HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٣٥

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنِ الْمُعَافَى ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ ﷿ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ يَعْنِي أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ ﷿ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ فَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص173
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢١ ص٣٦٠
الديون على الإطلاق، ليس كما قال، بل في مذهبه تفصيلٌ، فليُرجَع لكتب مذهبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. … ١ - (بَابُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) ٢٤٣٥ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ، عَنِ الْمُعَافَى، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ الْمَكِّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، لِمُعَاذٍ -حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ-: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا، أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ، أَنَّ اللَّهَ -﷿-، فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ -يَعْنِي أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ- فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ -﷿-، فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ، فَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (محمد بن عبد اللَّه بن عَمّار الموصليّ) ثقة حافظ [١٠] ٢٠/ ١٢٢٠. ٢ - (الْمُعَافَى) بن عمران الموصليّ، ثقة فقيه عابد، من كبار [٩]. ٣ - (زكريا بن إسحاق المكيّ) ثقة رمي بالقدر [٦] ٦٠/ ٨٦٥. ٤ - (يحيي بن عبد اللَّه بن صَيفيّ) ويقال: يحيى بن عبد اللَّه بن محمد بن صَيفيّ، ويقال: يحيي بن محمد، مولى بني مخزوم، ويقال: مولى عثمان، المكيّ، ثقة [٦]. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقة. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال ابن سعد: يحيى بن عبد اللَّه بن صيفيّ كان ثقة، وله أحاديث. أخرج له الجماعة، وله عند المصنّف هذا الحديث فقط، وأعاده برقم ٢٥٢٢. ٥ - (أبو معبد) نافذ -بالذال المعجمة- مولى ابن عباس المكيّ، ثقة [٤] ٧٩/ ١٣٣٥. ٦ - (ابن عباس) - رضي اللَّه تعالى عنهما -. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح، غير شيخه فإنه من أفراده. (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين غير شيخه وشيخ شيخه، فموصليان. (ومنها): إن فيه ابنَ عباس - رضي اللَّه تعالى عنهما - من المكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا، وهو آخر من مات بالطائف من الصحابة - رضي اللَّه تعالى - عنهم، ومن المشهورين بالفتوى. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ) - رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، لِمُعَاذ) ابن جبل - ﵁ -. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: كذا في جميع الطرق، إلا ما أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، فقال فيه:«عن ابن عباس، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول اللَّه - ﷺ -»، فعلى هذا فهو من مسند معاذ، وظاهر سياق مسلم أن اللفظ مدرج، لكن لم أر ذلك في غير رواية أبي بكر بن أبي شيبة، وسائر الرواة أنه من مسند ابن عباس، فقد أخرجه الترمذيّ، عن أبي كريب، عن وكيع، فقال فيه: «عن ابن عباس أن رسول اللَّه - ﷺ - بعث معاذًا»، وكذا هو في مسند إسحاق بن إبراهيم، وهو ابن راهويه، قال: «حدثنا وكيع به». وكذا رواه عن وكيع أحمد في «مسنده»، أخرجه أبو داود عن أحمد، وللبخاريّ في «المظالم» عن يحيى بن موسى، عن وكيع كذلك. وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» عن محمد بن عبد اللَّه المخرِّميّ، وجعفر بن محمد الثعلبيّ. وللإسماعيليّ من طريق أبي خيثمة، وموسى بن السديّ، والدارقطنيّ من طريق يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ، وإسحاق بن إبراهيم البَغَويّ، كلهم عن وكيع كذلك. فإن ثبتت رواية أبي بكر، فهو من مرسل ابن عباس، لكن ليس حضور ابن عباس لذلك ببعيد؛ لأنه كان في أواخر حياة النبيّ - ﷺ -، وهو إذ ذاك مع أبويه بالمدينة انتهى كلام الحافظ . وقال ابن الملقّن -﵀- بعد أن ذكر الاختلاف المذكور-: ما نصّه: ويُجمع بينهما بأن يكون سمع ابن عباس الحديث مرّة من معاذ، فرواه متّصلًا، وأرسله تارة، ومرسله حجة على المشهور، كيف وقد عُرف من أرسل عنه، ويحتمل أن ابن عباس سمعه من معاذ، وحضر القصّة، فرواه تارة بلا واسطة، وتارة بها، إما لنسيانه، وإما لمعنى آخر انتهى . (حِينَ بَعَثَهُ اِلَى الْيَمَنِ) وكان بَعْثُ معاذ - ﵁ - إلى اليمن سنة عشر، قبل حج النبيّ - ﷺ -، كما ذكره البخاريّ في أواخر «المغازي». وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه - ﷺ - من تبوك، رواه الواقديّ بإسناده إلى كعب بن مالك، وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» عنه. ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة تسع . وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر - ﵄ -، ثم توجّه إلى الشام، فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليًا، أو قاضيًا؛ فجزم ابن عبد البرّ بالثاني، والغسّانيّ بالأول قاله الحافظ . (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا، أَهْلَ كِتَابٍ) هي كالتوطئة للوصيّة لتستجمع همته عليها، لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهّال من عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يُقْدِمُ عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، وإنما خصّهم بالذكر تفضيلًا لهم على غيرهم. (فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية: «وأني رسول اللَّه». قال في «الفتح»: كذا في رواية زكريا بن إسحاق لم يُختلف عليه فيها، وأما إسماعيل بن أمية، ففي رواية رَوْح بن القاسم عنه: «فأول ما تدعوهم إليه عبادة اللَّه، فإذا عرفوا اللَّه». وفي رواية الفضل بن العلاء عنه: «إلى أن يوحّدوا اللَّه، فإذا عرفوا ذلك». ويجمع بينها بأن المراد بعبادة اللَّه توحيده، وبتوحيده الشهادة له بذلك، ولنبيّه - ﷺ - بالرسالة. ووقعت البداءة بهما لأنهما أصل الدين الذي لا يصحّ شيء غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير موحّد، فالمطالبة متوجّهة إليه بكلّ واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بين الإقرار بالوحدانيّة، والإقرار بالرسالة، وإن كانوا يعتقدون ما يقتضي الإشراك، أو يستلزمه، كمن يقول ببنوّة عُزير، أو يعتقد التشبيه، فتكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم. واستَدَلّ به من قال من العلماء: إنه لا يشترط التبرّي من كلّ دين يخالف دين الإسلام؛ خلافًا لمن قال: إن من كان كافرًا بشيء، وهو مؤمن بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بترك اعتقاد ما كفر به. والجواب أن اعتقاد الشهادتين يستلزم ترك اعتقاد التشبيه، ودعوى بُنُوّة عزير، وغيره، فيكتفى بذلك. واستُدلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا اللَّه، حتى يُضيف إليها الشهادة لمحمد - ﷺ - بالرسالة، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: يصير بالأولى مسلمًا، ويطالب بالثانية. وفائدة الخلاف تظهر في الحكم بالردّة. [تنبيهان]: (أحدهما): كان أصل دخول اليهودية في اليمن في زمن أسعد أبي كُريب، وهو تُبّعٌ الأصغر، كما حكاه ابن إسحاق في أوائل «السيرة النبويّة». (ثانيهما): قال ابن العربيّ في «شرح الترمذيّ»: تبرّأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن عزيزًا ابنُ اللَّه، وهذا لا يمنع كونه موجودًا في زمن النبيّ - ﷺ -؛ لأن ذلك نزل في زمنه، واليهود معه بالمدينة وغيرها، فلم يُنقل عن أحد منهم أنه ردّ ذلك، ولا تعقّبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم، لا جميهم بدليل أن القائل من النصارى: إن المسيح ابن اللَّه طائفة منهم، لا جميعهم، فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلى التعطيل، وتحوّل معتقد النصارى في الابن، والأب إلى أنه من الأمور المعنوية، لا الحسيّة، فسبحان مقلّب القلوب. . وكتب العلامة الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى- على قول ابن العربيّ: ولم ينقل عن أحد منهم ردّ ذلك، ولا تعقّبه: ما نصّهُ: ونقول: إنهم لا يُصَدَّقون الآن في دعوى البراءة، فإنهم يُكَذّبون نصّ القرآن، فإن اللَّه أخبرنا بأن صفات رسولنا محمد - ﷺ - عندهم، يجدونه مكتوبا في التوراة والإنجيل، وأنكروا ذلك، فكيف تقبل براءتهم مما حكاه اللَّه عنهم من قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وإن أراد ابن العربي أن الموجودين في زمنه تبرأوا من قولهم بذلك، فلا يُجدي نفعًا، ولا ينفي إشراك آبائهم، وإن قيل: إن بعض اليهود كان يقول ذلك، فكذلك قد قيل: إن بعض النصارى يقول ذلك، وقد نسب اللَّه القول إلى اليهود والنصارى جملة. انتهى. كلام الصنعانيّ . وهو بحث نفيس. واللَّه تعالى أعلم. (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بذَلِكَ) ولفظ «الكبرى»: «فإن هم أطاعوا بذلك»: أي انقادوا، وفي رواية ابن خُزيمة: «فإن هم أجابوا لذلك»، وفي رواية الفضل بن العلاء: «فإذا عرفوا ذلك». واستُدلّ به على أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن كانوا يعبدون اللَّه، وُيظهرون معرفته.، لكن قال حذاق المتكلّمين: ما عَرَفَ اللَّهَ من شبّهه بخلقه، أو أضاف إليه اليد، أو أضاف إليه الولد، فمعبودهم الذي عبد وه ليس هو اللَّه، وإن سمّوه به. قاله في «الفتح». قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله هؤلاء المتكلّمون مشتمل على حقّ وباطل، أما الحقّ، فقولهم: من سننه اللَّه بخلقه، أو أضاف إليه الولد. وأما الباطل، فقولهم: أو أضاف إليه اليد، فإن هذا باطل بلا شكّ، فكيف يقال: من أضاف إلى اللَّه -﷿- ما أضافه لنفسه في كتابه العزيز، في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأضافه إليه النبيّ - ﷺ - في أحاديثه الصحيحة، كما هو منصوص عليه في محلّه: إنه لا يعرف اللَّه، إن هذا لهو العجب العجاب، فمن اعتقد أن للَّه تعالى يدًا، لا تشبه أيدي المخلوقين، بل على ما يليق بجلاله، فهو العارف بربه حقّ معرفته، وإنه هو الذي على الحقّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢] فتبصّر بالإنصاف، ولا تَتَهَوَّرْ بالاعتساف، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. واستدلّ به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، حيث دُعُوا أولًا إلى الإيمان فقط، ثم دُعُوا إلى العمل، ورتب ذلك بالفاء. وأيضًا فإن قوله: «فإن هم أطاعوا، فأَخْبِرْهُم» يُفهَم منه أنهم لو لم يطيعوا لا يجب عليهم شيء. وفيه نظر؛ لأن مفهوم الشرط مُختَلَفٌ في الاحتجاج به. وأجاب بعضهم عن الأول بأنه استدلال ضعيف؛ لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما أن الصلاة، والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قُدّمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث، ورُتبت الأخرى عليها بالفاء، ولا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة. [تنبيه]: كتب العلامة الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في مسألة خطاب الكفّار بالفروع بحثا مفيدًا، أحببت إيراده هنا لنفاسته: قال -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «غير مخاطبين بالفروع» أقول: هكذا أطبق الناس عليه، ولا يخفى أن اللَّه بعث الرسل تدعو العباد إلى طاعته تعالى في كلّ ما أمرت به الرسل، من غير تفرقة بين فروع ولا أصول، بل هذه التفرقة والتسمية حادثة اصطلاحًا قطعًا، وقد بيّن - ﷺ - في حديث عمر - ﵁ -، وإتيان جبريل - ﵇ - يسأله عن الإيمان، والإسلام، فأجابه بأن: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا». فقال له جبريل: «صدقت». وإذا كان هذا مسمّى الإسلام بالنصّ النبويّ. ورواية «بني الإسلام على خمس»، وذكر هذه، أخرج الأولى مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ. وأخرج الثانية الشيخان، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ. وإذا عرفت أن هذا مسمى الإسلام، وقد عرفت أنه - ﷺ - بُعث يدعوا الأمة إلى الإسلام، وقال في كتابه إلى قيصر الذي أخرجه البخاريّ وغيره: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» فقد دعا إلى هذا المركّب من الخمسة الأجزاء، وهي سواء في صدقه عليها، فلا فروع، ولا أصول، بل هذه تسمية مبتدعة، وإذا كان كذلك، فالدخول في هذا الإسلام مخاطب به كلّ مكلّف، الكافر مكلّف بالدخول فيه، والاتصاف به، والمسلم مكلّف بالاستمرار عليه، فإن امتنع الكافر عن الدخول فيه عُذّب على تركه كما يُعذّب المسلم على تركه لأيّ أجزائه عمدًا، فالكفار مخاطبون بهذا الذي اصطلحوا على تسميته فروعًا، فإن امتنع الكافر عن الإسلام عوقب على تركه الإسلام بجميع أجزائه بلا فرق. وقالت الكفّار لَمّا سُئلوا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ الآية [المدثر: ٤٢، ٤٣].والرسل من أولهم إلى آخرهم يقولون لأممهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وعبادته المأمور بها شاملة لكلّ ما تأمرهم به الرسل مما سَمَّوه أصولًا، وفروعًا، وهذا شيء دخيل. قال: ولكن لما قسموا الإسلام إلى الأمرين، فشا لهم الخلاف في مسألة خطاب الكفار بالفروع، وأطالوا المسألة، والمقاولة في الأصول الفقهيّة، وإلا فهذا شيء لا يُعرَف في سلف الأمّة، وعصر النبوّة انتهى كلام الصنعانيّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله العلاّمة الصنعانيّ -رحمه اللَّه تعالى- بحثٌ نفيس، وتحرير أنيس. واللَّه تعالى أعلم. وقيل: الحكمة في ترتيب الزكاة على الصلاة أن الذي يقرّ بالتوحيد، ويجحد الصلاة يكفر بذلك، فيصير ماله فيئًا، فلا تنفعه الزكاة. قال الحافظ: وأما قول الخطابي: إن ذكر الصدقة أُخّر عن ذكر الصلاة؛ لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، وأنها لا تكرر تكرار الصلاة. فهو حسن، وتمامه أن يقال: بدأ بالأهمّ، فالأهمّ، وذلك من التلطّف في الخطاب، لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرّة لم يأمن النفرة . وقال الإمام ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: قوله - ﷺ -: «فإن هم أطاعوا لك بذلك». طاعتهم في الإيمان بالتلفّظ بالشهادتين، وأما طاعتهم في الصلاة، فتحتمل وجهين: أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها، وفرضيتها عليهم، والتزامهم لها. والثاني: أن يكون المراد الطاعة بالفعل، وأداء الصلاة، وقد رجّح الأول بأن المذكور في لفظ الحديث هو الإخبار بالفرضيّة، فتعود الإشارة بذلك إليها. ويترجّح الثاني بأنهم لو أُخبروا بالوجوب، فبادروا بالامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط تلفّظهم بالإقرار بالوجوب، وكذلك نقول في الزكاة: لو امتثلوا بأدائها من غير تلفّظ بالإقرار لكفى، فالشرط عدم الإنكار، والإذعان للوجوب، لا التلفّظ بالإقرار انتهى . وذكر ابن المقّن وجهًا ثالثًا، وهو أن يكون المراد مجموع ذلك، قال: وهو الظاهر . وقال الحافظ: الذي يظهر أن المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار بالفعل كفاه، أو بهما فأولى، وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة: «فإذا صلّوا»، وبعد ذكر الزكاة: «فإذا أقرّوا بذلك، فخذ منهم». انتهى . وقال الصنعانيّ: ويظهر أن المراد: فأخبرهم أن اللَّه قد فرض عليهم فعل خمس صلوات في اليوم والليلة، لا أنه فَرَضَ الإقرار بوجوبها خمس مرّات كما عبّر في غيره بقوله - ﷺ -: «وتقيم الصلاة»، وإقامتها فعلها، فطاعتهم بفعلها، وهو المطلوب، لا مجرّد الإقرار، ولذا ضمّن أطاعوا انقادوا، وعدّاه باللام ، إذ الانقياد زيادة على مجرّد الطاعة، فالمطلوب منهم في الصلاة فعلها، وهو يتضمّن الإقرار بفرضيتها، واعتقاده ظاهرًا، وأما التلفّظ بالإقرار بالفرضيّة لها، فليس بمراد، ولا ورد طلب الشارع لذلك، إلا في الشهادتين، لا غير، فقول الشارح: ولو بادروا بالامتثال بالقول لكفى غير ظاهر، بل نقول: التلفّظ بالوجوب بها غير مطلوب منهم، ومثله يجري في الزكاة. وإنما قلنا ظاهرًا لأنهم لو فعلوها غير معتقدين وجوبها، كصلاة المنافقين قبلنا ظاهر فعلهم، وأدخلناهم في حكم الإسلام، ووكلنا سرائرهم إلى اللَّه، كما تقرّر في غير هذا انتهى كلام الصنعانيّ . وهو حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم. (فَأَخْبِرْهُمْ، أَنَّ اللَّهَ -﷿-، فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةِ) استُدلّ به على أن الوتر ليس بواجب، وكذا ركعتا الفجر، فإن بَعْثَ معاذ إلى اليمن قبل وفاة النبيّ - ﷺبقليل، بعد الأمر بالوتر، وركعتي الفجر. وقد قال بوجوب الوتر أبو حنيفة، دون صاحبيه، وبوجوب ركعتي الفجر الحسن البصريّ، وذلك مردود عليهما، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك في موضعه، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى وليّ التوفيق. (فَإِنْ هُمْ -يَعْنِي أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ) ولفظ «الكبرى»: «فإن يعني هم أطاعوا لك بذلك». ولعلّ بعض الرواة شكّ، فزاد «يعني». وسيأتي في ٤٦/ ٢٥٢٢ - من طريق وكيع، عن زكريا بن إسحاق بدونها (فأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ -﷿-، فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً) زاد في رواية أبي عاصم، عن زكريا: «في أموالهم». وفي رواية الفضل بن العلاء: «افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من غنيّهم، فتُردّ على فقيرهم» (تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ) استُدلّ به على أن الإمام هو الذي يتولّى قبض الزكاة، وصرفها، إما بنفسه، وإما بنائبه، فمن امتنع منها أُخذت منه قهرًا (فَتُرَدُّ) وفي نسخة: «وتردّ» بالواو (عَلَى فُقَرَائِهِمْ) استُدلّ به لقول مالك وغيره: إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد. قال الحافظ: وفيه بحث -كما قال ابن دقيق العيد- لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك، وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الأظهر، فيقدّم على الاحتمال المذكور. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخطابيّ: وقد يَستَدِلّ به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب، لأنه ليس بغنيّ، إذا كان إخراج ماله مستحقًا لغرمائه. (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ بِذَلِكَ) ولفظ «الكبرى»: «فإن هم أطاعوا لك بذلك، (فَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ») وفي الرواية الآتية في -٤٦/ ٢٥٢٢ -:«فإن هم أطاعوك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب». و«إياك» منصوب بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره، والتقدير: باعد، واتق كرائم أموالهم، وهو من باب إياك والأسد، وأهلك والليل، وأشباه ذلك. قال ابن قتيبة: ولا يجوز: «إياك كرائم» بحذف الواو. قال ابن مالك في «خلاصته»: إِيَّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ والكرائم جمع كريمة، وهي جامعة الكمال الممكن في حقّها، من غزارة لبن، وكمال صورة، أو كثرة لحم، أو صوف، وهي النفائس التي تتعلّق بها نفس مالكها، أو يختصّها لنفسه، ويؤثرها، كالأكولة ، والرُّبّى، وهي التي تُربّي ولدها، أو الحديثة العهد بالنتاج، والماخض، وهي الحامل، وفحلِ الغنم، وحَزَرَاتِ المال -بتقديم الزاي، وقيل: بتأخيرها- وهي التي تُحرَز بالعين، وتُرمَق لشرفها عند أهلها. والحكمة في منع الساعي ذلك أن الزكاة وجبت مواساة للفقراء في مال الأغنياء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بأرباب الأموال، فسامحهم الشرع بما يضنّون به، ونهى الساعي عن أخذه، فيحرم عليه أخذها، بل يأخذ الوسط، ويحرم على ربّ المال إخراج شرّ المال، نعم لو رضي المالك بإخراج الكريمة قُبلت منه. وفي وجه عند الشافعية: أن الرجل لا تؤخذ؛ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة، والهزال عيب. وفي وجه آخر: أنه لا تقبل الكريمة إذا تبرّع المالك بها للنهي المذكور، وهذان الوجهان فاسدان، كما قال العلامة ابن الملقّن -رحمه اللَّه تعالى- . وقوله: «واتق دعوة المظلوم»: أي تجنّب الظلم؛ لئلا يدعو عليك المظلوم. وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم. وقال بعضهم: عطف «واتق» على عامل «إياك» المحذوف وجوبًا، فالتقدير اتق نفسك أن تتعرّض للكرائم. وأشار بالعطف إلى أن أخذ الكرائم ظلم. ولكنه عمم إشارة إلى التحرّز عن الظلم مطلقًا. وقوله: «فإنها ليس بينها وبين اللَّه -﷿- حجاب» أي ليس لها صارف يصرفها، ولا مانع، والمراد أنها مقبولة، وإن كان عاصيًا، كما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ -. عند أحمد مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه». وإسناده حسن. وقال الطيبيّ: قوله: «اتق دعوة المظلوم» تذييل لاشتماله على الظلم الخاصّ من أخذ الكرائم، وعلى غيره. وقوله: «فإنه ليس بينها وبين اللَّه حجاب» تعليل للاتقاء، وتمثيل للدعاء، كمن يقصد دار السلطان متظلّمًا، فلا يُحجب. قال ابن العربيّ: إلا أنه وإن كان مطلقًا، فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يُعجّل له ما طلب، وإما أن يدّخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قُيّد قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: ٦٢] بقوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ الآية [الأنعام: ٤١] انتهى. [تنبيه]: كتب ابن الملقّن في «شرح العمدة» على قوله: «ليس بينها وبين اللَّه حجاب»: ما نصّه: الحجاب يقتضي الاستقرار في المكان، والباري منزّه عن ذلك، إلا أنه - ﷺكان يُخاطب العرب بما تَفهم. والمراد أنها مقبولة على كلّ حال، لا أن للباري جلّ وتعالى حجابًا يحجبه عن الناس. ويحتمل كما قال الفاكهيّ أن يراد بالحجاب هنا المعنويّ، دون الحسيّ انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ليت شعري ما الذي يعنيه بنفي الحجاب؟، كيف ينفي حجاب اللَّه تعالى، من يسمع الحديث الصحيح، كحديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -، قال: قام فينا رسول اللَّه - ﷺ -، بخمس كلمات، فقال: «إن اللَّه -﷿- لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يَخفِض القسط، وَيرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل، قبل عمل النهار، وعمل النهار، قبل عمل الليل، حجابه النورُ». وفي روايةٍ: «النارُ»، لو كشفه، لأحرقت سُبُحاتُ وجهه، ما انتهى إليه بصره، من خلقه«. أخرجه مسلم في»صحيحه«. وغير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة في إثبات الحجاب؟، إن هذا لهو العَجَب العُجَاب. ومن العجيب أن صاحب«الفتح» قد ذكر أيضًا نحو هذا الكلام مُقررًا له، وراضيا به. والحقّ أننا نثبت ما أثبته اللَّه تعالى لنفسه، من حجاب، أو غيره، على المعنى اللائق به ﷾، فلا نعطّل، ولا نشبّه. ولقد صدق في قوله: كان - ﷺ - يخاطب العرب بما تفهم. ونحن- وللَه الحمد- نكتفي بما تفهمه العرب، واكتفت به من ظواهر النصوص التي بلّغها النبيُّ - ﷺ - أُمَّتَهُ، لأنه هو الصراط المستقيم الذي أوجب اللَّه على عموم الثقلين أن يتّبعوه، وأوجب عليهم أيضًا اعتقاد ما فهموه، فلو كان هذا الذي فهمته العرب غير مراد لبادر - ﷺ - إلى أنه غير مراد، وبيّن أن المراد كذا وكذا، فقد بيّن جميع ما يحتاج إليه المكلّف، من المعتقدات، والأعمال بيانا شافيًا. كما أمره اللَّه -﷿- بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤] فيا أيها العاقل لا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد. اللَّهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عباك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، اللَّهمّ أرنا الحقّ حقًا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٢٤٣٥ و٤٦/ ٢٥٢٢ - وفي «الكبرى» ١/ ٢٢١٥. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٣٨٥ و١٤٥٨ و١٤٩٦ وفي «المظالم والغصب» ٢٤٤٨ و«المغازي» ٤٣٤٧ و«التوحيد» ٧٣٧١ و٧٣٧٢ (م) في «الإيمان» ١٩ وفي «الزكاة» ٦٢٥ و«البر والصلة» ٢٠١٤ (د) في «الزكاة» ١٥٨٤ (ق) في «الزكاة» ١٧٨٣ (أحمد) في «مسند بني هاشم» ٢٠٧٢ (الدارميّ) في ١٦١٤. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الزكاة (ومنها): وجوب الدعوة إلى اللَّه تعالى (ومنها): مشروعيّة الدعاء إلى التوحيد قبل القتال (ومنها): توصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها (ومنها): بَعْثُ السعاة لأخذ الزكاة (ومنها): قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به (ومنها): إيجاب الزكاة في مال الصبيّ والمجنون؛ لعموم قوله: «من أغنيائهم». قاله عياض، وفيه بحث (ومنها): أن الزكاة لا تدفع إلى الكافر؛ لعود الضمير في «فقرائهم» إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد، أو العموم (ومنها): أن الفقير لا زكاة عليه (ومنها): أن من ملك نصابًا لا يُعطى من الزكاة، من حيث جعل المأخوذ منه غنيًا، وقابله بالفقير، ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة منه، فهو غنيّ، والغنى مانع من إعطاء الزكاة؛ إلا من استشني . قال ابن دقيق العيد -رحمه اللَّه تعالى-: وليس هذا البحث بالشديد القوة، وهذا مذهب أبي حنفية، وبعض أصحاب مالك (ومنها): ما قاله البغويّ: فيه أن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة؛ لإضافة الصدقة إلى المال، وفيه نظر أيضًا (ومنها): أنه دليل على تعظيم أمر الظلم (ومنها): استجابة دعوة المظلوم، وأنه لا يحجبها عن اللَّه تعالى حجاب، وإن كان صاحبها فاجرًا، فقد أخرج أحمد بإسناد صحيح عن أنس - ﵁ -، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافرًا، فإنه ليس دونها حجاب». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): [إن قيل]: لِمَ لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم، والحجّ، مع أن بعث معاذ كما تقدّم كان آخر الأمر؟. [قلت]: أجاب ابن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى- بأن ذلك تقصير من بعض الرواة. وتُعُقّب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبويّة؛ لاحتمال الزيادة والنقصان. وأجاب الكرمانيّ بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كرّرا في القرآن، فمن ثَمّ لم يُذكر الصوم والحجّ في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام. والسرّ في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلّف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم، فإنه يسقط بالفدية، والحجّ فإن الغير قد يقوم مقامه فيه كما في المعضوب ، ويحتمل أنه لم يكن شُرع انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الأخير باطلٌ، لما تقدّم آنفًا من أن بعث معاذ - ﵁ - كان متأخرًا. واللَّه تعالى أعلم. وقال الحافظ: وأجاب شيخنا شيخ الإسلام- يريد البلقينيّ-: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يُخلّ الشارع منه بشيء، كحديث ابن عمر: «بُني الإسلام على خمس»، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة، والصلاة، والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحجّ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ الآية [التوبة: ٥ و١١]، في موضعين من «براءة» مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحجّ قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويقيموا الصلاة، ويؤتو الزكاة»، وغير ذلك من الأحاديث. قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقاديّ، وهو الشهادة، وبدنيّ، وهو الصلاة، وماليّ، وهو الزكاة، فاقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرّع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدنيّ محض، والحجّ بدنيّ ماليٌّ. وأيضًا فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقّة على الكفّار، والصلوات شاقّة لتكرّرها، والزكاة شاقّة لما في جِبلّة الإنسان من حبّ المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله شيخ الإسلام البلقينيّ -رحمه اللَّه تعالى- حسنٌ جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في السنة التي فُرضت فيها الزكاة: ذهب الأكثرون إلى أنّ فرضيتها وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية، قبل فرض رمضان، أشار إليه النوويّ في «باب السير» من كتابه «الروضة». وجزم ابن الأثير في «التاريخ» بأن ذلك كان في السنة التاسعة: وهذا -كما قال الحافظ- فيه نظر، فقد ثبت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وقد عبد القيس، وفي عدّة أحاديث ذكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: «يأمرنا بالزكاة»، لكن يمكن تأويل كلّ ذلك، كما سيأتي في آخر الكلام. وقوّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصّة ثعلبة بن حاطب المطوّلة، ففيها: «لما أنزلت آية الصدقة بعث النبيّ - ﷺ - عاملًا فقال: ما هذه إلا جزيةٌ، أو أخت الجزية». والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكن الحديث ضعيف، لا يُحتجّ به. وادعى ابن خزيمة في «صحيحه» أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتجّ بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصّة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب، قال للنجاشيّ في جملة ما أخبره به عن النبيّ - ﷺ -:«ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام» انتهى. قال الحافظ: وفي استدلاله بذلك نظرٌ، لأن الصلوات الخمس لم تكن فُرضت بعدُ، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشيّ، وإنما أخبره بذلك بعد مدّة، قد وقع فيها ما ذكر، من قصّة الصلاة، والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا، فقال:«يأمرنا» بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيدٌ جدًّا. وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سَلِمَ من قدح في إسناده- أن المراد بقوله: «يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام»، أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة كان قبل السنة التاسعة حديث أنس - ﵁ - في قصّة ضمام بن ثعلبة، المتقدّم للنسائيّ في «الصيام»- ١/ ٢٠٩٢ - وقوله: أنشدك اللَّه، آالله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتردها على فقرائنا«، وكان قدوم ضمام سنة خمس، كما تقدّم، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمّال لأخذ الصدقات، وذلك يقتضي تقدّم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدلّ على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فُرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدّالة على فرضيته مدنيّة بلا خلاف. وثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائيّ ، وابن ماجه، والحاكم، من حديث قيس بن سعد بن عُبادة، قال:«أمرنا رسول اللَّه - ﷺ - الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحنُ نفعله». إسناد صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمّار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيّ، اسمه عَرِيب -بالمهملة المفتوحة- ابن حُميد، وقد وثقه أحمد، وابن معين، وهو دالّ على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب. ووقع في«تاريخ الإسلام»: في السنة الأولى فُرِضت الزكاة. وقد أخرج البيهقيّ في«الدلائل»حديث أم سلمة المذكور من طريق«المغازي»لابن إسحاق« من طريق يونس ابن بُكير، عنه، وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق، لكن من طريق سلمة بن الفضل، عنه، وفي سلمة مقال . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الحاصل أن الراجح أن فرض الزكاة كان بعد الهجرة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم فيمن تجب عليه الزكاة: قال الإمام محمد بن رُشد -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «بداية المجتهد، ونهاية المقتصد»: اتفقوا على أنها تجب على كل مسلم حرّ، بالغ، عاقل، مالك للنصاب، ملكًا تامًّا. واختلفوا في وجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، وأهل الذمّة، والناقص الملك، مثل الذي عليه دينٌ، أو له الدين، ومثل المال المحبّس الأصل. فأما الصغار، فإن قومًا قالوا: تجب عليهم الزكاة في أموالهم، وبه قال عمر، وعليّ، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن بن عليّ من الصحابة - ﵃ -، وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وربيعة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار. وقال قوم: ليس في مال اليتيم صدقة أصلًا. وبه قال النخعيّ، والحسن، وسعيد بن جبير، من التابعين. وفرق قوم بين ما تخُرج الأرض، وبين ما لا تُخرجه، فقالوا: عليه الزكاة فيما تُخرجه الأرض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك، من الماشية، والنّاضّ ، والعُرُوض، وغير ذلك. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه. وفرق آخرون بين الناضّ وغيره، فقالوا: عليه الزكاة إلا في الناضّ. قال ابن رشد: وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة عليه، أو لا إيجابها هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة، والصيام؟ أم هي حقّ واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجبٌ للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يَعتَبِر في ذلك بلوغًا من غيره، وأما من فرّق بين ما تُخرجه الأرض، أو لا تخرجه، وبين الخفيّ والظاهر، فلا أعلم له مستندًا في هذا الوقت. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المذهب الأول عندي هو الأرجح؛ لعموم النصوص الصحيحة في إيجاب الزكاة، ولما روي من آثار الصحابة: عمر، وعليّ، وعائشة، وجابر - ﵃ -، رواها أبو عبيد، والبيهقيّ، والدارقطنيّ وغيرهم. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما أهل الذمّة، فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم؛ إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب -أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من المسلمين في كلّ شيء-. وممن قال بهذا الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوريّ، وليس عن مالك في ذلك قولٌ، وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطّاب بهم، وكأنهم رأوا أن مثل هذا هو توقيفٌ، ولكن الأصول تعارضه. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: كون هذا الذي أخذ من نصارى بني تغلب زكاةً فيه نظرٌ لا يخفى. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما العبيد فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب: فقوم قالوا: لا زكاة في أموالهم أصلًا، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة - ﵃ -، ومالك، وأحمد، وأبي عُبيد، من الفقهاء. وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعيّ، فيما حكاه ابن المنذر، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه. وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مرويّ عن ابن عمر، من الصحابة، وبه قال عطاء، من التابعين، وأبو ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر، وبعضهم . وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد هو على أن لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق. وقال أبو ثور: في مال المكاتب زكاة. وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد اختلافهم في هل يملك العبد ملكًا تامّا أو غير تام؟ فمن رأى أنه لا يملك ملكًا تامًّا، وأن السيّد هو المالك، إذ كان لا يخلو مال من مالك، قال: الزكاة على السيّد، ومن رأى أنه لا واحد منهما يملكه ملكا تامًا، لا السيّد، إذ كانت يد العبد هي التي عليه، لا يد السيّد، ولا العبد أيضًا؛ لأن للسيّد انتزاعه منه، قال: لا زكاة في ماله أصلًا. ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرّفها فيه تشبيهًا بتصرّف يد الحرّ قال: الزكاة عليه، لا سيّما من كان عنده أن الخطاب العامّ يتناول الأحرار والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلّق بالمكلّف لتصرّف اليد في المال. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا القول الأخير هو الظاهر عندي؛ لأن النصوص تعمّ الحرّ والعبد، وظواهر النصوص أن العبد يملك إذا أذن له السيّد في التصرّف. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم، أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال: قوم: لا زكاة في مال حبًّا كان، أو غيره حتى تُخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زُكّي، وإلا فلا وبه قال الثوريّ، وأبو ثور، وابن المبارك، وجماعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها. وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناضّ فقط، إلا أن يكون له عُروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يَمنع. وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدين لا يمنع زكاة أصلًا. والسبب في اختلافهم اختلافُهم، هل الزكاة عبادة، أو حقّ مرتّبٌ في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حقّ لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدين، لأن حقّ صاحب الدين متقدّم بالزمان على حقّ المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين، لا للذي المالُ بيده، ومن قال: هي عبادة قال: تجب على من بيده مالٌ لأن ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلّف، سواء كان عليه دينٌ، أو لم يكن؛ وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقّان: حقّ للَّه، وحقّ للآدميّ، وحقّ اللَّه أحقّ أن يُقضى. والأشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المديون؛ لقوله - ﷺ -: «صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم …» والمديون ليس بغنيّ. وأما من فرق بين الحبوب، وغير الحبوب، وبين الناضّ، وغير النّاضّ، فلا أعلم له شبهة بيّنة. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الأقرب عندي أن من عليه دين يستغرق بماله، لا زكاة عليه أصلًا، ومن عليه دين لا يستغرق لا زكاة عليه بقدر الدين، ويزكي ما عداه؛ لظاهر النصّ المذكور، فإنه شرط في أخذ الزكاة أن يكون غنيّا، والمديون لا يسمّى غنيّا. واللَّه تعالى أعلم. قال: وأما المال الذي هو في الذّمّة -أعني في ذمة الغير- وليس هو بيد المالك، وهو الدين، فإنهم اختلفوا فيه أيضًا، فقدم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قُبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعيّ، وبه قال الليث، أو هو قياس قوله. وقوم قالوا: إذا قبضه زكّاه لما مضى من السنين. وقال مالك: يزكيه لحول واحد، وإن أقام عند المديون سنين إذا كان أصله عن عوض، وأما إذا كان عن غير عوض، مثل الميراث، فإنه يستقبل به الحول انتهى كلام ابن رشد ببعض تصرف . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي أنه إن كان الدين عند مقرّ به، أو له عليه بيّنة، فإنه يزكّيه، وإلا فلا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الحول في الزكاة: ذكر ابن رشد -رحمه اللَّه تعالى- أن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة والماشية الحولَ، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة - ﵃ - ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعًا من حديث ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول»، وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، وليس فيه في الصدر الأول خلاف، إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية - ﵃ -، وسبب اختلافهم أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت. قاله ابن رشد -﵀- تعالى . وقال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: ما معناه: هذا الأثر المذكور عن أبي بكر، وعثمان، وعليّ - ﵃ - صحيح عنهم، رواه البيهقيّ وغيره، وقد روي عن عليّ، وعائشة - ﵂ - عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول». قال: وإنما لم يحتجّ المصنّف -يعني صاحب «المهذّب»- بالحديث؛ لأنه ضعيف، فاقتصر على الآثار المفسّرة. قال البيهقيّ: الاعتماد في اشتراط الحول على الآثار «الصحيحة، فيه عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم - ﵃ -. قال العبدريّ: أموال الزكاة ضربان: (أحدهما): ما له نماء في نفسه، كالحبوب
مصادر المؤلف (٢٦)

١. - «فتح» ج ٤ ص ١٧٦.

٢. -«الإعلام» ج ٥ ص ١٤.

٣. - وقع في «الفتح» هنا «سنة عشر»، وهو تصحيف، بلا شكّ، وقد وقع في «المغازي» ج ٨ ص ٣٨٦ على الصواب، فتنبّه.

٤. - «فتح» ج ٤ ص ١٢٦ - ١٢٧.

٥. - «فتح» ج ٤ ص ١٢٧.

٦. - «العدّة حاشية العمدة» ج ٣ ص ٢٧٣.

٧. - المصدر السابق.

٨. -«فتح» ج ٤ ص ١٢٨.

٩. - «إحكام الأحكام» ج ٣ ص ٢٧٤ - ٢٧٥. بنسخة الحاشية.

١٠. - «الإعلام» ج٥ ص ٢٠.

١١. - «فتح» ج ٤ ص ١٢٩.

١٢. - هذا في رواية من رواه «فإن هم أطاعوا لك بذلك»، وأما رواية النسائيّ هنا، «فإن هم أطاعوك» بدون لام.

١٣. -«العدّة» ج ٣ ص ٢٧٥.

١٤. - الأكولة التي تُسَمَّنُ للأكل، وقيل: هي الخصيّ. وأخرج مالك في «الموطإ» عن سفيان بن عبد اللَّه الثقفيّ، أن عمر بن الخطاب قال له: «لا تأخذ الأكولة، ولا الرُّبّى، ولا الماخض، ولا فحل الغنم» انتهى.

١٥. - «الحَزْرَةُ» من المال: خياره، وجمعه حَزَرَات بفتحات. أفاده في «القاموس».

١٦. - «الإعلام» ج٥ ص ٢٦ - ٢٨.

١٧. - «الإعلام» ج٥ ص ٢٨ - ٢٩.

١٨. - أراد به ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، مرفوعًا:«لا تحلّ الصدقة لغنيّ، إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل اللَّه، أو مسكين تُصُدّق عليه، فأهداها لغنيّ»، وهو حديث صحيح.

١٩. - يقال رجل معضوب: زَمِنٌ لا حَرَاكَ به، كان الزَّمَانة عَضَبته، ومنعته الحركة. قاله في «المصباح».

٢٠. - «فتح» ج ٤ ص ١٣٠.

٢١. - سيأتي في - ٣٥/ ٢٥٠٧.

٢٢. - راجع «الفتح» ج ٤ ص ٩ - ١٠.

٢٣. -أي الدرهم والدينار، فقد ذكر في «القاموس» من معاني الناضّ: الدرهم، والدينار، أو إنما يسمى ناضّا إذا تحوّل عيَنًا بعد أن كان متاعًا انتهى بتصرّف من مادّة نضّ.

٢٤. - هكذا نسخة الكتاب: «وبعضهم» بالواو، ولعله: «أو بعضهم» بـ «أو»، فليحرّر.

٢٥. -«بداية المجتهد»ج١ ص ٢٤٥ - ٢٤٦.

٢٦. -«بداية المجتهد» ج١ ص ٢٧٠.