HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٣٧

أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُسَاوِرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص174
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٥ ص ٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢١ ص٣٨٢
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث معاوية بن حيدة - ﵁ - هذا صحيح، وهو من أفراد المصنّف -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، أخرجه هنا-١/ ٢٤٣٦ و٧٣/ ٢٥٦٨ - وفي «الكبرى» ١/ ٢٢١٦ و٧٥/ ٢٣٤٩. وأخرجه (أحمد) في «مسند البصريين» ١٩٥١١. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثانية): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف، وهو وجوب الزكاة، ووجه دلالته عليه، أنّ النبيّ - ﷺ - غير عدّه من علامات الإسلام التي لا يوجد تحقق الإسلام للشخص إلا بها، فصار ركنا من أركان الإسلام (ومنها): وجوب إسلام الوجه للَّه تعالى، ومعناه الاستسلام له، والانقياد لأمره (ومنها): وجوب التبرّي عن جميع ما يُضادّ الإسلام (ومنها): وجوب إقامة الصلاة (ومنها): تحريم تعرّض المسلم للمسلم بأيّ وجه من الأذى، إلا بما أوجب اللَّه عليه من العقوبة، وهذا هو معنى ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] (ومنها): أن نصر المسلم لأخيه المسلم من واجبات الإسلام (ومنها): أنه لا يقبل عمل المسلم إلا بمفارقة المشركين إلى المسلمين مفارقة تامّة، بحيث لا يكون له علاقة قلبية بهم، ولا ينافي ذلك التعامل الظاهريّ معهم في الأمور الدنيوية، وهذا هو معنى ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ الآية [البقرة: ٢٠٨]. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٢٤٣٧ - (أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ مُسَاوِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلاَّمٍ، عَنْ أَخِيهِ، زَيْدِ بْنِ سَلاَّمٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلاَّمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الأَشْعَرِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عيسى بن مُساور) الجوهريّ، أبو موسى البغداديّ، صدوق، من صغار [١٠] ٧١/ ٢٣٧٤. ٢ - (محمد بن شُعيب بن شابور) الدمشقيّ، نزيل بيروت، صدوق، صحيح الكتاب، من كبار [٩] ٦/ ١١٩٠. ٣ - (معاوية بن سلاّم) أبو سلاّم الدمشقيّ، ثم الحمصيّ، ثقة [٧] ١٣/ ١٤٧٩. ٤ - (زيد بن سلاّم) الدمشقيّ، ثقة [٦] ٢/ ١٣٧٠. ٥ - (أبو سلاّم) -بشديد اللام- ممطور الحبشيّ، ثقة يُرسل [٣] ٢/ ١٣٧٠. ٦ - (عبد الرحمن بن غَنْم) -بفتح الغين المعجمة، وسكون النون- الأشعريّ، مختلف في صحبته. ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة إن شاء اللَّه، بعثه عمر بن الخطاب يفقّه الناس، وكان أبوه قَدِم على رسول اللَّه - ﷺ - صُحْبة أبي موسى. وقال ابن يونس: عبد الرحمن بن غَنْم بن كريب بن هانئ بن ربيعة، وساق نسبه إلى أشعر ممن قدم على رسول اللَّه - ﷺ - في السفينة، وقدم مصر مع مروان سنة (٦٥). وقال ابن منده: ذكر يحيى بن بُكير عن الليث، وابن لهيعة أنهما كانا يقولان: لعبد الرحمن بن غنم صحبة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: ناظرت عبد الرحمن بن إبراهيم، قلت: أرأيت الطبقة التي أدركت رسول اللَّه - ﷺ -، ولم تره، وأدركت أبا بكر، وعمر، ومن بعدهما من أهل الشام، مَن المقدّم منهم: الصنابحيّ، أو عبد الرحمن بن غنم؟ قال: ابن غنم المقدّم عندي، وهو رجل أهل الشام. وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ ثقة، من كبار التابعين. وقال يعقوب بن شيبة: مشهور من ثقات الشاميين، وقد حدّث عن غير واحد من الصحابة، وأدرك عمر، وسمع منه. وذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، وقال: زعموا أن له صحبة، وليس ذلك بصحيح عندي. وقال ابن عبد البرّ: كان مسلمًا على عهد رسول اللَّه - ﷺ -، ولم يره، ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات، وسمع من عمر، وكان أفقه أهل الشام، وهو الذي فقّه عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدر. وقال أبو القاسم البغويّ: لا أدري أدرك النبيّ - ﷺ -، أم لا، وقيل: ولد على عهده. وقال حرب بن إسماعيل، عن أحمد: عبد الرحمن بن غنم قد أدرك النبيّ - ﷺ -، ولم يسمع منه. قال خليفة وغيره: مات سنة (٧٨). علق عنه البخاريّ، وأخرج له الأربعة، وله عند المصنف في هذا الكتاب حديثان برقم ٢٤٣٧ و٣٦٤١ و٣٦٤٢. ٧ - (أبو مالك الأشعريّ) له صحبة. قيل: اسمه الحارث بن الحارث، وقيل: عبيد اللَّه، وقيل: عمرو، وقيل: كعب بن عاصم، وقيل: كعب بن كعب، وقيل: عامر ابن الحارث بن هانئ بن كلثوم. روى عن النبيّ - ﷺ -. وعنه عبد الرحمن بن غنم الأشعريّ، وأبو صالح الأشعريّ، وربيعة بن عمرو الْجُرَشيّ، وشُريح بن عُبيد الحضرميّ، وشهر بن حوشب، وأبو سلاّم الأسود، وغيرهم. وروى أبو سلاّم أيضًا عن عبد الرحمن بن غنم، عنه. وقيل: إن الذي روى عنه أبو سلاّم آخر. قال شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرحمن بن غنم: طُعن معاذ بن جبل، وأبو عُبيدة بن الجراح، وشُرحبيل بن حسنة، وأبو مالك الأشعريّ في يوم واحد. وقال ابن سعد، وخليفة: توفي في خلافة عمر. وقال الحافظ في «تهذيب التهذيب»: ما خلاصته: أبو مالك الأشعريّ الذي روى عنه أبو سلاّم، وشهر بن حوشب، ومن في طبقتهما هو الحارث بن الحارث الأشعريّ، وقد ذكرت في ترجمته ما يدلّ على ذلك، وبيّنت أنه تأخرت وفاته، وأما أبو مالك الأشعريّ هذا فهو آخر قديم، كما تقدّم هنا أنه مات في خلافة عمر، هو، ومعاذ بن جبل، وغيرهما، قال: والفصل بينهما في غاية الإشكال انتهى. علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون، وله عند المصنف هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سباعيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالشاميين، غير شيخه، فإنه بغدادي. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وروية الراوي عن أخيه، عن جده. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ غَنْمٍ) الأشعريّ، ورواه مسلم من طريق أبي سلاّم، عن أبي مالك، بإسقاط عبد الرحمن بن غنم، فتكلّم فيه الدارقطنيّ وغيره، وقال النوويّ: يمكن أن يجاب عن مسلم بأن الظاهر من حاله أنه علم سماع أبي سلاّم لهذا الحديث من أبي مالك، فيكون أبو سلاّم سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضًا من عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك، فرواه مرّة عنه، ومرّة عن عبد الرحمن، عنه انتهى (أَنَّ أَبَا مَالِكٍ الأَشْعَرِيّ) - ﵁ - (حَدَّثَهُ) أي حدّث عبد الرحمن بن غنم (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ) ولفظ مسلم:»الطهور شطر الإيمان«. قال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: وَذَكَرُوا في توجيهه وجوهًا لا تناسب رواية الكتاب: منها: أن الإيمان يطهّر نجاسة الباطن، والوضوء يطهّر نجاسة الظاهر، وهذا إن تمّ يفيد أن الوضوء شطر الإيمان، كرواية مسلم، لا أن إسباغه شطر الإيمان، كما في رواية الكتاب، مع أنه لا يتمّ، لأنه يقتضي أن يُجعل الوضوء مثل الإيمان، وعديله، لا نصفه، أو شطره، وكذا غالب ما ذكروا. والأظهر الأنسب لما في الكتاب أن يقال: أراد بالإيمان الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]، والكلام على تقدير مضاف، أي إكمال الوضوء شطر إكمال الصلاة، وتوضيحُهُ أن إكمال الصلاة بإكمال شرائطها الخارجة عنها، وأركانها الداخلة فيها، وأعظم الشرائط الوضوء، فجُعل إكماله نصف إكمال الصلاة. ويحتمل أن المراد الترغيب في إكمال الوضوء، وتعظيم ثوابه حتى بلغ إلى نصف ثواب الإيمان. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام السنديّ . وقال العلاّمة القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقد اختُلف في معنى قوله - ﷺ -: «الطهور شطر الإيمان» على أقوال كثيرة: أَوْلَاها: أن يقال: إنه أراد بالطهور الطهارة من المستخبثات الظاهرة والباطنة، والشطر النصف، والإيمان هنا هو بالمعنى العامّ، كما قد دلّلْنا عليه بقوله - ﷺ -: «الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعملٌ بالأركان» ولا شكّ أن هذا الإيمان ذو خصال كثيرة، وأحكام متعدّدة، غير أنها منحصرة فيما ينبغي التنزّه والتطهّر منه، وهي كلّ ما نهى الشرع عنه، وفيما ينبغي التلبّس، والاتصاف به، وهي كلّ ما أمر الشرع به، فهذان الصنفان عُبّر عن أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة، وهو كما قد روي مرفوعًا: «الإيمان نصفان: نصف شكر، ونصف صبر» . وقد قيل: إن الطهارة الشرعيّة لما كانت تكفّر الخطايا السابقة، كانت كالإيمان الذي يَجُبّ ما قبله«. فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى هو الخطايا. وهذا فيه بُعْد؛ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة، تكفّر الخطايا؛ فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنى. ثم لا يصحّ أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار؛ لأنها إنما تكون مثلًا له في التكفير؛ ولا يقال على المثل للشيء: شطره. وقيل: إن الإيمان هنا يُراد به الصلاة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم على قول المفسّرين، ومعناه على هذا: أن الصلاة لما كانت مفتقرة إلى الطهارة، كانت كالشطر لها. وهذا أيضًا فاسد؛ إذْ لا يكون شرط الشيء شطره، لا لغة، ولا معنى، فالأولى التأويل الأول. واللَّه أعلم. انتهى كلام القرطبيّ. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما تقدّم ترجيح السنديّ -رحمه اللَّه تعالى- له هو الأقرب، وهو الذي رجحه النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-، وما ردّ به القرطبيّ فيه نظر، لأنه لا مانع من كونه من باب التشبيه، وذلك أنه لما كانت الطهارة من أعظم شروط الصلاة، جُعلت كأنها شطرها، فما المانع من هذا التشبيه لأجل المبالغة؟. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. (وَالْحَمْدُ لِلَهِ تَمْلَاُ الْمِيزَانَ) بالتاء الفوقانية، وإنما أنثها باعتبار الكلمة، ومعناه أن نفس هذا الذكر يوزن، فيملأ الميزان«وفيه أن الأعمال تتجسّد، فتوزن. قال النووي -رحمه اللَّه تعالى-: معناه عظم أجرها، وأنه يملأ الميزان، وقد تظاهرت نصوص الكتاب والسنّة على وزن الأعمال، وثقل الميزان، وخفتها انتهى . (وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَاُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) بالإفراد، أي كلّ واحد منهما، أو مجموعهما، وفي بعض النسخ:»يملآن« بالتثنية، وهو واضحٌ. والظاهر أن هذا يكون عند الوزن، وأن الأعمال تصير أجسامًا لطيفة نورانيّة لا تتزاحم فيما بينها، ولا تُزاحم غيرها، كما هو المشاهد في الأنوار، إذ يمكن أن يُسرج ألف سراج في بيت واحد، مع أنه يمتلئ نورًا من واحد من تلك السرج، لكن كونه لا يزاحم يجتمع معه نور الثاني والثالث، ثم لا يمتنع امتلاء البيت من النور جلوسَ القاعدين فيه لعدم المزاحمة، فلا يرد أنه كيف يتصوّر ذلك مع كثرة التسبيحات والتقديسات، مع أنه يلزم من وجود واحد أن لا يبقى مكان لشخص من أهل المحشر، ولا لعمل آخر متجسّد مثل تجسّد التسبيح وغيره. واللَّه تعالى أعلم. أفاده السنديّ . وأما ما ذكره النوويّ من أنه يحتمل أن يقال: لو قُدّر ثوابهما جسمًا الخ فمما لا حاجة إليه؛ لأنه لا مانع من ذلك، لا شرعًا، ولا عقلًا، فإن ظواهر النصوص تدلّ على أن نفس الأعمال توزن، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. وقال القرطبيّ: ما حاصله: أن الحمد راجع إلى الثناء على اللَّه تعالى بأوصاف كماله، فإذا حمد اللَّه تعالى حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات، فإذا أضاف إلى ذلك «سبحان اللَّه» الذي معناه تبرئة اللَّه، وتنزيهه عن كلّ ما لا يليق به من النقائص ملأت حسناته، وثوابها زيادة على ذلك ما بين السموات والأرض؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد، وذكر السموات والأرض على جهة الإغياء على العادة العربية، والمراد أن الثواب على ذلك كثير جدًّا، بحيث لو كان أجسامًا لملأ ما بين السموات والأرض انتهى . [تنبيه]: ذكر الإمام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى- في «تفسيره» ٢/ ٢٠٣ اختلاف العلماء فيما هو الموزون، هل هي الأعمال، أم ثوابها؟ فقال: عند قوله -﷿-: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية [الأعراف: ٨]-: والذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضا، إلا أن اللَّه تعالى يقلبها يوم القيامة أجساما، قال البغوي: يُرْوَى نحوُ هذا عن ابن عباس، كما جاء في «الصحيح» من «أن البقرة، وآل عمران، يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو فرقان من طير صواف» .. ومن ذلك في «الصحيح» قصة القرآن، وإنه «يأتي على صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول. من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك، وأظمأت نهارك». وفي حديث البراء في قصة سؤال القبر: «فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح»، وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له في كفة تسعة وتسعون سِجِلاًّ، كل سِجِلّ مد البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة فيها لا إله إلا اللَّه، فيقول: يا رب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول اللَّه تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول اللَّه - ﷺ -: «فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة»، رواه الترمذي بنحو من هذا، وصححه. وقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث: «يؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يزن عند اللَّه جناح بعوضة، ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وفي مناقب عبد اللَّه بن مسعود، أن النبيّ - ﷺ - قال:»أتعجبون من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد«. وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن كثير -رحمه اللَّه تعالى-. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الجمع الذي ذكره الإمام ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- في وجه الجمع حسنٌ جدّا؛ إذ به تجتمع النصوص المذكورة ونحوها، دون تعارض. واللَّه تعالى أعلم. (وَالصَّلَاةُ نُورٌ) قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: أن الصلاة إذا فُعلت بشروطها المصحّحة، والمكمّلة نوّرت القلب؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر من يراعيها حقّ رعايتها أن يقول: «وجُعلت قرّة عيني في الصلاة» وأيضًا فإنها تنوّر بين يدي مُراعيها يوم القيامة في تلك الظُّلَم. وأيضًا تنوّر وجه المصليّ يوم القيامة، فيكون ذا غرّة وتحجيل، كما ورد في حديث عبد اللَّه بن بُسْر - ﵁ -، مرفوعًا: «أمتي يوم القيامة غُرٌّ من السجود، محجّلون من الوضوء» انتهى كلام القرطبيّ واللَّه تعالى أعلم. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: أنها تمنع من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب؛ كما أن النور يُستضاء به. وقيل: معناه أنه يكون أجرها نورًا لصاحبها يوم القيامة. وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق؛ لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى اللَّه تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥]. وقيل: معناه أنها تكون نورًا ظاهرًا على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضا على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصلّ. واللَّه أعلم. انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: لا مانع من إرادة جميع هذه المعاني في هذا الحديث، فلا تدافع بين هذه الأقوال، لأن النصّ يحتمل جميعها. واللَّه تعالى أعلم. (وَالزَّكَاةُ بُرْهَانٌ) ولفظ مسلم: «والصدقة برهان». أي دليل على صدق صاحبها في دعوى الإيمان؛ إذ الإقدام على بذل المال خالصًا للَّه تعالى لا يكون إلا ممن هو صادق في إيمانه. وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: قال صاحب «التحرير»: معناه يُفزَع إليها كما يُفزَع إلى البراهين، كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله كانت صدقاته براهين في جواب هذا السؤال، فيقول: تصدّقت به. قال: ويجوز أن يوسم المتصدّق بسيماء يعرف بها، فيكون برهانًا له على حاله، ولا يسأل عن مصرف ماله. وقال غير صاحب «التحرير»: معناه الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها؛ لكونه لا يعتقدها، فمن تصدّق استُدلّ بصدقته على صدق إيمانه. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ . وقال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: برهان على صحة إيمان المتصدّق، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يَلمزون المطّوعين من المؤمنين في الصدقات. أو على صحّة محبة المتصدّق للَّه تعالى، ولما لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبّة اللَّه تعالى، وابتغاء ثوابه على ما جُبل عليه من حبّ الذهب والفضّة؛ حتى أخرجه للَّه تعالى . (وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) قال أبو العباس القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: كذا صحّت روايتنا فيه، وقد رواه بعض المشايخ: «والصوم ضياء» بالميم، ولم تقع لنا تلك الرواية، على أنه يصحّ أن يعبّر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية [البقرة: ٤٥] فإن تنزّلنا على ذلك؛ فيقال في كون الصبر ضياء؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرقٌ معنويٌّ، بل لفظيٌّ. والأَوْلَى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم، بل هو الصبرُ على العبادات، والمشاقّ، والمصائب، والصبرُ عن المخالفات، والمنهيّات؛ كاتباع هوى النفس، والشهوات، وغير ذلك، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال متثبّتًا فيها؛ مقابلًا لكلّ حال بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله، ووضَحَت له مصالح أعماله، فظَفِرَ بمطلوبه، وحَصَل من الثواب على مرغوبه، كما قيل [من الطويل]: فَقَلَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْرٍ تَطَلَّبَهُ … وَاسْتعمَلَ الصَّبْرَ إِلاَّ فَازَ بِالظَّفَرِ انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معناه: الصبر المحبوب في الشرع، وهو الصبر على طاعة اللَّه تعالى، والصبر عن معصيته، والصبر أيضًا على النائبات، وأنواع المكاره في الدنيا، والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه، مستضيئا، مهتديًا، مستمرًا على الصواب. قال إبراهيم الخوّاص: الصبر هو الثبات على الكتاب والسنّة. وقال ابن عطاء: الصبر الوقوف مع النبلاء بحسن الأدب. وقال الأستاذ أبو عليّ الدّقّاق: حقيقة الصبر أن لا يعترض على المقدور، فأما إظهار النبلاء، لا على وجه الشكوى، فلا ينافي الصبر، قال اللَّه تعالى في أيوب - ﵇ -: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ الآية [ص: ٤٤]. مع أنه قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ الآية [الأنبياء: ٨٣]. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ . (وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أَوْ عَلَيْكَ«) قال القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-: يعني أنك إذا امتثلت أوامره؛ واجتنبت نواهيه، كان حجة لك في المواقف التي تُسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر، والمسألة عند الميزان» وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتُجّ به عليك. ويحتمل أن يُراد به أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التنازع في المباحث الشرعية، والوقائع الحكمية، فيه تَستَدلّ على صحّة دعواك، وبه يَستَدلّ عليك خصمك انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: المعنى الأول هو الذي يدلّ عليه السياق، فافهم، واللَّه تعالى أعلم. زاد مسلم في روايته: «كلّ الناس يَغدو، فبايعٌ نفسه، فمعتقها، أو موبقها». قال القرطبيّ في شرحه: «يغدو»: بمعنى يُبكّر، يقال: الناس فريقان: غَدَا: إذا خرج صباحًا في مصالحه يغدو، وراح: إذا رجع بعشيّ، ومعنى ذلك أن كلّ إنسان يُصبح ساعيًا في أموره، متصرفًا في أغراضه، ثم إما أن تكون تصرّفاته بحسب دواعي الشرع والحقّ، فهو الذي يبيع نفسه من اللَّه، وهو بيع آثل إلى عتق وحرّيّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١] ومنه قول ابن مسعود - ﵁ -: «الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، أو مُفاديها، فمعتقها» انتهى كلام القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى-. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي مالك الأشعريّ - ﵁ - هذا أخرجه مسلم. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا- ١/ ٢٤٣٧ - وفي «الكبرى» ٢٢١٧. وأخرجه (م) في «الطهارة» ٢٢٣
مصادر المؤلف (١٨)

١. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٦.

٢. - رواه الخطيب في «تاريخه» ٩/ ٣٨٦ وفيه عبد اللَّه بن أحمد الطائيّ، لم يكن بالمرضيّ، وفيه أيضًا عبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهرويّ ليس بثقة.

٣. - رواه الديلميّ في «مسند الفردوس»، والبيهقيّ في «الشعب»، وفي سنده عتبة بن السكن، ويزيد بن أبان متروكان.

٤. - راجع «شرح مسلم» ج ٣ ص ٩٦.

٥. - «شرح السنديّ» ج ٥ ص ٦ - ٧.

٦. - راجع «شرح مسلم» ج ٣ ص ٩٦ - ٩٧.

٧. -»الإغياء«: بلوغ الغاية، يقال: أغيا الرجل: بلغ الغاية.

٨. -»المفهم« ج١ ص ٤٧٥ - ٤٧٦.

٩. - حديث صحيح، رواه أحمد ٣/ ١٢٨ و١٩٩ و٢٨٥. وسيأتي للمصنّف ٧/ ٦٢.

١٠. - رواه أبو أحمد الحاكم، وقال غريب. انظر«كنز العمال» ٣٤٥٣٤. و«فيض القدير» ٢/ ١٨٤.

١١. - «المفهم» ج١ ص ٤٧٦.

١٢. - «شرح مسلم» ج ٣ ص ٩٧.

١٣. -«شرح مسلم» ج ٣ ص ٩٧.

١٤. -«المفهم» ج١ ص ٤٧٦.

١٥. - هكذا نسخة «المفهم»، ولعل الصواب: «فإن نزّلناه على ذلك»، فليحرّر.

١٦. -«المفهم» ج١ ص ٤٧٧.

١٧. - «شرح مسلم» ج ٣ ص ٩٧.

١٨. - قال الهيثميّ في «مجمع الزوائد»: ١٠/ ٢٣٦: رواه الطبرانيّ، وإسناده جيّد.