فَلْيَصُمْهُ﴾، فأوجب اللَّه عليهم صيامه، ونسخ الفدية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣١٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ -﷿-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ يُطِيقُونَهُ: يُكَلَّفُونَهُ، فِدْيَةٌ، طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ طَعَامُ مِسْكِينٍ آخَرَ، لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لَا يُرَخَّصُ فِي هَذَا، إِلاَّ لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ، أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) المعروف أبوه بابن عُليّة البصريّ، نزيل دمشق، وقاضيها، ثقة حافظ [١١] ٢٢/ ٤٨٩.
٢ - (يزيد) بن هارون السلميّ، أبو خالد الواسطيّ، ثقة متقن عابد [٩] ١٥٣/ ٢٤٤.
٣ - (ورقاء) بن عمر اليشكريّ، أبو بشر الكوفيّ، نزيل المدائن، صدوقٌ في حديثه عن منصور لين [٧] ٦٠/ ٨٦٦.
٤ - (عمرو بن دينار) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبت [٤] ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] ١١٢/ ١٥٤.
٦ - (ابن عباس) عبد اللَّه البحر الحبر - رضي اللَّه تعالى عنهما - ٢٧/ ٣١. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه، فإنه من أفراده. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ.
(ومنها): أن فيه ابن عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما - (فِي قَوْلِهِ -﷿-) أي في بيان ما يتعلّق به
من المعانى (﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ﴿يُطِيقُونَهُ﴾: يُكَلَّفُونَهُ) قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: أي يَعُدّونه مشقّة على أنفسهم، ويَحمِلونه بكلفة، وصعوبة، وفي «الكشّاف» وغيره من التفاسير أن هذا المعنى مبنيّ على قراءة ابن عباس - ﵄ -، وهي يُطَوَّقُونه، -بتشديد الواو، من باب التفعيل، من الطوق، ثم ذكروا عنه روايات أُخَر، ثم ذكروا أنه يصحّ هذا المعنى على قراءة ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يبلغون به غاية وسعهم، وطاقتهم، وعلى هذا لا حاجة إلى تقدير حرف النفي على القراء المشهورة، والمشهور أنه على القراءة المشهورة يُقدَّر حرف النفي. واللَّه تعالى أعلم انتهى .
وقال الحافظ عند قول البخاريّ: «قال ابن عباس: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة»: ما نصّه:
هذا مذهب ابن عباس، وخالفه الأكثر. وفي هذا الحديث، والذي بعده ما يدلّ على أنها منسوخة، وهذه القراءة تضعّف تأويل من زعم أن «لا» محذوفة من القراءة المشهورة، وأن المعنى: وعلى الذين لا يطيقونه فدية، وأنه كقول الشاعر:
فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا …
أي لا أبرح قاعدًا، ورُدّ بدلالة القسم على النفي بخلاف الآية، وُيثَبِّت هذا التأويل أن الأكثر على أن الضمير في قوله: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ للصيام، فيصير تقدير الكلام: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية، والفدية لا تجب على المطيق، وإنما تجب على غيره.
والجواب عن ذلك أن في الكلام حذفا تقديره: وعلى الذين يطيقون الصيام إذا أفطروا فدية، وكان هذا في أول الأمر عند الأكثر، ثم نُسخ، وصارت الفدية للعاجز إذا أفطر.
وأما على قراءة ابن عباس -يعني يطوّقونه بالتضعيف- فلا نسخ؛ لأنه يجعل الفدية على من تكلّف الصوم، وهو لا يقدر عليه، فيفطر ويكفّر، وهذا الحكم باق.
وفي هذا الحديث حجة لقول الشافعيّ، ومن وافقه: إن الشيخ الكبير، ومن ذكر معه إذا شق عليهم الصوم، فأفطروا، فعليهم الفدية؛ خلافًا لمالك ومن وافقه.
واختلف في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكبر، ثم قوي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ، وأحمد: يقضون، ويطعمون. وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام انتهى كلام الحافظ .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدّم أن الراجح هو ما ذهب إليه الأوزاعيّ، والكوفيون؛ لأنه لا دليل على إيجاب الفدية مع الصوم. واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قد اختلف السلف في الحدّ الذي إذا وجده المكلّف جاز له الفطر، والذي عليه الجمهور أنه المرض الذي يحيى له التيمم مع وجود الماء، وهو ما إذا خاف على نفسه لو تمادى على الصوم، أو على عضو من أعضائه، أو زيادة في المرض الذي بدأ به، أو تماديه. وعن ابن سيرين: متى حصل للإنسان حال يستحقّ بها اسم المرض، فله الفطر، وهو نحو قول عطاء. وعن الحسن والنخعيّ: إذا لم يقدر على الصلاة قائمًا يفطر. قاله في «الفتح» .
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي ذهب إليه الجمهور هو الأرجح عندي؛ لأن اللَّه تعالى رخّص في الفطر للمريض، إزالة للضرر، فإذا كان مرضه خفيفًا لا يتضرّر بالصوم، ولا يشقّ معه فلا حاجة له للرخصة. واللَّه تعالى أعلم.
(فدّيَةٌ، طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ طَعَامُ مِسكِينٍ آخَرَ، لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ) أي الآية على هذا المعنى ليست منسوخة، وجملة «ليست منسوخة» معترضة بين تفسير الآية ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لَا يُرَخَّصُ في هَذَا، إِلاَّ لِلَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ) قد يؤخذ منه الإشارة إلى التوجيه المشهور، وهو تقدير «لا» للقراءة المشهورة على هذا المعنى (أَوْ مَرِيضٍ لَا يُشْفَى) بالبناء للمفعول، والجملة صفة لـ «مريض». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث ابن عباس - ﵄ - هذا أخرجه البخاريّ.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه:
أخرجه هنا-٦٣/ ٢٣١٧ وفي «الكبرى» ٦٣/ ٢٦٢٦ وفي «التفسير» ٢٥/ ١١٠١٨ و١١٠١٩ وأخرجه (خ) في «التفسير» ٤٥٠٥ (د) في «الصوم» ٢٣١٦ و٢٣١٧ و٢٣١٨. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…