(وَبَسَطَ) أي شعبة مبيّنا معنى قوله: «هكذا وهكذا» (بِيَدَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، مَادًّا يَدَيْهِ) حال مؤكد لمعنى البسط. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث سمرة بن جندب - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا - ٣٠/ ٢١٧٠ - وفي «الكبرى» ٣٠/ ٢٤٨١. وأخرجه (م) في «الصيام» ٢٥٣٩ و٢٥٤٠ و٢٥٤١ و٢٥٤٢ و٢٥٤٣ (د) في «الصوم» ٢٣٤٦ (ت) في «الصوم» ٧٠٦ (أحمد) ١٩٢٢١ و١٩٢٣٨ و١٩٢٩٠ و١٩٢٣٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
٣١ - (التَّقَدُّمُ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ)
٢١٧٢ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَامٍ، إِلاَّ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا ، أَتَى ذَلِكَ الْيَوْمُ عَلَى صِيَامِهِ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) ابن راهويه الحنظليّ المروزيّ، ثقة ثبت [١٠] ٢/ ٢.
٢ - (الوليد) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو العباس الدمشقيّ، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] ٥/ ٤٥٤.
٣ - (الأوزاعيّ) عبد الرحمن بن عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل [٧] ٤٥/ ٥٦.
٤ - (يحيى) بن أبي كثير صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليماميّ، ثقة يُدلّس ويرسل [٥] ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٣] ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) - رضي اللَّه تعالى عنه - ١/ ١ واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فمروزيّ، ويحيى وإن كان يماميّا إلا أنه سكن المدينة عشر سنين في طلب الحديث، والباقيان دمشقيان، (ومنها). أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سلمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق هشام الدستوائيّ، عن يحيي بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة. ونحوه لأبي عوانة، من طريق معاوية بن سلاّم، عن يحيي. أفاده في «الفتح» (عَن رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -) أنه (قَالَ: «لَا») ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها (تَقَدمُّوا) من التقدّم، وأصله «لا تتقدّموا»، فحذفت منه إحدى التاءين، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة في «الخلاصة» حيث قال:
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فيهِ عَلَى تَا كَتَبيَّنُ الْعِبَرْ
(قَبْلَ الشَّهْرِ بِصِيَامٍ) الباء للتعدية متعلقة بـ«تقدّموا». وفي الرواية الآتية في الباب التالي: «لا يتقدّمنّ أحد الشهر بيوم، ولا يومين …» (إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا، أَتَى ذلِكَ الْيَوْمُ) أي اليوم الذي قبل رمضان، وهو اليوم الذي يُسَمَّى يوم الشك (عَلَى صِيَامِهِ«) أي صيامه المعتاد، والمعنى: أنه لا يتقدّم رمضان بصوم يوم إلا من كان معتادًا صوم يوم معين، كالاثنين مثلًا، فاتفق أن كان ذلك اليومُ يومَ الشك، فإنه يجوز له أن يصوم ذلك اليوم.
قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نيّة الاحتياط لرمضان.
قال الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى-لما أخرجه-: العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجّل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان انتهى.
والحكمة فيه التقوّي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوّة ونشاط، وهذا فيه نظر؛ لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدّمه بصيام ثلاث أيام، أو أربعة جاز.
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضًا؛ لأنه يجوز لمن له عادة كما صُرِّحَ به في الحديث. وقيل: لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدّمه بيوم أو يومين، فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد.
ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد، فقد أُذِنَ له فيه لأنه اعتاده، وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلّة القطعيّة على وجوب الوفاء بهما، فلا يبطل القطعيّ بالظنيّ.
وفي الحديث ردّ على من يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، وردّ على من قال بجواز صوم النفل المطلق.
وأبعد من قال: المراد بالنهي التقدّم بنية رمضان، واستدلّ بلفظ التقدّم؛ لأن التقدّم على الشيء بالشيء إنما يتحقّق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصيام بنيّة النفل المطلق، لكن السياق يأبى هذا التأويل ويدفعه. وفيه بيان لمعنى قوله في الحديث الماضي: «صوموا لرؤيته»، فإن اللام للتأقيت؛ لا للتعليل، قال ابن دقيق العيد: ومع كونها محمولة على التأقيت فلا بدّ من ارتكاب مجاز؛ لأن وقت الرؤية -وهو الليل- لا يكون محلّ الصوم. وتعقّبه الفاكهيّ بأن المراد بقوله: «صوموا» انووا الصيام، والليل كله ظرف للنيّة.
قال الحافظ: فوقع في المجاز الذي فرّ منه؛ لأن الناوي ليس صائمًا حقيقة بدليل أنه يجوز له الأكل والشرب بعد النيّة إلى أن يطلع الفجر. وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز. وقيل: يمتدّ المنع لما قبل ذلك، وبه قطع كثير من الشافعيّة، وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقدُّم بالصوم، فحيث وُجِد مُنِع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان؛ لحديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا: «إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا». أخرجه أصحاب «السنن»، وصححه ابن حبّان، وغيره. وقال الروياني من الشافعيّة: يحرم التقدّم بيوم، أو بيومين؛ لحديث الباب، ويكره التقدّم من نصف شعبان للحديث الآخر.
وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوّعًا بعد النصف من شعبان، وضعّفوا الحديث الوارد فيه، وقال أحمد، وابن معين: إنه منكر، واستدلّ البيهقي بحديث الباب على
ضعفه، فقال. الرخصة في ذلك بما هو أصحّ من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاويّ، واستظهر بحديث ثابت، عن أنس﵃ - مرفوعًا: «أفضل الصيام بعد رمضان شعبان»، لكن إسناده ضعيف، واستظهره أيضًا بحديث عمران بن حُصين - ﵄ -: أن رسول اللَّه - ﷺ - قال لرجل: «أصمت من سَرَر شعبان شيئًا؟»، قال. لا، قال. «فإذا أفطرت من رمضان، فصم يومين». ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم، وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان. وهو جمع حسن. قاله في «الفتح» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي الأحسن أن الصوم بعد نصف شعبان منهيّ عنه، ويشتدّ النهي في التقدّم بيوم، أو يومين، وأما حديث عمران - ﵁فلا يدخل في النهي؛ لأنه قاله لرجل اعتاد الصوم، فلما سمع النهي عن التقدّم ترك عادته فأمره النبيّ - ﷺبأن يصوم مكان صومه الذي تركه، وسيأتي مزيد إيضاح لذلك، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا -٣١/ ٢١٧٢ - وفي «الكبرى» ٣١/ ٢٤٨٢. وأخرجه (خ) «الصوم» ١٧٨١ (م) في «الصيام» ١٨١٢ (د) في «الصوم» ١٩٨٨ (ت) في «الصوم» ٦٢٠ و٦٢١ (ق) «الصيام» ١٦٤٠ (أحمد) ٩٢٧٧ و٩٣٣٠ و١٠٠٤٧ (الدارمّي) في «الصوم» ١٦٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما تو فيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمد ابن الشيخ عليّ بن آدم بن موسى الإِتْيُوبيّ الولّويّ، نزيل مكة المكرّمة، - عفا اللَّه تعالى عنه - وعن والديه ومشايخه آمين: قد انتهيت من كتابة العشرين عشر من شرح سنن الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الرحمن النسائيّ -رحمه اللَّه تعالى-، المسمّى «ذخيرةَ العُقْبَى في شرح المجتبى»، أو
«غاية المنى في شرح المجتبى».
وذلك بحيّ الزهراء، مخطّط الأمير طلال، في مكة المكرمة زادها اللَّه تعالى تشريفًا وتعظيمًا، وجعلني من خيار أهلها حيًّا وميتًا، وأعْظِمْ به تكريمًا.
وأخر دعوانا ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّه﴾.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
«اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».
«السلام عليك أيها النبيّ - ﷺ -، ورحمة اللَّه، وبركاته».
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الحادي والعشرون مفتتحًا بالباب ٣٢ «ذكرُ الاختلاف على يحيي بن أبي كثير ومحمد بن عمرو على أبي سلمة فيه» الحديث رقم ٢١٧٣.
«سبحانك اللهمّ، وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك».
شرح سُنن النّسَائي
المُسَمَّى
ذَخِيْرَة العُقَبى في شَرْحِ المجْتَبَى
لجَامِعه الفَقير إلى مَوْلَاه الغَنيّ القَديْر
محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى الأيتُوبي الوَلَّوِي
المُدرّس بدَار الحَديثْ الخيريَّة بمكّة المكرَّمة
عَفَا اللَّه عَنْه وَعَنْ والدَيه آمِينْ
الجزْء العشْرون
بسم اللَّه الرحمن الرحيم
شرح سُنن النّسَائي
جَمِيع الحقُوق مَحفُوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
دَار آل بُروم للِنشر وَالتّوزيع
المملكة العَربيّهَ السّعوديّة - مكّة المكرّمة - المكتب الرئيسي التنعيم
صَ بْ: ٤١٤٥ - (تلفاكس ٥٢١١٥٧٦ - جوّال ٠٥٥٥٤١٠٢٦)