HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٩١

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلَهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ - ﷿ - أَرْسَلَكَ، قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللهُ، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ قَالَ: اللهُ، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟ قَالَ: اللهُ، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، وَنَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ، آللهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةَ أَمْوَالِنَا، قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقَ قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدَنَّ عَلَيْهِنَّ شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص87
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ١٢١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن الدارمي, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٢٢٢
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٩١ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ، أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَيَسْأَلَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ -﷿- أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ، وَنَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا الْمَنَافِعَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةَ أَمْوَالِنَا، قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَيْنَا الْحَجَّ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدَنَّ عَلَيْهِنَّ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (محمد بن مَعْمَر) بن رِبْعِيّ القيسيّ البصريّ البَحْرانيّ، صدوق، من كبار [١١] ٢/ ١٣٧٠. ٢ - (أبو عامر العَقَديّ) عبد الملك بن عَمْرو القيسيّ البصريّ، ثقة [٩] ٢/ ٣٢٧. ٣ - (سليمان بن المغيرة) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] ٥٣/ ٦١٦. ٤ - (ثابت) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة عابد [٤] ٤٥/ ٥٣. ٥ - (أنس) بن مالك أبو حمزة الصحابيّ الجليل - ﵁ - ٦/ ٦. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، ومنها: أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، ومنها: أن ثابتا البنانيّ ممن لازم أنسًا - ﵁ - أربعين سنة ومنها: أن أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة - ﵁ - بالبصرة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَنَسٍ) - ﵁ -، أنه (قَالَ: نُهينَا فِي الْقُرْآنِ) يعني قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية (أَنْ نَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ شَيْءٍ) أي غير ضروريّ؛ لما فيه من احتمال أن يكون من تلك الأشياء (فَكَانَ يُعْجبُنَا أنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ) أي لكونه أعرف بكيفيّة السؤال، وآدابه، والمهمِّ منه، وحسنِ الَمراجعة، فإن هذه من أسباب عظم الانتفاع بالجواب (مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) أي لكونه لم يبلغه النهي عن السؤال، ولأن أهل البادية هم الأعراب، ويغلب فيهم الجهل، والجفاء، ولهذا جاء في الحديث: «من بدا جفا» . والبادية، والبَدْوُ بمعنّى، وهو ما عدا الحاضرة، والعمران، والنسبة إليها بدويّ، والبِدَاوة: الإقامة بالبادية، وهي بكسر الباء عند جمهور أهل اللغة. وقال أبو زيد: هي بفتح الباء. قال ثعلب: لا أعرف البداوة بالفتح إلا عن أبي زيد. ذكره النووي . (فَيَسْأَلَهُ) بالنصب عطفًا على «يجيء». وزاد في رواية مسلم: «ونحن نسمع». وزاد أبو عوانة في «صحيحه»: «وكانوا أجرأ على ذلك منّا». يعني أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يُعذَرون بالجهل. وإنما تمنّوه عاقلًا؛ ليكون عارفًا بما يسأل عنه. وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار بين يدي مسألته؛ لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلا بتلك المخاطبة، وسأله عمن خَلَق الأرض، ونصب الجبال إلى آخر ما سأل، ثم أقسم عليه به أن يَصْدُقَه عما يسأل عنه، وكرّر القسم في كلّ مسألة تأكيدًا، وتقريرًا للأمر، ثم صرّح بالتصديق، فكلّ ذلك دليل على حسن تصرّفه، وتمكن عقله، ولهذا قال عمر - ﵁ - في رواية أبي هريرة - ﵁ -: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام». أفاده في«الفتح» (فَجَاءَ رَجُلٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) هو ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر، كما بُيّن في الرواية التالية. قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قدم على رسول اللَّه - ﷺ - سنة تسع. قاله أبو عبيد. وقيل: سنة سبع. وقال محمد بن حبيب: سنة خمس، وهو أبعدها؛ لأن فرض الحجّ لم يكن نزل إذ ذاك. انتهى . (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ) قال العلماء: لعلّ هذا كان قبل النهي عن مخاطبته - ﷺ - باسمه قبل نزول قول اللَّه -﷿-: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: آية ٦٣] على أحد التفسيرين، أي لا تقولوا: يا محمد، بل يا رسول اللَّه، يا نبيّ اللَّه. ويحتمل أن يكون بعد نزول الآية، ولم تبلغ الآية هذا القائلَ. قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-. (أَتَانَا رَسُولُكَ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ) قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: زَعَم، وتَزْعُم مع تصديق رسول اللَّه - ﷺ - إياه، دليل على أن زعم ليس مخصوصًا بالكذب، والقولِ المشكوك فيه، بل يكون أيضًا في القول المحقق، والصدق الذي لا شك فيه. وقد جاء من هذا كثير في الأحاديث. وعن النبي - ﷺ -، قال: «زعم جبريل» كذا. وقد أكثر سيبويه، وهو إمام العربية في كتابه الذي هو إمام كتب العربية من قوله: زعم الخليل، زعم أبو الخطّاب، يريد بذلك القول المحقّق. وقد نقل ذلك جماعة من أهل اللغة، وغيرهم، ونقله أبو عمر الزاهد في «شرح الفصيح»، عن شيخه أبي العباس ثعلب، عن العلماء باللغة، من الكوفيين والبصريين. واللَّه أعلم. انتهى . (أَنَّ اللَّهَ -﷿- أَرْسَلَكَ، قَالَ) - ﷺ - («صَدَقَ») أي ذلك الرسول (قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ فِيهَا الْجِبَالَ؟، قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ جَعَلَ فِيهَا المَنَافِعَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ) الباء فيه للقسم، أي أقسمت بالذي خلق السماء، والأرض الخ، وإنما قال ذلك زيادة في التوثيق والتثبيت؛ كما يؤتى بالتأكيد لذلك، ويقع ذلك في أمر يهُتَمّ بشأنه، ولم يقل ذلك لإثبات النبوّة بالحلف، فإن الحلف لا يكفي في ثبوتها، ومعجزاته - ﷺ - كانت مشهورة، معلومة، فهي ثابتة بتلك المعجزات. قاله السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: فإن الحلف لا يكفي الخ، فيه نظر، إذ لا مانع من أن يكتفي بعض الناس بالحلف عن طلب المعجزات. واللَّه تعالى أعلم. (وَنَصَبَ فِيهَا الْجبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا المَنَافِعَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟) بمدّ الهمزة للاستفهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ الآية [يونس: ٥٩] (قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ) بنصب «خمسَ» على أنه اسم «أنّ»، والجار والمجرور خبرها مقدمًا على اسمها (فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) فيه دلالة على عدم وجوب الوتر، وعليه الجمهور، وهو الحقّ، وخالف فيَ ذلك الحنفية، فقالوا بوجوب الوتر، وقد تقدَّم الردُّ عليهم في بابه فلا تغفل. (قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهذَا؟، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا زَكَاةَ أَمْوَاَلِنَا) ولفظ «الكبرى» «صدقة أموالنا». ولفظ مسلم «زكاة في أموالنا» (قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهِذَا؟، قَالَ: «نَعَم»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: «صَدَقَ») هذا محلّ الشاهد لترجمة المصنّف، حيث إنه يدلّ على وجوب الصيام (قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بَهِذَا؟، قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعمَ رَسُولُكَ، أَنَّ عَلَينَا الْحَجَّ من استَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) «من» اسم موصول في محلّ جرّ بدل من الضمير المجرور، أي على من استطاع منا إليه سبيلًا. ثبت في هذه الرواية ذكر الحجّ عند المصنّف، وكذا هو في «صحيح مسلم»، ولم تثبت في رواية شريك الآتية، وكذا ثبتت في حديث أبي هريرة الآتي، وحديث ابن عباس، كما قاله في «الفتح». فهذه الروايات كلها تدلّ على بطلان قول ابن التين: إنما لم يذكر الحجّ لأنه لم يكن فُرِض، قال الحافظ: وكأن الحامل له على ذلك ما جزم به الواقديّ، ومحمد بن حبيب أن قدوم ضمام سنة خمس، فيكون قبل فرض الحج، لكنه غَلَطٌ من أوجه: [أحدها]: أن في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول - ﷺ -، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر جدًّا. [ثانيها]: أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام، إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة. [ثالثها]: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة. [رابعها]: في حديث ابن عباس - ﵄ - أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد -وهو ابن بكر بن هوازن- في الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت في شوال سنة تسع. وبه جزم ابن إسحاق، وأبو عبيدة، وغيرهما انتهى . (قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبالَّذِي أَرْسَلَكَ، آللَّهُ أَمَرَكَ بهَذَا؟، قَالَ: «نَعَمْ») قال صاحب «التحرير» -رحمه اللَّه تعالى-. هذا من حسن سؤال هذا الرجل، وملاحة سياقته وترتيبه، فإنه سأل أوّلًا عن صانع المخلوقات من هو؟، ثم أقسم عليه به أن يَصدُقَه في كونه رسولًا للصانع، ثم لما وقف على رسالته، وعلمها أقسم عليه بحقّ مرسله، وهذا ترتيب يفتقر إلى عقل رَصِين، ثم إن هذه الأَيمان جرت للتأكيد، وتقريرِ الأمر؛ لا لافتقاره إليها، كما أقسم اللَّه تعالى على أشياء كثيرة انتهى. (قَالَ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدَنَّ) بنون التوكيد المشددة، وفيه تأكيد جواب القسم المنفيّ بالنون، على حدّ قول الشاعر [من البسيط]: تَاللَّهِ لَا يُحْمَدَنَّ الْمَرْءُ مُجْتَنِبَا … فِعْلَ الْكرَامِ وَلَوْ فَاقَ الْوَرَى حَسَبَا وهو قليل. بل قيل: إنه شاذٌ، أو ضرورة. وفي نسخة، وهو الذي في «الكبرى» «لا أزيد» بدون توكيد، وهو المشهور رواية، ولغة. واللَّه تعالى أعلم. (عَلَيْهِنَّ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ) وفي نسخة: «ولا أنتقص». فإن قيل: فكيف أقرّه على حلفه، وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟ أجيب: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جار على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، وقيل: غير ذلك . (فَلَمَّا وَلَّى، قالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: (لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ») أي إن صدق في دعواه قبول الإسلام، وحلفه على التزامه ليكونن جزاؤه الجنة، بمقتضى الوعد السابق، حيث قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية [التوبة: ٧٢]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا - ١/ ٢٠٩١ و٢٠٩٢ و٢٠٩٣ - وفي «الكبرى» ١/ ٢٤٠١ و٢٤٠٢ و٢٤٠٣ وأخرجه (خ) ٦١ (م) ١٣ (د) ٤١١ (ت) ٥٦٢ (ق) ١٣٩٢ (أحمد) ٢٢٥٨ (الدارمي) ٦٤٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو وجوب الصيام (ومنها): أن صوم رمضان يتكرّر كلَّ سنة (ومنها): أن الصلوات الخمس متكرّرة في كلّ يوم وليلة، لقوله: «في كل يوم وليلة». (ومنها): ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى-: فيه دلالة لصحّة ما ذهب إليه أئمة العلماء، من أن العوامّ المقلدين مؤمنون، وأنه يُكتَفَى منهم بمجرّد اعتقاد الحقّ جزمًا، من غير شك وتزلزل؛ خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وذلك أنه - ﷺ - قرر ضمامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته، وصدقه، ومجرّد إخباره إياه بذلك، ولم ينكر عليه ذلك، ولا قال: يجب عليك معرفة ذلك بالنظر في معجزاتي، والاستدلال بالأدلّة القطعيّة انتهى. وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: ويُستفاد من هذا الحديث أن الشرع إنما طلب من المكلفين التصديق الجازم بالحقّ كيفما حصل، وبأيّ وجه ثبت، ولم يقصرهم في ذلك على النظر في دلالة معيّنة، ولا معجزة، ولا غيرها، بل كلّ من حصل له اليقين بصدقه بمشاهدة وجهه، أو بالنظر في معجزته، أو بتحليفه، أو بقرينة لاحت له، كان من المؤمنين، وكان من جملة عباد اللَّه المخلصين، لكن دلالات المعجزات هي الخاصّة بالأنبياء، والطرق العامّة للعقلاء انتهى .. (ومنها): العمل بخبر الواحد (ومنها): أن من صَدَق في إسلامه، والتزم أداء ما أُمر به دخل الجنّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسأله الرابعة): اختَلَفوا، هل كان ضمام بن ثعلبة - ﵁ - مسلمًا قبل مجيئه، وإنما أتى مستثبتًا من النبي - ﷺ -، أم أنه أنشأ الإيمان بعد حضوره؟: والأول اختيار الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، فاحتجّ به على مسألة صحّة العرض على العالم، وترجم عليه، فقال: «باب القراءة والعرض على العالم». ورجحه القاضي عياض، فقال: والظاهر أن الرجل لم يأت إلا بعد إسلامه، وإنما جاء مستثبتًا، ومشافها للنبيّ - ﷺ -. انتهى. فقوله - كما في الرواية الآتية -: «آمنت بما جئت به» إخبار بإيمانه قبل ذلك، وأنه إنما حضر بعد إسلامه، مستثبتًا من الرسول - ﷺ - ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنه قال: «فإن رسولك زعم»، وفي حديث ابن عباس عند الطبرانيّ: «أتتنا كتبك، وأتتنا رسلك». واستبط منه الحاكم أصل طلب علوّ الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول، وآمن، وصدّق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من رسول اللَّه - ﷺ - مشافهة. والثاني: هو الذي رجحه القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-، فقال في «المفهم»: وقد فهم البخاريّ من هذا الحديث أن الرجل قد كان أسلم على يدي رسول رسول اللَّه - ﷺ - حين جاءهم، وصحّ إيمانه، وحفظ شرائعه، ثم جاء يَعْرِضها على النبيّ - ﷺ -؛ ألا ترى البخاريّ كيف بوّب على هذا: «باب القراءة والعرض على المحدث»؟ وكأن البخاريّ أخذ هذا المعنى من قول الرجل في آخر الحديث: «آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي». وفيه نظر. وأما مساق مسلم، فظاهره أن الرجل لم ينشرح صدره للإسلام بعدُ، وأنه بقيت في قلبه منازعات، وشكوك، فجاء مجيء الباحث المستثبت، ألا تراه يقول: يا محمد، أتانا رسولك، فزعم لنا أنك تزعم أن اللَّه أرسلك، فإن الزعم قول لا يوثق به. قاله ابن السكّيت وغيره. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في قوله: «فإن الزعم قول لا يوثق به» نظر؛ لأن هذا ليس متفقا عليه بين أهل اللغة، بل الزعم يطلق على القول المحقّق أيضًا، كما تقدّم نقله عن أبي عمر الزاهد في «شرح فصيح شيخه ثعلب»، وأكثر سيبويه من قوله: «زعم الخليل» في مقام الاحتجاج. واللَّه تعالى أعلم. قال: غيرَ أنّ هذا الرجل كان كامل العقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فدله ذلك على أن لها خالقًا خلقها، ألا ترى أنه استفهم النبيّ - ﷺ - عن خالق المخلوقات استفهام تقرير للقاعدة التي لا يصحّ العلم بالرسول إلا بعد حصولها، وهي التي تفيد العلم بالمرسل، ثم إنه لما وافقه على ما شهد به العقل، وأن اللَّه تعالى هو المنفرد بخلق هذه المخلوقات أقسم عليه، وسأل به، هل أرسله؟. ثم إن الرجل استمرّ على أسئلته إلى أن حصل على طَلِبَتَهِ فانشرح صدره للإسلام، وزاحت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركة مشاهدته أنوارَ رسول اللَّه - ﷺ -، فلقد كان كثير من العقلاء يحصل لهم العلم بصحّة رسالته بنفس رؤيته، ومشاهدته، قبل النظر في معجزته، كما قال أبو ذرّ - ﵁ -: «فلما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذّاب»، حتى قال بعضهم [من البسيط]: لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ … لَكَانَ مَنْظَرُهُ يُنْبِيكَ بِالْخَبَرِ والحاصل من حال هذا السائل أنه حصل له العلم بصدق رسول اللَّه - ﷺ -، وبصحّة رسالته، لمجموع قرائن، لا تتعيّن إحداها، ولا تنحصر أعدادها. وقد روى ابن عباس - ﵄ - حديث ضمام هذا بأكمل من هذا، وقال فيه ما يدلّ على أن ضمامًا إنما أسلم بعد أن أجابه رسول اللَّه - ﷺ - عن أسئلته المتقدّمة، فلما أن فرغ قال ضمام: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وسأؤدّي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقُص. فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنّة»، ثم قدم ضمام على أهله، فعرض عليهم الإسلام، فما
مصادر المؤلف (١٠)

١. - حديث صحيح أخرجه أحمد من حديث البراء - ﵁ -. وأخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عباس - ﵄ -، بلفظ: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غَفَل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن». وهو أيضا صحيح.

٢. - «شرح مسلم» ج ٢ ص ١٢٣.

٣. - «فتح» ج ١ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.

٤. - «المفهم» ج ١ ص ١٦٢.

٥. - «شرح مسلم» ج ٢ ص ١٢٣ - ١٢٤.

٦. - «فتح» ج ١ ص ٢٠٦.

٧. - انظر (الفتح) ج ١ ص ١٤٩.

٨. -«المفهم»ج ١ ص ١٦٤.

٩. - الطَّلِبَةُ -بفتح الطاء، وكسر اللام-: ما طلبته. أفاده في «ق».

١٠. - العقيصتان: الضفيرتان.