٢٣٥٦ أ- (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَحِيرٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ»).
قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: «عمرو بن عثمان»: هو الحمصيّ. و«بقية»: هو ابن الوليد الحمصيّ. و«بَحِير»-بفتح الموحدة، مكبرًا- ابن سَعْد الحمصيّ.
وقولها: «كان يصوم شعبان كلّه» قال الزركشيّ: يحتاج إلى الجمع بين هذا، وبين روايتها الأولى: «ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان الخ»، فقيل: الأول مفَسِّر للثاني، ومخصّص له، وأن المراد بالكلّ الأكثر. وقيل: كان يصوم مرّة كله، ومرة ينقص منه لئلا يُتوهّم وجوبه. وقيل: معنى قولها: «كله» أي يصوم في أوله، وأوسطه، وفي آخره، ولا يخصّ شيئا منه، ولا يعمّه بصيامه. وذكر هذه الأقوال الثلاثة النوويّ في «شرح مسلم»، قال: وقيل في تخصيص شعبان بكثرة الصوم لكونه تُرفع فيه أعمال العباد. وقيل: غير ذلك.
فإن قيل: في الحديث الآخر إن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرّم، فكيف أكثر منه في شعبان دون المحرّم.
فالجواب لعله لم يعلم فضلَ المحرّم إلا في آخر الحياة قبل التمكّن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم، كسفر، ومرض، ونحوهما انتهى .
والحديث صحيح، وقد تقدّم سندًا ومتنًا في ٣٦/ ٢١٨٦ - وتقدّم تمام البحث فيه هناك، فراجعه، تزدد علمًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٢٣٥٧ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، أَبُو الْغُصْنِ، شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا، مِنَ الشُّهُورِ، مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ، يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ، تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ، إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي، وَأَنَا صَائِمٌ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس، أبو حفص البصريّ، ثقة ثبت [١٠] ٤/ ٤.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان العنبريّ البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (ثابت بن قيس) الغفاريّ مولاهم، أبو الغُصْن المدنيّ، صدوق يهم [٥].
قال أبو طالب، عن أحمد: ثقة. وقال عباس، عن ابن معين: ليس به بأس. وقال في موضع آخر: حديثه ليس بذاك، وهو صالح. وقال النسائيّ: ليس به بأس. وقال ابن عديّ: هو ممن يكتب حديثه. وقال الآجرّيّ، عن أبي داود: ليس حديثه بذاك. وقال مسعود السجزيّ، عن الحاكم: ليس بحافظ، ولا ضابط. وقال ابن حبّان في «الضعفاء»: كان قليل الحديث، كثير الوهم فيما يرويه، لا يحتجّ بخبره إذا لم يتابعه عليه غيره، وأعاده في «الثقات». وقال ابن سعد: مات سنة (١٦٨) وهو يومئذ ابن مائة سنة، وكان قديما، قد رأى الناس، وروى عنهم، وهو شيخ قليل الحديث. روى له البخاريّ في «جزء رفع اليدين»، وأبو داود، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، كرّره ثلاث مرّات برقم ٢٣٥٧ و٢٣٥٨ و٢٣٥٩.
٤ - (أبو سعيد المقبريّ) كيسان المدنيّ، مولى أم شريك، ثقة ثبت [٣] ٦٣/ ٨٧٢.
[تنبيه]: وقع في «الكبرى» «أبو معبد» بدل «أبي سعيد»، وهو تصحيف فاحش، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (أسامة بن زيد) بن حارثة بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير، أبو محمد، أو أبو زيد الصحابيّ ابن الصحابيّ - رضي اللَّه تعالى عنهما -، مات سنة (٥٤) بالمدينة، وهو ابن (٧٥) سنة، وتقدّم في ٩٦/ ١٢٠. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير ثابت بن قيس، كما سبق آنفًا. (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين يروي عنهم الجماعة بلا واسطة. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فبصريّان. (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ. (ومنها): أن أسامة بن زيد - رضي اللَّه تعالى عنهما - حبّ رسول اللَّه - ﷺ -، وابن حبّه. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن أبي سعيد المقبريّ -رحمه اللَّه تعالى-، أنه (قَالَ: حدّثني أسامة بن زيد) حِبُّ رسول اللَّه - ﷺ -، وابن حِبّه - ﵄ - (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أرَكَ تَصُومُ شَهرًا، مِنَ الشُّهُورِ، مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ) «ما» يحتمل أن تكون مصدرية، والمصدر المؤل مفعول «أر» أي لم أَرَ صومَكَ، ويحتمل أن تكون اسما موصولًا، أي لم أر الذي تصومه من شعبان صائما إياه في سائر المشهور (قَالَ) - ﷺ - مبيّنا سبب إكثاره الصوم في شعبان («ذَلِكَ