«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٢٩ - (تَأْوِيلُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧])
٢١٦٨ - (أَخْبَرَنِي هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى، لَمْ يَحِلَّ لَهُ، أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إِلَى ﴿الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: وَنَزَلَتْ فِي أَبِي قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو، أَتَى أَهْلَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ، بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ، وَلَكِنْ أَخْرُجُ، أَلْتَمِسُ لَكَ عَشَاءً، فَخَرَجَتْ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ، فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا، وَأَيْقَظَتْهُ، فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا، وَبَاتَ، وَأَصْبَحَ صَائِمًا، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَغُشِىَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هلال بن العلاء بن هلال) «الباهليّ مولاهم، أبي عمرو الرّقّيّ، صدوق [١١] ١٠/ ١١٩٩. من أفراد المصنّف.
٢ - («حسين بن عيّاش») السلميّ مولاهم، أبو بكر البَاجَدَّائيّ، ثقة [١٠] ١٥/ ١٤٨٤.
٣ - (زهير) بن معاوية بن حُدَيج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، ثقة ثبت [٧] ٣٨/ ٤٢.
[تنبيه]: سماع زهير من أبي إسحاق -رحمهما اللَّه تعالى- بعد اختلاطه، لكن لم ينفرد هنا، فقد تابعه إسرائيل بن يونس عند البخاريّ في«صحيحه»، فرواه عن أبي إسحاق، كما سيأتي في المسائل، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ الكوفيّ، ثقة عابد اختلط بآخره [٣] ٣٨/ ٤٢.
٥ - (البراء بن عازب) بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن
الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، استُصغر يوم بدر، ومات سنة (٧٢)، وتقدّم في ٨٦/ ١٠٥. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، وشيخ شيخه، فإنهما من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين، غير شيخه، فرقّيّ. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) - ﵁ - (أَنَّ أَحَدَهُمْ) أي الصحابة. ولفظ البخاريّ، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق: «كان أصحاب محمد - ﷺ - إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته، ولا يومه حتى يُمسي …» (كَانَ إِذَا نَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَشَّى) أي قبل أن يفطر من صومه (لَمْ يَحِلّ لَهُ، أَنْ يَأْكُلَ شَيْئًا، وَلَا يَشْرَبَ لَيْلَتَهُ وَيَوْمَهُ مِنَ الْغَدِ، حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) وفي رواية أبي الشيخ من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: «كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون، ويشربون، ويأتون النساء، ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها».
قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: فاتفقت الروايات في حديث البراء على أن المنع من ذلك مقيدٌ بالنوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره، وقيد المنع من ذلك في حديث ابن عباس - ﵄ - بصلاة العتمة. أخرجه أبو داود بلفظ: «كان الناس على عهد رسول اللَّه - ﷺ - إذا صلّوا العتمة حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء، وصاموا إلى القابلة». ونحوه في حديث أبي هريرة - ﵁ -، كما سيأتي قريبًا، وهذا أخصّ من حديث البراء من وجه آخر، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء لكون ما بعدها مظنّة النوم غالبًا، والتقييد في الحقيقة إنما هو بالنوم؛ كما في سائر الأحاديث.
وبيّن السدّيّ وغيره أن ذلك الحكم كان على وفق ما كُتب على أهل الكتاب، كما أخرجه ابن جرير من طريق السدّيّ، ولفظه: «كُتِب على النصارى الصيام، وكُتب عليهم أن لا يأكلوا، ولا يشربوا، ولا يَنكحوا بعد النوم، وكُتب على المسلمين أوّلًا مثلُ ذلك حتى أقبل رجل من الأنصار …»، فذكر القصة.
ومن طريق إبراهيم التيميّ: «كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يَطعَم حتى القابلة». ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عمرو بن العاص، مرفوعًا: «فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل
الكتاب أكلة السحر» .
(حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ إلي ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ قَالَ) البراء - ﵁ - (وَنَزَلَتْ فِي أَبيِ قَيْسِ ابنِ عَمرٍو) هكذا وقع في رواية زُهير، عن أبي إسحاق عند المصنّف وأحمد، ووقع عند البخاريّ، من طريق إسرائيل أنه قيس بن صِرْمة الأنصاريّ -بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء-. قال في «الفتح»: ولم يُختلف على إسرائيل فيه، إلا في رواية أبي أحمد الزبيري عنه، فقال: «صِرْمَة بن قيس». أخرجه أبو داود، ولأبي نُعيم في «المعرفة» من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، قال: وكذا رواه أشعث بن سَوّار، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي حديث السدّيّ المذكور: «حتى أقبل رجل من الأنصار، يقال له:»أبو قيس بن صِرْمة«. ولابن جرير من طريق ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبّان -بفتح المهملة، وبالموحّدة الثقيلة- مرسلًا:»صرمة بن أبي أنس«. ولغير ابن جرير من هذا الوجه:»صِرْمة بن قيس«، كما قال أبو أحمد الزبيري، وللذهليّ في»الزُّهْريات«من مرسل القاسم بن محمد:»صِرْمة بن أنس«. ولابن جرير من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى:»صرمة بن مالك«.
والجمع بين هذه الروايات أنه أبو قيس صِرْمة بن أبي أنس بن مالك بن عديّ بن عامر ابن غنم بن عديّ بن النجّار، كذا نسبه ابن عبد البرّ وغيره، فمن قال:«قيس بن صرمة»قلبه، كما جزم الداوديّ، والسهيليّ، وغيرهما بأنه وقع مقلوبًا في رواية حديث الباب، ومن قال:«صِرْمة بن مالك»نسبه إلى جدّه، ومن قال:«صرمة بن أنس»حذف أداة الكنية من أبيه، ومن قال«أبو قيس بن عمرو»أصاب كنيته، وأخطأ في اسم أبيه، وكذا من قال:«أبو قيس بن صِرْمة»، وكأنه أراد أن يقول:«أبو قيس صرمة»، فزاد فيه«ابن»، وقد صحّفه بعضهم، فرويناه في«جزء إبراهيم بن أبي ثابت»من طريق عطاء، عن أبي هريرة، قال:«كان المسلمون إذا صلّوا العشاء حرم عليهم الطعام، والشراب، والنساء، وإن ضمرة بن أنس الأنصاريّ غلبته عينه … »الحديث. وقد استدرك ابن الأثير في«الصحابة»ضمرة بن أنس في حرف الضاد المعجمة على من تقدّمه، وهو تصحيف وتحريف، ولم يتنبّه له، والصواب صرمة ابن أبي أنس، كما تقدّم.
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيَّن مما سبق أن الصواب في اسمه صرمة بن أبي أنس، وكنيته أبو قيس. واللَّه ﷾ أعلم بالصواب.
[تنبيه]: صرمة بن أبي أنس مشهور في الصحابة، يُكنى أبا قيس، قال ابن إسحاق فيما أخرجه السرّاج في«تاريخه»من طريقه بإسناده إلى عُوَيم بن ساعدة، قال: قال صرمة بن أبي أنس، وهو يذكر النبيّ - ﷺ -[من الطويل]:
ثَوَى فِي قُرَيش بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى صَدِيقًا مُوَاتِيًا
........ الأبيات. قال ابن إسحاق: وصِرْمة هذا هو الذي نزل فيه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية. قال: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: كان أبو قيس ممن فارق الأوثان في الجاهليّة، فلما قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة أسلم، وهو شيخ كبير، وهو القائل [من الطويل]:
يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيًا … أَلَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ وَصَاتِيَ فَافْعَلُوا
........ الأبيات .
(أَتَى أَهْلَهُ، وَهُوَ صَائِمٌ) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل (بَعْدَ الْمَغْرِبِ) ظرف لـ«أتى» (فَقَالَ: هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟) أي من الماكولات. وفي رواية البخاريّ: «فلَما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعام؟ … (فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ) أي مما يؤكل (وَلَكِنْ أَخْرُجُ، أَلتَمِسُ لَكَ عَشَاءَ،) أي أطلب لك ما تتعشّى به. قال في»الفتح«: وظاهره أنه لم يجىء معه بشيء، لكن في مرسل السدّيّ أنه أتاها بتمر، فقال: استبدلي به طحينًا، واجعليه سَخينًا، فإن التمر أحرق جوفي. وفيه: لعلي آكله ساخنًا، وأنها استبدلته له، وصنعته. وفي مرسل ابن أبي ليلى: فقال لأهله: أطعموني، فقالت: حتى أجعل لك شيئًا سخينًا. ووصله أبو داود من طريق ابن أبي ليلى، فقال: حدّثنا
أصحاب محمد - ﷺ -»، فذكره مختصرًا (فَخَرَجَتْ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ) أي لشدة تعبه بكثرة العمل في النهار، ففي رواية البخاريّ: «وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه». وفي لفظ لأبي داود: «يعمل في أرضه»، وفي مرسل السدّيّ: «كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة»، فعلى هذا فقوله: «في أرضه» إضافة اختصاص. قاله في «الفتح» (فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْهُ نَائِمًا) وفي رواية البخاريّ. «فلما رأته، قالت: خيبةً لك» (وَأيْقَظَتْهُ، فَلَمْ يَطْعَمْ شَيْئًا) أي لكون الأكل بعد النوم مُحَرّمًا، وفي مرسل السدّيّ: «فأيقظته، فكره أن يعصي اللَّه، وأبى أن يأكل». وفي مرسل محمد بن يحيى: «فقالت له: كل، فقال: إني قد نِمْتُ، فقالت: لم تنم، فأبى، فأصبح جائعًا مجهودًا» (وَبَاتَ، وَأَصبَحَ صَائِمًا، حَتَّى انْتَصَفَ النهَارُ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي داود: «فلم ينتصف النهار حتى غُشي عليه»، ولا اختلاف بين الروايتين، إذ يمكن حمل الأول على أن الغشي وقع في آخر النصف الأول من النهار. واللَّه تعالى أعلم.
(وَذَلِكَ قَبْلَ أَن تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) أي أنزل اللَّه تعالى الآية المذكورة