْ لَا تَأْتِى غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلاَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ، يَفْتَحُهُ لَكَ؟»، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبِقُنِي إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: «فَذَاكَ لَكَ». رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هارون بن زيد بن أبي الزَّرْقَاء) التّغْلبيّ، أبو محمد الموصليّ، نزيل الرَّمْلَة، صدوق [١٠] ٥٠/ ٨٥١. ٢ - (أبوه) زيد بن أبي الزرقاء يزيدَ الموصليّ، نزيل الرملة، أبو محمد، ثقة [٩] ٥٠/ ٨٥١. ٣ - (خالد بن ميسرة) الطُّفَاويّ، أبو حاتم البصريّ العطّار، صالح الحديث [٧]. روى عن معاوية بن قرّة، وعطاء الخراسانيّ. وعنه زيد بن أبي الزرقاء، وأبو عامر العقديّ، ومعن بن عيسى القزّاز، ومُعاذ بن هانىء، وغيرهم. قال ابن عديّ: هو عندي صدوق، فإني لم أر له حديثًا منكرًا. وذكره ابن حبّان في «الثقات». انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٤ - (معاوية بن قُرّة) بن إياس، أبو إياس البصريّ، ثقة عالم [٣] ٢٢/ ١٨٧٠. ٥ - (أبوه) قرّة بن إياس بن هلال بن رياب المزنيّ، صحابيّ نزل البصرة - ﵁ - ٢٢/ ١٨٧٠. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. (ومنها): أن رجاله كلهم موثقون. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير هارون وأبيه فموصِلِيَّانِ، ثم رَمْلِيّان. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن قرة بن إياس المزنيّ - ﵁ - أنه (قال: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ - ﷺ -، إِذَا جَلَسَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ نَفَرٌ) بفتحتين: جماعة من الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفر فيما زاد على العشرة (مِنْ أَصْحَابهِ) متعلّق بصفة لـ«نفر» (وَفِيهِمْ رَجُلٌ) لم أر من سمّاه (لَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ، يَأْتِيهِ، مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ) أي يأتي ذلك الصغير أباه من ورائه (فَيُقْعِدُهُ) بضم حرف المضارعة، من الإقعاد (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي يجلسه الرجل أمامه (فَهَلَكَ) أي مات ذلك الصغير (فَامْتَنَعَ الرَّجُلُ، أَنْ يَحْضُرَ الْحَلْقَةَ) أي ترك والد ذلك الصغير الميت حضور حلقة النبيّ - ﷺ - (لِذِكْرِ ابْنِهِ) يحتمل أن يكون المعنى أنه ترك الحضور لأجل اشتغال قلبه بابنه، وشدة حزنه عليه. ويحتمل أنه ترك الحضور؛ لخوفه أن يتجدّد حزنه إذا حضر تلك الحلقة، حيث يتذكر مكان ابنه الميت. واللَّه تعالى أعلم (فَحَزِنَ عَلَيْهِ) عطف على «امتنع»، من عطف السبب على المسبب (فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَالِي، لَا أَرَى فُلَانًا؟»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بُنَيُّهُ) بضم الموحّدة، وفتح النون تصغير ابن، أي ابنُهُ الصغير وهو مرفوع على الابتداء، وخبره جملة «هلك» (الَّذِي رَأَيتَهُ هَلَكَ) أي مات، يعنون أن سبب غيبته عن مجلسه - ﷺ - موت ولده (فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ) أي دعا له: بأن يحسن اللَّه عَزَاءه، أي يرزقه الصبر على مصيبته. وهذا محلّ الترجمة، لأنه يدلّ على استحباب التعزية عند المصيبة (ثُمَّ قَالَ: «يَا فُلَانُ، أَيُّمَا كَانَ أَحَبُّ إِلَيْكَ)»أيّ«استفهامية مبتدأ، مضاف إلى»ما«الموصولة، وجملة»كان«صلتها. ويحتمل أن تكون»كان«زائدة، و»أحبّ«بالرفع صلة»ما«حذف منه صدر الصلة، وتقديره: هو أحبّ إليك (أَنْ تَمَتَّعَ بِهِ) بحذف إحدى التاءين، وأصله تتمتّع والمصدر المؤول بدل من«أيّ»(عُمُرَكَ) أي مدة حياتك بأن يطول عمره معك (أَوْ لَا تَأْتِيَ) بتقدير«أن» المصدرية بدلالة ما قبلها عليها (غَدًا إِلَى بَابٍ، مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ) أي إلى الباب (يَفْتَحُهُ لَكَ؟) في محل نصب على الحال، أي حال كونه فاتحًا لك (قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَلْ يَسْبقُنِي إِلَى بَاب الْجَنَّةِ، فَيَفْتَحُهَا) أي الجنّة (لِي، لَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ) اللام لام الابتداء (قَالَ) - ﷺ - (فَذَاكَ لَكَ) أي كونه يسبقك إلى باب الجنة، فيفتحه لك ثابت لك. وفي رواية أحمد: «فقال رجل يا رسول اللَّه! له خاصّة، أم لكلنا؟ قال:»بل لكلكم«. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث قرة بن إياس المزني - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له، وفيمن أخرجه معه: وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، أخرجه هنا -١٢٠/ ٢٥٨٨ و٢٢/ ١٨٧٠ - وفي«الكبرى» ٢٢/ ١٩٩٧. وأخرجه (أحمد) ١٥١٦٨ و١٩٨٥٢. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، وهو مشروعية التعزية في المصيبة. ومنها: فضل موت الولد الصغير، وأنه يكون سببا في دخول والديه الجنّة. ومنها: استحباب إحضار الأولاد الصغار مجالس العلم والذكر. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من مكارم الأخلاق، وحسن المعاشرة، حيث كان يتفقّد أصحابه، إذا غابوا عن مجلسه، فكان كما وصفه اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. ومنها: أنه ينبغي للعاقل أن يختار نعيم الآخرة على نعيم الدنيا، فيصبر على فقد أحب الأشياء، من الأولاد، وغيرهم؛ احتسابا، وإيثارًا للأجر العظيم المرتّب عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في مذاهب العلماء في حكم التعزية: قال الموفّق ابن قُدَامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عند قول الخرقيّ: ويستحبّ تعزية أهل الميت: ما خلاصته: لا نعلم في هذه المسألة خلافا، إلا أن الثوريّ قال: لا تستحبّ التعزية بعد الدفن؛ لأنه خاتمة أمره. قال: ويستحبّ تعزية جميع أهل المصيبة، كبارهم، وصغارهم، ويخصّ خيارَهم، والمنظورَ إليه من بينهم؛ ليستنّ به غيره، وذا الضعف منهم عن تحمل المصيبة؛ لحاجته إليها، ولا يعزّي الرجلُ الأجنبيُّ شوابّ النساء؛ مخافة الفتنة. قال: ولا نعلم في التعزية شيئا محدودًا، إلا أنه يُروَى أن النبيّ - ﷺ - عزّى رجلا، فقال: «رحمك اللَّه، وآجرك». رواه الإمام أحمد . وعزّى أحمد أبا طالب، فوقف على باب المسجد، فقال: أعظم اللَّه أجركم، وأحسن عزاءكم. انتهى المقصود من كلام ابن قدامة -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . وذكر النووي قريبًا مما ذكره ابن قدامة، وقال: وأما وقت التعزية، فقال أصحابنا: هو من حين الموت إلى حين الدفن، وبعد الدفن إلى ثلاثة أيام. قال الشيخ أبو محمد الجوينيّ: وهذه المدة للتقريب، لا للتحديد. قال أصحابنا: وتكره التعزية بعد الثلاثة؛ لأن المقصود منها تسكين قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثلاثة، فلا يجدّد له الحزن، هذا هو الصحيح المعروف، وجزم السرخسي في «الأمالي» بأنه يعزّى قبل الدفن، وبعده في رجوعه إلى منزله، ولا يعزى بعد وصوله منزله. وحكى إمام الحرمين وجها أن لا أمد للتعزية، بل يبقى بعد ثلاثة أيام، وإن طال الزمان؛ لأن الغرض الدعاء، والحمل على الصبر، والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان، وبهذا الوجه قطع أبو العباس بن القاصّ في «التلخيص»، وأنكره عليه القفال في «شرحه»، وغيره من الأصحاب، والمذهب أنه يعزّى، ولا يعزى بعد ثلاثة، وبه قطع الجمهور، قال المتولي وغيره: إلا إذا كان أحدهما غائبًا، فلم يحضر الدفن إلا بعد الثلاثة، فإنه يعزيه. انتهى المقصود من كلام النووي -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما قاله إمام الحرمين -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- هو الصواب، لأنه لم يثبت دليل في التحديد بوقت معين. والحاصل أن التعزية مستحبّة، لحديث الباب، ولكن لم يثبت في فضل من عزّى ثواب معين؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك لا تصحّ. فمنها: ما أخرجه ابن ماجه عن عبد اللَّه بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ - ﷺ -، قال: «ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة، إلا كساه اللَّه -﷿- من حُلَل الكرامة يوم القيامة». وفي إسناده قيس أبو عمارة الفارسيّ، قال البخاريّ: فيه نظر. وذكره العقيلي في «الضعفاء»، وأورد له حديثين، أحدهما هذا، وقال: لا يُتابع عليهما. ومنها: ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه عن عبد اللَّه بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، قال: «من عزى مصابًا، فله مثل أجره». وفيه انقطاع، وإنما وصله علي بن عاصم، وأنكروا عليه ذلك، وله شواهد، كلها أشدّ ضعفا منه . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: أحسن ما يُعزّى به المصاب ما أخرجه الشيخان، وغيرهما عن أسامة بن زيد - ﵄ -، قال: أرسَلَت إحدى بنات النبي - ﷺ - إليه تدعوه، وتخبره أن صبيّا لها، أو ابنا في الموت، فقال للرسول: «ارجع، فأخبرها أن للَّه ما أخذ، وله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها، فلتصبر، ولتحتسب». فينبغي لمن أراد التعزية أن يعزي به اقتداء بالنبيّ - ﷺ -. وأما ما يُذكر في كتب الفقهاء من صِيَغ التعزية المختلفة، مثل قولهم: يستحب أن يدعو للمصاب وللميت، فيقول: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك. وإن عزْى مسلما بكافر قال: أعظم اللَّه أجرك، وأحسن عزاءك، وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن اللَّه عزاءك، وغفر لميتك، وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف اللَّه عليك، ولا نقص عددك. فليس له دليل في المرفوع، بل هو من استحساناتهم، ولا سيما الأخير، فإنه، وإن عللوه بأن فيه تكثيرا للْجِزْيَة، فلا ينبغي أن يُدعَى به، لأن فيه دعاء ببقاء الكافر، ودوام كفره، كما قاله النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-. وكذا ما استحبه بعضهم من التعزية بما عزّى به الخضر عند موت النبيّ - ﷺ -، وهو ما رواه الشافعي في «مسنده» عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، قال: لما توفي رسول اللَّه - ﷺ - وجاءت التعزية، سمعوا قائلا يقول: «إن في اللَّه عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله، فثقوا، وإياه فارجوا،، فإن المصاب من حرم الثواب». فلا يثبت، لأن في سنده القاسم بن عبد اللَّه بن عمر، وقد كذبه أحمد، ويحيى، وقال أحمد أيضا: كان يضع الحديث. وروه الحاكم في «مستدركه» عن أنس - ﵁ - وزاد: فقال أبو بكر، وعمر: «هذا الخضر»، وفي إسناده عباد بن عبد الصمد، وهو ضعيف جدًا. [تنبيه]: قال الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في «الأمّ»: وأكره المآتم، وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء؛ فإن ذلك مما يجدّد الحزن، ويكلّف المؤنة انتهى. وقال صاحب «المهذّب»: ويكره الجلوس للتعزية؛ لأن ذلك محدث، والمحدث بدعة انتهى. قال النوويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ما حاصله: معنى الجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت، فيقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي لهم أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزّاهم، ولا فرق بين الرجال، والنساء في كراهة الجلوس لها. انتهى بتصرف . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: إن أراد صاحب «المهذب» بقوله: «محدث» أن الجلوس على الكيفية التي اعتادها الناس عند المصيبة، من اجتماعهم عند صاحب العزاء، وأكلهم الطعام، ونحو ذلك، وتكرار ذلك ثلاثة أيام، أو أكثر على حسب عادات الناس، وربما اشتمل اجتماعهم على منكرات، من اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك، مما يأباه الشرع الشريف، فهذا حقّ، لا شكّ فيه. وإن أراد أن مطلق الجلوس محدث، فغير صحيح؛ لأنه ثبت الجلوس عن النبي - ﷺ -، فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن عائشة - ﵂ -، قالت: لما جاء النبي - ﷺ - قتل ابن حارثة، وجعفر، وابن رواحة - ﵃ - جلس يُعرف فيه الحزن .... «الحديث. وقد ترجم الإمام البخاريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لهذا الحديث بقوله:»باب من جلس عند المصيبة، يعرف فيه الحزن«انتهى. والحاصل أن الجلوس للمصيبة مشروع إذا كان بوقار وسكينة، وليس فيه شيء من المنكرات، بل حتى يخفّ عنه الحزن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». …
مصادر المؤلف (٦)

١. - لم يروه أحمد في«المسند»، وإنما أخرجه البيهقي مرسلا في باب ما يقول في التعزية من الترحم على الميت، والدعاء له، ولمن خلف. «السنن الكبرى» ج ٤ ص ٦٠.

٢. - «المغني» ج ٣ ص ٤٨٥ - ٤٨٦.

٣. - «المجموع» ج ٥ ص ٢٧٧ - ٢٧٨.

٤. - راجع «التلخيص الحبير» ج ٢ ص ٢٧٥ - ٢٧٦. و«نيل الأوطار» ج ٤ ص ١١٤ - ١١٥.

٥. - هذا مما لا يثبت؛ لأن الراجح أن الخضر ليس حيا في زمن النبي - ﷺ -، بل هو ميت، راجع «الإصابة في تمييز الصحابة» للحافظ ابن حجر، وله أيضًا رسالة أفردها له، سماها «الزهر النضر في نبإ الخضر»، وهي مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية، ورجح فيها القول بموته، وذكر أدلته، وأدلة القائلين بحياته، وناقشها كلها، وأجاد في ذلك، وأفاد، فراجع ما كتبه تستفد. واللَّه تعالى أعلم.

٦. -«المجموع» ج ٥ ص ٢٧٥ - ٢٧٩.