HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٩٧

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص91
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ١٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٢٤٢
مسائل تتعلّق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢/ ٢٠٩٥ - وفي «الكبرى» ٢/ ٢٤٠٥ - وأخرجه (خ) ٥ و١٧٦٩ و٢٩٨ و٣٢٩٠ و٤٦١٣ (م) ٤٢٦٨ (أحمد) ١٩٣٨ و٢٤٨٥٤ و٢٨٤٤ و٣٢٥٠. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان استحباب الفضل والجود في شهر رمضان؛ تأسيًا برسول اللَّه - ﷺ - (ومنها): الحث على الجود في كلّ وقت (ومنها): الزيادة من الخير عند الاجتماع باهل الصلاح (ومنها): زيارة الصلحاء، وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكره ذلك (ومنها): الإكثار من قراءة القرآن في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل، أو مساويًا لفعلاه. فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ. قلنا: الحفظ كان حاصلًا، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس (ومنها): جواز أن يقال: رمضان من غير إضافة إلى شهر، وسيأتي بباب خاصّ في -٦/ ٢١٠٩ و٢١١٠ - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أن فيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان؛ كما ثبت من حديث ابن عباس - ﵄ -، فكان جبريل يتعاهده في كلّ سنة، فيعارضه بما نزل عليه من رمضان إلى رمضان، فلما كان العام الذي توفّي فيه عارضه به مرتين؛ كما ثبت في «الصحيح، عن فاطمة - ﵄ -. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٠٩٦ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، مِنْ لَعْنَةٍ، تُذْكَرُ، وَكَانَ إِذَا كَانَ قَرِيبَ، عَهْدٍ بِجِبْرِيلَ - ﵇ - يُدَارِسُهُ، كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ، مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَأَدْخَلَ هَذَا حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (محمد بن اسماعيل البخاريّ) هو الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَذْدِزْبَه، وقيل: بَرْدِزْبَهْ وقيل: ابن الأحنف الجعفيّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البخاريّ، جبل الحفظ، وإمام الدنيا، الثقة الثبت الحجة [١١]. روى عن عبيد اللَّه بن موسى، ومحمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، وعفان بن مسلم، وأبي عاصم النبيل، ومكيّ بن إبراهيم، وأبي المغيرة، وأبي مسهر، وأحمد بن خالد الوهْبِيّ، وخلق كثير سواهم، ممن سمع من التابعين، فمن بعدهم، إلى أن كتب عن أقرانه، وعن تلامذته. وروى عنه الترمذيّ في «الجامع» كثيرًا، ومسلم في غير «الجامع»، والنسائيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربيّ، وابن أبي الدنيا، وصالح بن محمد الأسديّ، وأبو بشر الدُّولابي، ومحمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، والقاسم بن زكريّا، وابن أبي عاصم، وابن خزيمة، والحسين بن إسماعيل المحامليّ، وهو آخر من حدّث عنه ببغداد، ومحمد بن يوسف الفربريّ راوي «الصحيح» عنه، وخلق كثير سواهم. وآخر من حدث عنه بـ «الصحيح» أبو طلحة منصور بن محمد بن عليّ البزدويّ النسفيّ الذي مات سنة (٣٢٩). قال بكير بن نُمير: سمعت الحسن بن الحسين البزّاز ببخارى يقول: رأيت محمد بن إسماعيل شيخا نَحِيف الجسم، ليس بالطويل، ولا بالقصير، وُلد في شوّال سنة (١٩٤) وتوفي يوم السبت لغرّة شؤال سنة (٢٥٦)، عاش (٦٢) سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا. وقال أحمد بن سيّار المروزي: محمد بن إسماعيل طلب العلم، وجالس الناس، ورحل في الحديث، ومهر فيه، وأبصر، وكان حسن المعرفة، حسن الحفظ، وكان يتفقّه. وقال أبو العباس بن سعيد: لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن كتاب «تاريخ» محمد بن إسماعيل. وقال عامر بن المنتجع: سمعت أبا بكر المدينيّ قال: كتا يومًا بنيسابور عند إسحاق بن راهويه، ومحمدُ بن إسماعيل حاضر في المجلس، فمرّ إسحاق بحديث، وكان دون الصحابيّ عطاء الكَيْخَارانيّ، فقال إسحاق: يا أبا عبد اللَّه أيش كَيْخاران؟ قال: قرية باليمن، كان معاويةُ بعث هذا الرجل من الصحابة إلى اليمن، فسمع منه عطاء حديثين. فقال له إسحاق: يا أبا عبداللَّه كأنك قد شهدت القوم. وقال إبراهيم بن معقل النسفيّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابا مختصرًا لسنن النبيّ - ﷺ -، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب -يعني «الجامع» -. قال إبراهيم: وسمعته يقول: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صحّ، وتركت من الصحاح لحال الطول. وقال الكشميهني: سمعت الفربريّ يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعت في كتابي «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك، وصلّيت ركعتين. وقال جعفر بن الفضل بن خنزابة: سمعت محمد بن موسى المأمونيّ، قال: سئل أبو عبد الرحمن -يعني النسائيّ- عن العلاء، وسهيل، فقال: هما خير من فُليح، ومع هذا فما في هذه الكتب كلها أجود من كتاب محمد بن إسماعيل. وقال جعفر بن محمد القطّان إمام الجامع بكرمينية: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كتبت عن ألف شيخ وأكثر، ما عندي حديث إلا وأذكر إسناده. وقال بكر بن منير: كان محمد بن إسماعيل يصلي ذات يوم، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرّة، فلما قضى صلاته، قال: انظروا أيش هذا الذي آذاني في صلاتي، فنظروا، فإذا الزنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعًا، ولم يقطع صلاته. وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفريابيّ، وما في وجهه شعرة. وقال حاشد بن إسماعيل: كنت بالبصرة، فقدم محمد بن إسماعيل، فقال محمد بن بشار: دخل اليوم سيد الفقهاء. وقال أبو قريش محمد بن بن جمعة: سمعت بُندارًا محمد بن بشّار يقول: حفّاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالريّ، ومسلم بن الحجاج بنيسابور، وعبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل البخاريّ ببخارى. وقال البوشنجيّ: سمعت بُندارًا يقول: ما قدم علينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال يوسف بن ريحان: سمعت محمد ابن إسماعيل يقول: كان عليّ بن المدينيّ يسألني عن شيوخ خُراسان، إلى أن قال: كل من أثنيتَ عليه فهو عندنا الرضا. وقال الفربريّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ، وربما كنت أُغْرِب عليه. وقال إسحاق بن أحمد بن خلف البخاريّ: حدثني حامد بن أحمد قال: ذُكر لعليّ بن المدينيّ قول محمد بن إسماعيل: ما تصاغرت نفسي عند أحد إلا عند عليّ بن المدينيّ، فقال: ذَرُوا قوله، ما رأى مثلَ نفسه. وقال الفربريّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق محمد بن إسماعيل البخاريّ: قال: سمعته يقول: ذاكرني أصحاب عمرو بن عليّ بحديث، فقلت: لا أعرفه، فسُرّوا بذلك، وصاروا إلى عمرو بن عليّ، فقالوا له: ذاكرنا محمد بن إسماعيل بحديث، فلم يعرفه، فقال عمرو بن عليّ: حديث لا يعرفه محمد بن إسماعيل ليس بحديث. وقال محمد بن أبي حاتم: وسمعته يقول: كان إسماعيل بن أبي أويس إذا انتخبت من كتابه نسخ تلك الأحاديث لنفسه، وقال: هذه أحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي. وقال أبو مصعب: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا، وأبصر من ابن حنبل، فقال له رجل، من جلسائه: جاوزت الحدّ، فقال أبو مصعب: لو أدركتَ مالكًا، ونظرت إلى وجهه، ووجه محمد بن إسماعيل لقلتَ كلاهما واحد في الفقه والحديث. وقال عامر بن المنتجع، عن أحمد بن الضوء: سمعت أبا بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد اللَّه بن نُمير يقولان: ما رأينا مثل محمد بن إسماعيل. وقال محمود بن النضر الشافعيّ: دخلت البصرة، والشام، والحجاز، والكوفة، ورأيت علماءها، فكلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضّلوه على أنفسهم. وقال ابن عديّ: كان ابن صاعد إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النّطّاح. وقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان، فذكره فيهم. وقال أيضًا: سمعت أبي يقول: ما أخرجت خُراسان مثل محمد بن إسماعيل. وقال صالح بن محمد الأسديّ: محمد بن إسماعيل أعلمهم بالحديث. وقال يعقوب ابن إبراهيم الدورقيّ: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمّة. وقال أبو العبّاس الدغوليّ: كتب أهل بغداد إلى محمد بن إسماعيل: المُسْلِمُونَ بِخَيْبرٍ مَا بَقِيتَ لَهُمْ … وَلَيْسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حِينَ تُفْتَقَدُ وقال أبو بكر بن محمد بن حرب: سألت أبا زرعة عن محمد بن حُميد؟ فقال: تركه أبو عبد اللَّه -يعني البخاريّ - قال: فذكرت ذلك للبخاريّ، فقال: بِرّه لنا قديم. وقال الفضل بن العبّاس الرازيّ: رجعت مع محمد بن إسماعيل مرحلة، وجهدت الجهد على أن أجيء بحديث لا يعرفه، فما أمكنني، وأنا أغرب على أبي زرعة عدد شعر رأسه. وقال إسحاق بن أحمد بن زَيْرَك: سمعت محمد بن إدريس الرازيّ أبا حاتم يقول: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، قال: وسمعته في سنة سبع وأربعين يقول: يقدَم عليكم رجل من خراسان لم يخرج منها أحفظ منه، فقدم محمد بن إسماعيل بعد أشهر. وقال صالح بن سيّار: سمعت نعيم بن حماد يقول: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة. وقال عبدان بن عثمان: ما رأيت بعيني شابا أبصر منه. وقال محمد بن سلام: هو الذي ليس مثله. وقال يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمره لفعلتُ، فإن موتي موت رجل واحد، وموت محمد بن إسماعيل ذهاب العلم. وقال الحاكم: سمعت أبا الطيّب يقول: سمعت ابن خزيمة يقول: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول اللَّه - ﷺ -، ولا أحفظ له من البخاريّ. قال الحاكم: وسمعت أبا عبد اللَّه الحافظ -يعني ابن الأخرم- يقول: سمعت أبي يقول: رأيت مسلم ابن الحجاج بين يدي البخاريّ، وهو يسأله سؤال الصبيّ المتعلّم. قال الحاكم: وسئل أبو عبد اللَّه -يعني ابن الأخرم- عن حديث؟ فقال: إن البخاريّ لم يُخرجه، فقال له السائل: قد أخرجه مسلم، فقال أبو عبد اللَّه: إن البخاريّ كان أعلم من مسلم، ومنك، ومني. وقال: ولما ورد البخاريّ نيسابور قال محمد بن يحيى الذهليّ: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح، فاسمعوا منه، فذهب الناس إليه، حتى ظهر الخلل في مجلس محمد ابن يحيى، فتكلّم فيه بعد ذلك. قال الحاكم: وسمعت أبا الوليد حسّان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول: سألت محمد بن إسماعيل لمّا وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان؟ فقال: قول، وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام اللَّه غير مخلوق، وأفضل الصحابة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، على هذا حييتُ، وعليه أموت وأبعث، إن شاء اللَّه تعالى. وقال غُنْجَار في «تاريخ بُخارى»: قال له أبو عيسى الترمذيّ: قد جعلك اللَّه زَينَ هذه الأمة يا أبا عبد اللَّه. وقال في «الجامع»: لم أر في معنى العلل، والرجال أعلم من محمد بن إسماعيل. وقال إسحاق بن راهويه: يا معشر أصحاب الحديث اكتبوا عن هذا الشابّ، فإنه لو كان في زمن الحسن بن أبي الحسن لاحتاج الناس إليه؛ لمعرفته بالحديث وفقهه. وقال حاشد بن عبد اللَّه: سمعت المسنَديّ يقول: محمد بن إسماعيل إمام، فمن لم يجعله إمامًا فاتهمه. وقال أيضًا: رأيت محمد بن رافع، وعمرو بن زُرارة عند محمد بن إسماعيل يسألانه عن علل الحديث، فلما قاما قالا لمن حضر: لا تُخدَعوا عن أبي عبد اللَّه، فإنه أفقه منّا، وأعلم، وأبصر. وقال الحسين بن محمد بن حاتم المعروف بعُبيد العجل. ما رأيت مثل محمد ابن إسماعيل، ومسلم لم يكن يبلغه، ورأيت أبا زرعة، وأبا حاتم يستمعان قوله. وذكر له قصّة محمد بن يحيى معه، فقال: ما لمحمد بن يحيى، ولمحمد بن إسماعيل، كان محمد أمّة من الأمم، وأعلم من محمد بن يحيى بكذا وكذا، كان ديّنا فاضلًا، يُحسن كلّ شيء. وقال ابن أبي حاتم: سمع منه أبي، وأبو زرعة، ثم تركا حديثه عند ما كَتَب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق. وقال محمد بن نصر المروزيّ: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: من قال عني: إني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق، فقد كذب، وإنما قلت: أفعال العباد مخلوقة. وقال أبو عمرو الخفّاف: حدثنا التقيّ النقيّ العالم الذي لم أر مثله محمد بن إسماعيل، وهو أعلم بالحديث من إسحاق، وأحمد، وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئًا، فعليه مني ألف لعنة. وقال محمد بن العباس الضبيّ: سمعت أبا بكر بن أبي عمرو الحافظ يقول: كان سبب مفارقة أبي عبد اللَّه محمد بن إسماعيل البلد -يعني بُخارى- أن خالد بن أحمد الأمير سأله أن يحضر منزله، فيقرأ «الجامع»، و«التاريخ» على أولاده، فامتنع، فراسله أن يعقد لأولاده مجلسًا لا يحضره غيرهم، فامتنع أيضًا، فاستعان عليه بحريث بن أبي الورقاء وغيره، حتى تكلّموا في مذهبه، ونفاه عن البلد، فدعا عليهم، فاستجيب له. وقال ابن عديّ: سمعت عبد القدّوس بن عبد الجبّار السمرقنديّ يقول: جاء محمد بن إسماعيل إلى خَرْتَنْكَ، قرية من قرى سمرقند على فرسخين منها، وكان له بها أقرباء، فنزل عندهم، قال: فسمعته ليلة من الليالي يدعو، اللَّهمّ إنه قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، فاقبضني إليك، فما تمّ له الشهر حتى قبضه اللَّه في سنة (٢٥٦) في شوّال. ومناقب هذا الإمام كثيرة جدا، قال الحافظ: قد جمعتها في كتاب مفرد. روى عنه الترمذيّ، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. [تنبيه]: قوله: «البخاريّ» هكذا وقع في «المجتبى» بزيادة لفظة «البخاريّ»، والذي في «الكبرى»: «محمد بن إسماعيل»، فقط، وليس فيه ذكر «البخاريّ». قال الحافظ السخاويّ -رحمه اللَّه تعالى- في رسالته «بُغية الراغب المتمنّي»: ما نصّه: هكذا وقع منسوبًا عند ابن السنّي، دون حمزة الكناني، وأبي عليّ الأسيوطيّ، وابن حيّويه، فدم يُزَد فيها على «محمد بن إسماعيل». نعم هو في أصل الحافظ أبي عبد اللَّه الصّوريّ الذي كتبه بخطه، عن أبي محمد بن النّحّاس، عن حمزة، منسوب . قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ: ولم نجد للنسائيّ عن البخاريّ رواية سواه، إن كان ابن السّنّيّ حفظه عن النسائيّ، ولم تكن نسبته له من تلقاء نفسه، معتقدًا أنه البخاريّ، وإلا فقد روى النسائيّ الكثير عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن عليّة- وهو مشارك للبخاريّ في بعض شيوخه، بل روى في كتاب الكنى عن عبد اللَّه بن أحمد بن عبد السلام الخفّاف، عن البخاريّ عدّة أحاديث، وهي قرينة ظاهرة في أنه لم يلق البخاريّ، ولم يسمع منه انتهى. قال السخاويّ: وكأنه -مع أنه لم يجزم- سلفُ الحافظ أبي عبد اللَّه الذهبيّ في قوله في ترجمة البخاريّ من «الكاشف» له: والصحيح أنه ما سمع منه. وقال في «تاريخه»: إنه روى عنه، على نزاع فيه، والأصحّ لم يرو عنه شيئًا. ونحوه قول شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر-: أنكر المزيّ أن يكون النسائيّ روى عن البخاريّ، ثم قال: وقد وقع لي خبر صرّح فيه النسائي بالرواية عن البخاريّ، فقال أبو عبد اللَّه محمد بن إسحاق ابن منده في كتاب «الإيمان» له: حدثنا حمزة بن محمد الكنانيّ، ومحمد بن سعد الباروديّ، قالا: أخبرنا أحمد بن شعيب، أبو عبد الرحمن النسائيّ، حدثنا محمد ابن إسماعيل البخاريّ، فذكر خبرًا، فهذا يدلّ على أن ابن السنّيّ قد حفظ نسب محمد ابن إسماعيل في الحديث الذي تقدّم، وأنه لم ينسبه من عند نفسه. قال: ثم وجدت في رواية ابن الأحمر في «السنن الكبرى» عن النسائيّ، عن البخاريّ عدّة أحاديث، واللَّه أعلم. قال السخاوي: واستظهار المزّيّ بروايته له بواسطة بينهما لا ينهض، فكم من حديث رواه هو، وكذا غيره من الأئمة عن بعض شيوخهم بالواسطة، وطالما ينبّه المزّيّ نفسه في تراجم تهذيبه على ذلك، ومنه: رواية النسائيّ عن إسماعيل بن عُبيد بن أبي كريمة في «اليوم والليلة»، وعن زكريا السِّجْزيّ، عنه في «السنن». وكذا روايته في غير «سننه»، عن سعيد بن ذؤيب أبي الحسن المروزيّ النسائيّ الأصل، وفي «السنن» عن رجل عنه. وروى أيضًا عن الحافظ أبي جعفر محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، قاضي حُلْوان، وعن أحمد بن عليّ المروزيّ، عنه. وروى عن الحافظ أبي موسى محمد بن المثنّى الزّمِنِ، وعن رجل، عنه، في أمثلة كثيرة. ثم إنه ممن يُسمّى من شيوخ النسائيّ محمد بن إسماعيل: الأحمسيّ، لكن اسم جدّه سَمُرة، والترمذيّ الحافظ، واسم جدّه يوسف، والطبرانيّ، ويكنى أبا بكر انتهى كلام الحافظ السخاويّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- بتصرّف يسير . وعبارة الحافظ في «تهذيب التهذيب»: وأما ما رجّحه المصنّف -يعني الحافظ المزيّ صاحب «تهذيب الكمال» من أن النسائيّ لم يلق البخاريّ، فهو مردود، فقد ذكره في أسماء شيوخه الذين لقيهم، وقال فيه: ثقة مأمون، صاحب حديث كيّسٌ. وروينا في كتاب «الإيمان» لأبي عبد اللَّه ابن منده حديثًا، رواه عن حمزة، عن النسائيّ، حدثني محمد بن إسماعيل البخاريّ، وكونه روى عن الخفّاف عنه، لا يمنع أن يكون لقيه، بل الظاهر أنه لم يُكثر عنه، فاحتاج أن ياخذ عن بعض أصحابه. واللَّه أعلم انتهت عبارة الحافظ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد ترجّح بما ذكره الحافظان: ابن حجر والسخاويّ أن الصواب أن محمد بن إسماعيل شيخ المصنّف في هذا الحديث هو البخاريّ، كما هو المنصوص عليه في «نسخ المجتبى». واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢ - (حفص بن عمر بن الحارث) بن سَخبرة -بفتح المهملة، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الموحّدة- النّمَريّ -بفتح النون، والميم- أبو عُمَر الحوضيّ البصريّ، ثقة ثبت، عِيب بأخذ الأجرة على الحديث، من كبار [١٠]. قال أبو طالب، عن أحمد: ثبت متقن، لا يؤخذ عليه حرف واحد. وقال ابن معين: أبو عمر الحوضيّ ثقة. وقال ابن المدينيّ: اجتمع أهل البصرة على عدالة أبي عمر الحوضيّ، وعبد اللَّه بن رجاء. وقال صاعقة: هذا أثبت من ابن رجاء. وقال عبيد اللَّه بن جرير بن جَبَلَة: أبو عمر صاحب كتاب متقن. وقال يعقوب بن شيبة: كان من المتثبتين. وقال أبو حاتم: صدوق متقن، أعرابيّ فصيح، وقيل له: الحوضيّ أحبّ إليك، أو عليّ بن الجعد، أو عمرو بن مرزوق؟ قال: الحوضيّ، وكان يأخذ الدراهم. وسئل أبو العباس الدُّوريّ عن أبي حُذيفة، والحوضيّ؟ فقال: الحوضيّ أوثق، وأحسن حديثًا وأشهر، والحوضيّ كان يُعدّ مع وهب بن جرير، وعبد الصمد، حدث عن شعبة أحاديث صحاحًا. ووثقه ابن قانع، وابن وضّاح، ومَسلَمَة، والدارقطنيّ. وقال السمعانيّ: منسوب إلى الحوض، وكان صدوقا ثبتا. قال البخاريّ وغيره: مات سنة (٢٢٥). روى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى له المصنف بواسطة حديثين فقط، هذا ٢٠٩٦ وفي «كتاب القسامة»- ٤٧٢٨ حديث وائل بن حجر - ﵁ - في قصة الذي ضرب رأس صاحبه بالمنقار فقتل. ٣ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبت فقيه، من كبار [٨] ٣/ ٣. ٤ - (معمر) بن راشد، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] ١٠/ ١٠. ٥ - (النعمان بن راشد) الجزريّ، أبو إسحاق الرّقّيّ، صدوق سيء الحفظ [٦] ١٧١/ ١١٤٠. [تنبيه]: قوله (حدثنا معمر والنعمان الخ) وفي رواية أحمد في «مسنده»: «حدثنا معمر، ونعمان، أو أحدهما الخ» بالشك. انتهى. ٦ - (الزهريّ) الإمام المشهور المذكور في السند الماضي. ٧ - (عروة) بن الزبير، أبو عبد اللَّه المدنيّ الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٠/ ٤٤. ٨ - (عائشة) أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها - ٥/ ٥. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-. وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة. وفيه عائشة - رضي اللَّه تعالى عنها - من المكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَائِشَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) ولفظ أحمد: «ما لعن رسول اللَّه - ﷺ - مسلما …» (مِنْ لَعْنَةٍ) «من» زائدة، و«لعنة» مفعول مطلق لـ «لعن» (تُذْكَرُ) بالبناء للمفعول، والجملة صفة «لعنة». قال السنديّ -﵀- تعالى: وكأن المراد أنه ما كان يلعن على كثرة؛ لأن من يُكثر اللعنة، تُذكر لعنته، ومن يُقل لعنته تُنسى لعنته، إن حصل منه مرّة اتفاقا. واللَّه تعالى أعلم انتهى. زاد في رواية أحمد: «ولا انتقم لنفسه شيئا، يُؤتى إليه، إلا أن تُنتهك حرمات اللَّه -﷿-، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يضرب بها في سبيل اللَّه، ولا سُئل شيئا قط، فمنعه إلا أن يسأل مأثما، فإنه كان أبعد الناس منه، ولا خُيّر بين أمرين قط، إلا اختار أيسرهما». (كَانَ إِذَا كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ، بجبْرِيلَ - ﵇ -) أي قريب وقت بزيارة جبريل - ﵇ - له (يُدَارِسُهُ)، أي القرآن. والجَمَلة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه مدارسًا له القرآن (كَانَ أَجْوَدَ بالْخَيْرِ، مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) أي المطلقة، وتقدم الكلام على وجه التشبيه بها في الحدَيث الماضي. وباللَّه تعالى التوفيق. (قَالَ: أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ) النسائيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- (هَذَا خَطَأٌ) أي هذا الحديث بزيادة قصّة كونه - ﷺ - أجود من الريح المرسلة، عند ملاقاة جبريل - ﵇ - خطأ (وَالصَّوَابُ حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ) الذي تقدّم قبل هذا، وهو أنه من رواية الزهريّ، عن عبيد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبة، عن عبد اللَّه بن عباس - ﵄ -، بذكر قصّة جوده - ﷺ - فقط (وَأَدْخَلَ هَذَا) أي الراوي الذي رواه هكذا (حَدِيثًا فِي حَدِيثٍ) يعني أنه أدخل حديث الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس في حديثه عن عروة، عن عائشة، فساقهما مساقا واحدًا بالسند الثاني، مع أن الصواب أنهما حديثان بالإسنادين المذكورين. واللَّه تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الحديث ضعيف، وقد بين المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- وجه ضعفه، حيث قال: إنه خطأ، وأن الصواب ما تقدّم من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ. [فإن قيل]: كيف رجّح المصنّف -رحمه اللَّه تعالى- رواية يونس مع تفرّده على رواية معمر، والنعمان بن راشد؟. [أجيب]: بأن حمادًا شك في شيخه، فقال: حدثنا معمر، ونعمان، أو أحدهما، فقد روى الحديث أحمد في «مسنده»، فقال: ٢٣٨٣٧ - حدثنا عفان، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا معمر ونعمان، أو أحدهما، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: «ما لعن رسول اللَّه - ﷺ - مسلما، من لعنة تُذكر، ولا انتقم لنفسه شيئا، يُؤتَى إليه، إلا أن تنتهك حرمات اللَّه -﷿-، ولا ضرب بيده شيئا قط، إلا أن يَضرِب بها في سبيل اللَّه، ولا سُئل شيئا قط، فمنعه، إلا أن يُسأل مأثما، فإنه كان أبعد الناس منه، ولا خُيِّر بين أمرين قط، إلا اختار أيسرهما، وكان إذا كان حديث عهد بجبريل، - ﵇ -، يدارسه، كان أجود بالخير، من الريح المرسلة». انتهى. و«النعمان بن راشد» سيء الحفظ، فلعل حمادًا رواه عنه، فكان هذا الخطأ منه، فتكون رواية يونس التي لا شكّ فيها أرجح. واللَّه تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا -٢/ ٢٠٩٦ - وفي «الكبرى» ٢/ ٢٤٠٦ - . وأخرجه أحمد ٢٣٨٣٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣ - (بَابُ فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَان) ٢٠٩٧ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حُجر) السَّعْديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (إسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقي المدنيّ القارىء، ثقة ثبت [٨] ١٦/ ١٧. ٣ - (أبو سهيل) نافع بن مالك أبي عامر الأصبحيّ التيميّ المدنيّ، ثقة [٤] ٤/ ٤٥٨. ٤ - (مالك بن أبي عامر) بن عمرو بن الحارث بن أبي غَيمان -بالغين المعجمة المعجمة، والتحتانيّة- الأصبحيّ، جدّ مالك بن أنس إمام دار الهجرة، تابعي كبير، ثقة [٢] ٤/ ٤٥٨. ٥ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وأنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فمروزيّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الراوي عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الأحاديث، روى (٥٣٧٤) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ) مأخوذ من الرمضاء، يقال: رَمِضَ النهارُ، كفرح: اشتدّ حره، وقدمه احترقت من الرمضاء، أي الأرض الشديدة الحرارة، وسمي شهر رمضان به؛ إما لارتماض الصائمين فيه من حرّ الجوع والعطش، أو لارتماض الذنوب فيه، أو لرمض الحرّ وشدّة وقوعه فيه حال التسمية؛ لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمَض الحرّ، أي شدّته. وقال الفيّوميّ: الرمضاء: الحجارة الحامية من حر الشمس، ورَمِضَ يومنا رَمَضًا، من باب تَعِب: اشتدّ حرّه، ورَمِضت قَدَمُهُ: احترقت من الرمضاء، ورمِضت الفِصَال: إذا وجدت حرّ الرمضاء، فاحترقت أخفافها، ورمضان اسم للشهر، قيل: سمّي بذلك لأن وضعه وافق الرمَضَ، وهو شدّة الحرّ، وجمعه رمضانات، وأرمضاء، وعن يونس أنه سمع رَمَاضِين، مثلُ شَعَابين انتهى . (فُتِّحَتْ) بالبناء للمجهول، وبتخفيف التاء، وروي بتشديدها. وقال الزرقانيّ: بتشديد الفوقية، ويجوز تخفيفها. وقال القاري: بالتخفيف، وهو أكثر كما في التنزيل، وبالتشديد لتكثير المفعول انتهى (أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) أي تقريبًا للرحمة للعباد، ولهذا جاء في رواية أخرى: «أبواب الرحمة»، وفي أخرى: «أبواب السماء». وهذا يدلّ على أن أبواب الجنة كانت مغلقة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ الآية [ص: ٥٠]؛ لأن ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتّحة (وَغُلِّقَتْ) بالبناء للمجهول، وبتشديد اللام (أَبْوَابُ النَّارِ) أي تبعيدًا للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي أيضا أن أبواب النار كانت مفتوحة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية [الزمر: ٧١]؛ لجواز أن يكون هناك غلق قبيل ذلك. وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان، وتعذيبهم بالنار فيه، إذ يكفي في تعذيبهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكبار. أفاده السنديّ (وَصُفِّدَتِ الشِّيَاطِينُ») بالبناء للمفعول أيضًا، وبتشديد الفاء: أي شددت، وأوثقت بالأغلال. وفي الرواية الآتية:«وسُلسلت»، وهو بمعناه، ولا ينافيه وقوع المعاصي؛ إذ يكفي في وجود المعاصي شرارة النفس، وخباثتها، ولا يلزم أن تكون كل معصية بواسطة شيطان، وإلا لكان لكلّ شيطان شيطان، ويتسلسل، وأيضًا معلوم أنه ما سبق إبليس شيطان آخر، فمعصيته ما كانت إلا من قبل نفسه. واللَّه تعالى أعلم . وقال في«الفتح»: قال الحليميّ: يحتمل أن يكون المراد من الشياطين مسترقو السمع منهم، وأن تسلسلهم يقع في ليالي رمضان دون أيامه؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل مبالغة في الحفظ. ويحتمل أن يكون المراد أن الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره؛ لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات، وبقراءة القرآن والذكر. وقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم، وترجم لذلك ابن خزيمة في «صحيحه»، وأورد ما أخرجه هو والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفّدت الشياطين، ومردة الجنّ». وأخرجه النسائيّ من طريق أبي قلابة، عن أبي هريرة، بلفظ: «وتُغلّ فيه مردة الشياطين»، زاد أبو صالح في روايته: «وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يُفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنّة، فلم يُغلق منها باب، ونادى مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشرّ أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كلّ ليلة»، لفظ ابن خُزيمة، وقوله: «صُفّدت» بالمهملة المضمومة، بعدها فاء ثقيلة مكسورة: أي شدّت بالأصفاد، وهي الأغلال، وهي بمعنى «سُلسلت»، ونحوه للبيهقيّ من حديث ابن مسعود، وقال فيه: «فتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها بابٌ الشهرَ كلّه». قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره، وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين. ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقلّ إغواؤهم، فيصيرون كالمصفّدين. قال: ويؤيّد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية يونس، عن ابن شهاب، عند مسلم: «فتحت أبواب الرحمة»، قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الرحمة عبارة عما يفتحه اللَّه لعباده من الطاعات، وذلك أسباب لدخول الجنّة، وغلقُ أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآئلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن تعجيزهم عن الإغواء، وتزيين الشهوات. قال الزين ابن المنيّر: والأول أوجه، ولا ضرورة تدعو إلى صرف اللفظ عن ظاهره. وأما الرواية التي فيها «أبواب الرحمة»، و«أبواب السماء» فمن تصرف الرواة، والأصل أبواب الجنّة بدليل ما يقابله، وهو غلق أبواب النار. واستدلّ به على أن الجنّة في السماء؛ لإقامة هذا مقام هذه الرواية، وفيه نظر. وجزم التوربشتيّ شارح «المصابيح» بالاحتمال الأخير، وعبارته: فتح أبواب السماء كناية عن تنزّل الرحمة، وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارة ببذل التوفيق، وأخرى بحسن القبول، وغلق أبواب جهنم كناية عن تنزّه أنفس الصوّام عن رجس الفواحش، والتخلّص من البواعث عن المعاصي بقمع الشهوات. وقال الطيبيّ: فائدة فتح أبواب السماء توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من اللَّه بمنزلة عظيمة، وفيه إذا علم المكلّف ذلك بإخبار الصادق ما يزيد في نشاطه، ويتلقّاه بأريحيّة. وقال القرطبيّ بعد أن رجّح حمله على ظاهره: [فإن قيل]: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفّدت الشياطين لم يقع ذلك. [فالجواب]: أنها إنما تقلّ عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفّد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلّهم، كما تقدّم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقلّ من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شرّ، ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسيّة. وقال غيره: في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلّف، كأنه يقال له: قد كفّت الشياطين عنك، فلا تعتلّ بهم في ترك الطاعة، ولا فعل المعصية انتهى ما
مصادر المؤلف (٧)

١. - وفي نسخة: «أخبرني».

٢. - معناه بالعربية: الزّرّاع. وبذْدِزْبَه كان مجوسيا، ومات عليها، والمغيرة ولده أسلم على يدي يمان الجعفيّ، والي بخارى، أبي جدّ عبد اللَّه بن محمد المسنديّ، شيخ البخاريّ، نسب إليه البخاريّ نسبة ولاء الإسلام، فقيل له: الجعفيّ

٣. - وعبارة المزي في «تهذيب الكمال»: … بخطه عن أبي محمد ابن النحاس، عن حمزة، عن النسائيّ: حدثنا محمد بن إسماعيل، وهو أبو بكر الطبرانيّ.

٤. - بغية الراغب المتمتي ص ١٠٢ - ١٠٥. بتحقيق الدكتور عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم العبد اللطيف، وقد تقدّم ذكر الرسالة بنصّها في مقدمة هذا الشرح في «المسألة الخامسة عشرة».

٥. - «تهذيب التهذيب» ج ٣ ص ٥١١ طبعة مؤسسة الرسالة.

٦. - «المصباح» في مادة رمض.

٧. - انظر «شرح السنديّ» ج ٤ ص ١٢٦ - ١٢٧.