HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٤٣

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ! قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص176
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٥ ص ١٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص١٩
على سبيل التعذيب، لا على سبيل التخليد، وليس في اللفظ ما يدلّ على ذلك. واللَّه أعلم انتهى كلام وفي الدين . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: مسألة الخلاف في تكليف الكفار بالفروع قد تقدّم تحقيقها قبل باب مُسْتَوفًى، وأن الحقَّ هو القول بتكليفهم، فراجعه تستفد. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٣ - (بَابُ مَانِعِ الزَّكَاةِ) أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على حكم مانع الزكاة، وهو مقاتلته. وقد عقد الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «كتاب استتابة المرتدين» من «صحيحه»، لحديث الباب ترجمة عامّة، فقال: «باب قتل من أبى قبول الفرائض، وما نُسبوا إلى الرّده». فقال في «الفتح»: أي جواز قتل من امتنع من التزام الأحكام الواجبة، والعمل بها. قال المهلّب: من امتنع من قبول الفرائض نُظر، فإن أقرّ بوجوب الزكاة مثلًا، أخذت منه قهرًا، ولا يُقتل، فإن أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع. قال مالك في «الموطإ»: الأمر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض اللَّه تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها منه كان حقّا عليهم جهاده. قال ابن بطّال: مراده إذا أقرّ بوجوبها لا خلاف في ذلك انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٣ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ لأَبِى بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا، كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ عُمَرُ - ﵁ -: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ، إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ). رجال هذا الإسناد: سنة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقة الثبت [١٠] ١/ ١. ٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصريّ الثقة الحجة [٧] ٣١/ ٣٥. ٣ - (عُقيل) -مصغرًا- بن خالد بن عَقِيل- مكبرًا-، أبو خالد الأموي مولاهم، الأيلي، ثم المدني، ثم الشامي، ثم المصري، ثقة ثقة [٦] ١٢٥/ ١٨٧. ٤ - (الزهريّ) محمد بن مسلم الإمام الحجة الثبت الحافظ [٤] ١/ ١. ٥ - (عُبيد اللَّه بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) المدني الفقيه الثقة الثبت [٣] ٤٥/ ٥٦. ٦ - (أبو هريرة) - ﵁ - ١/ ١. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلانيّ، والليث، فمصري. (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عبيد اللَّه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين من الرواية، واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ) قال في «الفتح»: وهكذا رواه الأكثرون عن الزهريّ بهذا السند على أنه من رواية أبي هريرة عن عمر، وأبي بكر - ﵃ -، وقال يونس بن يزيد، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة أخبره أن رسول اللَّه - ﷺ - قال: «أمرت أن أقاتل الناس …» الحديث، فساقه على أنه من مسند أبي هريرة، ولم يذكر أبا بكر، ولا عمر. أخرجه مسلم. وهو محمول على أن أبا هريرة سمع أصل الحديث من النبيّ - ﷺ -، وحضر مناظرة أبي بكر وعمر، فقصّها كما هي، ويؤيّده أنه جاء عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - بلا واسطة من طرُق، فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه- ومن طريق أبي صالح ذكوان- كلاهما عن أبي هريرة. وأخرجه ابن خزيمة من طريق أبي الْعَنْبَس سعيد بن كثير بن عُبيد، عن أبيه- وأخرجه أحمد من طريق همّام بن منبّه- ورواه مالك خارج «الموطإ» عن أبي الزناد، عن الأعرج- وذكره ابن منده في «كتاب الإيمان» من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة- كلهم عن أبي هريرة - ﵁ -. ورواه أيضًا ابن عمر، وجابر، وطارق الأشجعيّ عند مسلم. وأخرجه أبو داود، والترمذيّ من حديث أنس، وأصله عند البخاريّ. وأخرجه الطبريّ من وجه آخر عن أنس، وهو عند ابن خزيمة من وجه آخر عنه، لكن قال: «عن أنس، عن أبي بكر». وأخرجه البزّار من حديث النعمان بن بشير. وأخرجه الطبرانيّ من حديث سهل بن سعد، وابن عباس، وجرير البجليّ. وفي «الأوسط» من حديث سمرة، وسيأتي ما في رواياتهم من فائدة زائدة، إن شاء اللَّه تعالى . (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ) ببناء الفعلين للمفعول (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ) وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: «لما توفي رسول اللَّه - ﷺ - ارتدّ عامّة العرب». قال القاضي عياض وغيره: كان أهل الرّدّة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان. وصنف تبعوا مسيلمة، والأسود العنسيّ، وكان كلّ منهما ادعى النبوّة قبل موت النبيّ - ﷺ -، فصدّق مسيلمةَ أهلُ اليمامة، وجماعةٌ غيرهم، وصدّق الأسودَ أهلُ صنعاء، وجماعةٌ غيرهم، فَقُتِل الأسودُ قبل موت النبيّ - ﷺ - بقليل، وبقي بعض من آمن به، فقاتلهم عُمّال النبيّ - ﷺ - في خلافة أبي بكر - ﵁ - وأما مسيلمة فجهّز إليه أبو بكر الجيش، وعليهم خالد بن الوليد، فقتلوه. وصنف ثالثٌ استمروا على الإسلام، لكنهم جحدوا الزكاة، وتأوّلوا بأنها خاصّة بزمن النبيّ - ﷺ -، وهم الذين ناظر عمرُ أبا بكر في قتالهم، كما وقع في حديث الباب. وقال أبو محمد بن حزم في «الملل والنحل»: انقسمت العرب بعد موت النبيّ - ﷺ - على أربعة أقسام: طالْفة بقيت على ما كانت عليه في حياته، وهم الجمهور. وطائفة بقيت على الإسلام أيضًا، إلا أنهم قالوا: نقيم الشرائع إلا الزكاة، وهم كثير، لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الأولى. والثالث أعلنت بالكفر، والردّة، كأصحاب طُلَيحة، وسَجَاح، وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم، إلا أنه كان في كلّ قبيلة من يقاوم من ارتدّ. وطائفة توقّفت، فلم تُطع أحدًا من الطوائف الثلاثة، وتربّصوا لمن تكون الغلبة، فأخرج أبو بكر إليهم البعوث، وكان فيروز، ومن معه غلبوا على بلاد الأسود، وقتلوه، وقُتل مسيلمة باليمامة، وعاد طُليحة إلى الإسلام، وكذا سَجَاحِ، ورجع غالب من كان ارتدّ إلى الإسلام، فلم يَحُلِ الحولُ إلا والجميع قد راجعوا دين الإسلام، ولله الحمد انتهى . (قَالَ: عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ) - ﵄ - (كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ؟) وفي حديث أنس: «أتريد أن تقاتل العرب (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:) الواو واو الحال (»أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) كذا ساقه الأكثر، وفي رواية طارق عند مسلم: «من وحّد اللَّه، وكفر بما يُعبَد من دونه حَرُمَ دمه وماله». وأخرجه الطبرانيّ من حديثه كرواية الجمهور. وفي حديث ابن عمر: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه - ﷺ -، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». ونحوه في حديث أبي العنبس. وفي حديث أنس عند أبي داود: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، ويصلّوا صلاتنا». وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به». قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: زعم الروافض أن حديث الباب متناقض؛ لأن في أوله أنهم كفروا، وفي آخره أنهو ثبتوا على الإسلام؛ إلا أنهم منعوا الزكاة، فإن كانوا مسلمين، فكيف استَحَلّ قتالهم وسبي ذراريهم؟، وإن كانوا كفّارًا، فكيف احتجّ على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة؟، فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرّين بالصلاة. قال: والجواب عن ذلك أن الذين نُسبوا إلى الردّة كانوا صنفين: صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان. وصنف منعوا الزكاة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، فزعموا أن دفع الزكاة خاصّ به - ﷺ -؛ لأن غيره لا يطهّرهم، ولا يصلي عليهم،، فكيف تكون صلاته سكنًا لهم، وإنما أراد عمر بقوله: «تقاتل الناس» الصنف الثاني؛ لأنه لا يتردّد في جواز قتل الصنف الأول؛ كما أنه لا يتردّد في قتال غيرهم من عبّاد الأوثان، والنيران، واليهود، والنصارى، قال: وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره، وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معًا، وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعمّ جميع الشريعة، حيث قال فيها: «ويؤمنوا بي، وبما جئت به»، فإن مقتضى ذلك أن من جحد شيئًا مما جاء به - ﷺ -، ودُعي إليه، فامتنع، ونَصَب القتالَ أنه يجب قتاله، وقتله إذا أصرّ، قال: وإنما عَرَضت الشبهة لما دخله من الاختصار، وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه، وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر، واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث انتهى مُلَخَّصًا. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: وفي هذا الجواب نظر؛ لأنه لو كان عند عمر في الحديث «حتى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» ما استشكل قتالهم؛ للتسوية في كون غاية القتال ترك كلّ من التلقظ بالشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. قال عياض: حديث ابن عمر نصّ في قتال من لم يُصلّ، ولم يتركّ، كمن لم يقر بالشهادتين، واحتجاج عمر على أبي بكر، وجواب أبي بكر دلّ على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة، إذ لو سمعه عمر لم يحتجّ على أبي بكر، ولو سمعه أبو بكر لردّ به على عمر، ولم يَحْتجْ إلى الاحتجاج بعموم قوله: «إلا بحقّه». قال الحافظ: إن كان الضمير في قوله: «بحقّه» للإسلام، فمهما ثبت أنه من حقّ الإسلام تناوله، ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى . (فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّه، عَصَمَ مِنِّي) أي منع مني، وأصل العصمة من العصام، وهو الخيط الذي يُشدّ به فم القِرْبَة؛ ليمنع سيلان الماء (مَالَهُ، وَنَفْسَهُ، إِلاَّ بِحَقِّهِ) المراد بالحقّ بالنسبة للمال، فهو الزكاة، ونحوها من الحقوق المتعلّقة به. وأما بالنسبة للنفس فهو ما سيأتي بيانه للمصنّف في «كتاب تحريم الدم» -١٤/ ٤٠٥٧ - بسند صحيح عن ابن عمر، أن عثمان، قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ -، يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه، فعليه الرجم، أو قَتَل عمدًا، فعليه الْقَوَد، أو ارتد بعد إسلامه، فعليه القتل». واللَّه تعالى أعلم. (وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ») أي حساب سريرته على اللَّه تعالى؛ لأنه المطّلع عليه، فمن أخلص في إيمانه، وأعماله، جازاه اللَّه عليها جزاء المخلصين، ومن لم يُخلص في ذلك كان من المنافقين، يُحكم له في الدنيا بأحكام المسلمين، وهو عند اللَّه من أسوإ الكافرين. ويستفاد منه أن أحكام الإسلام إنما تُدار على الظواهر الجليّة، لا الأسرار الخفيّة. قاله القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- . وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: معنى قوله:«وحسابه على اللَّه» أي فيما يستسرون به، ويُخفونه، دون ما يُخِلُّون به في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء. وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تُقبل. وُيحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل -رحمهما اللَّه-. هذا كلام الخطّابيّ. وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه، وأوضحه، فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال: لا إله إلا اللَّه تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بهذا مشركو العرب، وأهل الأوثان، ومن لا يوحّد، وهم كانوا أول من دُعي إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقرّ بالتوحيد، فلا يُكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا اللَّه، إذ كان يقولها في كفره، وهي من اعتقاده، فلذا جاء في الحديث الآخر: «وأني رسول اللَّه، ويقم الصلاة، ويؤتي الزكاة». هذا كلام القاضي. قلت : ولا بدّ مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول اللَّه - ﷺ -، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة - ﵁ -، هي مذكورة في «صحيح مسلم»: «حئى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بي، وبما جئت به». واللَّه أعلم. قال: واختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع جملة، فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا: أصحها، والأصوب منها قبولها مطلقًا، للأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني: لا تُقبل، ويتحتّم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، وكان من أهل الجنّة. والثالث: إن تاب مرّة واحدة قبلت توبته، فإن تكرّر ذلك منه لم تقبل. والرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف فلا. والخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال لم يقبل منه، وإلا قبل منه. واللَّه تعالى أعلم انتهى كلام النوويّ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما صححه النووي -رحمه اللَّه تعالى- من قبول توبة الزنديق مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لما ذكره، ولإطلاق قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٨]، والزنديق كافر، تعمّه هذه الآية، ولحديث عمرو بن العاص - ﵃ - مرفوعًا: «أما علمت أن الإسلام يَهْدِمُ ما كان قبله». أخرجه مسلم. واللَّه تعالى أعلم. (فَقَالَ أبو بَكْرٍ - ﵁ -: لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) وفي رواية: «واللَّه لأقاتلنّ الخ». قال النوويّ: ضبطناه بوجهين، «فَرَقَ»، و«فَرَّق» بتشديد الراء، وتخفيفها، ومعناه: من أطاع في الصلاة، وجحد الزكاة، أو منعها. انتهى. وعبارة الحافظ: يجوز تشديد «فرّق» وتخفيفه، والمراد بالفرق من أقرّ بالصلاة، وأنكر الزكاة، جاحدًا، أو مانعًا مع الاعتراف، وإنما أطلق في أول القصّة الكفر ليشمل الصنفين، فهو في حقّ من جحد حقيقةٌ، وفي حقّ الآخرين مجازٌ تغليبًا، وإنما قاتلهم الصدّيق - ﵁ -، ولم يَعْذُرهم بالجهل، لأنهم نصبوا القتال، فجهّز إليهم من دعاهم إلى الرجوع، فلما أصرّوا قاتلهم. قال المازريّ: ظاهر السياق أن عمر كان موافقًا على قتال من جحد الصلاة، فألزمه الصدّيق بمثله في الزكاة، لورودهما في الكتاب والسنّة مَوْرِدًا واحدًا انتهى . (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حقّ النفس الصلاة، وحق المال الزكاة، فمن صلّى عصم نفسه، ومن زكّى عصم ماله، فإن لم يصلّ قوتل على ترك الصلاة، ومن لم يُزكّ أُخذت الزكاة من ماله قهرًا، وإن نصب الحرب لذلك قوتل، وهذا يوضّح أنه لو كان سمع في الحديث: «ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة» لما احتاج إلى هذا الاستنباط، لكنه يحتمل أن يكون سمعه، واستظهر بهذا الدليل النظريّ. (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا) هكذا وقع بلفظ: «عِقَالًا» هنا -٣/ ٢٤٤٣ وفي «تحريم الدم» -١/ ٣٩٧٠ - ووقع في «الجهاد»-١/ ٣٠٩١ و٣٠٩٢ و٣٠٩٣ و٣٠٩٤ - وفي «تحريم الدم» أيضًا في ١/ ٣٩٧٣ و٣٩٧٥ بلفظ: «عَنَاقًا» بدل «عِقَالًا». قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى- في «الفتح» بعد أن ذكره بلفظ «عناقًا»: ووقع في رواية قتيبة، عن الليث، عند مسلم «عقالًا»، وأخرجه البخاريّ في «كتاب الاعتصام» عن قتيبة، فكنى بهذه اللفظة، فقال: «لو منعوني كذا». واختلف في هذه اللفظة، فقال قوم: هي وَهَم، وإلى هذا أشار البخاريّ بقوله في «الاعتصام» عقب إيراده: قال لي ابنُ بُكير -يعني شيخه فيه هنا- وعبدُالله -يعني ابن صالح- عن الليث: «عَنَاقًا»، وهو أصحّ، ووقع في رواية ذكرها أبو عُبيدة: «لو منعوني جَدْيًا أَذْوَط»، وهو يؤيّد أن الرواية «عَناقًا». و«لأذوط» الصغير الفَكِّ والذَّقَنِ. قال: و«العَنَاق» -بفتح المهملة، والنون-: الأنثى من ولد المعز. انتهى وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح مسلم»: هكذا في مسلم «عِقَالًا» وكذا في بعض روايات البخاريّ، وفي بعضها «عَنَاقًا» -بفتح العين، وبالنون، وهي الأنثى من ولد المعز، وكلاهما صحيح، وهو محمول على أنه كرّر الكلام مرتين ، فقال في مرّة: «عقّالًا»، وفي الأخرى: «عناقًا»، فرُوي عنه اللفظان. فأما رواية العَنَاق، فهي محمولة على ما إذا كانت الغنم صغارًا كلها بأن ماتت أمهاتها في بعض الحول، فإذا حال حول الأمهات زُكي السِّخَال الصغار بحول الأمهات، سواء بقي من الأمهات شيء، أم لا. هذا هو الصحيح المشهور. وقال أبو القاسم الأنماطيّ من الشافعيّة: لا يزكى الأولاد بحول الأمهات، إلا أن يبقى من الأمهات نصاب. وقال بعض الشافعية: إلا أن يبقى من الأمهات شيء. ويتصوّر ذلك فيما إذا مات معظم الكبار، وحدثت صغار، فحال حول الكبار على بقيّتها، وعلى الصغار. واللَّه أعلم. وأما رواية «عِقَالًا» فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، فذهب جماعة منهم إلى أن المراد بالعِقَال زكاة عام، وهو معروف في اللغة بذلك. وهذا قول النسائيّ، والنضر بن شُميل، وأبي عُبيدة، والمبرد، وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء، واحتجّ هؤلاء على أن العِقَال يُطلق على زكاة العام بقول عمرو بن الْعَدَّاء الكَلْبيّ: سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا … فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ لأَصبَحَ الْحَيُّ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا … عِنْدَ التَّفّرُّقِ فِي الْهَيْجَا جمِالَيْنِ أراد مُدّة عقال، فنصبه على الظرف. وعمرو هذا الساعي هو عمرو بن عتبة بن أبي سفيان وَلاّه عمه معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - صدقات كلب، فاعتدى عليهم، فقال فيه قائلهم ذلك. قالوا: ولأن العقال الذي هو الحبل الذي يُعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة، فلا يجوز القتال عليه، فلا يصحّ حمل الحديث عليه. وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يُعقل به البعير. وهذا القول يُحكى عن مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما، وهو اختيار صاحب «التحرير»، وجماعة من حُذّاق المتأخّرين. قال صاحب «التحرير»: قول من قال: المراد صدقة عام تعسّف، وذهابٌ عن طريقة العرب؛ لأن الكلام خرج مخرج التضييق، والتشديد، والمبالغة، فيقتضي قلّة ما علق به القتال، وحقارته، وإذا حُمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى. قال: ولست أشبّه هذا إلا بتعسّف من قال في قوله - ﷺ -: «لعن اللَّه السارق يَسرق البيضة، فتُقطع يده، ويَسرق الحبل، فتقطع يده» أن المراد بالبيضة بيضة الحديد التي يُغطّى بها الرأس في الحرب، وبالحبل الواحدُ من حبال السفينة، وكلّ واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة. قال بعض المحقّقين: إن هذا القول لا يجوز عند من يعرف اللغة، ومخارج كلام العرب؛ لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه، فيصرفَ إليه بيضةٌ تساوي دنانير، وحبلٌ لا يقدر السارق على حمله، وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا: قبّح اللَّه فلانًا عرّض نفسه للضرب في عقد جوهر، وتعرض لعقوبة الغلول في جراب مسك، وإنما العادة في مثل هذا أن يقال: لعنه اللَّه تعرّض لقطع اليد في حبل رَثٍّ، أو في كُبَّة شعر، وكلّما كان من هذا أحقر كان أبلغ. فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يُعقَل به البعير، ولم يُرد عينه، وإنما أراد قدر قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في الرواية الأخرى: «عَنَاقًا»، وفي بعضها: «لو منعوني جَدْيًا أذوط». والأذوط صغير الفكّ والذقن. هذا آخر كلام صاحب «التحرير». قال النوويّ: وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره. وعلى هذا اختلفوا في المراد بـ«منعوني عِقالًا»، فقيل: قدر قيمته، وهو ظاهر متصوَّرٌ في زكاة الذهب والفضّة، والمعشرات، والمعدن، والركاز، وزكاة الفطر، وفي المواشي أيضًا في بعض أحوالها، كما إذا وجب عليه سنّ، فلم يكن عنده، ونزل إلى سنّ دونها، واختار أن يردّ عشرين درهما، فمعنه من العشرين قيمة عقال، وكما إذا كانت غنمه سِخالًا، وفيها سَخْلة، فمنعها، وهي تساري عقالًا، ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة في كتب الفقه، وإنما ذكرت هذه الصورة تنبيهًا بها على غيرها، وعلى أنه متصوّرٌ ليس بصعب، فإني رأيت كثيرين ممن لم يعان الفقه يستصعب تصوّره حتى حمله بعضهم -وربما وافقه بعض المتقدّمين- على أن ذلك للمبالغة، وليس متصوّرًا، وهذا غلطٌ قبيحٌ، وجهلٌ صريحٌ. وحكى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن معناه: منعوني زكاة العقال، إذا كان من عروض التجارة. وهذا تأويل صحيحٌ أيضًا. ويجوز أن يراد منعوني عقالًا، أي منعوني الحبل نفسه على مذهب من يُجوّز القيمة، ويتصوّر على مذهب الشافعيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- على أحد أقواله، فإن للشافعيّ في الواجب في عروض التجارة ثلاثةَ أقوال: أحدها: يتعيّن أن يأخذ منها عرضًا، حبلًا أو غيره، كما يأخذ من الماشية من جنسها. والثاني: أنه لا يأخذ إلا دراهم، أو دنانير، ربع عشر قيمته، كالذهب والفضّة. والثالث: يتخير بين العرض والنقد. واللَّه أعلم. وحكى الخطابيّ عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة، لأن على صاحبها تسليمها، وإنما يقع قبضها التامّ برباطها. قال الخطّابيّ: قال ابن عائشة: كان من عادة الْمُصَدِّق إذا أخذ الصدقة أن يَعْمِد إلى قَرَن -وهو بفتح القاف، والراء- وهو حبلٌ، فيقرن به بين بعيرين، أي يشدّه في أعناقهما لئلا تشرد الإبل. وقال أبو عبيد: وقد بعث النبيّ - ﷺ - محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ فريضتين عقالهما، وقرانهما. وكان عمر - ﵁ - أيضًا يأخذ مع كلّ فريضة عقالًا. واللَّه أعلم انتهى كلام النوويّ . وحاصل ما ذكره القرطبيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «المفهم» من الأقوال في معنى «العقال» خمسة: (الأول): أنه الفريضة من الإبل. رواه ابن وهب عن مالك، وقاله النضر بن شُميل. (الثاني): أنه صدقة عام، قاله الكسائيّ، وأنشد البيت السابق. (الثالث): أنه كلّ شيء يُؤخذ في الزكاة، من أنعام، وثمار؛ لأنه يُعقل عن مالكه. قاله أبو سعيد الضرير. (الرابع): هو ما يأخذه المصدِّق من الصدقة بعينها، فإن أخذ عوضها، قيل: أخذ نقدًا، ومنه قول الشاعر: وَلَمْ يَأْخُذْ عِقَالًا وَلَا نَقْدًا (الخامس): أنه اسم لمًا يُعقل به البعير. قاله أبو عُبيد، وقال: قد بعث رسول اللَّه - صلي اللَّه عليه وسلم - محمد بن مسلمة على الصدقة، فكان يأخذ مع كلّ قرين عقالًا، ورِوَاء . قال: والأشبه بمساق أبي بكر أن يُراد بالعقال ما يُعقل به البعير؛ لأنه خرج مخرج التقليل. واللَّه أعلم . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح لديّ أن رواية «عِقَالًا» صحيحة، وأن أقرب تفسير العقال تفسير من فسّره بالحبل الذي تربط به الدوابّ، وأن من منع إعطاء العقال إذا احتاج إليه الساعي يُعتبر مانعًا لبعض الزكاة. واللَّه تعالى أعلم. (كَانُوا يُؤَدُّونَهُ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، لَقَاتلتُهم عَلَى مَنْعِهِ، قَالَ: عُمَرُ - ﵁ -: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ) أي ما الأمر والشأن، فالضمير للشأن. وقال السنديّ: أي ما سبب رجوعي إلى رأي أبي بكر انتهى (إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ) أي علمت، وأيقنت أن اللَّه تعالى (شَرَحَ) أي فتح، ووسع، وليّن (صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ) - ﵁ - (لِلْقِتَالِ) قال النوويّ: معناه: علمت بأنه جازم بالقتال؛ لما ألقى اللَّهَ -﷿-، في قلبه من الطمأنينة لذلك، واستصوابه ذلك (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي عرفت بما ظهر من الدليل، وأقامه أبو بكر - ﵁ - من الحجة أن ما عزم عليه هو الحقّ، وليس معنى ذلك أن عمر - ﵁ - قلد أبا بكر - ﵁ -، فإن المجتهد لا يقلّد المجتهد. وقد زعمت الرافضة أن عمر - ﵁ - إنما وافق أبا بكر تقليدًا، وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٣/ ٢٤٤٣ وفي «الجهاد» ١/ ٣٠٩٠ و٣٠٩١ و٣٠٩٢ و٣٠٩٣ و٣٠٩٤ و٣٠٩٥ و«تحريم الدم» ١/ ٣٩٦٩ و٣٩٧٠ و٣٩٧١ و٣٩٧٢ و٣٩٧٣ و٣٩٧٤ و٣٩٧٥ و٣٩٧٦ و٣٩٧٧ و٣٩٧٨ - وفي «الكبرى» ٣/ ٢٢٢٣ و«الجهاد» ١/ ٤٢٩٩ و٤٣٠٠ و٤٣٠١ و٤٣٠٢. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٠٠ و«الجهاد والسير» ٢٩٤٦ و«فضائل القرآن» ٤٩٩٧ و«استتابة المرتدين» ٦٩٢٤ و«الاعتصام بالكتاب والسنة» ٧٢٨٥ (م) في «الإيمان» ٢٠ و٢١ (ت) في الإيمان«٢٦٠٦ و٢٦٠٧ (د) في»الزكاة«١٥٥٦ و»الجهاد«٢٦٤٠ (ق) في»المقدّمة«٧١ و»الفتن«٣٩٢٧ (أحمد) في»مسند العشرة«٦٨ و١١٨ و»باقي مسند المكثرين« ٨٦٨٧ و٩١٩٠ و١٠١٤٠ و١٠٤٥٩. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم مانع الزكاة، وهو مقاتلته، إن امتنع، وناصَبَ الحربَ، وإلا أُخِذت عنه قهرًا، كما يأتي في الباب التالي (ومنها): أن فيه أدلّ دليل على شجاعة أبي بكر - ﵁ -، وتقدّمه في الشجاعة والعلم على غيره، فإنه ثبت للقتال في هذا الموطن العظيم الذي هو أكبر نعمة، أنعم اللَّه تعالى بها على المسلمين بعد رسول اللَّه - ﷺ - فقد استنبط - ﵃ - من العلم بدقيق نظره، ورَصَانة فكره ما لم يشاركه في الابتداء به غيره، فلهذا وغيرِهِ مما أكرمه اللَّه تعالى به أجمع أهل الحقّ على أنه أفضل أمة رسول اللَّه - ﷺ -. وقد صنّف العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- في معرفة رجحانه أشياء كثيرةٌ، مشهورةٌ في الأصول وغيرها. ومن أحسنها كتاب «فضائل الصحابة - ﵃ -» للإمام أبي المظفّر منصور بن محمد السمعانيّ الشافعيّ قاله النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- . (ومنها): أن فيه دلالة ظاهرة لمذهب المحققين، والجماهير من السلف والخلف أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا اللَّه محمدا رسول اللَّه والتزم أحكام دين الإسلام، فإنه مؤمن شرعًا، فإن النبيّ - ﷺ - حكم بذلك، حيث قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه …» إلى أن قال: «فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم …» الحديث. وقد أوجب عليه تعلّم أدلة المتكلّمين كثير من المعتزلة، وبعض من يدّعي الانتساب إلى أهل السنة من المغفّلين، من المتكلمين، وممن انصبغ بأفكار الفلاسفة الملحدين، وهو مذهب مبتدع، لا يعرفه السلف، وإنما أحدثه المعتزلة، وأذنابهم من الذين لا صلة لهم بالأدلة المنقولة، وإنما يخوضون في أفكارهم المنصبغة بأفكار الفلاسفة، فلاحقّ عنده إلا ما أثبته عقله السخيف، فهذا هو عين الخذلان، نعوذ باللَّه من أن نُفْتَنَ عن ديننا، أو نُردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا اللَّه، اللَّهم أرنا الحقّ حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك أرحم الراحمين. (ومنها): جواز مراجعة الأئمة الأكابر، ومناظرتهم لإظهار الحقّ (ومنها): أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما، واعتقاد جميع ما أتى به رسول اللَّه - ﷺ -، وقد جمع ذلك النبيّ - ﷺكما في رواية لمسلم- بقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، ويؤمنوا بما جئت به» (ومنها): وجوب الجهاد (ومنها): صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد، ونفسه، ولو كان عند السيف (ومنها): أن الأحكام تُجرَى على الظواهر، واللَّه تعالى يتولّى السرائر (ومنها): أن الصحابة كانو قائلين بجواز القياس والعمل به (ومنها): وجوب قتال مانعي الزكاة، أو الصلاة، أو غيرهما من واجبات الإسلام، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لقول أبي بكر - ﵁ -: «لو منعوني عقالًا» أو«عناقًا» (ومنها): جواز التمسّك بالعموم؛ لقوله: «فإن الزكاة حقّ المال» (ومنها): وجوب قتل أهل البغي (ومنها): ما قيل: إِن فيه وجوبَ الزكاة في السخال تبعًا لأمهاتها (ومنها): اجتهاد الأئمة في النوازل، وردّها إلى الأصول، ومناظرة أهل العلم فيها، ورجوع من ظهر له الحقّ إلى قول صاحبه (ومنها): الأدب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة، والعدول إلى التلطّف، والأخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر، فلو عاند بعد ظهورها، فحينئذ يستحقّ الإغلاظ بحسب حاله (ومنها): جواز الحلف على الشيء لتأكيده، وان كان دون استحلاف (ومنها): أن الإجماع لا ينعقد إذا خالف من أهل الحلّ والعقد واحد. قال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-: وهو الصحيح المشهور، وخالف فيه بعض أصحاب الأصول (ومنها): أن فيه قبول توبة الزنديق، وقد تقدّم بيان الخلاف فيه (ومنها): أن فيه منع قتل من قال: «لا إله إلا اللَّه»، ولو لم يزد عليه. قال الحافظ - رحمه اللَّه تعالى -: وهو كذلك، لكن هل يصير بمجرّد ذلك مسلمًا؟ الراجح لا، بل يجب الكفّ عن قتله حتى يُخْتَبَر، فإن شهد بالرسالة، والتزم أحكام الإسلام حُكِم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: «إلا بحقّ الإسلام». قال البغويّ -رحمه اللَّه تعالى-: الكافر إذا كان وثنيّا، أو ثنويّا، لا يقرّ بالواحدانيّة، فإذا قال: «لا إله إلا اللَّه» حُكم بإسلامه، ثم يُجبر على قبول جميع أحكام الإسلام، وأن يتبرّأ من كلّ دين يُخالف دين الإسلام، وأما من كان مقرًا بالوحدانية، منكرًا للنبوّة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: «محمد رسول اللَّه»، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصّة، فلا بدّ أن يقول: «إلى جميع الخلق»، فإن كان كفر بجحود واجب، أو استباحة محرّم، فيحتاج أن يرجع عما اعتقده، ومقتضى قوله: «يجبر» أنه إذا لم يلتزم تُجرى عليه أحكام المرتدّ، وبه صرّح القفّال، واستدلّ بحديث الباب، فادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه»، كذا قال، وهي غفلة عظيمة، فالحديث في «صحيحي البخاري ومسلم» في «كتاب الإيمان» من كلّ منهما، من رواية ابن عمر بلفظ: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه»، ويحتمل أن يكون المراد بقول: «لا إله إلا اللَّه» هنا التلفظ بالشهادتين؛ لكونها صارت علمًا على ذلك، ويؤيده ورودهما صريحًا في الطرق الأخرى. (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الزكاة لا تسقط عن المرتدّ. قال الحافظ: وتُعُقّب بأن المرتدّ كافر، والكافر لا يُطالب بالزكاة، وإنما يُطالب بالإيمان، وليس في فعل الصدّيق حجة، لما ذكرنا، وإنما فيه قتال من منع الزكاة، والذين تمسّكوا بأصل الإسلام، ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجّة. وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم، هل تُغنم أموالهم، وتُسبى ذراريّهم كالكفّار، أو لا، كالبغاة؟ فرأى أبو بكر الأول، وعمل به، وناظره عمر في ذلك، وذهب إلى الثاني، ووافقه غيره في خلافته على ذلك، واستقرّ الإجماع عليه في حقّ من جحد شيئًا من الفرائض بشبهة، فيطالب بالرجوع، فإن نصب القتال قوتل، وأقيمت عليه الحجة، فان رجع، وإلا عومل معاملة الكفار حينئذ. ويقال: إن أصبغ من المالكية استقر على القول الأول، فعُدّ من ندرة المخالف. وقال القاضي عياض -رحمه اللَّه تعالى-: يستفاد من هذه القصّة أن الحاكم إذا أدّاه اجتهاده في أمر لا نصّ فيه إلى شيء تجب طاعته فيه، ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه، فإن صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكمًا وجب عليه العمل بما أدّاه إليه اجتهاده، وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك؛ لأن عمر أطاع أبا بكر - ﵄ - فيما رأى
مصادر المؤلف (١٨)

١. - «طرح التثريب» ج ٤ ص ١٠ - ١١.

٢. - «فتح» ج ١٤ ص ٢٧٧ - ٢٧٨.

٣. - وفي نسخة: «قال».

٤. - راجع «الفتح» ج ١٤ ص ٢٧٨ - ٢٧٩.

٥. - المصدر السابق.

٦. -«فتح» ج ١٤ ص ٢٧٩ - ٢٨٠.

٧. - «المفهم» ج ٣ ص ١٨٩.

٨. - القائل هو النوويّ -رحمه اللَّه تعالى-.

٩. - «شرح مسلم» ج١ ص ١٥٦ - ١٥٧.

١٠. - «فتح» ج ١٤ ص ٢٨٠.

١١. - «فتح» ج ١٤ ص ٢٨٠.

١٢. - قد اعترض الحافظ على النووي هذا التأويل، فقال: وهو بعيد، مع اتحاد المخرج والقصّة انتهى. لكن الذي يظهر لي أن ما قاله النوويّ ليس ببعيد، لأنه يمكن أن يكرر أبو بكر - ﵁ - الكلام في مجلس واحد تأكيدًا، وتشديدًا، فيتلفّظ باللفظين، فينقل عنه، وهذا لا إشكال فيه، فما قاله النووي قريب، لا بعيد. واللَّه تعالى أعلم.

١٣. - السبد: البقية من النبت، والقليل من الشعر. أي لم يترك شيئًا قليلًا.

١٤. - البيت الثاني مزيد من «لسان العرب»، وكذا جملة قوله: «فاعتدى عليهم».

١٥. -«شرح مسلم» ج١ ص ١٥٧ - ١٥٩.

١٦. - الرواء: الحبل الذي تربط به المزادتان. والمزادة: الراوية التي ينقل بها الماء. قلت: لم أر سند هذا الحديث، فيحتاج إلى النظر في سنده، واللَّه أعلم.

١٧. - راجع «المفهم» ج١ص ١٨٩ - ١٩٠.

١٨. - «شرح مسلم» ج١ ص١٦٠.