HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢١١٦

أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شَبِيبٍ أَبُو عُثْمَانَ وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا بِطَرَسُوسَ قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ: «أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَالَ: أَلَا إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَاءَلْتُهُمْ، وَإِنَّهُمْ حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَانْسُكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ٤ ص ١٣٢

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٢٨٧
وقوله: «أذن» بتشديد الذال من التأذين، وهو الإعلام، أي أعلم الناس بالصوم غدًا. وقال السنديّ: من التأذين، أو الإيذان، والمراد مطلق النداء والإعلام انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون من الإيذان لا يوافقه ظاهر اللفظ، لأن فعل الأمر منه آذِنْ -بالمدّ، وكسر الذال المعجمة، مخففة- فإن صحت الرواية به أيضًا فذاك، وإلا فما وافق ظاهر اللفظ متعيّن. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١١٤ - (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مُرْسَلٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق ثالث ساقه لبيان الخلاف على سفيان الثوريّ، فإن رواية الفضل المتقدّمة كانت موصولة، وهذه مرسلة. و«أبو داود»: هو عُمَر بن سَعْد الْحَفَريّ -بفتح الحاء المهملة، والفاء- نسبة إلى موضع بالكوفة، ثقة عابد [٩] ١٥/ ٥٢٣. وقوله: «مرسل» بالرفع خبر لمحذوف، أي هو مرسل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١١٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ نُعَيْمٍ، مِصِّيصِيٌّ، - قَالَ: أَنْبَأَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مُرْسَلٌ). قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا طريق رابع ساقه لبيان الاختلاف على سفيان أيضًا، فقد وافق عبد اللَّه بن المبارك أبا داود الحَفَريّ في الإرسال. وغرض المصنّف منه بيان أن الصواب في رواية سفيان، عن سماك لهذا الحديث هو الإرسال؛ لكثرة من رواه عن سفيان كذلك، وإنما وصله الفضل بن موسى، وهو دون ابن المبارك، وأبي داود الحَفَريّ في الحفظ والإتقان. وكذا وافقهما شعبة في الإرسال، فقد أخرجه الدارقطني في «سننه» ج ٢ ص ١٥٩ - من طريق شعبة، عن الثوريّ، عن سماك، عن عكرمة، مرسلًا. لكن الحديث صحيح؛ لأنه يشهد له حديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما تقدّم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١١٦ - (أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شَبِيبٍ، أَبُو عُثْمَانَ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا، بِطَرَسُوسَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَدَلِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ، فَقَالَ: أَلاَّ إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَسَاءَلْتُهُمْ، وَأَنَّهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ، فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إبراهيم بن يعقوب) الْجُوزَجَانيّ، نزيل دمشق ثقة حافظ، رمي بالنصب [١١] ١٢٢/ ١٧٤. ٢ - (سعيد بن شبيب) -بفتح المعجمة، وموحّدتين، بينهما تحتانيّة ساكنة- أبو عثمان الحضرميّ المصريّ، صدوق [١٠]. قال إبراهيم الْجُوزَجانيّ: وكان شْيخا صالحا. انفرد به أبو داود، والمصنّف، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٣ - (ابن أبي زائدة) يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ الحافظ المتقن، من كبار [٩] ١٤٤/ ٢٢٦. ٤ - (حسين بن الحارث الْجَدَليّ) -بفتح الجيم- أبو القاسم الكوفيّ، صدوق [٣]. قال ابن المدينيّ معروف. وذكره ابن حبّان في «الثقات». انفرد به أبو داود، والمصنّف أيضًا، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. ٥ - (عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب) العدويّ، وُلِد في حياة النبيّ - ﷺ -، واستُشهِد أبوه باليمامة، وولي إمرة مكّة ليزيد بن معاوية، وقيل: كان اسمه محمدًا، فغيّره عمر - ﵁ -. قال مصعب: كان من أطول الرجال، وأتمّهم، وزوّجه عمر بنته فاطمة. وقال محمد ابن عبد العزيز الزهريّ: وُلد وهو ألطف مَن وُلد، فأخذه جدّه، أبو أمه، أبو لبابة في لِيفة، فجاء به النبيّ - ﷺ -، فحنّكه، ومسح على رأسه، ودعا له بالبركة، قال: فما رئي عبد الرحمن بن زيد مع قوم في صفّ إلا برعهم طولًا. وقال خليفة: ولاه يزيد بن معاوية مكة سنة (٦٣) قال البخاريّ: مات قبل ابن عمر. وقال ابن سعد: مات النبيّ - ﷺ -، وله ست سنين، ومات في زمن ابن الزبير. وقال ابن حبان في «الصحابة»: وُلد سنة هاجر النبيّ - ﷺإلى المدينة. وقال العسكريّ: لم يرو عن النبيّ - ﷺ - شيئا. انفرد به المصنّف، أخرج له حديث الباب فقط. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، أنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ، فِي الْيَوْمِ الّذِي يُشَكُّ فِيهِ) بالبناء للمفعول، أي يشك الناس في كوَنه من شعبان، أو من رمضان (فَقَالَ: أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وسَاءَلْتُهُم) ولفظ «الكبرى» «وسألتهم» ثلاثيا، والأول مُفاعلة، من السؤال، وليس معنى المفاعلة مرادا هنا، إذ المراد أنه سألهم، لا أنهم سألوه، لأنه المحتاج إلى سؤالهم، فإنه تابعيّ يحتاج أن يسأل الصحابة - ﵃ - عن سنة رسول اللَّه - ﷺ -. ويحتمل أن تكون المفاعلة على بابها، ويكون المعنى أنه سألهم عن السنة، وهم سألوه عن الأمور الدنيويّة، ويؤيّد هذا كونه أميرًا على مكة، كما تقدّم في ترجمته. واللَّه تعالى أعلم (وَإنُهُمْ حَدَّثُونِي، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي صوموا فرض رمضان لرؤية الهلال، فالضمير يفسّره سياق الكلام، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤]. أفاده ابن الملقّن في»الإعلام« (وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) أي لا تفطروا قبل رؤية هلال شوّال بلا عذر مبيح (وَانْسُكُوا لَهَا) أمر من نَسَك يَنسُك، من باب نصر، أي اذبحوا نسككم، وهي الأضحيّة، أو المراد أداء النسك، وهو الحجّ، فكلّ من الأضحيّة، والحجّ لا بدّ له من رؤية هلال ذي الحجة (فَإِن غُمَّ عَلَيْكُمْ) -بضمّ الغين المعجمة، وتشديد الميم، والبناء للمفعول-: أي حال بينكم، وبين الهلال غيم، أو ضَبَاب. وقال الزركشيّ في«التنقيح»: فيه ضمير يعود على الهلال، أي سُتِر، من غيّمت الشيءَ: سترتُهُ، وليس من الغيم، ويقال فيه: غُمِيَ، وغُمِّيَ، مخففًا، ومشدّدًا، رباعيًا، وثلاثيّا انتهى (فَأَكْمِلُوا ثَلَاِثينَ) أي أكملوا عدّة شعبان ثلاثين يومًا (فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ) وفي رواية أحمد:«فإن شهد شاهدان مسلمان»، وفي رواية الدارقطنيّ:«فإن شهد ذوا عدل»(فَصُومُوا، وَأَفْطِرُوا«) زاد في رواية الدارقطنيّ: »وانسُكوا« واللَّه تعالى أعلم. [تنبيه]: أخرج الدارقطنيّ في «سننه» نحو حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب المذكور، فأخرج من طريق عباد بن العوّام، عن أبي مالك الأشجعيّ، عن حسين بن الحارث الجَدَليّ، -جَدِيلَة قيس-: أن أمير مكّة خطبنا، فنَشَدَ الناسَ، فقال: من رأى الهلال ليوم كذا وكذا؟ ثم قال: «عهد إلينا رسول اللَّه - ﷺ - أن ننسُك للرؤية،، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما». قال: فسألت الحسين بن الحارث مَن أمير مكة؟ قال: لا أدري، ثم لقيني بعدُ، فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمد بن حاطب. قال الدارقطنيّ: هذا إسناد متّصل صحيح. وأخرجه أيضًا بسند آخر، وزاد فيه: وقال: إن فيكم مَن هو أعلم باللَّه ورسوله، وأشار رجل خلفه. قلت: من هو؟ قال: ابن عمر، فقال ابن عمر: بذلك أمرنا رسول اللَّه - ﷺ -. ثم ذكر عن إبراهيم الحربيّ، أنه قال: هو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر ابن خُبيب بن وهب بن حذيفة بن جُمَح، كان من مهاجرة الحبشة انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن أصحاب رسول اللَّه - ﷺورضي اللَّه تعالى عنهم- صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، أخرجه هنا-٨/ ٢١١٦ - وفي «الكبرى» ٩/ ٢٤٢٦. وأخرجه (أحمد) ١٨١٣٧ والدارقطنيّ في «سننه»جـ٢ ص ١٦٧ - ١٦٨. واللَّه تعالى أعلم. المسألة الثانية: في فوائده: (منها): أن وجوب صوم رمضان يتعلّق برؤية هلال رمضان، فلا يصحّ الصوم بحساب القمر (ومنها): أنه لا يجوز الفطر من رمضان إلا برؤية هلال شوّال (ومنها): أن النسك، من الحجّ، وكذا الأضحيةُ لا يدخل وقته إلا برؤية هلال ذي الحجة (ومنها): أنه إذا كان في السماء حجاب يحجب عن رؤية الهلال لزم إكمال ثلاثين يومًا (ومنها): أن شهادة عدلين برؤبة الهلال يلزم بها الصوم والفطر، والحجّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة: في ذكر اختلاف أهل العلم فيما يثبت به هلال رمضان: قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف، وفي ثبوته بعدل خلاف، الصحيح ثبوته، وسواء أَصْحَت السماء ، أو غَيَّمَت. وممن قال: يثبت بشاهد واحد عبد اللَّه بن المبارك، وأحمد بن حنبل، وآخرون. وممن قال: يشترط عدلان عطاء، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والأوزاعيّ، والليث، وابن الماجشون، وإسحاق بن راهويه، وداود. وقال الثوريّ: يشترط رجلان، أو رجل وامرأتان. كذا حكاه ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين، قال: وإن كانت مصحية لم يثبت رمضان بواحد، ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة. واحتجّ لأبي حنيفة بأنه يبعد أن ينظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال، وأبصارهم صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد، أو اثنان دونهم. واحتجّ من شرط اثنين بحديث الحارث بن حاطب، وهو صحيح. واحتجّ أصحابنا بحديث ابن عمر - ﵄ -، قال: «تراءى الناس الهلال، فأخبرت النبيّ - ﷺأني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه»، وهو صحيح. قال: وأما حديث طاوس، عن ابن عمر، وابن عباس، - ﵃ - قالا: إن رسول اللَّه - ﷺ - أجاز شهادة رجل واحد على هلال رمضان، وكان لا يُجيز على شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين»، فرواه البيهقيّ، وضعفه. قال: وهذا مما لا ينبغي أن يُحتجّ به. قال: وفي الحديثين السابقين كفاية. ثم روى البيهقيّ بإسناده ما رواه الشافعيّ في«المسند»وغيره بإسناده الصحيح إلى فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵁ -:«أن رجلا شهد عند عليّ - ﵁ - على رؤية هلال رمضان، فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس بالصيام، وقال: لأنّ أصوم يوما من شعبان أحبّ إلي من أن أفطر يومًا من رمضان». و(الجواب) عفا احتجّ به أبو حنيفة من وجهين: (أحدهما): أنه مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا يعرّج عليه. (والثاني): أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم لحسن نظره، أو غير ذلك، وليس هذا ممتنعًا، ولهذا لو شهد برؤيته اثنان، أو واحد، وحكم به حاكم لم يُنقَض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلًا لم ينفذ حكمه، ووجب نقضه. (والجواب): عفا احتجّ به الآخرون أن المراد بقوله:«ننسُك» هلال شوال، جمعًا بين الأحاديث، أو محمول على الاستحباب والاحتياط، ولا بدّ من أحد هذين التأويلين للجمع بين الأحاديث. انتهى كلام النووي -رحمه اللَّه تعالى- . وقال الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد ذكر اختلاف الأقوال: ما حاصله: واستدلّوا - يعني القائلين باعتبار شهادة الاثنين- بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وبحديث أمير مكة، فإن ظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا الحديثين المتقدمين -يعني حديث ابن عباس، وابن عمر - ﵄السابقين- باحتمال أن يكون قد شهد عند النبيّ - ﷺ - غيرهما. وأجاب الأولون -يعني القائلين بالاكتفاء بشهادة رجل واحد- بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم، وحديثا عبد الرحمن بن زيد، وأمير مكة يدلان على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المذكور، فتعسّف وتجويز، لو صحّ اعتبار مثله لكان مفضيًا إلى طرح أكثر الشريعة. قال: واختلفوا أيضًا في شهادة خروج رمضان، فقال النووي في «شرح مسلم»: لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوّال عند جميع العلماء، إلا أبا ثور، فجوّز بعدل انتهى. واستدلّوا بحديث ابن عمر، وابن عباس المتقدم، وهو مما لا تقوم به حجة؛ لما تقدّم من ضعف من تفرّد به، وهو حفص بن عمر الأيليّ. وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة، فهما واردان في شهادة دخول رمضان، أما حديث أمير مكة فظاهر؛ لقوله فيه: «نسكنا بشهادتهما». وأما حديث عبد الرحمن بن زيد ففي بعض ألفاظه: «إلا أن يشهد شاهدا عدل»، وهو مستثنى من قوله: «فأكملوا عدة شعبان»، فالكلام في شهادة دخول رمضان، وأما لفظ أحمد: «فإن شهد مسلمان، فصوموا، وأفطروا»، وكذا لفظ النسائيّ: «فإن شهد شاهدان، فصوموا، وأفطروا»، فمع كون مفهوم الشرط، قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضًا معارض بما تقدّم من قبوله - ﷺ - لخبر الواحد في أول الشهر، وبالقياس عليه في آخره لعدم الفارق، فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به، وإذا لم يرد ما يدلّ على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلّة الصحيحة، فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسًا على الاكتفاء به في الصوم. وأيضًا التعبّد بقبول خبر الواحد يدلّ على قبوله في كلّ موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبّد فيه بخبر الواحد؛ كالشهادة على الأموال ونحوها، فالظاهر ما قاله أبو ثور. ويمكن أن يقال: إن مفهوم حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قد عورض في أول الشهر بما تقدّم، وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته، لا سيّما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدّم، وهو وإن كان ضعيفًا، فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد، فيصلح ذلك المفهوم المعتضد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد من التعبّد بأخبار الآحاد، والمقام محلّ نظر. ومما يؤيّد القول بقبول الواحد مطلقًا أن قبوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند كمال العدّة استنادًا إلى قبوله. وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنا، لا صريحًا. وفيه نظر. انتهى كلام الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجح عندي قول من قال: يثبت هلال رمضان بشهادة رجل واحد؛ لصحة حديث عكرمة عن ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما -، الذي تقدّم للمصنّف، وحديث ابن عمر - رضي اللَّه تعالى عنهما - عند أبي داود وغيره، فهذا
مصادر المؤلف (٥)

١. -«الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ج ٤ ص ١٧١ - ١٧٢.

٢. - انظر «زهر الربى» ج ٤ ص ١٣٣ - ١٣٤.

٣. - «سنن الدارقطنيّ» ج ٢ ص ١٦٧.

٤. - يقال: أصحت السماء بالألف، فهي مُصحية: انكشف غَيْمها. قاله في «المصباح».

٥. - «المجموع» ج ٦ ص ٢٩٢ - ٢٩٤.