HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٤٤

أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ جَدِّي قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَى فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إِبِلِهِ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْهَا شَيْءٌ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:حسن
  • الألباني:حسنصحيح سنن النسائي ج2 ص177
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٥ ص ١٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, سنن الدارمي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٣٢
من حقّ مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه، ثم عمل في خلافته بما أدّاه إليه اجتهاده، ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم. وهذا مما يُنبّه عليه في الاحتجاج بالإجماع السكوتيّ، فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الإنكار، وهذا منها. (ومنها): ما قاله الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: في الحديث أن من أظهر الإسلام أُجريت عليه أحكامه الظاهرة، ولو أسرّ الكفر في نفس الأمر، ومحلّ الخلاف إنما هو فيمن اطُّلِع على مُعتَقَده الفاسد، فأظهر الرجوع، هل يُقبل منه، أو لا؟، وأما من جُهل أمره، فلا خلاف في إجراء الأحكام الظاهرة عليه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٤ - (بَابُ عُقُوبَةِ مَانِعِ الزَّكَاةِ) قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها أن تلك لمن حجد وجوبها، ونصب القتال، فإنه يعاقب بالقتل، وأما هذه فلمن منعها بُخْلًا، من غير جحد لوجوبها، فمعاقبته تكون باخذها منه قهرًا، وزيادة العوبة المالية، لا بالقتل. واللَّه تعالى أعلم بالصواب. ٢٤٤٤ - (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يَقُولُ: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ، فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَى، فَإِنَّا آخِذُوهَا، وَشَطْرَ إِبِلِهِ، عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لآلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، مِنْهَا شَيْءٌ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عمرو بن عليّ) الفلاّس الصيرفي البصري، ثقة حافظ [١٠] ٤/ ٤. ٢ - (يحيي) بن سعيد القطان البصري الإمام الحجة الثبت [٩] ٤/ ٤. وأما «بهز بن حكيم»، و«أبوه»، و«جدّه» فقد تقدم الكلام عليهم قبل بابين. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين. (ومنها): أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة. واللَّه تعالى أعلم. شرحِ الحديث عن بهز بن حكيم أنه (قال: حَدَّثَنِي أَبِي) حكيم (عَنْ جَدِّي) معاوية بن حَيْدَة - ﵁ -، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، يَقُولُ: (فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ) اسم فاعل من سامت الماشيةُ سَوْمًا، من باب «قال»: إذا رَعَت بنفسها، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أسامها راعيها. قال ابن خَالَوَيْهِ: ولم يُستعمل اسم مفعول من الرباعيّ، بل جُعل نسيًا منسيًا، ويقال: أسامها، فهي سائمة. قاله في «المصباح». (فِي كُلِّ أرْبَعِينَ) بدل من الجارّ والمجرور قبله. والظاهر أن هذا إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، فلا يخالف الأحاديث الأخرى، على ما سيأتي بيانها في الباب التالي، إن شاء اللَّه تعالى (ابْنَةُ لَبُونٍ) هي التي دخلت في السنة الثالثة، من أولاد الناقة، والذكر ابن لبون، سميت بذلك؛ لأن أمها ولدت غيرها، فصار لها لبن، وجع الذكور كالإناث، يقال: بنات لبون. (لَا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا) ببناء الفعل للمفعول، أي لا يجوز لأحد الخليطين أن يُفرّق إبله عن إبل صاحبه؛ فرارًا من الصدقة، فقوله: «عن حسابها»: أي عن مقدارها، وعددها الذي تجب فيه الزكاة، كما إذا كان لأحد الخليطين ثلاث من الإبل، وللآخر اثنان، فإن في مجموعها شاة، ولو فرقاها لا يجب عليهما شيء . وقال السنديّ: قوله: «لا يفرّق الخ»: أي يُحَاسَبُ الكلُّ في الأربعين، ولا يُترك هزال، ولا سمين، ولا صغير، ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إلا الوسط . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: التفسير الأول أوضح. واللَّه تعالى أعلم. (مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا) بالهمز، أي طالبًا للأجر (فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ أَبَي) أي امتنع من إعطائها طوعًا (فَإِنَّا آخِذُوهَا) أي آخذون إياها منه قهرًا. واستُدلّ به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذا لم يرضَ ربُّ المال، وعلى أنه يُكتَفَى بنية الإمام، كما ذهب إليه الشافعيّ، وبعض أهل العلم. وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام. وإلى هذا ذهب الحنفية، ومالك، والشافعيّ في أحد قوليه (وَشَطْرَ إِبِلِهِ) أي نصف إبله عقوبةً له على منع الزكاة. وفي نسخة: «وشطر ماله». وأفادت رواية «إبله» أن العقوبة بأخذ نصف المال إنما تكون في نوع المال الذي وجبت فيه الزكاة، لا في جميع ماله الذي يملكه، واللَّه تعالى أعلم. فقوله: «شطرَ» بالنصب عطفًا على الضمير في «آخِذُوها» باعتبار محلّه. وقال السنديّ: المشهور رواية سكون الطاء من «شطر» على أنه بمعنى النصف، وهو بالنصب عطف على ضمير «آخذوها»؛ لأنه مفعول، وسقط نون الجمع للاتصال، أو هو مضاف إليه، إلا أنه عطف على محلّه، ويجوز جرّه أيضًا. انتهى. وقال ابن الأثير الجزريّ -رحمه اللَّه تعالى- في «النهاية»: قال الحربيّ: غَلِطَ بَهْزٌ الراوي في لفظ الرواية، إنما هو «وشُطِّرَ مالُهُ»، أي يجعل ماله شطرين، ويَتخيّر الْمُصَدِّق، فيأخذ الصدقة من خير النصفين، عقوبةً لمنعه الزكاة، فأما ما لا تلزمه فلا. وقال الخطّابيّ في قول الحربيّ: لا أعرف هذا الوجه. وقيل: معناه إن الحقّ مُسْتَوْفًى منه، غيرُ متروك عليه، وإن تلف شطر ماله، كرجل كان له ألف شاة مثلًا، فتلفت، حتى لم يبقَ له إلا عشرون، فإنه يُؤخذ منه عشر شِياه لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي. وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه قال: «إنا آخذوها، وشطر ماله»، ولم يقل: إنا آخذو شطر ماله. وقيل: إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال، ثم نُسخ، كقوله في الثمر المعلّق: «من خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة». وكقوله في ضالّة الإبل المكتومة: «غرامتها، ومثلها معها». وله في الحديث نظائر. وقد أخذ أحمد بن حنبل بشيء من هذا، وعمل به، وقال الشافعيّ في القديم: من منع زكاة ماله أُخذت منه، وأُخذ شطر ماله، عقوبةً على منعه، واستدلّ بهذا الحديث، وقال في الجديد: لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير، وجعلَ هذا الحديث منسوخًا، وقال: كان ذلك حيث كانت العقوبات في المال، ثم نُسخت. ومذهب عامة الفقهاء أن لا واجب على متلف الشيء أكثر من مثله، أو قيمته انتهى كلام ابن الأثير . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي تحقيق الخلاف، وترجيح الراجح في هذا في المسألة الرابعة، إن شاء اللَّه تعالى. (عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا) بالرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هذه عزمةٌ. ويجوز نصبه على أنه مفعول مطلق لفعل محذوف، أي عَزَمَ اللَّهُ تعالى علينا هذا عزمةً. والعزمة في اللغة: الجدّ في الأمر، والمراد بها هنا الحقّ الواجب، وعزمات اللَّه تعالى حقوقه، وواجباته . (لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ، - ﷺ -، مِنْهَا شَيْءٌ«) يعني أن الزكاة حقّ من حقوق اللَّه تعالى، ليس لآل محمد - ﷺ - فيها نصيب، وإنما أصحابها المستحقّون لها هم الذين بيّنهم اللَّه تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠].واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، معاوية بن حَيْدَة - ﵁ - هذا صحيح. [تنبيه]: مما يتعيّن توضيحه هنا الكلام في بهز بن حكيم، وحديثِهِ، فإنه قد تكلّم فيه بعض أهل العلم: (اعلم): أن بَهْزَ بن حكيم -رحمه اللَّه تعالى- قد وثقه أكثر الأئمة : أحمد، وابن معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ. وقال ابن معين: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه إسناد صحيح، إذا كان دون بهز ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال أبو داود: هو عندي حجة. وقال الترمذيّ: ثقة عند أهل الحديث. وكان شعبة يتكلم فيه، فلما تبيّن له كونه ثقة روى عنه. وقال أبو جعفر السبتيّ: إسناد بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه صحيح. وقال ابن قتيبة: كان من خيار الناس. وقال ابن عديّ: قد روى عنه ثقات الناس، وقد روى عنه الزهريّ حديثين، ذكرهما، ولم أر أحدًا من الثقات تخلف عنه في الرواية، ولم أر له حديثًا منكرًا، وأرجو أنه إذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه. وتكلم فيه بعضهم، فمنهم: الشافعيّ، وأبو حاتم، وابن حبّان، والحاكم، وأحمد ابن بشير، وابن حزم، وابن الطلاّع: فأما الشافعيّ، فقال: ليس بهز بحجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث. والظاهر عنه أنه إنما تكلم فيه لهذا الحديث، فجوابه أنه وثقه جماهير المحدثين، وصححوا حديثه، كما تقدّم قريبًا. وأما أبو حاتم، فقال: هو شيخ يُكتب حديثه، ولا يحتجّ به. وقال أيضًا: عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه أحبّ إليّ. ومن المعلوم أن أبا حاتم متشددٌ، فجرحه مخالفًا للأئمة المتقدمين غير مؤثّر في صحة حديث بهز. وقد قال الحافظ أبو الحسن ابن القطان: وقول أبي حاتم: لا يحتجّ به لا ينبغي أن يُقبل منه إلا بحجة، وبهز ثقة عند من علمه، وقد وثقه غير من ذُكر - وقد وثقه ابن معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ، وابن الجارود، وصحّح الترمذيّ روايته عن أبيه، عن جدّه. انتهى ببعض تصرّف . وأما ابن حبان فإنه قال: كان يخطئ كثيرًا، فأما أحمد، وإسحاق فهما يحتجّان به، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديثه: «إنا آخذوها، وشطر ماله» لأدخلناه في «الثقات»، وهو ممن أستخير اللَّه فيه انتهى. والجواب عن هذا أن ابن حبّان إنما ضعفه لأجل حديث الباب، لا لأمر آخر، فقد صرح بقوله: لولا هذا الحديث لأدخلته في «الثقات»، وهذا منه غير مقبول، فإن الثقة إذا تفرّد برواية حديث، بلا مخالفة، فكيف لا يقبل حديثه؟، إن هذا لشيء عجيب. وأما الحاكم، فقال: كان من الثقات، ممن يُجمع حديثه، وإنما أُسقط من الصحيح روايته عن أبيه، عن جدّه؛ لأنها شاذّة، لا متابع له عليها انتهى. والجواب عنه هو الجواب عن كلام ابن حبّان لأن الظاهر أن كلامه نظير كلامه فحواهما واحد. وأما أحمد بن بشير، فقال: أتيت البصرة في طلب الحديث، فأتيت بهزًا، فوجدته يلعب بالشَّطْرنج مع قوم، فتركته، ولم أسمع منه انتهى. وقد أجاب عنه الحافظ ابن القطّان، فقال: وليس ذلك بضائر له، فإن استباحة الشطرنج مسألة فقهيّة مجتهدٌ فيها . وأما ابن حزم، فقال: غير مشهور. وأما ابن الطلاع، فقال: إنه مجهول. وقد تُعُقّبا بأنه قد قد عرفه الأئمة الكبار الذين تقدّم ذكرهم، ووثقوه، فلا يضرّه جهلهما له. واللَّه تعالى أعلم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن بهز بن حكيم ثقة وأن حديثه صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب . (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٤/ ٢٤٤٤ و٧/ ٢٤٤٩ - وفي «الكبرى» ٤/ ٢٢٢٤ و٧/ ٢٢٢٩. وأخرجه (د) في «الزكاة» ١٥٧٥٠ (أحمد) في «مسند البصريين» ١٩٥٣٤ (الدارميّ) في «الزكاة» ١٦٧٧. واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو مشروعية عقوبة مانع الزكاة بأخذ شطر ماله الذي وجب فيه الزكاة (ومنها): بيان أن الواجب في كلّ أربعين من الإبل ابنة لبون، وهذا كما سبق إنما هو بعد مائة وعشرين، كما هو المعروف في كتب الصدقات التي كتبها أبو بكر لأنس بن مالك - ﵄ -، كما سيأتي بيانه في -٥/ ٢٤٤٧ - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أنه لا تجب الزكاة في المعلوفة، لتقييده بقوله: «سائمة»، وفيه خلاف، سيأتي تحقيقه في -٧/ ٢٤٤٩ - إن شاء اللَّه تعالى (ومنها): أنه لا يجوز التفريق للخليطين بين إبليهما، خشية الصدقة (ومنها): أن من أَعطَى زكاته عن طيب نفس، طالبًا الأجر من اللَّه تعالى، فله الأجر العظيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية العقوبة بأخذ المال: ذهب الأئمة: أحمد، وإسحاق، والشافعيّ في القديم عنه إلى جواز العقوبة بالمال، أخذًا بظاهر حديث الباب، وبالحديث المتفق عليه في همّ النبيّ - ﷺ - بتحريق بيوت المتخلّفين عن الجماعة، وقد تقدم ذلك في بابه. وبحديث عمر - ﵁ -، مرفوعًا: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ، فأحرقوا متاعه». أخرجه أبو داود. لكن في سنده صالح بن محمد بن زائدة المدنيّ، ضعيف. وقال البخاريّ: عامة أصحابنا يحتجون به، وهو باطل. وقال الدارقطنيّ: أنكروه على صالح، ولا أصل له، والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك في رجل غلّ في غزاة مع الوليد ابن هشام. قال أبو داود: وهذا أصحّ. وبحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص - ﵄ -: «أن النبيّ - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر أحرقوا متاع الغالّ، وضربوه». أخرجه أبو داود، والحاكم. لكن في سنده زهير بن محمد، قيل: هو الخراسانيّ، وقيل: غيره، وهو مجهول. وبحديث سعد بن أبي وقّاص - ﵁ -، قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: «من وجدتموه يصيد فيه -يعني حرم المدينة- فخذوا سَلَبَه». أخرجه مسلم. وبحديث ابن عمر - ﵄ -: أن النبيّ - ﷺ - سُئل عن الثمر المعلّق؟ فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة، غير متّخذ خُبْنة ، فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه، فعليه غرامة مثليه، والعقوبة، ومن سرق منه شيئًا بعد أن يُؤويه الْجَرِين، فبلغ ثمن الْمِجَنّ، فعليه القطع». أخرجه أبو داود، والنسائيّ، والحاكم، وصححه. وبقصّة المدديّ الذي أغلظ لأجله الكلامَ عوفُ بنُ مالك على خالد بن الوليد لَمّا أخذ سَلَبه، فقال النبيّ - ﷺ -: «لا تردّ عليه». أخرجه مسلم. وبإحراق عليّ - ﵁ - طعام المحتكرين، ودور قوم يبيعون الخمر، وهدمه دار جرير ابن عبد اللَّه، ومُشاطرة عمر لسعد بن أبي وقّاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه. وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده، وانتحروها. وتغليظه هو، وابن عباس الدية على من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام. وذهب الجمهور إلى أن العقوبة بالمال غير مشروعة، ولا فرق في ذلك بين مانع الزكاة، والغالّ في الصدقة، والغنيمة، وغيرهما. وأجابوا عن الأدلة المتقدّمة بأجوبة: أما عن حديث بهز بأنه لم يثبت، فقد قال الشافعيّ: ليس بهز حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث؛ ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم. وسئل عنه أحمد؟ فقال: لا أدري ما وجهه؟، فسئل عن إسناده؟ فقال: صالح الإسناد. وتعقب بأنه حديث صحيح ثابت، فقد قال ابن معين: إسناده صحيح. وسئل عنه أحمد؟ فقال: صالح الإسناد، وصححه غيرهما، وقد تقدّم تمام الكلام عليه في المسألة الأولى الماضية قريبًا، وباللَّه تعالى التوفيق. وقال البيهقيّ وغيره: حديث بهز هذا منسوخ. وتعقبه النوويّ بأن الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت، ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. وزعم الشافعيّ أن الناسخ له حديث ناقة البراء - ﵁ -، لأنه - ﷺ - حكم عليه بضمان ما أفسدت، ولم يُنقل أنه - ﷺفي تلك القضيّة أضعف الغرامة. وفيه ما تقدّم من الجهل بالتاريخ، وبأن تركه - ﷺ - للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضيّة لا يستلزم الترك مطلقًا، ولا يصحّ للتمسّك به على عدم الجواز، وجعله ناسخًا البتّة. وأجابو أيضًا بما تقدّم من كلام إبراهيم الحربيّ بأن الراوي وَهِمَ فيه، والصواب: «فإنا آخذوها من شطر ماله»، أي يُجعل ماله شطرين، ويتخيّر عليه المصدّق، ويأخذ الصدقة من خير الشطرين، عقوبة لمنعه الزكاة، وأما ما لا يلزمه فلا. وبما قال بعضهم: إن لفظة: «وشُطِرَ مالُهُ» بضم الشين المعجمة، وكسر الطاء المهملة، فعل مبنيّ للمجهول، أي جعل ماله شطرين، يأخذ المصدّق من أي الشطرين أراد. وتعقّب بأن الأخذ من خير الشطرين يصدق عليه اسم العقوبة بالمال؛ لأنه زائد على الواجب، وبأنه يستلزم تغليط الثقة بدون ضرورة. وأجابو عن حديث همّ النبيّ - ﷺ - بالإحراق بأن السنة أقوال، وأفعال، وتقريرات، والهمّ ليس من الثلاثة. وتعقّب بأن الهمّ من النبيّ - ﷺ - من السنّة عند المحققين، كما هو موضّح في كتب مصطلح أهل الحديث، وفي كتب الأصول أيضًا، وبأنه - ﷺلا يهمّ إلا بالجائز. وأما حديثًا عمر، وعبد اللَّه بن عمرو، فأجابو عنهما بما تقدم من ضعف الإسناد. وأجابوا عن حديث قصة أخذ سَلَب من يصيد في المدينة؛ بأنه - ﷺ - عيّن نوع الفدية هنا بأنها سَلَبُ الصائد فيُقتصر فيه على السبب، لقصور العلّة التي هي هتك الحرمة عن التعدية. وعن قصة المدديّ بأنها واردة على سبب خاص، فلا يُجاوَزُ بها إلى غيره؛ لأنها، وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا، وسنّةً بتحريم مال الغير، قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ الآية وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٨]. وقال - ﷺ - في خطبة حجة الوداع: «إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم بينكم حرام …» الحديث. وأما تحريق عليّ طعام المحتكرين، ودور القوم، وهدمه دار جرير، فبعد تسليم صحّة الإسناد إليه، وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد، كهدم مسجد الضرار، وتكسير المزامير. وأما المرويّ عن عمر من ذلك، فيجاب عنه إن ثبت بأنه أيضًا قول صحابيّ، لا ينتهض للاحتجاج به، ولا يَقوَى على تخصيص عمومات الكتاب والسنّة. وكذلك المرويّ عن ابن عباس - ﵄ -. أفاده العلامة الشوكانيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «نيل الأوطار»، ونقلته عنه بتصرّف . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذكر أن الصحيح أن عقوبة مانع الزكاة بأخذ شطر ماله مشروع لصحة حديث الباب، وأما قياس جواز العقوبة بالمال في غير موارد النصّ، فغير صحيح، لما مرّ آنفا. وخلاصة المسألة أن قول الجمهور بعدم مشروعيّة العقوبة بالمال مطلقًا حتى في المواضع التي صحّت عن النبيّ - ﷺ -، مثل حديث الباب، محتجين بالنصوص العامة المتقدمة ونحوها في تحريم مال المسلم فيه نظرٌ؛ لأن حرمة مال المسلم مشروط بقوله - ﷺ -: «إلا بحقه»، وما ثبت عنه - ﷺ - كحديث الباب، فإنه من حقّه، فلا تتناوله نصوص التحريم. وكذلك القول بجواز العقوبه به مطلقًا، كما يقول الآخرون فيه نظر أيضًا؛ لقوة نصوص منع مال المسلم إلا بحقّه، فما لم يصحّ عنه - ﷺ - لا يجوز استعمال القياس فيه؛ لتلك النصوص، فالقياس مع النص باطل. وما صحّ عنه استثناؤه، فالعمل به واجب. والحاصل أن عقوبة مانع الزكاة بأخذ شطر ماله مشروع؛ للأدلة المذكورة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح، ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٥ - (بَابُ زَكَاةِ الإِبِلِ) قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: «الإبُل» -بكسرتين-: اسم جمع لا واحد لها، وهي مؤنّثة؛ لأن اسم الجمع الذي لا واحد له من لفظه إذا كان لما لا يعقل يلزمه التأنيث، وتدخله الهاء إذا صُغّر، نحو أُبَيلةٍ، وغُنَيمةٍ، وسُمع إسكان الباء للتخفيف، ومن التأنيثِ، وإسكانِ الباء قولُ أبي النَّجْم [من الرجز]: وَالإبْلُ لَا تَصْلُحُ لِلبُسْتَانِ … وَحَنَّتِ الإبْلُ إِلَى الأَوْطَانِ والجمع آبال، وأَبِيل، وزانُ عَبِيد، وإذا ثُنّي، أو جُمِع، فالمراد به قَطِيعان، أو قَطِيعاتٌ، وكذلك أسماء الجموع، نحوُ أبقارٍ، وأَغنامٍ. والإبِلُ بناء نادرٌ، قال سيبَوَيهِ: لم يجىء على فِعِلٍ -بكسر الفاء والعين- من الأسماء إلا حرفان : إِبِلٌ، وحِبِرٌ، وهو
مصادر المؤلف (١٢)

١. - راجع «المنهل» ج ٩ ص ١٧٠.

٢. - انظر «شرح السنديّ» ج ٥ ص ١٦.

٣. - انظر «نيل الأوطار» ج ٤ ص ١٤٧.

٤. - انظر «النهاية» ج ٢ ص ٤٧٣ - ٤٧٤.

٥. - راجع «النهاية» ج ٣ ص ٢٣٢.

٦. - راجع كلام الأئمة في «تهذيب التهذيب» ج١ ص ٢٥١ - ٢٥٢.

٧. - كتاب «بيان الوهم والإيهام» ج ٥ ص ٥٦٦.

٨. - بيان الوهم والإيهام ج ٥ ص ٥٦٦.

٩. - إنما أطلت الكلام في هذا الحديث لأن الشيخ الألباني في كتيه يحسن أحاديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، ويعتذر عن عدم تصحيحه له بالكلام في بهز، فقال في «الإرواء» -ج ٣ ص ٢٦٤ - بعد قوله: وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقة الذهبيّ: قلت: وإنما هو حسن، للخلاف المعروف في بهز بن حكيم انتهى. فأوضحت الأمر فيه، وأن الكلام فيه غير مؤثر، فحديثه صحيح. واللَّه تعالى أعلم.

١٠. -بضم الخاء المعجمة، وسكون الباء الموحّدة-: معطف الإزار، وطرف الثوب، أي لا يأخذ منه في ثوبه.

١١. -«نيل الأوطار» ج ٤ ص ١٤٧ - ١٤٩.

١٢. - لم يذكر سيبويه من الكلمات على فِعِل إلا إبلًا فقط، قال: ويكون فعلًا في الاسم، نحو إبل، وهو قليل، لا نعلم في الأسماء والصفات غيره. انتهى «الكتاب» ج٢ ص ٣١٥.