HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢١٦٩

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ قَالَ: هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص109
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٤ ص ١٤٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٠ ص٣٨٢
بسببه، فـ «في» سببية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث البراء بن عازب - رضي اللَّه تعالى عنهما - هذا أخرجه البخاريّ. واللَّه أعلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٩/ ٢١٦٨ - وفي «الكبرى»-٢٩/ ٢٤٧٨ وفي «التفسير» منه ٢٧/ ١١٠٢٣. وأخرجه (خ) في «الصوم» رقم ١٩١٥ وفي «التفسير» ٤١٤٨ (د) في «الصوم» ١٩٧٠ (ت) في «التفسير» ٢٨٩٤ (أحمد) ١٧٨٧٠ (الدارميّ) في «الصوم» ١٦٣١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تأويل قوله ﷾: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية، وذلك أن الآية نزلت تخفيفًا عن المسلمين المشقة التي كانوا يلاقونها بسبب تحريم الأكل والشرب، ومجامعة المرأة بعد النوم (ومنها): لطف اللَّه -﷿- بهذه الأمة، وعظيم فضله عليهم بسبب نبيّها المبعوث رحمةً للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، فخفّف عنهم هذه المشقّة (ومنها): ما كان عليه هذا الصحابيّ الجليل - ﵁ - من شدة الورع، والخوف من اللَّه تعالى، مع كونه جائعا مجهودًا، فصبر على ذلك، ولم يتناول الطعام الذي أتت به امرأته، وطلبت منه أن يأكل، لما رأت عليه من آثار الضعف بسبب الجوع، فرجَتْ أن يكون ذلك ضرورة مبيحة للأكل، إلا أنه صبر على الجوع، وبات طاويًا حتى غُشي عليه في منتصف النهار، فأنزل اللَّه تعالى بسببه الآية، فكان سببًا في إزالة هذه المشقّة - ﵁ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من ضيق العيش، وكدّ التعب في طلب القوت، ولا يؤثّر ذلك في سلوكهم، بل يزدادون إقبالًا على الآخرة، ويَسْعَون لها، فكان سعيهمِ مشكورًا، كما قال -﷿-: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] اللهم اجعلنا ممن يريد الآخرة، ويسعى لها سعيها، مؤمنا مخلصًا، حتى يكون سعينا مشكورًا، إنك ولي ذلك، والقادر عليه، آمين آمين آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢١٦٩ - (أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: «هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عليّ بن حجر) السعديّ المروزيّ، ثقة حافظ، من صغار [٩] ١٣/ ١٣. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب [٨] ٢/ ٢. ٣ - (مطرّف) بن طَرِيف الكوفّي، ثقة فاضل، من صغار [٦] ٢/ ٣٢٧. ٤ - (الشعبيّ) عامر بن شَرَراحيل الهمدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقة فقيه فاضل [٣] ٦٦/ ٨٢. ٥ - (عديّ بن حاتم) بن عبد اللَّه بن سعد بن الْحَشْرَج بن امرئ القيس بن عدي بن أخرم بن أبي أخرم بن ربيعة بن جَرْوَل بن ثُعَل بن عمرو بن الغوث بن طيء الطائي، أبو طَرِيف، ويقال: أبو وهب، قَدِم على النبي - ﷺ - في شعبان سنة سبع، رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن عمر - ﵁ -، ورَوَى عنه عَمْرو بن حُرَيث وعبد اللَّه بن مَعْقِل بن مُقَرّن، وتميم بن طَرَفة، وخيثمة بن عبد الرحمن، ومُحِلّ بن خَليفة الطائي، ومُري بن قَطَري، وعامر الشعبي، وعبد اللَّه بن عمرو مولى الحسن، وبلال بن المنذر، وسعيد بن جبير، والقاسم بن عبد الرحمن، وعباد بن حُبيش، وآخرون. قال مُحِلّ بن خَليفة عن عدي ابن حاتم: ما أُقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء. وقال الشعبي عن عدي ابن حاتم: أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يَفرِض للرجل من طيء في ألفين، ويُعرِض عني، فاستقبلته، فقلت: يا أمير المؤمنين أتعرفني، قال: فضحك حتى استلقى لقفاه، وقال: نعم واللَّه إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وعرفت إذ أنكروا، ووفّيت إذ غدروا، وأقبلت إن أدبروا، وإن أول صدقة بَيَّضَت وجه رسول اللَّه - ﷺ -، ووجوه أصحابه صدقة طيء، جئت بها إلى رسول اللَّه - ﷺ -، ثم أخذ يعتذر. وقال الخطيب. لَمّا قُبِض رسول اللَّه - ﷺ - ثبت عدي بن حاتم، وقومه على الإسلام، وجاء بصدقاتهم إلى أَبي بكر، وحضر فتح المدائن، وشهد مع عليّ الجَمَل، وصِفِّين، والنهروان، ومات بعد ذلك بالكوفة، وقتل بقرقيساء. وذكره يعقوب بن سفيان في أمراء علي يوم الجمل ويوم صفين. قال أبو حاتم السجستاني في «كتاب المعمرين»: قالوا: وعاش مائة وثمانين سنة. وقال خليفة: مات بالكوفة سنة (٦٨). وقال جرير، عن مغيرة الضبي: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبد اللَّه، وحنظلة الكاتب من الكوفة، فنزلوا قرقيساء، وقالوا: لا نقيم ببلد يُشتم فيها عثمان. وقال أبو حاتم: وكان متواضعا، ولَمّا أسن استأذن قومه في وِطاء يجلس عليه في ناديهم، كراهية أن يظن أحد منهم أنه يفعل ذلك تعاظمًا، فأَذِنوا له. أخرج له الجماعة، وله من الحديث (٦٦) حديثًا، اتفق الشيخان على ستة أحاديث، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بحديثين، وله في هذا الكتاب (٢٩) حديثًا. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ) الطائيّ - رضي اللَّه تعالى عنه - (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -) وفي رواية البخاريّ من طريق حُصَين بن عبد الرحمن، عن الشعبيّ، عن عديّ بن حاتم - ﵁ - قال: «لما نزلت ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدتُ إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي …» الحديث. قال في «الفتح»: ظاهره أن عديًا كان حاضرًا لما نزلت هذه الآية، وهو يقتضي تقدّم إسلامه، وليس كذلك؛ لأن نزول فرض الصوم كان متقدّمًا في أوائل الهجرة، وإسلام عديّ كان في السنة التاسعة، أو العاشرة، كما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي، فإما أن يُقال: إن الآية التي في حديث الباب تأخّر نزولها عن نزول فرض الصوم، وهو بعيدٌ جدًّا، وإما أن يؤوّل قول عديّ هذا على أن المراد بقوله: «لما نزلت»، أي لما تُليت عليّ عند إسلامي، أو لما بلغني نزول الآية، أو في السياق حذفٌ، تقديره لما نزلت الآية، ثم قدمت، فأسلمت، وتعلّمتُ الشرائع عمدتُ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني هو الأقرب، ثم إن الاحتمال الذي ذكره أخيرًا بمعنى الاحتمال الثاني. واللَّه تعالى أعلم. وقد روى أحمد حديثه من طريق مجالد بلفظ «علّمني رسول اللَّه - ﷺالصلاة، والصيام، فقال: صلّ كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس، فكل حتى يتبيّن لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قال: فأخذت خيطين …» الحديث. (عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾) أي سألته عن المعنى المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود في هذه الآية. (قَالَ) - ﷺ - (هُوَ) راجع إلى المذكور من الخيط الأبيض، والخيط الأسود، أي المعنى المراد مه (سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ») وفي رواية البخاريّ من طريق حُصين المذكورة:«عمدتُ إلى عقال أبيض، وإلى عقال أسود، فجلتهما تحت وسادتي، فجلت انظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول اللَّه - ﷺ -، مذكرت له ذلك، فقال. »إنما ذلك سواد الليل، وبياض اللهار«. وللبخاريّ في »التفسير« من طريق أبي عَوَانة، عن حُصين. »إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك« ولأبي عوانة من طريق إبراهيم بن طهمان، عن مطرّف: »فضحك، وقال«لا»يا عريض القفا«. قال الخطابي -رحمه اللَّه تعالى- في «المعالم»: في قوله: «إن وسادك لعريض» قولان: «أحدهما»: يريد أن نومك لكثير، وكنى بالوساد عن النوم؛ لأذ النائم يتوسّد، أو أراد ليلك لطويل إذا كنت لا تمسك عن الأكل حتى يتبيّن لك العقال. «والقول الآخر»: أنه كنى بالوسادة عن الموضع الذي يضعه من رأسه وعنقه على الوسادة إذا نام، والعرب تقول. فلان عريض القفا إذا كان في غباوة وغفلة. وقد روي في هذا الحديث من طريق أخرى:«إنك عريض القفا»، وجزم الزمخشريّ بالتأويل الثاني، فقال: إنما عرّض النبيّ - ﷺقفا عديّ؛ لأنه غفل عن البيان، وعَرْضُ القفا مما يُستدلّ به على قلّة الفطنة، وأنشد في ذلك شعرًا. وقد أنكر ذلك كثير، منهم القرطبيّ، فقال: حَمَلَه بعضُ الناس على الذمّ له على ذلك الفهم، وكأنه فهم منه أن النبيّ - ﷺنسبه إلى الجهل، والجفاء وعدم الفقه، وربما عضدوا هذا بما روي أنه - ﷺ - قال له: «إنك لعريض القفا»، وليس الأمر كذلك، فإنه حمل اللفظ على حقيقته اللسانية؛ إن هي الأصل، إن لم يتبيّن له دليل التجوّز، ومن تمسّك بهذا الطريق لم يستحقّ ذمًا، ولا يُنسب إلى جهل، وإنما عني بذلك النبيّ - ﷺ - واللَّه أعلم- أن وسادك إن غطّى الخيطين اللذين أراد اللَّه، اللذين هما الليل واللهار، فهو إذًا وسادٌ عريض واسعٌ؛ إذ قد شملهما، وعلاهما، ألا تراه قد قال على إثر ذلك: «إنما هو سواد الليل، وبياض النهار»، فكأنه قال: فكيف يدخلان تحت وسادٍ؟::، وإلى هذا يرجع قوله: «إنك لعريض القفا»؛ لأن هذا الوساد الذي قد غطّى الليل والنهار بعرضه لا يرقد عليه، ولا يتوسّده إلا قفا عريض، حتى يناسب عرضُه عرضَه، وهذا عندي أشبه ما قيل فيه، وأليق، ويدلّ أيضًا عليه ما زاده البخاريّ، قال. «إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادك»، وقد أكثر الناس فيه انتهى كلام القرطبيّ . وقد ترجم عليه ابن حبان في «صحيحه»: [ذكر البيان بأن العرب تتباين لغاتها في أحيائها]، وأشار بذلك إلى أن عديّا لم يكن يعرف في لغته أن سواد الليل، وبياض النهار يُعبّر عنهما بالخيط الأبيض، والخيط الأسود، وساق هذا الحديث . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عديّ بن حاتم - رضي اللَّه تعالى عنه - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٢٩/ ٢١٦٩ - وفي «الكبرى» ٢٩/ ٢٤٧٩ وفي «التفسير» منه ٢٧/ ١١٠٢١. وأخرجه (خ) في، «الصوم» ١٩١٦ و«التفسير» ٤٥٠٩ و٤٥١٠ (م) في «الصيام» ٢٥٢٨ (د) في «الصوم» ٢٠٠٢ (ت) في «التفسير» ٢٨٩٦ و٢٨٩٧ (أحمد) في ١٨٥٦١ (الدارميّ) في «الصوم» ١٦٣٢. واللَّه تعالى أعلم. (لمسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما بوّب له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تأويل الآية المذكورة، وهو واضح؛ لأنه - ﷺ - بين المراد بالخيط الأبيض، والخيط الأسود بأنه سو اد الليل، وبياض النهار (ومنها): حرص الصحابة في العمل بما أُمروا به فيما أنزل اللَّه -﷿-، والسؤال عما خفي عليهم وجه العمل به (ومنها): بيان أن قبائل العرب تتفاوت في لغاتها، فإن هذا الصحابي - ﵁ - لم يعرف استعمال الخيط الأبيض والأسود للمعنى المقصود في الآية حتى بيّن له النبيّ - ﷺ - (ومنها): جواز التوبيخ بالكلام النادر الذي يسير، فيصير مثلًا بشرط صحة القصد، ووجود الشرط عند أمن الغلوّ في ذلك، فإنه مزلّة القدم؛ إلا لمن عصمه اللَّه تعالى. كذا قال ابن المنيّر -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أخرج الشيخان، والمصنف في «التفسير» من «الكبرى» عن سهل بن سعد الساعديّ - ﵁ - قال: «أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض، والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما، فأنزل اللَّه بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يَعنِي الليل والنهار». قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: حديث عديّ يقتضي أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ نزل متّصلًا بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وأن عديّ بن حاتم - ﵁ - حمل الخيط على حقيقته، وفهم من قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من أجل الفجر، ففعل ما فعل بالعقال الأبيض والأسود، وهذا بخلاف حديث سهل بن سعد - ﵁ -، فإن فيه أن اللَّه تعالى لم يُنزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ إلا منفصلًا عن قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، ولما وقع لهم الإشكال حينئذ أنزل اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ رافعًا لذلك الإشكال، وقد قيل: إنه كان بين نزولهما عام كامل. وكأن الحديثين واقعتان في وقتين، ويصحّ الجمع بأن يكون حديث عديّ متأخرًا عن حديث سهل، وأنّ عديا لم يسمع ما جرى في حديث سهل، وإنما سمع الآية مجرّدة، ففهمها على ما قرّرناه، فبيّن له النبيّ - ﷺأن الخيط الأبيض كنايةٌ عن بياض الفجر، والخيط الأسود كناية عن سواد الليل، وأن معنى ذلك أن ينفصل أحدهما عن الآخر، وعلى هذا يكون: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلّقًا بقوله: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، وعلى مقتضى حديث سهل يكون في موضع الحال، متعلّقًا بمحذوف، وهكذا هو معنى جوابه في حديث سهل. ويحتمل أن يكون الحديثان قضية واحدة، وذكر بعض الرواة -يعني في قصّة عديّ- متصلًا بما قبله كما ثبت في القرآن، وإن كان قد نزل مفرّقًا كما بيّنه حديث سهل واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام القرطبيّ بتصرّف . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني ضعيف؛ -كما قال الحافظ- لأن قصّة عديّ متأخرة لتأخر إسلامه، كما تقدّم. وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي أسامة، عن مجالد في حديث عديّ: أن النبيّ - ﷺ - قال -لما أخبره بما صنع-: يا ابن حاتم ألم أقل لك: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وللطبراني من وجه آخر عن مجالد وغيره: فقال عديّ: يا رسول اللَّه كل شيء أوصيتني قد حفظته غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود، إني بتّ البارحة معي خيطان أنظر إلى هذا، وإلى هذا، قال. «إنما هو الذي في السماء». فتبيّن بهذا كله أن قصّة عديّ مغايرة لقصة سهل، فأما من ذُكِرَ في حديث سهل، فحملوا الخيط على ظاهره، فلما نزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ علموا المراد، فلذلك قال سهل في حديثه: «فعلموا أنما يَعني الليل والنهار»، وأما عديّ فكأنه لم يكن في لغة قومه استعارة الخيط للصبح، وحمل قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ على السببيّة، فظنّ أن الغاية تنتهي إلى أن يظهر تمييز أحد الخيطين من الآخر بضياء الفجر، أو نسي قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ حتى ذكّره بها النبيّ - ﷺ -، وهذه الاستعارة معروفة عند بعض العرب، قال الشاعر [من المتقارب]: وَلَمَّا تَبَدَّتْ لَنَا سُدْفَةٌ … وَلَاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أَنَارَا واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال في «الفتح»: ما حاصله: معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: حتى يظهر بياض النهار من سواد الليل، وهذا البيان يحصل بطلوع الفجر الصادق، ففيه دلالة على أن ما بعد الفجر من النهار. وقال أبو عبيد: المراد بالخيط الأسود الليل، وبالخيط الأبيض الفجر الصادق، والخيط اللون. وقيل: المراد بالأبيض أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود، وبالأسود ما يمتدّ معه من غبش الليل شبيهًا بالخيط. قاله الزمخشريّ، قال: وقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما بيان للآخر، قال: ويجوز أن تكون «من» للتبعيض لأنه بعض الفجر، وقد أخرجه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ من الاستعارة إلى التشبيه، كما أن قولهم: رأيت أسدًا مجاز، فإذا زدت فيه «من فلان» رجع تشبيهًا. ثم قال: كيف جاز تأخير البيان، وهو يُشبه العبث لأنه قبل نزول ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ لا يفهم منه إلا الحقيقة، وهي غير مرادة، ثم أجاب بأنّ مَنْ لا يجوّزه -وهم أكثر الفقهاء والمتكلّمين- لم يصح عندهم حديث سهل، وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث، لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب، ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به انتهى. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: ونقله نفي التجويز عن الأكثر فيه نظر، كما سيأتي، وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود، ولم يقل به أحد من الفريقين، لأنه مما اتفق الشيخان على صحّته، وتلقّته الأمة بالقبول. ومسالة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول، وفيها خلاف بين العلماء من المتكلّمين وغيرهم، وقد حكى ابن السمعانيّ في أصل المسألة عن الشافعيّة أربعة أوجه: الجواز مطلقًا، عن ابن سُريج، والإصطخريّ، وابن أبي هريرة، وابن خيران. والمنع مطلقًا، عن أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد، والصيرفيّ. ثالثها: جواز تأخير بيان المجمل دون العامّ. رابعها. عكسه، وكلاهما عن بعض الشافعيّة. وقال ابن الحاجب: تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، يعني وهم الأشاعرة، فيجوّزونه، وأكثرهم يقولون. لم يقع. قال شارحه: والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان: «أحدهما»: ما له ظاهر، وقد استعمل في خلافه. و«الثاني»: ما لا ظاهر له، فقالت طائفة من الحنفية، والمالكيّة، وأكثر الشافعية: يجوز تأخيره عن وقت الخطاب، واختاره الفخر الرازيّ، وابن الحاجب، وغيرهم، ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم إلى امتناعه. وقال الكرخيّ: يمتنع في غير المجمل. وإذا تقرّر ذلك، فقد قال النوويّ تبعًا لعياض: وإنما حَمَلَ الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعضُ من لا فقه عنده من الإعراب، كالرجال الذين حكى عنهم سهل، وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعديّ. وادعى الطحاويّ، والداوديّ أنه من باب النسخ، وأن الحكم كان أولًا على ظاهره المفهوم من الخيطين، واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الإسفار، قال: ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى. ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ قال الحافظ: ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزاق بإسناد رجاله ثقات. «إن بلالًا أتى النبيّ - ﷺ -، وهو يتسحّر، فقال: الصلاة يا رسول اللَّه، قد واللَّه أصبحت، فقال:»يرحم اللَّه بلالًا، لولا بلال لرجونا أن يرخّص لنا حتى تطلع الشمس«. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: في تأييد هذا الحديث للنسخ المذكور خفاء، فليُتأمّل. واللَّه تعالى أعلم. ويستفاد من هذا الحديث -كما قال عياض- وجوب التوقّف عن الألفاظ المشتركة، وطلب بيان المراد منها، وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها، وأكثر استعمالاتها إلا عند عدم البيان. وقال ابن بزيزة في«شرح الأحكام». ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات؛ لأن الصحابة عملوا أوّلًا على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللسان، فعلى هذا فهو من باب تأخير ما له ظاهر أريد به خلاف ظاهره. قال الحافظ: وكلامه يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ما نقله سهل بن سعد، وفيه نظر. واستدلّ بالآية، والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر، فلو طلع الفجر، وهو يأكل، أو يشرب، فنزع تم صومه، وفيه اختلاف بين العلماء، ولو أكل ظانا أن الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور؛ لأن الآية دلّت على الإباحة إلى أن يحصل التبين. وقد روى عبد الرزّاق بإسناد صحيح، عن ابن عباس - ﵄ -، قال: «أحلّ اللَّه لك الأكل والشرب ما شككت». ولابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه. وروى ابن أبي شيبة من طريق أبي الضحى، قال: سأل رجل ابن عباس عن السحور؟ فقال له رجل من جلسائه: كل حتى لا تشكّ، فقال ابن عباس: إن هذا لا يقول شيئًا، كل ما شككت حتى لا شككت. قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء. وقال مالك: يقضي. وقال ابن بزيزة في «شرح الأحكام»: اختلفوا هل يحرم الأكل بطلوع الفجر، أو بتبيّنه عند الناظر تمسكًا بظاهر الآية، واختلفوا هل يجب إمساك جزء قبل طلوع الفجر، أم لا؟ بناءً على الاختلاف المشهور في مقدّمة الواجب انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق أن تحريم الأكل ونحوه متعلّق بتبيّن الفجر، وتحققه، لا بمجرّد الطلوع، لظاهر الآية الكريمة، وأما القول بوجوب إمساك جزء من الليل، فبطلانه واضح؛ لمصادمته ظاهر الآية. فتبصّر، ولا تتحيرّ. وقد تقدّم تحقيق القول في ذلك في باب [تأخير السحور] ٢٠/ ٢١٥٢ و٢١٥٣ و٢١٥٤. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣٠ - (كَيْفَ الْفَجْرُ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «كيف»، ويقال فيها: «كي» بحذف الفاء: كلمة يُستفهم بها عن حال الشيء، وصفته، يقال: كيف زيد، ويُراد السؤال عن صحّته، وسُقْمه، وعسره، ويسره، وغير ذلك، وتأتي للتعجّب، والتوبيخ، والإنكار، كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨]، وللحال ليس معه سؤال، وقد تتضمّن معنى النفي، وكيفيّةُ الشيء حالُهُ وصفتُهُ . والمراد هنا المعنى الأول، أي ما هو صفة الفجر الذي جعله اللَّه علامة لانتهاء جواز
مصادر المؤلف (٧)

١. - «المفهم» ٣ ص ١٤٨ - ١٤٩.

٢. - انظر «صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان» بتحقيق الأرنؤوط ج ٨ ص ٢٤٢ - ٢٤٣ رقم ٣٤٦٣.

٣. - انظر «صحيح البخاريّ» رقم ١٩١٧ نسخة «الفتح» و«صحيح مسلم» رقم ٢٥٢٩ و٢٥٣٠ نسخة شرح النووي. و«السنن الكبرى» للمصنّف ١١٠٢٢.

٤. -«المفهم» ج ٣ ص ١٤٧ - ١٥٠.

٥. - وفي «اللسان»: «فلما أضاءت» بدل «تبدّت».

٦. - هذه العبارة فيها سوء أدب، فالأولى حذفها، وإنما أبقيتها أداء للأمانة العلميّة. فليتنبّه.

٧. - راجع «المصباح المنير» في مادة كيف، و«مغني اللبيب» ج١ ص ٢٠٤ - ٢٠٥.