HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢١٧٥

أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَاللَّفْظُ لَهُ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص111
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ٤ ص ١٥٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢١ ص٧
عبد الرحمن، عن أم سلمة، فمؤدى العبارتين واحد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢١٧٥ - (أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ يُوسُفَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (شعيب بن يوسف) النسائيّ، ثقة [١٠] ٤٢/ ٤٩. ٢ - (محمد بن بشّار) بُندر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧. ٣ - (عبد الرحمن) بن مهديّ البصريّ، ثقة ثبت [٩] ٤٢/ ٤٩. ٤ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ، ثقة ثبت إمام [٧] ٣٣/ ٣٧. ٥ - (منصور) بن المعتمر، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقة ثبت [٦] ٢/ ٢. ٦ - (سالم) بن أبي الجعد الغطفانيّ الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة يرسل كثيرًا [٣] ٦١/ ٧٧. ٧ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن المذكور في الباب الماضي. ٨ - (أم سلمة) هند بنت أبي أميّة المخزوميّة، أم المؤمنين - ﵂ - تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: (منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن أم سلمة وأبا سلمة ممن اتّفق كنيتاهما، وليسا زوجين، فإن أم سلمة صحابية، أم المؤمنين - رضي اللَّه تعالى عنها -، وزوجها أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد الصحابيّ - ﵁ - توفّي عنها، فتزوجها النبيّ - ﷺ - بعده، وأما أبو سلمة الراوي عنها، فهو ابن عبد الرحمن بن عوف تابعيّ مشهور. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) - رضي اللَّه تعالى عنها -، أنها (قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي أنه لم يستكمل صيام شهرين متتابعين، بل كان يصوم بعض الأيام من أي شهر كان (إِلاَّ أنَّهُ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ») أي يصل صوم شعبان بصوم رمضان. ولفظ الترمذيّ: «ما رأيت النبيّ - ﷺ - يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان». ولفظ حديث عائشة - ﵂ - الآتي: «كان يصوم شعبان إلا قليلًا، بل كان يصومه كله». ولفظ ابن ماجه: «كان يصوم شعبان كله، يصله برمضان». ويجمع بين هذه الروايات بأنه - ﷺ - كان يصوم شعبان كلّه تارة، ويصوم أكثره أخرى؛ لئلا يُتوهّم أنه واجب كله. ونقل الترمذيّ -رحمه اللَّه تعالى- بعد رواية الحديثين عن ابن المبارك أنه كان قال في هذا الحديث: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله تعشّى، واشتغل ببعض أمره. قال الترمذيّ: كأنّ ابن المبارك قد رأى كلا الحديثين متفقين. يقول: إنما معنى هذا الحديث أنه كان يصوم أكثر الشهر انتهى . قال الحافظ في «الفتح»: حاصله أن المراد بالكلّ الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال. واستبعده الطيبيّ؛ لأن لفظ الكلّ تأكيد؛ لإرادة الشمول، ودفع التجوّز، فتفسيره بالبعض مناف له، قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا يُتوهّم أنه واجب كلّه كرمضان. وقيل: المراد بقولها: «كله» أنه كان يصوم من أوله تارة، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا، فلا يُخْلِي شيئا منه من صيام، ولا يخصّ بعضه بصيام دون بعض. وقال الزين ابن المنيّر: إما أن يُحمَل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يُجمع بأن قولها الثاني متأخّر عن قولها الأول، فأخبرت عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانيًا عن آخر أمره أنه كان يصومه كلّه انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى تكلفه، والأول هو الصواب، ويؤيده رواية عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة عند مسلم، وسعد بن هشام عنها عند النسائيّ، ولفظه: «ولا صام شهرًا كاملًا قط منذ قدم المدينة غير رمضان». وهو مثل حديث ابن عباس - ﵄ - عند البخاري: «ما صام رسول اللَّه - ﷺ - شهرًا كاملًا غير رمضان …» الحديث. واختُلِف في الحكمة في إكثاره - ﷺ - من صوم شعبان فقيل: كان يشتغل عن صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر لسفر أو غيره، فتجتمع، فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث ضعيف، أخرجه الطبرانيّ في «الأوسط» من طريق ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن عائشة: «كان رسول اللَّه - ﷺيصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، فربما أخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان». وابن أبي ليلى ضعيف، وحديث الباب، والذي بعده دال على ضعف ما رواه. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث آخر أخرجه الترمذيّ من طريق صدقة بن موسى، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، أنه قال: سئل النبي - ﷺ - أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: «شعبان؛ لتعظيم رمضان». قال الترمذيّ: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس بذلك القويّ. ويعارضه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم». وقيل: الحكمة في إكثاره من الصيام في شعبان دون غيره أن نساءه كنّ يقضين ما عليهنّ من رمضان في شعبان، وهذا عكس ما تقدّم في الحكمة في كونهنّ كنّ يؤخرن قضاء رمضان إلى شعبان؛ لأنه ورد فيه أن ذلك لكونهنّ كنّ يشتغلن معه - ﷺ - عن الصوم. وقيل: الحكمة في ذلك أنه يعقبه رمضان وصومه مفترض، وكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوّع بذلك في أيام رمضان. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: والأولى في ذلك ما جاء في حديث أصحّ مما مضى، أخرجه النسائيّ -٠/ ٢٣٥٧ - وصححة ابن خزيمة عن أسامة بن زيد - ﵄ - قال: قلت: يا رسول اللَّه، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربّ العالمين، فأُحِبّ أن يرفع عملي، وأنا صائم«. ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى، لكن قال فيه:»إن اللَّه يكتب كل نفس ميتة تلك السنة، فأحبّ أن يأتيني أجلي، وأنا صائم«. ولا تعارض بين هذا، وبين ما تقدّم من الأحاديث في النهي عن تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر بأن يُحمل النهي على من لم تدخل تلك الأيام في صيام اعتاده. انتهى كلام الحافظ وهو كلام نفيس جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أم سلمة - ﵂ - هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣٣/ ٢١٧٥ - وفي «الكبرى» ٣٣/ ٢٤٨٥. وأخرجه (د) في «الصوم» ١٩٨٩ (ت) في «الصوم» ٦٦٨ (ق) في «الصيام» ١٦٣٨. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): أنه يدل على فضل الصوم في شعبان. [فإن قلت]: أخرج مسلم، وأصحاب السنن حديث أبي هريرة - ﵁ -، أنه قال: قال رسول اللَّه - ﷺ -: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر اللَّه المحرّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، فلماذا كان النبيّ - ﷺ - يكثر الصوم في شعبان دونه؟. [قلت]: أُجيب عن هذا بجوابين: [أحدهما]: لعل النبيّ - ﷺ - لم يعلم بفضل صوم المحرّم إلا في آخر حياته، فمات قبل التمكّن من إكثار الصوم فيه. [الثاني]: لعله يَعرِض له - ﷺ - فيه أعذار تمنعه من إكثار الصوم فيه، كسفر، ومرض، وغيرهما أفاده النووي -رحمه اللَّه تعالى- . (ومنها): جواز الصوم بعد نصف شعبان، وهو مذهب الجمهور. [فإن قلت]: أخرج أبو داود، وغيره، وصححه ابن حبّان وغيره حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول اللَّه - ﷺقال: «إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا». فكيف يوفق بينه وبين حديث الباب؟. [قلت]: الصواب في الجواب أن يحمل النهي المذكور على من يُضعفه الصوم. وقد أجاب الجمهور عن هذا بتضعيف حديث العلاء هذا، قال أحمد، وابن معين: إنه منكر. وقال الخطابيّ: هذا حديث كان ينكره عبد الرحمن بن مهديّ من حديث العلاء. وقال أحمد: العلاء ثقة، لا يُنكر من حديثه إلا هذا؛ لأنه خلاف ما رُوي عن النبيّ - ﷺ - أنه كان يصل شعبان برمضان. وقال المنذريّ في تلخيص «السنن»: حَكَى أبو داود عن الإمام أحمد أنه قال: هذا منكر، قال: وكان عبد الرحمن -يعني ابن مهديّ- لا يحدث به، ويحتمل أن يكون الإمام أحمد إنما أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن، فإن فيه مقالًا لأئمة هذا الشأن، وقد تفرّد بهذا الحديث، قال: والعلاء بن عبد الرحمن، وإن كان فيه مقال، فقد حدّث عنه الإمام مالك مع شدّة انتقاده للرجال، وتحرّيه في ذلك، وقد احتجّ به مسلم في «صحيحه»، وذكر له أحاديث كثيرة فهو على شرطه، ويجوز أن يكون تركه لأجل تفرُّده به، وإن كان قد أخرج في «الصحيح» أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل البخاريّ أيضًا، وللحفّاظ في الرجال مذاهب فعل كلّ منهم ما أدى إليه اجتهاده من القبول والردّ انتهى كلام المنذريّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحق أن حديث العلاء هذا صحيح، كما قال به جمع من العلماء، فالأولى أن يُسلَك مسلك الجمع كما تقدّم قريبًا. قال الحافظ: وقد استدلّ البيهقيّ على ضعفه بحديث النهي عن تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين المذكور في البابين السابقين، وكذا صنع قبله الطحاويّ، واستظهر بحديث أنس مرفوعًا: «أفضل الصيام بعد رمضان شعبان». لكنه ضعيف، كما تقدّم، واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حُصين - ﵄ -: أن النبيّ - ﷺ - قال لرجل: «هل صمت من سَرَرِ هذا الشهر شيئًا؟» قال: لا، فقال رسول اللَّه - ﷺ -: «فإذا أفطرت رمضان، فصم يومين مكانه». متفق عليه. و«السَّرَر» -بفتح السين المهملة«، ويجوز كسرها، وضمها- ويقال أيضًا: سرار - بفتح أوله، وكسره، ورجح الفرّاء الفتح- وهو الاستسرار، قال أبو عُبيدة، والجمهور: المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها، وهي ليلة ثمان وعشرين، وتسع وعشرين، وثلاثين. ونقل أبو داود عن الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله. ونقل الخطابيّ عن الأوزاعيّ كالجمهور. وقيل: السرر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا، ورجحه بعضهم، ووجَّهَه بأن السرر جمع سرّة، وسرّة الشيء وسطه، ويؤيده الندب إلى صيام البيض، وهي وسط، وأنه لم يرد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاصّ بآخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان، ورجحه النوويّ بأن مسلمًا أفرد الرواية التي فيها سرّة هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الحضّ على صيام البيض، وهي وسط الشهر، كما تقدّم. قال الحافظ: لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره، وهو «سرّة»، بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ: «سرار»، وأخرجه من طرق عن سليمان التيميّ في بعضها «سرر»، وفي بعضها «سرار»، وهذا يدلّ على أن المراد آخر الشهر. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قال فيه الحافظ: إنه لم يره في جميع طرق الحديث لعله في النسخة التي عنده، وإلا فهو موجود في النسخة التي عندي من «صحيح مسلم»، فقد أخرجه من طريق غيلان بن جرير، عن مطرّف، عن عمران بن حُصين - ﵄ - أن رسول اللَّه - ﷺ - قال له -أو لرجل، وهو يسمع-: «يا فلان أصمت من سُرّة هذا الشهر؟ …» الحديث. انظر «صحيح مسلم» ج ٨ ص٢٩٠ بنسخة شرح النووي. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخطابيّ: قال بعض أهل العلم: سؤاله - ﷺ - عن ذلك سؤال زجر وإنكار؛ لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين. وتُعُقّب بأنه لو أنكر ذلك لم يأمره بقضاء ذلك. وأجاب الخطابيّ باحتمال أن يكون الرجل أوجبها على نفسه فلذلك أمره بالوفاء، وأن يقضي ذلك في شوّال انتهى. وقال ابن المنيّر في «الحاشية»: قوله: «سؤال إنكار» فيه تكلّف، ويَدفع في صدره قول المسؤول: لا يا رسول اللَّه، فلو كان سؤال إنكار لكان - ﷺ - قد أنكر عليه أنه صام، والفرض أن الرجل لم يصم، فكيف ينكر عليه فعل ما لم يفعله؟. ويحتمل أن يكون الرجل كانت له عادة بصيام آخر الشهر، فلما سمع نهيه - ﷺ - أن يتقدّم أحد رمضان بصوم يوم أو يومين، ولم يبلغه الاستثناء ترك صيام ما كان اعتاده من ذلك، فأمره بقضائها لتستمرّ محافظته على ما وظّف على نفسه من العبادة؛ لأن أحبّ العمل إلى اللَّه تعالى ما داوم عليه صاحبه. وقال ابن التين: يحتمل أن يكون هذا كلاما جرى من النبيّ - ﷺ - منه جوابًا لكلام لم يُنقل إلينا انتهى. قال الحافظ: ولا يخفى ضعف هذا المأخذ. وقال آخرون: فيه على أن النهي عن تقدّم رمضان بيوم أو يومين إنما هو لمن يقصد به التحرّي لأجل رمضان، وأما من يقصد ذلك فلا يتناوله النهي، ولو لم يكن اعتاده. وهو خلاف ظاهر حديث النهي؛ لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة. وأشار القرطبيّ إلى أن الحامل لمن حمل سرر الشهر على غير ظاهره، وهو آخر الشهر الفرار من المعارضة لنهيه - ﷺ - عن تقدّم رمضان بيوم أو يومين، وقال: الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهي على من ليست له عادة بذلك، وحمل الأمر على من له عادة؛ حملًا للمخاطب بذلك على ملازمة عادة الخير حتى لا يقطع. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في وجه الجمع بين الحديثين أولى الأوجه المذكورة في الجمع. وحاصله أن يحمل حديث النهي عن تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين على من ليست له عادة بصوم ذلك، وأما من كانت له عادة بصومه فلا بأس، لحديث السرر. كما تقدّم حمل النهي عن الصوم بعد نصف شعبان، على من يُضعفه الصوم، وأما من ليس كذلك فلا، لثبوت أنه - ﷺكان يصوم شعبان كله، أو إلا قليلًا منه، ودعوى الخصوصية في هذا غير صحيحة، لاستثنائه - ﷺ - من اعتاد صومه من النهي، ولأمره الرجل الذي لم يصم سرر شعبان بقضائه، فلو لم يُشرع له ذلك لما أمره بالقضاء، فدلّ ما ذُكر على الردّ على من ادعى الخصوصيّة. وقد حمل الإمام ابن خزيمة -رحمه اللَّه تعالى- في «صحيحه» على من صام شعبان كله، ووصله برمضان، ودونك عبارته: [باب] إباحة وصل صوم شعبان بصوم رمضان، والدليل على أن معنى خبر أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ -: «إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا حتى رمضان»، أي لا تصلوا شعبان برمضان، فتصوموا جميع شعبان، أو أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه المرء قبل ذلك، فيصوم ذلك الصيام بعد النصف من شعبان، لا أنه نهى عن الصوم إذا انتصف شعبان نهيًا مطلقًا. ثم أخرج حديث عائشة - ﵂ - من طريق عُقَيل، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنها، قالت: «ما كان رسول اللَّه - ﷺ - يصوم من أشهر السنة أكثر من صيامه من شعبان، كان يصومه كله». ثم أخرجه من طريق هشام -يعني الدستوائيّ- عن يحيى، قال: وزاد: قال: وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن اللَّه لا يملّ حتى تملّوا …» الحديث. انتهى كلام ابن خزيمة . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الظاهر أن ما حمل عليه ابن خزيمة لا يخالف الحمل الذي قدمناه، فإن صيام شعبان كله يؤدي إلى الضعف عن صوم رمضان الذي هو سبب النهي المذكور. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال القرطبي -رحمه اللَّه تعالى-: وفيه -يعني قوله - ﷺ -: «فإذا أفطرت، فصم يومين»- إشارة إلى فضيلة الصوم في شعبان، وأن صوم يوم منه يعدل صوم يومين في غيره أخذًا من قوله في الحديث: «فصم يومين مكانه» يعني مكان اليوم الذي فوّته من صيام شعبان. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وهذا لا يتمّ إلا إن كانت عادة المخاطب بذلك أن يصوم من شعبان يومًا واحدًا، وإلا فقوله: «هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا» أعمّ من أن يكون عادته صيام يوم منه أو أكثر، نعم وقع في «سنن أبي مسلم الكجيّ»: «فصم مكان ذلك اليوم يومين». انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٨)

١. - راجع «جامع الترمذيّ» ج ٣ ص ٤٣٦. بنسخة «تحفة الأحوذيّ»

٢. - زاد في نسخة «الفتح» أبا داود، والظاهر أنه غلط، لأنه لم يخرجه، فليُتنبّه.

٣. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ٧٣٢ - ٧٣٤.

٤. - تقدّم للمصنف في [باب فضل صلاة الليل] برقم ٦/ ١٦١٣.

٥. - راجع «شرح مسلم» ج ٨ ص ٢٧٩.

٦. - راجع «مختصر السنن» ج ٣ ص ٢٢٤ - ٢٢٥.

٧. - راجع «صحيح ابن خزيمة» ج ٣ ص ٢٨٢.

٨. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ٧٥٤ - ٧٥٥.