شرحبيل، أتي رجل الخ، فجعله منقطعًا؛ لأن عمرو بن شُرحبيل لم يحضر القصّة، والقاعدة أن من حكى قصّة لم يشهدها تكون حكايته منقطعة، كما أشار إليه الحافظ السيوطيّ في «ألفية الحديث» حيث قال:
وَكُلُّ مَنْ أدْرَكَ مَا لَهَ رَوَى … مُتَّصِلٌ وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى
ثم إن الأرجح هنا هو الوصل؛ لأن سفيان أحفظ، وأتقن، وأبو معاوية، وإن كان مقدّمًا في الأعمش إلا أن سفيان يقدّم عليه، كما معلوم في محلّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
٢٣٨٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ، قَالَ: «وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ»، قَالُوا: فَثُلُثَيْهِ، قَالَ: «أَكْثَرَ»، قَالُوا: فَنِصْفَهُ، قَالَ: «أَكْثَرَ»، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (محمد بن بشار) العبديّ المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقة حافظ [١٠] ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الرحمن) بن مهديّ بن حسان البصريّ، ثقة ثبت إمام [٩] ٤٢/ ٤٩.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبت حجة [٧] ٣٣/ ٣٧.
٤ - (الأعمش) سليمان بن مِهران الكوفيّ، ثقة ثبت ورع، لكنه يدلّس [٥] ١٧/ ١٨.
٥ - (أبو عمّار) عَرِيب -بفتح أوله، وكسر الراء بعدها تحتانيّة، ثم موحّدة- ابن حُمَيد الدُّهْنيّ -بضم، فسكون- الكوفيّ، ثقة [٣].
قال ابن أبي خيثمة: سألت أحمد، ويحيى عن أبي عقار الدهني، فقال: اسمه عَريب بن حُميد، وهو كوفيّ ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات»، وقال: يَروي المراسيل. تفرّد به المصنّف، وابن ماجه، وله عند المصنف في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا ٢٣٨٥ وأعاده بعده ٢٣٨٦ و٢٥٠٧ حديث قيس بن سعد: «أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - بصدقة الفطر ..» الحديث، و٥٠٠٩ حديث: «ملىء عمار إيمانًا إلى مُشاشه».
٦ - (عمرو بن شُرحبيل) الهمدانيّ، أبو ميسرة الكوفيّ، مخضرم ثقة عابد [٢] ١٨٠/ ٢٨٥.
٧ - (الصحابيّ) - رضي اللَّه تعالى عنه -، وسيأتي الكلام عليه قريبًا. واللَّه تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير أبي عمار، كما مرّ آنفًا. (ومنها): أنه مسلسل بثقات الكوفيين. (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش، عن أبي عمّار، عن عمرو ابن شُرحبيل. واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ رَجُلِ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -) لم أر من سمّاه، لكن جهالته لا تضرّ؛ لأن الصحابة - ﵃ - كلهم عدول بإجماع من يُعتدّ بإجماعه، كما هو مقرّر في كتب مصطلح الحديث (قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: رَجُلٌ يَصُومُ الدَّهْرَ) «رجل» مبتدأ، وما بعده صفته، والخبر محذوف، أي ما حكمه؟. ويحتمل أن يكون «قيل» بمعنى ذُكِرَ، و«رجل» نائب فاعله، وجملة «يصوم الدهر» صفة لـ«رجل». ويؤيّد الاحتمال الأول وقوعه في الرواية التالية بلفظ الاستفهام: «ما تقول في رجل صام الدهر؟». (قَالَ: (وَدِدْتُ أنَّهُ لَمْ يَطْعَمِ الدَّهْرَ«) أي وددت أنه ما أكل ليلًا، ولا نهارًا، حتى مات جوعًا، والمقصود بيان كراهة عمله، وأنه مذموم العمل حتى يتمنّى له الموت بالجوع (قَالُوا: فَثلُثَيْهِ) بالنصب مفعولا لمقدّر، أي إن صام ثلثي الدهر، فما حكمه؟ (قَالَ:»أَكْثَرَ) يحتمل أن يكون أفعل تفضيل، مرفوعًا خبرًا لمحذوف، أي هو أكثر من الحد المطلوب. ويحتمل أن يكون فعلًا ماضيا، أي أكثر الرجل من الصوم حتى جاوز الحدّ ينبغي أن لا يتجاوزه عع (قَالُوا: فَنِصْفَهُ) أي إن صام نصف الدهر (قَالَ: «أَكْثَرَ») هذا بناء على النظر إلى أحوال غالب الناس، فإنه بالنظر إلى غالبهم يضعف، ويُخلّ في إقامة الفرائض وغيره، وإلا فهو صوم داود - ﵇ -، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «أفضل الصيام صيام داود - ﵇ -»، كما يأتي في الباب التالي (ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ) - بفتحتين- قيل: غَشّه، ووساوسه. وقيل: الحقد والغيظ. وقيل: العداوة. وقيل: أشدّ الغضب. وقيل: ما يحصل في القلب من الكدورات، والقسوة، وينبغي أن يراد ههنا الحاصلة بالاعتياد على الأكل والشرب، فإن الصوم إنما شُرع لتصقيل القلب، كما قال اللَّه -﷿-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فكأنه أشار إلى أن هذا القدر يكفي في ذلك. ويحتمل أن يقال: طالب العبادة لا يطمئن قلبه بلا عبادة، فأشار إلى أن القدر الكافي في الاطمئنان هذا القدر، والباقي زائد عليه. واللَّه تعالى أعلم. قاله السنديّ .