HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٤٧

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ أَبُو كَامِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُمْ: «إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَ اللهُ ﷿ بِهَا رَسُولَهُ ﷺ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِ، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطِ؛ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الْإِبِلِ فِي فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا شَاتَانِ إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج2 ص178
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٥ ص ١٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح البخاري, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢٢ ص٤٩
٢٤٤٧ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُظَفَّرُ بْنُ مُدْرِكٍ، أَبُو كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أَخَذْتُ هَذَا الْكِتَابَ، مِنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَتَبَ لَهُمْ: «إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمُسْلِمِينَ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ -﷿- بِهَا رَسُولَهُ - ﷺ -، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِ، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَا يُعْطِ، فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، مِنَ الإِبِلِ، فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ، إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ، ذَكَرٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ، فَفِيهَا حِقَّةٌ، طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ، إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ، فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ، طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبِلِ، فِي فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلاَّ ابْنُ لَبُونٍ، ذَكَرٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ، فِي سَائِمَتِهَا، إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ، فَفِيهَا شَاةٌ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ، فَفِيهَا شَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ ، وَلَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً، مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْمُبَارَكِ) الْمُخَرِّميّ، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ [١١] ٤٣/ ٥٠. ٢ - (الْمُظَفر) -بتشديد الفاء المفتوحة، بصيغة اسم المفعول- بن مُدْرِك- بصيغة اسم الفاعل- أبو كامل الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقة حافظ متقنٌ، كان لا يُحدّث إلا عن ثقة، من صغار [٩]. قال مُهَنّا، عن أحمد: لا أعلم أثبت في زهير من الأشيب، إلا أبا كامل مظفرًا، فإنه كان أثبت منه. وقال أبو داود: سمعت أحمد ذَكَر حديثًا عن أبي كامل، عن إبراهيم بن سعد، فقيل له: إنّ يعقوب بن إبراهيم بن سعد لا يقول كذا، فقال: ليس فيهم مثله - يعني أبا كامل-. وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان أصحاب الحديث ببغداد: أبو كامل، وأبو سَلَمة الْخُزَاعيّ، والهيثم، وكان الهيثم أحفظهم، وأبو كامل أتقنهم. وحكى أبو طالب، عن أحمد نحوه، وزاد: لم يكونوا يَحملون عن كلّ واحد، ولم يكتبوا إلا عن الثقات، وزاد أيضًا: وكان أبو كامل بصيرًا بالحديث، متقنًا، يشبه الناس، له عقل سديدٌ، وكان من أبصر الناس بأيام الناس، وكان يتفقّه. وقال الفضل بن زياد، عن أحمد: نحو ذلك. وقال هارون الحمّال، عن أحمد أيضًا: نحوه، وزاد: قال: تراضوا به مرّة أن يسأل لهم شريكًا. وقال عبد اللَّه بن أحمد: وقال أبي: كان أبو كامل من أصحاب الحديث، لما قَدِم شريك، قالوا: لا نرضى أحدًا يسأله غير أبي كامل، وكان يُعدّ يومئذ من أهل الفضل، وكان ابن مهديّ يقول: أيش يقول أبو كامل؟ في حديث كذا، من حديث إبراهيم بن سعد. قال عبد اللَّه أيضًا، عن أبيه: سمعت منه منذ أربعين سنة، وكان له وقارٌ وهَيْبةٌ. قال عبد اللَّه: سمعت يحيي بن معين، وذكره، فقال: كنت آخذ عنه هذا الشأن، قال: وكان رجلًا صالحًا، قَلَّ من رأيت يُشبهه. وقال المفضّل الغلابيّ، عن ابن معين: سمعت أبا كامل، شيخًا من الأبناء، ثقة، صاحب حديث. وقال ابن سعد: كان من أبناء خُرَاسان، وكان ثقة. وقال أبو يعلى الموصليّ: سمعت أبا خيثمة يقول: ما كان أبو كامل عندنا بدون وكيع، وابن مهديّ. وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: صدوق. وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقة ثقة. وقال النسائيّ: ثقة مأمون. وقال مرّة: مُظَفّر بن مُدرِك الثقة المأمون الرجل الصالح. وقال مرّة: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن المبارك، حدّثنا أبو كامل شيخٌ، ثقةٌ، صاحب حديث. وذكره ابن حبّان في «الثقات». وقال إبراهيم الحربيّ: مات سنةَ مات رَوْحُ بنُ عُبَادة، سنة (٢٠٧). ووهم ابن عديّ، وابن منده في عدّه من شيوخ البخاريّ، لأن أول رحلة البخاريّ كانت سنة (٢١٠) بعد موته بنحو ثلاث سنين. تفرّد به الترمذيّ، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط. واللَّه تعالى أعلم. ٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصري، ثقة عابدًا [٨] ١٨١/ ٢٨٨. ٤ - (ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك) الأنصاريّ البصريّ، قاضيها، ثقة [٤]. قال أحمد، والنسائيّ: ثقة. وقال ابن عديّ: له أحاديث عن أنس، وأرجو أنه لا بأس به، وأحاديثه قريبة من غيره، وهو صالح فيما يرويه عن أنس عندي. وذكر في «الكامل» عن أبي يعلى أن ابن معين أشار إلى تضعيفه. وقال العجليّ: تابعيّ ثقة. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث. وذكره ابن حبّان في «الثقات». قال عمر بن شبّة: سمعت بعض علمائنا يذكر أن ثمامة لما دُعي إلى ولاية القضاء شاور محمد بن سيرين، فأشار عليه أن لا يقبل، فقال: لا أُترَك، فقال: أخبرهم أنك لا تُحسن القضاء، قال: فأكذب؟ قال: فجعل ابن سيرين يَعجَب منه. وقال ثمامة: وقعت على باب من القضاء جسيم، أدفع الخصوم حتى يصطلحوا، فكتب بذلك بلالٌ إلى خالد، فعزله عن القضاء في سنة عشرين ومائة، وكان ولاّه في سنة (١٠٦). روى له الجماعة، وله عند المصنف حديثان: هذا ٢٤٤٧ وأعاده ٢٤٥٥ و٥٢٦٠ حديث: «إذا أُتي بطيب لم يردّه». ٥ - (أنس بن مالك) الأنصاري، أبو حمزة الصحابي الجليل - ﵁ - ٦/ ٦. ٦ - (أبو بكر) الصديق الأكبر - رضي اللَّه تعالى عنه - ٥٩/ ١٣٠٢. واللَّه تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من سداسيات المصنف -رحمه اللَّه تعالى-. (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الصحيح. (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين غير شيخه، وشيخ شيخه، فبغداديان. (ومنها): أن فيه رواية صحابي، عن صحابي. واللَّه تعالى أعلم. شرح الحديث عن حمّاد بن سلمة -رحمه اللَّه تعالى- أنه (قال: أَخَذْتُ هَذَا الْكِتَابَ، مِنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبدِ اللَّهِ بْنِ أَنسِ ابنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ البصريّ. قال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: صرّح إسحاق بن راهويه في «مسنده» بأن حمادًا سمعه من ثمامة، وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعلّة بكونه مكاتبة انتهى (عَنْ) جدّه (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَن أَبَا بَكْرِ) - ﵁ - (كَتَبَ لَهُمْ) أي لأنس ومن معه. وفي رواية البخاريّ، من طريق ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس المذكورة، أن أنسًا حدّثه، أن أبا بكر - ﵁ - كتب له هذا الكتاب لما وجّهه إلى البحرين: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول اللَّه - ﷺ - على المسلمين …» الحديث (إِنَّ هَذِهِ) أي المعاني الذهنية الدّالة عليها النقوش اللفظيّة الآتية (فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ) أي نسخة فرائض، فحذف المضاف للعلم به، وفيه أن اسم الصدقة يقع على الزكاة، خلافًا لمن منع ذلك من الحنفيّة. قاله في «الفتح» (الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -) قال في «الفتح»: ظاهر في رفع الخبر إلى النبيّ - ﷺ -، وأنه ليس موقوفًا على أبي بكر، وقد صرّح برفعه في رواية إسحاق الْمُقَدَّم ذكرها. ومعنى «فَرَضَ» هنا: أوجب، أو شرع، يعني بأمر اللَّه تعالى، فالإيجاب من اللَّه تعالى في الحقيقة، وأضيف إليه - ﷺ - لأنه المبلّغ عنه، وقد فرض اللَّه تعالى طاعته على المكلفين، فلذا سمي أمره - ﷺ -، وتبليغه عن اللَّه تعالى فرضًا. وقيل: معناه قدّر؛ لأن إيجابها ثابت في الكتاب، ففرض النبيّ - ﷺ - لها بيانه للمجمل من الكتاب بتقدير الأنواع، والأجناس، وقد جعله اللَّه مبيّنا للكتاب، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]. وأصل الفرض قطع الشيء الصَّلْب، ثم استعمل في التقدير؛ لكونه مقتطعًا من الشيء الذي يقدّر منه. ويرد بمعنى البيان؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية [التحريم: ٢]. وبمعنى الإنزال، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية [القصص: ٨٥]. وبمعنى الْحِلِّ، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٨]. وكلّ ذلك لا يخرُج من معنى التقدير. ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم، حتى كاد يغلب عليه، وهو لا يخرُج أيضًا من معنى التقدير. وقد قال الراغب: كلّ شيء ورَدَ في القرآن فَرَضَ على فلان، فهو بمعنى الإلزام، وكلّ شيء فَرَضَ له، فهو بمعنى لم يحرّمه عليه، وذكر أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ الآية [القصص: ٨٥]: أي أوجب عليك العمل به. قال الحافظ: وهذا يؤيّد قول الجمهور: إن الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يَثبُتان به لا مشاحّةَ فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يُحمل على الاصطلاح الحادث. انتهى . (عَلَى الْمُسْلِمِينَ) استُدلّ به على أن الكافر ليس مخاطبًا بذلك. وتعُقّب بأن المراد بذلك كونها لا تصحّ منه، لا أنه لا يُعاقب عليها، وهو محلّ النزاع. وقد تقدّم في أوائل «كتاب الزكاة» تحقيق الخلاف، وأن الراجح كونه مكلّفًا بالفروع كالأصول. واللَّه تعالى أعلم. (الَّتِي) هكذا للمصنّف، وأبي داود بدون واو العطف، فيكون بدلًا من الموصول السابق. ووقع في رواية الشيخين: «والتي» بالعطف (أَمَرَ اللَّه -﷿- بَها رَسُولَهُ) وفي نسخة: «رسول اللَّه (- ﷺ -») أي بتلك الصدقة، أي أمره بتبليغها، أو بتقدير أنواعها وأجناسها، والقدرِ الْمُخرَج منها (فَمَنْ سُئِلَهَا) بالبناء للمجهول في الموضعين، أي من سُئل الزكاة المفروضة (مِنَ الْمُسْلِمِينَ) بيان لـ«من» (عَلَى وَجْهِهَا) حال من المفعول الثاني في «سُئلها»، أي حال كونها على حسب ما بيّن رسول اللَّه - ﷺفي هذا الحديث. وفيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة إلى الإمام (فَليُعْطِ، وَمَن سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلَا يُعْطِ) أي من سُئل زائدًا على ذلك في سنْ، أو عدد، فله المنع. ونقل الرافعيّ الاتفاق على ترجيحه. وقيل: معناه: فليمنع الساعي، ولْيَتَوَلَّ هو إخراجه بنفسه، أو بساع آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعدّيًا، وشرطه أن يكون أمينًا، لكن محلّ هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل، كمن طلب شاتين عن شاة، فأما من طلب زيادة بتأويل، بأن كان مالكيّا يرى أخذ الكبيرة عن الصغار، فإنه الواجب بلا خلاف، ولا يعطي الزائد؛ لأنه لا يفسُق، ولا يعصي، والحالة هذه. قاله النوويّ، والحافظ -رحمهما اللَّه تعالى-. وهذا الكلام فيه إشارة إلى الجمع بين هذا الحديث، وحديث جرير الآتي في -١٤/ ٢٤٦٠ - «أَرْضُوا مُصدّقيكم» بأن حديث جرير محمول على أن للعامل تأويلًا في طلب الزائد على الواجب. قال القاري -رحمه اللَّه تعالى-: هذا -أي حديث أبي بكر - ﵁ - يدلّ على أن المصدّق إذا أراد أن يظلم المزكّي، فله أن يأباه، ولا يتحرّى رضاه، وحديث جرير، وهو قوله - ﷺ -: «أرضوا مصدّقيكم، وإن ظُلمتم» على خلاف ذلك. وأجاب الطيبيّ -رحمه اللَّه تعالى- بأن أولئك المصدّقين من الصحابة، وهم لم يكونوا ظالمين، وكأن نسبة الظلم إليهم على زعم المزكِّي، أو جريانٌ على سبيل المبالغة، وهذا عامّ، فلا منافاة بينهما انتهى. وقد يُجاب بأن الأول محمول على الاستحباب، وهذا على الرخصة والجواز. أو الأول إذا كان يَخشَى التهمة والفتنة، وهذا عند عدمهما. قال في «شرح السنّة»: فيه دليل على إباحة الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقّه. انتهى . (فِيمَا دُونَ خَمْسِ وَعِشْرِينَ) الجار والجرور، متعلّق بفعل مقدّر، أي «يجب»، أو بمبتدأ مقدّر، أي «الواجب». أو خبر مقدّم لقوله: «شاة». ولفظ البخاريّ: «في أربع وعشرين، من الإبل، فما دونها من الغنم، من كلّ خمسٍ شاةٌ» قال في «الفتح»: وقوله: «من الغنم» كذا للأكثر، وفي رواية ابن السكن بإسقاط «من»، وصوّبها بعضهم. وقال عياض: من أثبتها، فمعناه: زكاتُها -أي الإبل- من الغنم، و«من» للبيان، لا للتبعيض. ومن حذفها فـ«الغنم» مبتدأ، والخبر مضمرٌ في قوله: «في كلّ أربع وعشرين» وما بعده، وإنما قدّم الخبر لأن الغرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة، والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب، فحسُن التقديم. انتهى. وقال الطيبيّ: «من» الأولى ظرف مستقرّ، لأنه بيان لـ«شاةٌ» توكيدًا، كما في قوله: «خمس ذَود من الإبل»، والثانية لغوٌ، ابتدائيّة، متّصلة بالفعل المحذوف، أي لِيُعْطَ في أربع وعشرين من الإبل شاةٌ كائنة من الغنم لأجل كلّ خمس من الإبل. وقيل: «من الغنم» خبر لمبتدإ محذوف، أي الصدقة في أربع وعشرين من الإبل من الغنم. وقوله: «من كلّ خمس شاةٌ» مبتدأ وخبر، بيان للجملة المتقدّمة . والحاصل أن هذه الجملة مستأنفة أتى بها بيائا لقوله «إن هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول اللَّه - ﷺ - على المسلمين الخ»، وكأنه أشار بـ: «هذه» إلى ما في الذهن، ثم أتى به بيانًا له (مِنَ الإِبِلِ) بيان لـ«خمس وعشرين»، وبدأ بزكاة الإبل لأنها كانت جُلّ أموالهم، وأنفَسَها حينئذ. (فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ) بدلٌ من الجارّ والجرور قبله، بدلَ تفصيل من مجمل (شَاةٌ) فاعل للفعل الذي قدّرناه، أو خبر للمبتدإ المقدّر، أو مبتدأ مؤخّر والجار والمجرور قبله خبر مقدّم، والجملة تفصيل للجملة التي قبله. (فَإِذَا بَلَغَت خَمْسًا وَعِشْرِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاض) هي ولد الناقة إذا استكملت السنة، ودخلت في الثانية. قال الفيّوميّ -رحمه اللَّه تعالى-: «المخاض» -بفتح الميم، والكسرُ لغةٌ: وَجَعُ الولادة، ومَخِضَت المرأةُ، وكلُّ حامل، من باب تَعِبَ: دنا وِلَادُهَا، وأخذها الطَّلْقُ، فهي مَاخِضٌ بغير هاء، وشاةٌ ماخصٌ، ونُوقٌ مُخَّضٌ، ومَوَاخضُ. فإن أردت أنها حامل قلتَ: نُوقٌ مَخَاضٌ -بالفتح- الواحدة خَلِفَةٌ من غير لفظها، كما قيل لواحدة الإبل ناقة، من غير لفظها، وابن مخاض: ولدُ الناقة يأخذ في السنة الثانية، والأنثى بنت مخاض، والجمع فيهما بنات مخاض. وقد يقال ابن المخاض بزيادة اللام، سمّي بذلك لأن أمه قد ضَرَبهَا الفَحْلُ، فَحَمَلَت، ولَحِقَت بالمخاض، وهنّ الحوامل، ولا يزال ابنَ مخاض حتى يستكمل السنة الثانيةَ، فإذا دخل في الثالثة، فهو ابن لَبُون انتهى كلام الفيّوميّ . وقال ابن الأثير -رحمه اللَّه تعالى-: «المخاض»: النُّوق الحوامل، واحدتها خَلِفَةٌ، وبنت المخاض، وابن المخاض: ما دخل في السنة الثانية؛ لأن أمه قد لَحِقَت بالمخاض، أي الحوامل، وإن لم تكن حاملًا. وقيل: هو الذي حملت أمُّهُ، أو حَمَلت الإبل التي فيها أمه، وإن لم تَحمِل هي، وهذا هو معنى ابن مخاض، وبنت مخاض؛ لأن الواحد لا يكون ابن نُوق، وإنما يكون ابن ناقة واحدة. والمراد أن تكون وَضَعتها أمها في وقتٍ مّا، وقد حَمَلت النُّوق التي وَضَعنَ مع أمها، وإن لم تكن أمها حاملًا، فنَسَبَها إلى الجماعة بحكم مُجاورتها أمها. وإنما سُمّي ابن مخاض في السنة الثانية؛ لأن العرب إنما كانت تحمل الفحول على الإناث بعد وضعها بسنة ليشتدّ ولدها، فهي تَحمل في السنة الثانية، وتَمْخَض، فيكون ولدُها ابن مخاض انتهى كلام ابن الأثير . ولفظ البخاريّ: «ففيها بنت مخاض أنثى». وقيد بالأنثى للتأكيد، كما يقال: رأيت بعيني، وسمعت بأذني. وقال الطيبيّ: ذكره تأكيدًا، كما قال تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقّة: ١٣]، ولئلا يُتوهّم أن البنت ههنا والابن في «ابن لبون» كالبنت، والابن في بنت طَبَق، وابن آوى، يشترك فيهما الذكر والأنثى. وحاصله أن وصف البنت بالأنثى؛ لئلا يُتوهّم أن المراد منه الجنس الشامل للذكر والأنثى، كالولد، إذ في غير الآدميّ قد يُطلق البنت والابن، وُيراد بهما الجنس، كما في ابن عِرْس، وبنت طَبَق، وهي السُّلَحفاة . واللَّه تعالى أعلم. [فائدة]: ذكر الإمام أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- في «سننه» تفسير أسنان الإبل، فأحببت إيراده هنا لنفاسته، قال: (باب تفسير أسنان الإبل): قال أبو داود: سمعته من الرِّيَاشي ، وأبي حاتم ، وغيرهما، ومن كتاب النضر ابن شميل، ومن كتاب أبي عبيد ، وربما ذكر أحدهم الكلمة، قالوا: يُسَمَّى الْحُوَار ، ثم الفَصِيل، إذا فُصِل، ثم تكون بنت مخاض لسنة، إلى تمام سنتين، فإذا دخلت في الثالثة، فهي ابنة لبون، فإذا تمت له ثلاث سنين، فهو حِقٌّ، وحقة، إلى تمام أربع سنين، لأنها استحقت أن تُركَب، ويُحمَل عليها الفحلُ، وهي تَلْقَح ، ولا يُلقِحُ الذكر، حتى يُثْنِي، ويقال للحقة: طَرُوقة الفحل؛ لأن الفحل يَطرُقها، إلى تمام أربع سنين، فإذا طَعَنَت في الخامسة، فهي جذعة، حتى يتم لها خمس سنين، فإذا دخلت في السادسة، وألقى ثنيته، فهو حينئذ ثَنِيّ، حتى يستكمل ستا، فإذا طعن في السابعة، سُمِّي الذكر رَبَاعِيًا، والأنثى رَبَاعية، إلى تمام السابعة، فإذا دخل في الثامنة، وألقى السنن السَّدِيس الذي بعد الرَّبَاعية، فهو سَدِيسٌ وسَدَسٌ، إلى تمام الثامنة، فإذا دخل في التسع، وطَلَع نابه، فهو بازل، أي بَزَل نابه، يعني طلع، حتى يدخل في العاشرة، فهو حينئذ مُخْلِف، ثم ليس له اسم، ولكن يقال: بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام، ومخلف عامين، ومخلف ثلاثة أعوام، إلى خمس سنين، والْخَلِفَة: الحاملُ. قال أبو حاتم: والجذوعة: وقت من الزمن، ليس بسن، وفُصولُ الأسنان: عند طلوع سهيل ، قال أبو داود: وأنشدنا الرِّيَاشي [من الرجز]: إِذَا سُهَيلٌ آخِرَ اللَّيْلِ طَلَعْ … فَابْنُ اللَّبُونِ الْحِقُّ وَالْحِقُّ جَذَعْ لْم يَبْقَ مِنْ أَسْنَانَها غَيْرُ الْهُبَعْ والْهُبَعُ الذي يولد في غير حينه. انتهى ما ذكره أبو داود -رحمه اللَّه تعالى- . (إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ) «تكن» تامّة، و«بنت مخاض» بالرفع فاعلها، أي فإن لم توجد بنت مخاض. ويحتمل أن تكون ناقصة، وخبرها محذوف، أي موجودة (فَابْنُ لَبُونٍ، ذَكَرٌ) «ابن» مبتدأٌ خبره محذوف، أي مقبول، أو نائب لفعل مقدّر، أي يُقبل منه ابن لبونٍ ذَكَر. و«ابن اللبون»: وَلَدُ الناقة، يدخل في السنة الثالثة، والأنثى بنت لبون، سمي بذلك لأن أمه وَلَدت غيره، فصار لها لبن، وجمع المذكور كالإناث: بنات اللبون، وإذا نزل اللبن في ضرع الناقة، فهي مُلبنٌ، ولهذا يقال في ولدها أيضًا ابن مُلْبِن. قاله في «المصباح». وقوله: «ذكر» تأكيد، كما سبق في الذي قبله. وعُلِم من هذا أن المصدّق إذا لزمه بنت مخاض، ولم توجد عنده يدفع للساعي ابن لبون؛ جَعْلًا لزيادة السنّ مقابلا بزيادة الأنوثة. وهذا متعيّن عند مالك، والشافعيّ، وهو رواية عن أبي يوسف؛ أخذًا بظاهر الحديث. وذهب أبو حنيفة، ومحمد إلى أنه لا يتعيّن أخذ ابن لبون عند فقد بنت المخاض، بل العبرة بالقيمة. قال في «فتح القدير»: كان ابن اللبون يعدل بنت المخاض إذ ذاك، جعلًا لزيادة السنّ مقابلًا بزيادة الأنوثة، فإذا تغيّر تغيّر انتهى. فلو عينّا أخذ ابن اللبون من غير اعتبار القيمة لأدى إلى الإضرار بالفقراء، أو الإجحاف بأرباب الأموال . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: القول الأول هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم. (فَإِذَا بَلَغَتْ ستًّا وَثَلَاِثِينَ، فَفِيهَا بنْتُ لَبُونٍ، إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ) الغاية داخلة في المُغَيّا بدليل قوله (فإذَا بَلَغَتْ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ) فعلم أن حكمها حكم ما قبلها. ووقع في نسخة: «ستا وأربعين»، وكلاهما صحيح، لأن قاعدة العدد في تأنيثه مع المذكّر، وتذكيره مع المؤنّث إنما هو إذا ذكر العدود بعده تمييزًا، وأما إذا حذف، أو قُدّم فيجوز تذكير العدد، وتأنيثه، كحديث: «من صام رمضان، وأتبعه ستًا من شوّال، كان كصوم الدهر». رواه مسلم. وتقول: عندي ثلاثة، وتريد نسوة . واللَّه تعالى أعلم. (فَفِيهَا حِقّةٌ) بكسر الحاء المهملة، وفتح القاف المشدّدة، جمعها حِقَقٌ، مثل سِدْرة وسِدَر، وهي من الإبل ما استكمل السنة الثالثة، ودخل في الرابعة، وهي كذلك إلى تمامها، ويقال للذكر الْحِقّ، وجمعه حِقَاقٌ -بالكسر، والتخفيف-. سميت بذلك؛ لاستحقاقها أن تُركَب، ويُحمل عليها، وَيركَبَها الفحلُ، ولذلك قال في صفتها (طَرُوقَةُ الْفحْلِ) بفتح أوله: أي مطروقته، فَعُولة بمعنى مفعولة، كحَلُوبة بمعنى محلوبة، صفة لحقّة». والمراد من شأنها أن تَقبَل ذلك، وإن لم يَطرُقها الفحل بالفعل، يعني أنها بلغت، وصلحت أن يَغشاها الفحل، ويطأها، من الطَّرْق، وهو الضرب. و«الفحلُ»: الذكر من الحيوان، جمعه فُحُول، وفُحُولة، بالضمّ فيهما، وفِحَالٌ بالكسر. ولفظ البخاريّ:«طَروقة الجمل»، والمعنى واحد. (إِلَى سِتِّينَ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَفِيهَا جَذَعَةٌ) -بفتح الجيم، والذال المعجمة- قال ابن الأثير: الْجَذَع والْجَذَعَة، من الإبل: ما استكمل الرابعة، ودخل في الخامسة إلى آخرها. قال ابن قُدامة: قيل لها: ذلك؛ لأنها تُجْذِعُ إذا سقطت سنها، وهي أعلى سنّ تجب في الزكاة . وقال القسطلاّنيّ: سميت بذلك لأنها جذعت مُقدّم أسنانها، أي أسقطته، وهي غاية أسنان الزكاة. وقال القاري: سميت بذلك لأنها سقطت أسنانها، والجذع السقوط. وقال ابن منظور: في «لسان العرب»: الجَذَعُ: الصغير السنّ، والجَذَعُ: اسمٌ له في زمن ليس بسنّ تَنْبُتُ، ولا تَسْقُط، وتعاقبها أخرى. قال الأزهريّ: أما الجذع، فإنه يختلف في أسنان الإبل، والخيل، والبقر، والشاء، وينبغي أن يُفسِّر قول العرب فيه تفسيرًا مُشبعًا؛ لحاجة الناس إلى معرفته في أضاحيهم، وصدقاتهم، وغيرها: فأما البعير، فإنه يُجذِعُ لاستكماله أربعة أعوام، ودخوله في الخامسة، وهو قبل ذلك حِقٌّ، والذكر جَذَعٌ، والأُنثى جذَعَةٌ، وهي التي أوجبها النبيّ - صلي اللَّه علية وسلم - في صدقة الإبل، إذا جاوزت ستين، وليس في صدقات الإبل سنٌّ فوق الجذعة، ولا يُجزىء الجذع من الإبل في الأضاحي. وأما الجذعِ في الخيل، فقال ابن الأعرابيّ: إذا استتمّ الفرس سنتين، ودخل في الثالثة، فهو جَذعٌ، وإذا استتمّ الثالثة، ودخل في الرابعة، فهو ثنيّ. وأما الجذع من البقر، فقال ابن الأعرابيّ: إذا طلع قرن العِجْل، وقُبض عليه، فهو عَضَبٌ، ثم هو بعد ذلك جذعٌ، وبعده ثنيّ، وبعده رباعٌ. إلى آخر ما ذكره في «اللسان». وقال المجد في «القاموس»: الجَذَعُ -محرّكةً- قبل الثنِيِّ، وهي بهاء، اسم له في زمن، وليس بسنٍّ تَنْبُتُ، أو تَسقُطُ، والشابّ الْحَدَث، جمعه جِذاعٌ، وجُذْعَانٌ -بالضمّ. انتهى. (إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ) الغاية داخلة في المغيّا، كالماضي. وفي نسخة: «خمسة وسبعين»، وتقدم وجهه قريبًا (فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَسبْعِينَ) وفي نسخة: «ستة وسبعين»، والكلام فيه كسابقه (فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلَى تِسْعِينَ، فَإِذَا بَلغَتْ إِحدَى وَتِسْعِينَ، فَفِيهَا حِقَّتَانِ، طَرُوقَتَا الْفَحْلِ، إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) أجمع أهل العلم على المذكور من أول الحديث إلى هذا؛ إلا ما تقدّم عن عليّ - ﵁ - أنه قال: «في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه، وفي ستّ وعشرين بنت مخاض»، حَكَى هذا الإجماع أبو عبيد، والسرخسيّ، وابن قدامة، والعينيّ، قال أبو عبيد: هذا ما جاء في فرائض الإبل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، لم يختلفوا؛ إلا في هذا الحرف الواحد، فإذا جاوزت عشرين ومائة، فهناك الاختلاف، ثم ذكره، كما سيأتي بيانه. وقال السرخسيّ: على هذا اتفقت الآثار، وأجمع العلماء إلا ما روي شاذّا عن عليّ. وقال ابن قدامة: هذا كله مجمع عليه إلى أن تبلغ عشرين ومائة، ذكره ابن المنذر. وقال العينيّ: لا خلاف بين الأئمة، وعليها اتفقت الأخبار عن كتب الصدقات التي كتبها رسول اللَّه - ﷺ -،والخلاف فيما إذا زادت على مائة وعشرين. (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) أي إذا زادت الإبل على عشرين ومائة واحدًا فصاعدًا، كما هو مذهب الجمهور، فلا عبرة بزيادة ما دون الواحد، كما ذهب إليه الإصطخريّ، وذلك يُتصوّر في الشركة، كما قاله الحافظ (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) أي إذا زاد يجعل الكلّ على عدد الأربعينات والخمسينات مثلًا إذا زاد واحدٌ على العدد المذكور يعتبر الكلّ ثلاث أربعينات وواحد، والواحد لا شىء فيه، وثلاث أربعينات فيها ثلاث بنات لبون إلى ثلاثين ومائة، وفي ثلاثين ومائة حقةٌ لخمسين، وبنتا لبون لأربعينين، وهكذا، ولا يظهر التغيّر إلا عند زيادة عشر. قاله السنديّ. وقال الشوكانيّ: المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كلّ أربعين بنت لبون، فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب الجمهور. ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحد، كنصف، أو ثلث، أو ربع، خلافًا للإصطخريّ من الشافعيّة، فقال: يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض واحدة لصدق الزيادة. ويردّ عليه ما عند الدارقطنيّ في آخر هذا الحديث، وما في كتاب عمر - ﵁ -: «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة». ومثله في كتاب عمرو بن حَزْم. قال الحافظ: ومقتضاه أن ما زاد على ذلك فزكاته بالإبل خاصّة. وعن أبي حنيفة: إذا زادت على عشرين ومائة رجعت إلى فريضة الغنم، فيكون في خمس وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون وشاة. انتهى كلام الشوكانيّ بزيادة. . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: سيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة السادسة، إن شاء اللَّه تعالى. (فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبِلِ، فِي فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ) أي اختلف أسنان الإبل في باب الفريضة، بأن كان المفروض سنّا، والموجود عند صاحب المال سنّا آخر، كما أوضحه بقوله (فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ) أي بلغت إبله نصابًا تجب فيه الجذعة (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ) جملة حاليّة، أي والحال أن الجذعة ليست موجودة عنه (وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ) جملة حالية أيضًا، إما متداخلة، أو مترادفة (فَإِنَّها تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ«الضمير المنصوب للقصّة، والجملة خبر»من بلغت«، والمراد أن الحقّة تُقبَل موضع الجذعة (وَ) لكن (يَجْعَلُ) المزكي (مَعَهَا شَاتَيْنِ) قال الموفّق ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ولا يُجزىء في الغنم المخرجة في الزكاة إلا الجذع من الضأن، والثنيّ من المعز، وكذلك شاة الْجُبْران، وأيهما أخرج أجزأه، ولا يُعتبر كونها من جنس غنمه، ولا جنس غنم البلد؛ لأن الشاة مطلقة في الخبر الذي ثبت به وجوبها، وليس غنمه، ولا غنم البلد سببًا لوجوبها، فلم يتقيّد بذلك؛ كالشاة الواجبة في الفدية، وتكون أنثى، فإن أخرج ذكرًا لم يجزئه، لأن الغنم الواجبة في نُصُبها إناث. ويحتمل أن يجزئه؛ لأن النبيّ - ﷺ - أطلق لفظ الشاة، فدخل فيه الذكر والأنثى، ولأن الشاة إذا تعلقت بالذمّة دون العين أجزأ فيها الذكر، كالأضحية انتهى كلام ابن قُدامة . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: الاحتمال الثاني عندي أقوى؛ لظاهر الحديث. واللَّه تعالى أعلم. (إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) أي إن كانتا موجودتين في ماشيته، يقال: تيسر، واستيسر بمعنى (أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا) أي أو يجعل مع الحقّة عشرين درهما فضّةً. قال الخطّابيّ -﵀- تعالى: فيه من الفقه أن كلّ واحدة من الشاتين، والعشرين درهما أصلٌ في نفسه، ليست ببدل، وذلك لأنه قد خيّره بينهما بحرف «أو» انتهى. وقال السنديّ -رحمه اللَّه تعالى-: حمله بعضهم على أن ذلك تفاوت قيمة ما بين الجذعة والحقّة في تلك الأيام، فالواجب هو تفاوت القيمة، لا تعيّن ذلك، فاستَدَلّ به على جواز أداء القيم في الزكاة. والجمهور على تعيين ذلك القدر برضا صاحب المال، وإلا فليطلب السنّ الواجب، ولم يُجوّزوا القيمة . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ عملًا بظاهر النصّ. واللَّه تعالى أعلم. (وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ) أي وجبت الحقّة عليه، لأجل أن كانت إبله ستا وأربعين (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ) وفي نسخة: «وليست عنده إلا جذَعة، فإنها تقبل منه» (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ) أي تُقبل الجذعة عوضًا عن الحقّة، وإن كانت الجذعة زائدة على ما يلزمه، فلا يُكلّف تحصيل ما ليس عنده (وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) -بضمّ الميم، وتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة، كمحدّثٍ: آخذ الصدقة، وهو الساعي الذي يأخذ الزكاة. وأما المصّدّق -بتشديد الصاد، والدال- فهو المزكّي، ولا يناسب هنا (عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أو شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) كما سلف في عكسه (وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَو عِشْرِينَ دِرْهَمًا) قالَ الطيبيّ: فيه دليل على أن الخيرة في الصعود والنزول من السنّ الواجب إلى المالك انتهى. وعُلّل بأنهما شُرعتا تخفيفًا له، ففوّض الأمر إلى اختياره (وَمَنْ بَلَغَت عِندَهُ صَدَقَةُ ابنَةِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وُيعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ) أي الساعي (عِشْرِينَ دِرهَمًا، أَوْ شَاتَيْن، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ بنتُ لَبُونٍ، وَعِنْدَهُ بنتتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ، إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَو عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عندَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلاَّ ابْنُ لَبُونٍ، ذَكَرٌ) تقدّم وجه تقييده بالذكر، فلا تغفل (فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ) أي لا يلزمه مع ابن لبون شيء آخر من الجبران. قال ابن الملك تبعًا للطيبيّ: وهذا يدلّ على أن فضيلة الأنوثة تُجبر بفضل السنّ. وقال الخطّابيّ: هذا دليلٌ على أن ابنة المخاض ما دامت موجودةً، فإن ابن اللبون لا يُجزىء عنها، وموجب هذا الظاهر أنه يُقبل منه، سواء كانت قيمته قيمة ابنة مخاض، أو لم تكن، ولو كانت القيمة مقبولة لكان الأشبه أن يُجعل بدل ابنة مخاض قيمتها، دون أن يأخذ الذكران من الإبل، فإن سنّة الزكاة قد جرت بأن لا يؤخذ فيها إلا الإناث إلا ما جاء في البقر من التَّبِيع. وزعم بعض أهل العلم أنه إذا وجد قيمة ابنة مخاض لم يُقبل منه ابن لبون؛ لأن واجد قيمتها كواجد عينها؛ ألا ترى أن من وجد ثمن الرقبة في الظهار لم ينتقل إلى الصيام؟. قلت: وهذا خلاف النصّ، وخلاف القياس الذي قاله، وتمثّل به، وذلك أنه قال في الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ الآية [النساء: ٩٢]. فعلّق الحكم بالوجود، ووجودُ القيمة وجود لما يتقوّم بها، وإنما قال في الحديث: «ومن بلغت صدقته ابنة مخاض، وليس عنده إلا ابن لبون ذكر، فإنه يقبل منه». فعلق الحكم بكونه عنده، لا بقدرته عليه، فالأمران مختلفان انتهى كلام الخطابيّ . وفيه دليل على أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض عند عدمها، وهو أمر متفقٌ عليه، لا خلاف في ذلك عند الأئمة، حكى هذا الإجماع جمع من الشُّرّاح، كالباجيّ، وابن قدامة، وابن رُشد، والحافظ. لكن المدار عند الحنفيّة على القيمة، وعليه حمَلُوا الحديث بأن ابن اللبون كانت قيمته مساوية لقيمة بنت المخاض في ذلك الزمان، فعند الحنفيّة لا يتعيّن أخذ ابن اللبون، خلافًا لمن عداهم من أهل العلم، فإنه يتعيّن عندهم أخذه، وهو الحقّ والصواب. ولو لم يجد واحدًا منهما، لا ابنة مخاض، ولا ابن لبون يتعيّن عليه شراء بنت مخاض، وهو قول مالك، وأحمد. والأصحّ عند الشافعيّة أن له أن يشتري أيهما شاء؛ لظاهر الخبر، وعمومه . وحجة الأولين أنهما استويا في العدم، فلزمته بنت مخاض، كما لو استويا في الوجود، والحديث محمول على وجوده، لأن ذلك للرفق به؛ إغناءً له عن الشراء، ومع عدمه لا يستغني عن الشراء، فكان شراء الأصل أولى، ذكره ابن قدامة . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما قاله مالك، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- عندي أرجح، لأن قوله في حديث الباب: «وليس عنده إلا ابن لبون» يؤيّد هذا المعنى؛ حيث شرط في قبول ابن اللبون مكان ابنة المخاض أن يوجد ابن اللبون، مع فقدها. فيفيد أنه إذا عُدما معًا لا بدّ منها. واللَّه تعالى أعلم. (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبلِ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) أي لا يجب عليه فيها إعطاء شيء؛ لكونها دون النصاب (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي إلا أن يريد صاحب الإبل الأربع أن يتصدّق بشيء منها، تبرّعًا، فله ذلك. واللَّه تعالى أعلم. (وفي صدقة الغنم) متعلق بفعل محذوف، أي يَجب في صدقة الغنم، وقوله: «شاة» هو الفاعل، أو متعلّق بمبتدإ مقدّر، أي الواجب في صدقة الغنم، وخبره قوله: «شاةٌ». وقوله (في سائمتها) بدل مما قبله، وفي تكرار الجارّ إشارة إلى أن للسوم في هذا الجنس مَدْخلًا قويًا. واللَّه تعالى أعلم. و«السائمة»: هي التي ترعى، ولا تُعلف في الأهل، والمراد بالسوم لقصد الدّرّ والنسل، فلو أُسيمت الإبل، أو البقر، أو الغنم للحمل، أو الركوب، أو اللحم، فلا زكاة فيها، وإن أُسِيمت للتجارة ففيها زكاة التجارة، وإن كانت أقْلّ من النصاب إذا ساوت مائتي درهم. والمعتبر عند أحمد، وأبي حنيفة السوم في أكثر الحول؛ لأن اسم السوم لا يزول بالعلف اليسير؛ ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرّز عنه، فاعتباره في جميع السنة يُسقط الزكاة بالكليّة، سيما عند من يسوغ له الفرار من الزكاة، فإنه إذا أراد إسقاط الزكاة أسامها يومًا فأسقطها بالإسامة؛ ولأن الضرورة تدعو إليه في بعض الأحيان، ولأن هذا وصفٌ معتبر في رفع الكلفة في الزرع والثمار. واعتبر الشافعيّ السوم في جميع الحول، فلا تجب الزكاة فيها إذا لم تكن سائمة في جميع السنة. وسيأتي تمام البحث في زكاة الغنم في بابه -١٠/ ٢٤٥٥ - إن شاء اللَّه تعالى. (إِذَا كَانَتْ) الغنم (أَرْبَعِينَ) وقوله (فَفِيهَا) توكيد لقوله: «في صدقة الغنم»، وقوله (شَاة) فاعل للفعل المقدّر على الوجه الأول، أو خبر المبتدإ المقدّر على الوجه الثاني، كما أسلفته (إِلَى عِشْرِينَ ومِائَةٍ، فَإذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) فصاعدًا، ففي كتاب عمر - ﵁ -: «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة حتى تبلغ مائتين، ففيها شاتان»، وقد تقدّم قول الإصطخريّ في ذلك، والتعقيب عليه، فلا تَغْفُل (فَفِيهَا شَاتَانِ، إِلَى مِائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةً) أي ولو واحدةً (فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَإذَا زَادَتْ) على ثلاثمائة مائةً أخرى، لا أقلّ منها (فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ) ففي أربعمائة أربعُ شياه، وفي خمسمائة خمس، وفي ستمائة ست، وهكذا. قال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «فإذا زادت على ثلاثمائة الخ» إنما معناه أن يزيد مائة أخرى، فيصير أربعمائة، وذلك لأن المئين لما توالت أعدادها حتى بلغت ثلاثمائة، وعُلّقت الصدقة الواجبة فيها بمائة مائة، ثم قيل: «فإذا زادت» عُقل أن هذه الزيادة اللاحقة بها إنما هي مائة، لا ما دونها. وهو قول عامّة الفقهاء: الثوريّ، وأصحاب الرأي، وقول الحجازيين: مالك، والشافعيّ، وغيرهم -رحمهم اللَّه تعالى-. وقال الحسن بن صالح بن حيّ: إذا زادت على ثلاثمائة واحدةً، ففيها أربع شياه انتهى . وقال الحافظ -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: «فإذا زادت على ثلاثمائة الخ»: مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة، وهو قول الجمهور، قالوا: فائدة ذكر الثلاثمائة لبيان النصاب الذي بعده؛ لكون ما قبله مختلفًا. وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن صالح بن حيّ، ورواية عن أحمد: إذا زادت على الثلاثمائة واحدة وجبت الأربع انتهى . (وَلَا يُؤْخَذُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية: «ولا تُخرج» (فِي الصَّدَقَةِ) أي المفروضة، وهي الزكاة (هَرِمَةٌ) بفتح الهاء، وكسر الراء: أي كبيرة سقطت أسنانها. وقال ابن الأثير: الطاعنة في السنّ. وقال التوربشتيّ: أراد التي نال منها كِبَرُ السنّ، وأضرّ بها (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) بفتح العين المهملة، وضمها: أي معيبة. وقيل: بالفتح: العيب، وبالضمّ الْعَوَرُ في العين. قاله في «الفتح». وقال ابن الأثير: بفتح العين، ويضمّ: أي صاحبة عيب ونقص. وعطف «ذات العوار» على «الهرمة» من عطف العامّ على الخاصّ إذ العيب يشمل المرض، والْهَرَم، وغيرهما. واختُلف في ضبط العيب الذي يمنع الإجزاء في الزكاة فالأكثر على أنه ما يَثبُت به الردّ في البيع -وهو ما يوجب نقصان الثمن عند التجّار-. وقيل: ما يَمنع الإجزاء في الأضحية. ويَدخُل في المعيب المريض، والذكور بالنسبة إلى الأنوثة، والصغير بالنسبة إلى سنّ أكبر منه. أفاده في «الفتح» . ومحلّ عدم إجزاء المعيبة إذا كان المال كلّه سليمًا، فإن كان فيه سليمٌ ومعيبٌ أُخِذ سليمٌ وسطٌ، قيمته بين المعيب والسليم، وإن كان كلّه معيبًا أَخذ المصَدِّقُ واحدة من أوسطه. وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد، ورواية عن مالك. وفي أخرى له يكلّف رب المال الإتيان بصحيحة، أخذًا بظاهر الحديث، وهو مشهور المذهب . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الأخير هو الظاهر؛ لأن قوله - صلي اللَّه عليه وسلم -: «ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار» مطلقٌ، حيث لم يقيّده بقوله: إلا إذا كانت كلها معيبة، فدلّ على أن الواجب في الصدقة مطلقًا هو السليم من العيب، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا تَيْسُ الْغَنَم) -بفتح الثناة الفوقانيّة، وسكون التحتانيّة، بعدها سين مهملة-: فَحْلُ الغنم الْمُعَدّ لضِرَابها. قال في «القاموس»: هو الذكر من الظباء، والمعز، والوُعُول، أو إذا أتى عليه سنة. وقال الباجيّ: التيس الذكر من المعز، وهو الذي لم يبلغ حدّ الفحولة، فلا منفعة فيه لضراب، ولا لدَرّ، ولا نسل، وبنحوه فسّر الإمام مالك، كما في «المدوّنة». وقال العينيّ: معناه إذا كانت ماشيته كلها أو بعضها إناثًا، لا يؤخذ منه الذكر، إنما تؤخذ الأنثى، إلا في موضعين، وردت بهما السنّة: أحدهما أخذ التَّبِيع من ثلاثين من البقر. والآخر أخذ ابن اللبون من خمس وعشرين من الإبل، بدلَ بنت مخاض، عند عدمها. وأما إذا كانت ماشيته كلها ذكورًا، فيؤخذ الذكر. وقيل: إنما لا يؤخذ التيس؛ لأنه مرغوب عنه لنتنه، وفساد لحمه. أو لأنه ربما يقصد به المالك منه الفحولة، فيتضرّر بإخراجه انتهى . (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ) اختُلف في ضبطه ومعناه، فقيل: المراد ربّ الماشية، لا الساعي، وعلى هذا هو إما بتخفيف الصاد، وفتح الدال المشدّدة، وهذا اختيار أبي عُبيد، أي الذي أُخذت صدقة ماله، أو بتشديد الصاد، وكسر الدال المشددة، وأصله المتصدّق، فأدغمت التاء بعد قلبها في الصاد. قال تعالى: ﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ الآية [الحديد: ١٨]. أو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة، اسم فاعل من قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]. قال الراغب: يقال: صدّق، وتصدّق. وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة، ولا ذات عيب أصلًا، ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك؛ لكون المالك يحتاج إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختصّ بالثالث، وهو التيس. وقيل: المراد به الساعي، وعلى هذا هو بتخفيف الصاد، وكسر الدال المشدّدة لا غير. وهذا هو المشهور في ضبطها، وهو قول المحدّثين، وعامة الرواة، كما قال الخطّابيّ، أي العامل الذي يستوفي الزكاة من أربابها. قال في «القاموس»: الْمُصَدِّقُ، كمُحَدِّثٌ: آخذ الصدقات انتهى. والاستثناء متعلّق بالأقسام الثلاثة. قال الحافظ: وكأنه يشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده؛ لكونه يجري مجرى الوكيل، فلا يتصرّف بغير المصلحة، فيتقيّد بما تقتضيه القواعد. وهذا قول الشافعيّ في «البويطيّ»، ولفظه: «ولا تُؤخذ ذات عوارٍ، ولا تيس، ولا هرمة؛ إلا أن يرى المصدّق أن ذلك أفضل للمساكين، فيأخذه على النظر» انتهى. وهذا أشبه بقاعدة الشافعيّ في تناول الاستثناء جميعَ ما ذُكر قبله، فلو كانت الغنم كلها معيبةً مثلًا، أو تيوسًا أجزأه أن يُخرج منها. وعن المالكية يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة؛ تمسّكًا بظاهر هذا الحديث. وفي رواية أخرى عندهم كالأول انتهى كلام الحافظ . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم ترجيح القول الأول من قولي مالك -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-، فلا تغفل. وقيل: الاسثناء مخصوص بما إذا كانت المواشي كلها معيبة، أو تيوسًا. قال ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وعلى هذا -أي على ضبط «المصَدِّق» بكسر الدال، بمعنى العامل- لا يأخذ المصدِّق، وهو الساعي أحدَ هذه الثلاثة، إلا أن يرى ذلك بأن يكون جميع النصاب من جنسه، فيكون له أن يأخذ من جنس المال، فيأخذ هرمة من الهرمات، وذات عوار من أمثالها، وتيسًا من التيوس. وقال مالك، والشافعيّ: إن رأى المصدّق أن أخذ هذه الثلاثة خير له، وأنفع للفقراء، فله أخذه؛ لظاهر الاستثناء. انتهى المقصود من كلام ابن قدامه . وقال الطيبيّ: ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى لا يُخرج المزكّي الناقص والمعيب، لكن يُخرج ما شاء المصدّق من السليم الكامل . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: تقدم قريبًا ترجيح القول بعدم جوز أخذ الهرمة، ونحوها في الصدقة، وهذا لا ينافي قولَهُ: «إلا أن يشاء المصدّق» على القول بأن الاستثناء للجميع؛ لأنه إذا رأى المصدّق أن الأصلح للفقراء أخذ الهرمة، أو ذات العوار، أو التيس، حيث إن قيمتها أكثر من قيمة غيرها، كانت بمنزلة السليم، بل أفضل منه، فتنبّه. واللَّه تعالى أعلم. (وَلَا يُجْمَعُ) -بضمّ أوله، وفتح ثالثه، على البناء للمفعول، أي لا يجوز للمالك، ولا للمصدّق أن يجمع (بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ) بتقديم التاء على الفاء، من التفرّق. وفي رواية «مفترق» بتقديم الفاء على التاء، من الافتراق (وَلَا يُفَرَّقُ) -بضم أوله، وفتح ثالثه مشدّدًا، أو مخففًا، على البناء للمفعول أيضًا، أي لا يجوز للمالك، ولا للمصدّق أن يفرق (بَيْنَ مُجْتَمِعٍ) بصيغة اسم الفاعل (خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) بالنصب على أنه مفعول لأجله، متعلق بالفعلين على سبيل التنازع. ويحتمل أن يتعلّق بفعل مقدّر، يعمّ الفعلين، أي لا يفعل شيئًا من ذلك خشية الصدقة، أي خشية وجوب الصدقة، أو كثرتها، هذا إن عاد الكلام إلى المالك، أو خشية سقوط الصدقة، أو قلّتها، إن عاد إلى المصدّق، فالنهي للمالك والساعي كليهما، فالخشية خشيتان: إحداهما: خشية المالك أن تجب الصدقة، أو تكثر، فيجمع، أو يفرّق: مثال جمعه خشية كثرة الصدقة: أن يكون لرجل أربعون شاة، فجمعها، وخلطها بأربعين لغيره عند حضور المصدق؛ فرارًا عن لزوم الشاة إلى نصفها. أو يكونوا ثلاثة، لكلّ واحد منهم أربعون شاة متفرّقة، فجمعوها عند قدوم الساعي بعد الحول، حتى تجب عليهم شاة واحدة. ومثال تفريقه خشية وجوب الصدقة، أن يكون له عشرون شاة مخلوطة بمثلها لغيره، ففرقها لئلا يكون نصابًا، فتجبَ عليه شاة. أو يكون لرجلين أو رجال أربعون شاةً مختلطةً، ففرقوها عند قدوم الساعي، حتى لا تجب عليهم زكاة أصلًا. ومثال تفريقه خشية كثرتها أن يكون لرجل مائة شاة، وشاة مخلوطة بمثلها لغيره، فيكون عند الاجتماع والخلط ثلاث شياه، ففرقا مالهما؛ لتقلّ الصدقة، ويكون على كلّ واحد شاة واحدة فقط. ونهوا عن ذلك لأنه هُرُوب عن الحقّ الواجب، وإجحاف بالفقير. والثاني: خشية الساعي أن تسقط الصدقة، أو تَقِل، فيجمع، أو يفرّقّ: مثال جمعه خشية سقوط الصدقة: أن يكون رجلان لهما أربعون شاة متفرقة، فجمعها المصدّق، وخلطها حتى تجب فيها شاة. ومثال جمعه خشية أن تقلّ أن يكون لكلّ واحد منهما مائة وعشرون، فجمع بينهما ليأخذ ثلاث شياه، بدل شاتين. ومثال تفريقه خشية قلّة الصدقة: أن يكون لثلاثةِ خُلَطاءَ مائة وعشرون شاة، وواجبها شاة واحدة، ففرقها الساعي أربعين أربعين، ليكون فيها ثلاث شياه. ومحلّ النهي عن الجمع والتفريق خشية الصدقة في الجنس الواحد، ومن الجنس الواحد الضأن والمعز، والبقر والجاموس، والبخت والعراب من الإبل -والبخت هو المتولّد بين عربيّ وعجميّ- فلا يدخل في النهي ما اختلف جنسه، فمن كان عنده دون نصاب من البقر، ودون نصاب من الغنم مثلًا، لا يضمّ بعضه إلى بعض اتفاقًا كي يصير نصابًا تجب فيه الزكاة. ومحلّ النهي المذكور أيضًا إذا تعدد المالك، وأما إذا اتحد المالك، وكان له ماشية ببلد لا تبلغ نصابًا، وله بأخرى ما يكمله من جنس تلك الماشية، فإنه يضمّ بعضها إلى بعض. وكذا من له نصاب في جهة، وآخر في جهة أخرى، فإنه يضمّ بعضه إلى بعض أيضًا، ولا يضرّ اختلاف الأمكنة. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور، ووافقهم أحمد فيما إذا كانت ماشية الرجل المتفرقة دون مسافة القصر، وأما إذا كانت بينهما مسافة القصر، فما فوقُ فلا يجمع بينها وينزل كلّ منها منزلة مال مستقلّ، فما بلغ منها نصابًا زكّاه، وإلا فلا. قال ابن المنذر: لا أعلم هذا القول عن غير أحمد. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح عندي؛ لظواهر النصوص الواردة في وجوب الزكاة، حيث إنها علّقت الوجوب بالملك، لا باتحاد المحلّ. واللَّه تعالى أعلم. ويؤخذ من عموم النهي في الحديث أن من كان عنده دون النصاب من الفضّة، ودون النصاب من الذهب لا يضمّ بعضه إلى بعض، وعلى ذلك أكثر العلماء. وقالت الحنفيّة، والمالكيّة: يُضم بعضه إلى بعض؛ ليصير نصابًا كاملًا، فتجب فيه الزكاة، وحملوا النهي في الحديث على الماشية . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: ما ذهب إليه أكثر العلماء هو الراجح؛ لموافقته لحديث الباب. واللَّه تعالى أعلم. (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّةِ) «ما» هنا نكرة تامّة، متضمّنة معنى حرف الاستفهام، ومعناها: أيّ شيء كان من خَليطين، فإنهما يتراجعان بالسويّة على قدر أموالهما. ومعنى ذلك عند الشافعيّ، وجماعة أن ما كان متميّزًا لأحد الخليطين من المال، فأخذ الساعي من ذلك المتميّز يرجع على صاحبه بحصّته، كأن يكون لكلّ منهما عشرون شاة، وأخذ الساعي من مال أحدهما، فإنه يرجع بقيمة نصف شاة على الآخر، وإن كان لأحدهما عشرون، وللآخر أربعون مثلًا، فأخذ من صاحب العشرين، فإنه يرجع على صاحب الأربعين بالثلثين، وإن أخذ من صاحب الأربعين، فإنه يرجع على صاحب العشرين بالثلث. وعند مالك هو كخليطين بينهما مائة شاة لأحدهما ستون، وللآخر أربعون، ففيها عليهما شاة واحدة، يكون على صاحب الأربعين خمساها، وعلى صاحب الستّين ثلاثة أخماسها، فإن أخذ الساعي الشاة الواجبة من الأربعين رجع صاحبها على صاحب الستين بقيمة ثلاثة أخماسها، وإن أخذها من الستين رجع صاحبها على صاحب الأربعين بخمسيها. وعند أبي حنيفة يُحمل الخليط على الشريك، إذ المال إذا تميّز، وأُخذ من ذلك المشترك، فعنده يجب التراجع بالسوية، أي يرجع كلّ منهما على صاحبه بقدر ما يساوي ماله. مثلًا إذا كان لأحدهما أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون، والمال مشترك غير متميّز، فأخذ الساعي عن صاحب الأربعين مسنّةً، وعن صاحب الثلاثين تبيعًا، وأعطى كلّ منهما من المال المشترك، فيرجع صاحب الأربعين بأربعة أسباع التبيع على صاحب الثلاثين، وصاحبُ الثلاثين بثلاثة أسباع المسنّة على صاحب الأربعين. وسيأتي تحقيق المسألة بالتفصيل، وترجيح المذهب الراجح بدليله في المسألة التاسعة، إن شاء اللَّه تعالى. (فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ) ومثله المرأة (نًاقِصَةً) منصوب على أنه خبر «كانت» (مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً) منصوب على التمييز (وَاحِدَةً) بالنصب على نزع الخافض، أي بواحدة، أو على أنه مفعول «ناقصة»، أو حال من ضمير «ناقصة». ويحتمل أن يكون «شاة» مفعول «ناقصة»، و«واحدةً» وصفٌ لها، والتمييز محذوف؛ للدلالة عليه. وروي «بشاة واحدةٍ» بالجر (فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) يعني أنه إذا كان عند الرجل سائمة تنقص واحدة من أربعين، فلا زكاة عليه فيها، وبطريق الأولى إذا نقصت زائدًا على ذلك (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أي إلا إذا أراد صاحب تلك السائمة الناقصة أن يتطوّع بالتصدق منها، فله ذلك، وله الأجر العظيم. (وَفِي الرِّقَةِ) بكسر الراء، وتخفيف القاف: هي الفضّة الخالصة، مضروبة كانت، أو غير مضروبة. قيل: أصلها الورق، فحذفت الواو، وعُوّضت الهاء. وقيل: يطلق على الذهب والفضّة، بخلاف الورق، وعلى هذا قيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضّة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة، وهي ربع العشر. وهذا قول الزهريّ، وخالفه الجمهور، وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة الورق-١٨/ ٢٤٧٣ - إن شاء اللَّه تعالى. (رُبْعُ الْعُشْرِ) بضم الأول، وسكون الثاني، وضمّهما فيهما (فَإِنْ لَمْ تَكُن) أي الرقة التي عنده (إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةَ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) يعني أنه إذا كانت الفضّة ناقصة عن مائتي درهم، فلا يجب عليه فيها شيء، إجماعًا. قال البغوي -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح السنّة»: هذا يوهم أنها إذا زادت عليها -أي على تسعين ومائة- شيئًا قبل أن يتمّ مائتين كانت فيه الصدقة، وليس الأمر كذلك؛ لأن نصابها مائتان، وإنما ذكر تسعين لأنه آخر فصل، -أي عَقْدٍ- من فصول المائة، والحسابُ إذا جاوز المائة كان تركيبه بالفصول، كالعشرات، والمئين، والألوف، فذَكَرَ التسعين ليدلّ على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال المائتين، بدليل قوله - صلي اللَّه عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمس أواق من الورِقِ صدقة» انتهى كلام البغويّ . وقال الطيبيّ: أراد أن دلالة هذا الحديث على أقلّ ما نقص من النصاب إنما يتمّ بحديث: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة». ويُسمّى هذا في «الأصول» النصَّ المقيّد بمفارقة نصّ آخر، وينصره الحديث المرويّ عن عليّ - ﵁ -: «وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين، ففيها خمسة دراهم» انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: حديث عليّ - ﵁ - المذكور أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد حسن، وسيأتي للمصنّف برقم ٢٤٧٧ و٢٤٧٨ مختصرًا. واللَّه تعالى أعلم. (إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا») أي يريد مالكها أن يُعطي على سبيل التبرّع، فله ذلك، وهذا كقوله - صلي اللَّه عليه وسلم - في حديث ضمام بن ثعلبة - ﵁ -:«إلا أن تطوّع». واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث أنس - ﵁ - هذا أخرجه البخاريّ. [تنبيه]: هذا الحديث أخرجه الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- في عشرة مواضع من«صحيحه»، في«الزكاة»في ستّة مواضع، وفي«الشرِكَة»، وفي«الخمس»، وفي«اللباس»، وفي«ترك الحيل»، مطوّلًا، ومختصرًا بسند واحد: قال: حدّثنا محمد بن عبد اللَّه بن المثنّى الأنصاريّ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني ثُمَامة بن عبد اللَّه بن أنس، أن أنسًا حدّثه:«أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب الخ». وقد انتقد عليه الدارقطنيّ في«التتبّع، والاستدراك»حيث قال: إن ثمامة لم يسمع من أنس، ولا سمعه عبد اللَّه بن المثنّى من ثُمامة. ثم روى عن عليّ بن المدينيّ، عن عبد الصمد، حدثني عبد اللَّه بن المثنّى، قال: دفع إليّ ثمامة هذا الكتاب، قال: وثنا عفّان، ثنا حماد، قال: أخذت من ثمامة كتابًا عن أنس، نحو هذا، وكذا قال حماد بن زيد، عن أيوب: أعطاني ثمامة كتابا، فذكر هذا انتهى. قال الحافظ في«مقدّمة الفتح»: ليس فيما ذكر الدارقطنيّ ما يقتضي أن ثمامة لم يسمعه من أنس، كما صدّر به كلامه، فأما كون عبد اللَّه بن المثنّى لم يسمعه من ثُمامة فلا يدلّ على قدح في هذا الإسناد، بل فيه دليل على صحّة الرواية بالمناولة، إن ثبت أنه لم يسمعه مع أن في سياق البخاريّ عن عبد اللَّه بن المثنّى، حدثني ثمامة أن أنسًا حدّثه، وليس عبد الصمد فوق محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ في الثقة، ولا أعرفَ بحديث أبيه منه انتهى . وقال في «الفتح» في «باب زكاة الغنم» -٣٨/ ١٤٥٤ -: هذا سند مسلسل بالبصريين من آل أنس بن مالك. وعبد اللَّه بن المثنى اختَلَف فيه قولُ ابن معين، فقال مرّة: صالح، ومرّةً ليس بشيء، وقوّاه أبو زرعة، وأبو حاتم، والعجليّ، وأما النسائيّ، فقال: ليس بالقوي، وقال العقيليّ: لا يتابع في أكثر حديثه انتهى. وقد تابعه على حديثه هذا حماد بن سلمة، فرواه عن ثمامة أنه أعطاه كتابًا زعم أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول اللَّه - ﷺ - حين بعثه مصدقًا … فذكر الحديث. هكذا أخرجه أبو داود عن أبي سلمة -موسى بن إسماعيل التبوذكيّ- عنه. ورواه أحمد في «مسنده» قال: «حدّثنا أبو كامل، حدّثنا حماد، قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس، عن أنس أن أبا بكر …» فذكره. وقال إسحاق بن راهويه في «مسنده»: أخبرنا النضر بن شميل، حدّثنا حماد بن سلمة، أخذنا هذا الكتاب من ثمامة، يحدّثه عن أنس، عن النبيّ - ﷺ -، فذكره. فوضح أن حمادًا سمعه من ثمامة، وأقرأه الكتاب، فانتفى تعليل من أعلّه بكونه مكاتبة، وانتفى تعليل من أعلّه يكون عبد اللَّه بن المثنّى لم يُتابع عليه انتهى كلام الحافظ . وقد تكلّم ابن معين أيضًا على حديث أنس هذا، ففي «الأطراف» للمقدسيّ: قيل لابن معين: حديث ثمامة، عن أنس في الصدقات، قال: لا يصحّ، وليس بشيء، ولا يصحّ في هذا حديث في الصدقات انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: وقد ردّ على كلام ابن معين هذا ابن حزم وغيره: قال الإمام أبو محمد ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى- في «المحلّى» بعد أن ساقه من طريق البخاريّ، وأبي داود، والنسائيّ، وغيرهم: ما نصّه: هذا الحديث في نهاية الصحّة، وعَمِلَ به أبو بكر الصدّيق - ﵁ - بحضرة جميع الصحابة، لا يُعرف له منهم مخالف أصلًا، وبأقلّ من هذا يدّعي مخالفونا الإجماع، ويشنّعون علينا، رواه عن أبي بكرٍ أنسٌ، وهو صاحبٌ، ورواه عن أنس ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس، وهو ثقة سمعه من أنس، ورواه عن ثمامة حماد بن سلمة، وعبد اللَّه ابن المثنّى، وكلاهما ثقة وإمام، ورواه عن ابن المثنّى ابنه القاضي محمد، وهو مشهور ثقة، وَلي قضاء البصرة، ورواه عن محمد بن عبد اللَّه محمدُ بنُ إسماعيل البخاريّ، جامع «الصحيح»، وأبو قلابة، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، والناس. ورواه عن حماد بن سلمة يونس بن محمد، وشُريح بن النعمان، وموسى بن إسماعيل التبوذكيّ، وأبو كامل الْمُظَفَّر بن مُدرِك، وغيرهم، وكلّ هؤلاء إمام ثقة، مشهور. والعجب ممن يَعترض في هذا الخبر بتضعيف يحيى بن معين لحماد بن سلمة هذا! وليس في كلّ من رواه عن حمّاد بن سلمة -ممن ذكرنا- أحد إلّا وهو أجلّ وأوثق من يحيى بن معين، وإنما يؤخذ كلام يحيى بن معين وغيره إذا ضعّفوا غير مشهور بالعدالة، وأما دعوى ابن معين، أو غيره ضعف حديث رواه الثقات، أو ادّعوا فيه أنه خطأ من غير أن يذكروا فيه تدليسًا، فكلامهم مطّرَحٌ مردودٌ، لأنه دعوى بلا برهان، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، ولا مَغْمَزَ لأحد في أحد من رُواة هذا الحديث، فمن عانده، فقد عاند الحقّ، وأَمْرَ اللَّه، وأمرَ رسوله - ﷺ -، لا سيّما من يحتجّ في دينه بالمرسلات، وبرواية ابن لهيعة، ورواية جابر الجعفيّ المتّهم في دينه: «لا يؤمّنّ أحدٌ بعدي جالسًا»، ورواية حرام بن عثمان -الذي لا تحلّ الرواية عنه- في إسقاط الصلاة عن المستحاضة بعد طهرها ثلاثة أيام، ورواية أبي زيد مولى عمرو بن حُريث في إباحة الوضوء للصلاة بالخمر، وبكل نطيحة، أو متردّية، وما أهلّ لغير اللَّه به في مخالفة القرآن والسنن الثابتة، ثم يتعلّل في السنن الثابتة التي لم يأت ما يُعارضها، بل عَمِلَ بها الصحابةُ - ﵃ -، ومن بعدهم انتهى كلام ابن حزم . وقال الإمام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه «المعرفة»: لا نعلم من حَمَلة الحديث وحفّاظهم من استقصى في انتقاد الرواة ما استقصى محمد بن إسماعيل البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، مع إمامته، وتقدمه في معرفة الرجال، وعلل الأحاديث، ثم إنه اعتمد في هذا الباب على حديث عبد اللَّه بن المثنّى الأنصاريّ، عن ثمامة، عن أنس، فأخرجه في «الصحيح» عن محمد بن عبد اللَّه بن المثنّى، عن أبيه، وذلك لكثرة الشواهد لحديثه هذا بالصحّة انتهى . وقال في «السنن الكبرى»: قد روينا الحديث من حديث ثُمامة بن عبد اللَّه بن أنس، عن أنس، من أوجه صحيحة، ورويناه عن سالم، ونافع، موصولًا، ومرسلًا، ومن حديث عمرو بن حزم موصولًا، وجميع ذلك يشُدّ بعضه بعضًا انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن العلل التي ذُكرت في حديث أنس - ﵁ - هذا غير مقبولة، فهو حديث صحيح. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنّف له، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا-٥/ ٢٤٤٧ و١٠/ ٢٤٥٥ - وفي «الكبرى» ٥/ ٢٢٢٥ و١٠/ ٢٢٣٥. وأخرجه (خ) في «الزكاة» ١٤٥٠ و١٤٥١ و١٤٤٨ و١٤٥٤ و١٤٥٥ و«الشركة» ٢٤٨٧ و«فرض الخمس» ٣١٠٦ و«اللباس» ٥٨٧٩ و«الحيَل» ٦٩٥٥ (د) في «الزكاة» ١٥٦٧ (ق) في «الزكاة» ١٨٠٠ (أحمد) في «مسند العشرة» ٧٣ و«باقي مسند المكثرين» ١١٥٧٨ و١٢٣٦ و١٢٣٢٧ و١٢٤٥٣ و١٢٥٢٩ و١٢٦٣٤ و١٢٧٧١ و١٢٩١٤ و١٣٥٠٤ و١٣٦٧٧ (ابن خزيمة في «صحيحة») ٢٢٦١ و٢٢٧٩ و٢٢٨١ و٢٢٩ (ابن حبان في «صحيحه») ٣٢٦٦ (الشافعيّ في «مسنده») ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦ (الطحاويّ) ٢/ ٣٣ (ابن الجارود) ٣٤٢ (البيهقيّ) ٤/ ٨٥ (الدارقطنيّ) ٢/ ١١٣ - ١١٤ (البغوي) ١٥٧٠ (أبو يعلى) ١٢٧. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): في فوائده: (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان حكم زكاة الإبل، ونصابها (ومنها): أنه احتجّ بقوله: «إن هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول اللَّه - ﷺ - على المسلمين» من قال: إن الكفّار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وقد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك، وأن الراجح أنهم مخاطبون بها، وأن المراد بقوله: «على المسلمين» أنها تؤخذ منهم في الدنيا، وأما الكافر فلا تؤخذ منه في الدنيا، وإنما يعاقب بها في الآخرة (ومنها): أن زكاة المواشي، ونحوها، من الأموال الظاهرة تُدفع للإمام (ومنها): أنه لا طاعة للإمام فيما خالف الشرع، حيث قال: «ومن سئل فوق ذلك، فلا يُعط» (ومنها): أن ما بين كلّ نصابين من أنصبة الماشية عفوٌ لا زكاة فيه، وهو المعروف عند الفقهاء بالْوَقَص (ومنها): أن السَّوْم شرط في وجوب زكاة الغنم، وهو مذهب الجمهور، وكذلك يشترط في زكاة الإبل، لحديث بَهْز بن حكيم المتقدّم في -٤/ ٢٤٤٤ - (ومنها): أنه لا يجوز في الزكاة أخذ الْهَرِمة، ولا ذات العَوَار، ولا التيس، إلا أن يشاء المصدّق (ومنها): أن الحيل في الزكاة حرامٌ، على المالك، وعلى الساعي أيضًا، وذلك كأن يَجمَع بين متفرّق، أو يُفرِّق بين مجتمع، خشيةَ وجوب الصدقة، أو كثرتها، أو عدم وجوبها، أو قلّتها (ومنها): أن ما كان من الخليطين، إذا أُخذ من أحدهما فإنه يرجع على الآخر بالسويّة (ومنها): أن الفضّة إذا بلغت مائتي درهم يجب فيها ربع العشر، خمسةُ دراهم، وما كان ناقصًا من ذلك، فلا شيء فيه، إلا أن يتطوّع صاحبه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): استدلّ بقوله: «فما دون خمس وعشرين، من الإبل، في كلّ خمسِ ذَوْدٍ شاةٌ». على تعيّن إخراج الغنم في مثل ذلك، وهو قول مالك، وأحمد، فلو أخرج بعيرًا عن الأربع والعشرين لم يجزه. وذهب الشافعيّ، والجمهور إلى أنه يجزئه، لأنه يجزئه عن خمس وعشرين، فما دونها أولى؛ ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه. فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه، ففيه خلاف مشهور عند الشافعيّة، وغيرهم، والأقيس -كما قال الحافظ- أنه لا يجزئ. ويجوز عند الحنفيّة إذا ساوى قيمةُ المؤدَّى قيمة الواجب، كما بسط في فروعهم. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه مالك، وأحمد من أن إخراج الغنم متعيّنٌ هو الصواب؛ عملًا بظاهر النصّ، فإن فيه براءةَ الذّمّة بيقين، وما عداه مشكوك فيه. ويؤيّده أيضًا ما يأتي من قوله في - ﷺ -: «ومن بلغت عنده صدقة الجَذَعة، وليست عنده جذَعةٌ، وعنده حقّةٌ فإنها تقبل منه الخ، فلو كان البعير يجزئ عن الشياه الأربع مثلًا لبيّنه، كما بين ذلك في وجوب ابنة مخاض، حيث قال:»فإن لم تكن بنت مخاض، فابن لبون ذكر«. وأما قولهم: ولأن الأصل أن يجب من جنس المال، وإنما عُدل عنه رفقًا الخ، فقد تُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النصّ . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اختُلف في الأوقاص -وهو ما بين الفرضين- على قولين: فذهب مالك في رواية، والشافعيّ في الجديد، وأحمد، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وداود إلى أنّ الزكاة في النصاب فقط، دون العفو، وهو الصحيح في مذهب مالك. وقال ابن المنذر: قال أكثر العلماء: لا شيء في الأوقاص. وذهب مالك في رواية، والشافعيّ في القديم، ومحمد بن الحسن، وزُفَر إلى أنها في النصاب والعفو جميعًا. ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلًا تسعٌ من الإبل، فتلف أربعة بعد الحول، وقبل التمكّن من الأداء، حيث قلنا: إنه شرط في الوجوب، وجبت عليه شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا: التمكّن شرط في الضمان، وقلنا: الوقص عفوٌ، وإن قلنا: يتعلّق به الفرض وجب خمسة أتساع شاة. وقال النوويّ: أكثر ما يتصوّر من الأوقاص في الإبل تسعٌ وعشرون، وفي البقر تسع عشرة، وفي الغنم مائة وثمان وتسعون، ففي الإبل ما بين إحدى وتسعين، ومائة وإحدى وعشرين، وفي البقر ما بين أربعين، وستين، وفي الغنم ما بين مائتين وواحدة، وأربعمائة انتهى. [تنبيه]: «الوقص» -بفتح الواو، والقاف، ويجوز إسكانها، وبالسين المهملة، بدل الصاد-: هو ما بين الفرضين، عند الجمهور، واستعمله الشافعيّ فيما دون النصاب الأول أيضًا. قاله في «الفتح» . وقال النوويّ -رحمه اللَّه تعالى- في «شرح المهذب»: «الوقص» -بفتح القاف، وإسكانها- لغتان، أشهرهما عند أهل اللغة الفتح، والمستعمل منهما عند الفقهاء الإسكان، واقتصر الجوهريّ وغيره من أصحاب الكتب المشهورة في اللغة على الفتح، وصنّف الإمام ابن برّيّ المتأخّر جزءًا في لحن الفقهاء، لم يُصب في كثير منه، فذكر من لحنهم «وقص» بالإسكان، وليس كما قال. وذكر القاضي أبو الطيّب الطبريّ في تعليقه في آخر «باب زكاة البقر»، وصاحب «الشامل» في «باب زكاة البقر» أيضًا، وآخرون من أصحابنا أن أكثر أهل اللغة قالوا: «الوقص» بالإسكان، وكذا قال صاحب «الشامل»: أكثر أهل اللغة. وقال القاضي: الصحيح في اللغة الأول. وقال بعض أهل اللغة: هو بالفتح، فالأول ليس هو بصحيح. واحتجّ مانع الإسكان بأنّ فَعْلًا الساكن المعتلّ الفاء، لا يُجمع على أفعال. وهذا غلط فاحش، فقد جاء وَطْبٌ وأوطابٌ، ووَغْدٌ وأوغاد، ووَعْرٌ وأوعار، وغير ذلك. فحصل في «الوقص» لغتان. قال أهل اللغة، والقاضي أبو الطيّب، وصاحب «الشامل»، وغيرهما من أصحابنا: الشَّنَقُ -بفتح الشين المعجمة، والنون-: هو أيضًا ما بين الفريضتين، قال القاضي: أكثر أهل اللغة يقولون: الوَقَص، والشَّنَقُ سواء، لا فرق بينهما. وقال الأصمعيّ: الشَّنَق يختصّ بأوقاص الإبل، والوَقَصُ مختصّ بالبقر، والغنم، واستعمل الشافعيّ - ﵁ - في «البويطيّ» الشنَقَ في أوقاص الإبل، والبقر، والغنم جميعًا، ويقال أيضًا: وَقَس -بالسين المهملة. وقال أيضًا: فحصل من هذه الجملة أنه يقال: وَقَصٌ، ووقْصٌ، -بفتح القاف، وإسكانها- وشَنَقٌ، ووقس- بالسين المهملة-، وأنه يطلق على ما لا زكاة فيه، سواء كان بين نصابين، أو دون النصاب الأول، لكن أكثر استعماله فيما بين النصابين. انتهى كلام النوويّ باختصار . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): اختلفوا فيما إذا زادت الإبل على عشرين ومائة على مذاهب: (الأول): ذهب الشافعيّ، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه إلى أنها إذا زادت على العشرين ومائة واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون إلى أن تصير مائة وثلاثين، فيجب فيها حقّة، وبنتا لبون، ثم كلما زادت عشرة كان في كلّ خمسمين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت لبون، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمختار عند الحنابلة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، والزهريّ، وأبي ثور، وابن حزم، وداود، وابن القاسم، صاحب مالك، قال الباجيّ: قول ابن قاسم روايةٌ لمالك أيضًا. واحتُجّ لهذا القول بقوله - ﷺ -: «فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة». فإنه - ﷺ - جعل هذا الحكمَ بنفس الزيادة، والواحدة زيادة، فعندها يجب في كلّ أربعين بنت لبون، وقد جاء مصرّحًا بذلك عند الدارقطنيّ في آخر هذا الحديث: «فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة»، ومثله في كتاب عمر - ﵁ -، وكتاب عمرو بن حزم، كما تقدّم، والحديث وإن كان فيه ضعف، إلا أنّ له شواهد يتقوّى بها. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخطّابيّ: فيه دليلٌ على أن الإبل إذا زادت على العشرين ومائة لم يستأنف لها الفريضة؛ لأنه علّق تغيّر الفرض بوجود الزيادة، وقد يحصل وجود الزيادة بالواحدة، كحصولها بأكثر منها، وعلى هذا وُجد الأمر في أكثر الفرائض، فإن زيادة الواحد بعد منتهى الْوَقَص توجب تغيّر الفريضة، كالواحدة بعد الخامسة والثلاثين، وبعد الخامسة والأربعين، وبعد كمال الستين . (الثاني): ذهب أبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق، وأحمد في رواية إلى أنها لا تجب فيما زاد على العشرين والمائة شيء، حتى تكون مائة وثلاثين، ففيها حقّة، وبنتا لبون، فلا يتغيّر الفرض عندهم، ولا يتعدّى إلى ثلاثين ومائة، وهو رواية عن مالك، رواها عنه عبد الملك، وأشهب، وابن نافع. واستُدلّ لهم بأن قوله - ﷺ -: «فإذا زادت على عشرين ومائة …» الحديث، يقتضي أن يكون تغيّر الفرض في عدد يجب السِّنَّان معًا، أي المراد بالزيادة هي التي يمكن اعتبار المنصوص عليه فيها، وذلك لا يكون فيما دون العشر. وأجيب عنه بأن هذا غير لازم، وذلك أنه إنما علّق تغيّر الفرض بوجود الزيادة على المائة والعشرين، وجعل بعدها في أربعين ابنة لبون، وفي خمسين حقّة، وقد وجدت الأربعونات الثلاث في هذا النصاب، فلا يجوز أن يسقط الفرض، ويتعطّل الحكم، وإنما اشترط وجود السّنّين في محلّين مختلفين، لا في محلّ واحد، فاشتراطهم وجودهما معًا في واحد غلطٌ. واستُدلّ لهم أيضًا بأن الفرض لا يتغيّر بزيادة الواحدة، كسائر الفروض. وأجيب عنه بأنه ما تغيّر بالواحدة وحدها، وإنما تغيّر بها مع ما قبلها، فأشبهت الواحدة الزائدة على التسعين، والستّين، وغيرهما. واستدلّ لهم أيضًا بما روى أبو عُبيد في «كتاب الأموال» عن يزيد بن هارون، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبد الرحمن، أن في كتاب صدقة النبيّ - ﷺ -، وفي كتاب عمر في الصدقة: أن في الإبل إذا زادت على عشرين ومائة، فليس فيما دون العشر شيء، حتى تبلغ ثلاثين ومائة . وأجيب بأن هذا مرسل، ولا حجّة فيه. وأيضًا قد رواه الدارقطنيّ، والحاكم، والبيهقيّ، مطوّلًا، وفيه: «فإذا زادت على العشرين ومائة واحدة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك، فليس فيما لا يبلغ العشر منها شيء حتى يبلغ العشر» انتهى. وهذا -كما ترى- نصّ في القول الأول، وصريح في الرّدّ على القول الثاني. (الثالث): ذهب مطرّف، وابن أبي حازم، وابن دينار، وأصبغ إلى أن الساعي بالخيار بين أن يأخذ في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، أو حقّتين، أيّ الصنفين أدّى أجزأه إلى أن يبلغ ثلاثين ومائة، فيجب فيها حقّة وبنتا لبون، وهو رواية عن مالك أيضًا، وهو مختار فروع المالكيّة. قال ابن حزم: قول مالك في التخيير بين إخراج حقتين، أو ثلاث بنات لبون خطأ، فإن رسول اللَّه - ﷺ - فرق بين حكم العشرين ومائة، فجعل حقّتين بنصّ كلامه، وبين حكم ما زاد على ذلك، فلم يجز أن يسوى بين حكمين فرق رسول اللَّه - ﷺ - بينهما، ولا نعلم أحدًا قبل مالك قال بهذا التخيير انتهى . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: أرجح المذاهب عندي المذهب الأول، وهو أنه إذا زادت الإبل على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، إلى أن تصير مائة، وثلاثين، ففيها حقّة، وبنتا لبون، ثم كلما زادت عشرة، كان في كلّ خمسين حقّة، وفي كلّ أربعين بنت لبون، لظاهر حديث الباب، وأصرح منه ما في كتاب عمر - ﵁ -، وكتاب عمرو بن حزم، من أنه إذا كانت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، حتى تبلغ تسعًا وعشرين ومائة، والحديث، وإن تكلّم فيه إلا أنّ له شواهد تقويه، كما سبق. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): اختُلف في حكم ما بعد العشرين والمائة: ذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعيّ، وأحمد، إلى أنه يدور الحكم بعد العشرين والمائة على الأربعينات والخمسينات أبدًا، من غير أن تُستأنف الفريضة، فيتغير الفريضة عندهم بعد العدد المذكور إلى بنت لبون في كلّ أربعين، وإلى حقّة في كلّ خمسين، ولا تعود إلى الأول. واحتجّوا لذلك بما روي في كتاب أبي بكر الصدّيق، وفي كتاب عمر، وفي كتاب عمرو بن حزم، وفي كتاب زياد بن لَبِيد إلى حضرموت، من قوله - ﷺ -: «فإذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي خمسين حقّة. وذهب أبو حنفية، وأصحابه، والثوريّ، والنخعيّ إلى أنه تُستَأنَف الفريضة بعد العشرين ومائة، كما في الأول إلى مائة وخمسين؛ إلا أنه لا تجب في هذا الاستئناف بنت لبون وجذعة، فليس عندهم فيما بعد العشرين ومائة إلا حقّتان فقط، حتى تتمّ خمسًا وعشرين ومائة، فيجب فيها حقّتان وشاة، إلى ثلاثين ومائة، فهذا بلغتها، ففيها حقّتان وشاتان إلى خمس وثلاثين ومائة، ففيها حقّتان، وثلاث شياه، إلى أربعين ومائة، ففيها حقّتان، وأربع شياه، إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقّتان، وبنت مخاض، إلى خمسين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق. هذا هو الاستئناف الأول، ثم تُستأنف الفريضة، وتجب فيه ابن لبون أيضًا على خلاف الاستئناف الأول، فيجب في مائة وخمس وخمسين ثلاث حقاق وشاة، ثم كما ذكرنا في كلّ خمس شاة مع الثلاث حقاق إلى أن تصير خمسًا وسبعين ومائة، فيجب فيها بنت مخاض، وثلاث حقاق، إلى ستّ وثمانين ومائة، فإذا بلغتها كانت فيه بنت لبون، وثلاث حقاق إلى ستّ وتسعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثم تستأنف الفريضة كما بعد مائة وخمسين، فتجب في كلّ خمس شاة، فإذا صارت مائتين وخمسًا وعشرين، ففيها أربع حقاق، وبنت مخاض، وفي ستّ وثلاثين ومائتين أربع حقاق، وبنت لبون إلى ستّ وأربعين ومائتين، فإذا بلغتها كانت فيها خمس حقاق إلى خمسين ومائتين، وهكذا إلى ما لا نهاية له، كلما بلغت الزيادة خمسين زاد حقة، ثم استأنف تزكيتها بالغنم، ثم ببنت مخاض، ثم ببنت لبون، ثم بالحقّة. ولا يخفى أن هذا المذهب لا يصدق عليه قوله - ﷺ -: «فهذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقة»، فإنه يدلّ على أن مدار الحكم والحساب بعد العشرين ومائة هو الأربعون والخمسون، وعلى أنه يُجعل الكلّ على عدد الأربعينات، والخمسينات، وقد عرفت أنهم لم يجعلوا الأربعين والخمسين مدارًا للحكم، بل قالوا بالعود إلى أول الفريضة والاستئناف، وتقدّم أنه ليس في الاستئناف الأول بنت لبون أصلًا، ثم إنها وإن كانت في الاستئناف الثاني، لكن الفريضة لا تدور على الأربعين عندهم، فإنه تجب بنت لبون من ست وثلاثين إلى ستّ وأربعين، والأربعون واقع في البين، فلم يكن مدارَ الحكم، ولا يكون لتخصيصه بالذكر على مذهبهم معنى؛ لكون بنت اللبون واجبة فيما دونه، وفيما فوقه أيضًا، وكذا الحقّة تجب من ستّ وأربعين إلى خمسين، فلا يكون الخمسون مدارًا، ولا يظهر لتخصيصه في قوله: «وفي كلّ خمسين حقّة» معنى أيضًا. قال صاحب «العرف الشذي»: الحقّ أن حديث الباب أقرب بمذهب الحجازيين؛ لأنه - ﷺ - قد أجمل بعد مائة وعشرين، ومذهب الحجازيين مستقيم على هذا الحديث بعد مائة وعشرين إلى الأبد. وأما مذهبنا فاستقامته إنما هو بعد خمسين ومائة انتهى. قال صاحب «المرعاة»: الحديث الذي استدلّ به أهل الحجاز لا يصدق على مذهب أهل العراق أصلًا، فإن مذهبهم كما لا يستقيم قبل الخمسين ومائة، لقوله - ﷺ - في حديث أنس - ﵁ - عند الدارقطنيّ: «فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة»، كذلك لا يستقيم بعده أيضًا، فإن مدار بنت اللبون هو ستّ وثلاثون، لا أربعون، ومدار الحقّة ستّ وأربعون، لا خمسون، فإن هذين العددين يكونان في البين، والحديث نصّ في كون الأربعينات والخمسينات مدارًا بعد العشرين ومائة، مطّردًا دائمًا. هذا، وقد تصدّى الحنفيّة، كالطحاوي في «شرح معاني الآثار»، والسرخسيّ في «المبسوط»، وأبي بكر الرازيّ في «أحكام القرآن»، وابن الهمام في «فتح القدير»، والزيلعيّ في «شرح الكنز»، والعينيّ في «شرح البخاريّ» للجواب عن حديث الباب، والتخلّص من مخالفته. قال صاحب «المرعاة»: ولولا أنه يطول البحث جدًا، لذكرنا كلامهم أجمعين، وبيّنّا ما في أجوبتهم من التكلّف، والتمحّل، والتلبيس، والتخليط، والفساد. وقد ذكر تقريرَ ابن الهمام وجوابَهُ الشيخُ عبد العلى بحر العلوم اللكنويّ الحنفيّ في «رسائل الأركان الأربعة»- (ص ١٧٠ - ١٧١) ثم ردّ عليه، ورجّح مذهب الجمهور، وقال في آخر كلامه: فالأشبه ما عليه الإمام الشافعيّ، والإمام أحمد. واحتجّ الحنفيّة لمذهبهم بما روى أبو داود في «المراسيل»، وإسحاق بن راهويه في «مسنده»، والطحاويّ في «مشكله» عن حماد بن سلمة، قال: قلت لقيس بن سعد: خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابًا، أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: «أن النبيّ - ﷺ - كتبه لجده، فقرأته، فكان فيه ذكر ما يُخرج من فرائض الإبل، فقصّ الحديث إلى أن يبلغ عشرين ومائة، فإذا كانت أكثر من عشرين ومائة، فإنه يُعاد إلى أول فريضة الإبل، وما كان أقلّ من خمس وعشرين ففيه الغنم في كلّ خمس ذودٍ شاة». كذا في «نصب الراية». وأجيب عنه بما قال ابن الجوزيّ في «التحقيق»: إن هذا حديث مرسل. وقال هبة اللَّه الطبريّ: هذا الكتاب صحيفة ليس بسماع، ولا يَعرِفُ أهلُ المدينة عندهم عن كتاب عمرو بن حزم إلا مثل روايتنا، رواها الزهريّ، وابن المبارك، وأبو أويس، كلهم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، مثلَ قولنا. ثم لو تعارضت الروايتان عن عمرو بن حزم بقيت روايتنا عن أبي بكر الصدّيق - ﵁ -، وهي في «الصحيح»، وبها عَمِلَ الخلفاءُ الأربعة. وقال البيهقيّ في «السنن» ج٤ ص٩٤: هذا منقطع بين أبي بكر بن حزم إلى النبيّ - ﷺ -، وقيس بن سعد أخذه عن كتاب، لا عن سماع، وكذلك حماد بن سلمة أخذه عن كتاب، لا سماع، وقيس بن سعد، وحماد بن سلمة، وإن كانا من الثقات، فروايتهما هذه بخلاف رواية الحفّاظ عن كتاب عمرو بن حزم وغيره، وحماد بن سلمة ساء حفظه في آخر عمره، فالحفّاظ لا يحتجّون بما يخالف فيه، ويتجنّبون ما ينفرد به عن قيس بن سعد خاصّة، وأمثاله، وهذا الحديث قد جمع الأمرين، مع ما فيه من الانقطاع. وقال في «معرفة السنن»: الحفّاظ، مثل يحيى القطّان وغيره يُضعّفون رواية حماد، عن قيس بن سعد، ثم أسند عن أحمد بن حنبل، قال: ضاع كتاب حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، فكان يحدّثهم من حفظه، ثم أسند عن ابن المدينيّ نحو ذلك. قال البيهقيّ: ويدلّ على خطأ هذه الرواية أن عبد اللَّه بن أبي بكر بن بن محمد بن عمرو بن حزم، رواه عن أبيه، عن جدّه بخلافه، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاريّ رواه بخلافه، والزهريّ مع فضل حفظه رواه بخلافه في رواية سليمان بن داود الْخَوْلانيّ، عنه موصولًا، وفي رواية غيره مرسلًا، وإذا كان حديث حماد عن قيس مرسلًا، وخالفه عددٌ، وفيهم ولد الرجل، والكتابُ بالمدينة، يتوارثونه بينهم، فأخبروا بما وجدوا فيه، ويعرف عنه عمر بن عبد العزيز، وأمر بأن يُنسخ له، فوُجد مخالفًا ما رواه حماد، عن قيس، وموافقًا لما في كتاب أبي بكر، وما في كتاب عمر، وكتابُ أبي بكر في «الصحيح»، وكتاب عمر أسنده سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، ولم يكتبه عمر عن رأيه، إذ لا مدخل للرأي فيه، وعَمِلَ به، وأَمَرَ عُمّاله، فعملوا به، وأصحاب النبيّ - ﷺ - متوافرون، وأقرأ ابنَه عبد اللَّه بن عمر، وأقرأه عبد اللَّه ابنَه سالمًا، ومولاه نافعًا، وكان عندهم حتى قرأه مالك بن أنس، أفما يدلّ ذلك كله على خطأ تلك الرواية التي انفردت عن سائر الروايات، وأن الأخذ بغيرها أولى انتهى كلام البيهقيّ -رحمه اللَّه تعالى- في «المعرفة» بتصرّف . وقال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في «المغني» بعد الإشارة إلى كتاب أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الذي استدلّ به الحنفيّة: ولنا أن في حديثَيِ الصدقات الذي كتبه أبو بكر لأنس، والذي كان عند آل عمر بن الخطاب مثلُ مذهبنا، وهما صحيحان، وقد رواه أبو بكر عن النبيّ - ﷺ - بقوله: «هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول اللَّه - ﷺ - على المسلمين». وأما كتاب عمرو بن حزم، فقد اختلف في صفته، فرواه الأثرم في «سننه» مثل مذهبنا، والأخذ بذلك أولى لموافقته الأحاديث الصحاح، وموافقته القياس، فإن المال إذا وجب فيه من جنسه لم يجب من غير جنسه، كسائر بهيمة الأنعام، ولأنه مال احتمل المواساة من جنسه، فلم يجب من غير جنسه، كالبقر والغنم، وإنما وجب في الابتداء من غير جنسه لأنه ما احتمل المواساة من جنسه، فعدلنا إلى غير الجنس ضرورةً، وقد زال ذلك بزيادة المال، وكثرته، ولأنه عندهم ينتقل من بنت مخاض إلى حقّة بزيادة خمس من الإبل، وهي زيادة يسيرة، لا تقتضي الانتقال إلى حقة، فإنا لم ننتقل في محلّ الوفاق من بنت مخاض إلى حقّة إلا بزيادة إحدى وعشرين انتهى كلام ابن قُدامة . وقال ابن حزم -رحمه اللَّه تعالى-: والعجب أنهم يدّعون أنهم أصحاب قياس، وقد خالفوا في هذا المكان النصوص والقياس، فهل وجدوا فريضةً تعود بعد سقوطها؟، وهل وجدوا في أوقاص الإبل وقصًا من ثلاثة وثلاثين من الإبل؟ إذ لم يجعلوا بعد الإحدى والتسعين حكمًا زائدًا إلى خمسة وعشرين ومائة، وهل وجدوا في شيء من الإبل حكمين مختلفين في إبل واحدة، بعضها يزكّى بالإبل، وبعضها يُزكّى بالغنم؟، وهَلّا إذ ردّوا الغنم وبنت المخاض بعد إسقاطهما ردّوا أيضًا في ستّ وثلاثين زائدة على العشرين ومائة بنت اللبون؟، فإن قالوا: منعنا عن ذلك قوله - ﵇ - «في كلّ خمسين حقّة»، قيل لهم: فهلّا منعكم من ردّ الغنم قوله - ﵇ -: «وفي كلّ أربعين بنت لبون» انتهى كلام ابن حزم. . واحتجّ الحنفيّة أيضًا بما روى ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ - ﵁ -، قال: «إذا زادت الإبل على عشرين ومائة يُستقبل بها الفريضة» انتهى . ورواه البيهقيّ بلفظ: «إذا زادت على عشرين ومائة، فبحساب ذلك يُستأنف بها الفرائض» . قال الحافظ في «الدراية»: إسناده حسن، إلا أنه اختلف على أبي إسحاق انتهى. ورواه أبو عبيد بلفظ: «استُؤنف بها الفريضة بالحساب الأول» . وأجيب عن هذا بما قال البيهقيّ- جـ٤ ص ٩٢ -: قد أنكر أهل العلم هذا على عاصم ابن ضمرة؛ لأن رواية عاصم بن ضمرة على خلاف كتاب آل عمرو بن حزم، وخلاف كتاب أبي بكر، وعمر - ﵄ -. وقال أيضًا -ص ٩٣ -: واستدلّوا على خطئه بما فيه من الخلاف للروايات المشهورة عن النبيّ - ﷺ -، ثم عن أبي بكر، وعمر، - ﵄ - في الصدقات. وقال أيضًا في (ص ٩٤) بعد ما روى من طريق عاصم بن ضمرة، والحارثِ، عن عليّ: «في خمس وعشرين خمسٌ من الغنم، فإذا زادت واحدة، ففيها بنت مخاض»: ما لفظه: وفيه وفي كثير من الروايات عنه: «في خمس وعشرين خمس شياه»، وقد أجمعوا على ترك القول به لمخالفة عاصم بن ضمرة والحارث، عن عليّ الروايات المشهورة، عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي بكر وعمر في الصدقات في ذلك، كذلك رواية من روى عنه الاستئناف مخالفة لتلك الروايات المشهورة، مع ما في نفسها من الاختلاف والغلط، وطَعْنِ أئمة أهل النقل فيها، فوجب تركها، والمصير إلى ما هو أقوى منها انتهى . ونقل الخطّابيّ في «المعالم» عن ابن المنذر أنه قال: ليس هذا النقل بثابت عن عليّ - ﵁ -. وروى البيهقيّ- جـ٤ ص ٩٣ - من طريق شريك- وشعبة- وابنُ حزم- جـ٦ ص ٣٨ - من طريق معمر- كلهم عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن عليّ - ﵁ -، قال: «إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ خمسين حقّةٌ، وفي كلّ أربعين ابنة لبون»، موافقًا للروايات المشهورة، عن النبيّ - ﷺ -. وقال الحازميّ في «كتاب الاعتبار»- ص ١٠ -: (الوجه الثامن عشر) من الترجيحات أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه، والثاني لم يُختلف فيه، فيُقَدّم الذي لم يُختلف فيه، وذلك نحو ما رواه أنس في زكاة الإبل: «إذا زادت على عشرين ومائة، ففي كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة». وهو حديث مخرّج في «الصحيح» من رواية ثُمامة، عن أنس، ورواه عن ثمامة ابنه عبد اللَّه، وحماد بن سلمة، ورواه عنهما جماعة كلهم قد اتفقوا عليه من غير اختلاف بينهم. ثم ذكر الاختلاف في رواية أبي إسحاق، عن عاصم، عن عليّ - ﵁ -، ثم قال: فحديث أنس لم تختلف الرواية فيه، وحديث عليّ اختلفت الرواية فيه، كما ترى، فالمصير إلى حديث أنس أولى؛ للمعنى الذي ذكرناه، على أن كثيرًا من الحفّاظ أحالوا الغلط في حديث عليّ على عاصم، وإذا تقابلت حجتان، فما سَلِمَ منهما من المعارض أولى، كالبيّنات إذا تقابلت، فإن الحكم فيها كذلك انتهى كلام الحازميّ. وقال الشافعيّ بعد ذكر رواية شريك، عن أبي إسحاق، موافقًا لحديث أنس كما قدّمنا: وبهذا نقول، وهو موافق للسنّة، وهم -يعني العراقيين- لا يأخذون بهذا، فيخالفون ما روي عن النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، والثابت عن عليّ عندهم إلى قول إبراهيم -النخعيّ- وشيء يغلط به عن عليّ - ﵁ - انتهى. وقد تصدّى الحنفيّة، وتمحّلوا لإثبات أن رواية سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم ابن ضمرة، عن عليّ، مسندة مرفوعة. وقد ردّ عليهم ابن حزم، فأجاد، من أحبّ الوقوف عليه رجع إلى «المحلّى» جـ٦ ص ٣٧ - ٣٨ - . واحتجّوا أيضًا بما رواه الطحاويّ عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، وزياد بن أبي مريم، عن ابن مسعود - ﵁ - قال: «فإذا بلغت العشرين ومائة، استقبلت الفريضة بالغنم، في كلّ خمس شاةٌ، فإذا بلغت خمسًا وعشرين، ففرائض الإبل». واعترضه البيهقيّ بأنه موقوف، ومنقطع بين أبي عُبيدة، وزياد، وبين ابن مسعود، قال: وخُصيف غير محتجّ به. انتهى . وقال الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى-: وقال محمد بن جرير الطبريّ: هو مخيّر إن شاء استأنف الفريضة إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، وإن شاء أخرج الفرائض لأن الخبرين جميعًا، قد رُويا. قال الخطابيّ: وهذا قول لا يصحّ؛ لأن الأمة قد فرّقت بين المذهبين، واشتهر الخلاف فيه بين العلماء، فكلّ من رأى استئناف الفريضة لم ير إخراج الفرائض، ومن رأى إخراج الفرائض لم يُجِز استئناف الفريضة، فهما قولان متنافيان. على أن رواية عاصم بن ضمرة عن عليّ - ﵁ - عنه لا تقاوم لضعفها روايةَ حديث أنس، وهو حديث صحيح، ذكره البخاريّ في «جامعه» عن محمد بن عبد اللَّه الأنصاريّ، عن أبيه، عن ثمامة، عن أنس، عن أبي بكر الصدّيق - ﵄ -، وفي حديث عاصم بن ضمرة كلام متروك بالإجماع، غير مأخوذ به في قول أحد من العلماء، وهو أنه قال: «في خمس وعشرين من الإبل خمس شياه». وروى أبو داود الحديثين معًا في هذا الباب، وذكر أن شعبة وسفيان لم يرفعا حديث عاصم بن ضمرة، ووقفاه على عليّ - ﵁ - انتهى كلام الخطّابيّ -رحمه اللَّه تعالى- . قال صاحب «المرعاة» بعد ذكر الأقوال وأدلتها: ما نصّه: وقد ظهر بما حرّرنا فسادُ قول الحنفيّة، وخلافهم للروايات المرفوعة المشهورة، ولأبي بكر، وعمر، وعليّ، وأنس، وابن عمر، وسائر الصحابة، والتابعين، دون أن يتعلّقوا برواية صريحة صحيحة عن أحد منهم بمثل قولهم، إلا عن إبراهيم النخعيّ وحده. انتهى. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أرجح المذاهب في هذه المسألة مذهب الجمهور القائلين بمقتضى حديث أنس - ﵁ - المذكور في هذا الباب؛ لوضوح حجته. وحاصله أنه إذا زادت الشياه على مائة وعشرين وجب في كلّ أربعين بنت لبون، وفي كلّ خمسين حقّة. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): اختلفوا في قوله - ﷺ -: «ويجعل معها شاتين، إن استيسرتا، أو عشرين درهما»: فذهب إلى ظاهر الحديث إبراهيم النخعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الحديث، والظاهرية. وذهب سفيان الثوريّ إلى ما روي عن عليّ - ﵁ - أنه يَرُدّ عشرة دراهم، أو شاتين. قال ابن حزم: وروي أيضًا عن عمر - ﵁ -، وإليه ذهب أبو عُبيد. وقال مالك: لا يُعطي إلا ما وجب عليه، بأن يبتاع للساعي السنّ الذي وجب له، ولا يعطي سنّا مكان سنّ بردّ شاتين، أو عشرين درهمًا. وقال أبو حنيفة: يأخذ قيمة السنّ الذي وجب عليه، وإن شاء أخذ أفضل منها، وردّ عليه فيه دراهم، وإن شاء أخذ دونها، وأخذ الفضل دراهم، ولم يُعيّن عشرين درهمًا، ولا غيرها، فجبران ما بين السنّين غير مقدّر عنده، ولكنه بحسب الغلاء والرخص، وحمل هذا الحديث على أن تفاوت ما بين السّنّين كان ذلك القدر في تلك الأيام، لا أنه تقدير شرعيّ، بدليل ما روي عن عليّ - ﵁ - أنه قدّر جبران ما بين السّنّين بشاتين، أو عشرة دراهم، وروي أيضًا عن عمر - ﵁ -. وتعقّب هذا بأنه لا حجّة في قول أحد دون رسول اللَّه - ﷺ -. وأجاز أبو حنيفة أيضًا أداء القيمة من العُرُوض وغيرها بدل الزكاة الواجبة، وإن كان المأمور بأخذه ممكنًا . وأجاب الجمهورالذين لم يقولوا بجواز أداء القيمة في الزكاة عن ذلك بأنه لو كان كذلك لكان ينظر إلى ما بين السنّين في القيمة، فكان العرض يزيد تارة، وينقص أخرى؛ لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدّر الشارع التفاوت بمقدار معيّن لا يزيد، ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك. قال الخطابيّ في «المعالم»: وأصحّ هذه الأقاويل قول من ذهب إلى أن كلّ واحد من الشاتين، والعشرين درهمًا أصل في نفسه، وأنه ليس له أن يعدل عنهما إلى القيمة، ولو كان للقيمة فيها مدخل لم يكن لنقله الفريضة إلى سنّ فوقها، وأسفل منها، ولا لجبران النقصان فيهما بالعشرين، أو بالشاتين معنىً. قال: ويشبه أن يكون النبيّ - ﷺ - إنما جعل الشاتين، أو العشرين درهمًا تقديرًا في جبران النقصان، والزيادة بين السّنّين، ولم يَكِلِ الأمرَ في ذلك إلى اجتهاد الساعي، وإلى تقديره؛ لأن الساعي إنما يحضر الأموال على المياه، وليس بحضرته حاكمٌ، ولا مُقَوِّمٌ يحمله وربَّ المال عند اختلافهما على قيمة يرتفع بها الخلاف، وتنقطع معها مادّة النزاع، فجُعِلت فيها قيمة شرعيّة، كالقيمة في المصرّاة، والجنين حسمًا لمادة الخلاف، مع تعذّر الوصول إلى حقيقة العدم بما يجب فيها عند التعديل انتهى . واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة التاسعة): اختلفوا في معنى قوله - ﷺ -: «وما من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية»: (اعلم): أن الْخُلطة -بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام- على نوعين: خُلْطة اشتراك، وخُلطة جِوَار، وقد يُعبّر عن الأول بخلطة الأعيان، وخلطة الشيوع، وعن الثاني بخلطة الأوصاف. والمراد بالأول أن لا يتميّز نصيب أحد الرجلين، أو الرجال عن نصيب غيره، كماشية ورثها قوم، أو ابتاعوها معًا. وبالثاني أن يكون مال كلّ واحد معيّنًا. واختلف في المراد بالخليط في هذا الحديث: فذهب أبو حنيفة إلى أنه الشريك؛ لأن الخليطين في اللغة العربيّة هما الشريكان اللذان اختلط مالهما، ولم يتميّز، كالخليطين من النبيذ، وما لم يختلط مع غيره فليسا بخليطين، وإذا يتميز مال كلّ واحد منهما من مال الآخر، فلا خُلْطة. وذهب الجمهور إلى أن المراد بالخليط المخالط، وهو أعمّ من الشريك، وحكم الخليطين عندهم أَنْ تُصدَّق ما شيتهما كأنها لرجل واحد. والخلطة عندهم أن يجتمعا في الْمَسْرَح، والمبيت، والفحل. واعتُرِض على أبي حنيفة بأن الشريك لا يَعرِف عين ماله، وقد قال: إنهما يتراجعان بينهما بالسويّة. ومما يدلّ على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الآية [ص: ٢٤]، وقد بيّنه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ الآية. [ص: ٢٣]. واختُلف أيضًا في أن الخلطة مؤثّرة في الزكاة أم لا؟: فذهب الجمهور إلى كونها مؤثّرة. وقال أبو حنيفة: لا تأثير للخلطة، سواء كانت خلطة شيوع واشتراك في الأعيان، أو خلطة أوصاف وجوار في المكان، فلا يجب على أحد الشريكين، أو الشركاء إلا مثل الذي كان يجب عليه لو لم يكن خليطًا. وتعقّبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نُهي عن أمر لو فعله كانت فيه فائدة قبل النهي، ولو كان كما قال لما كان لتراجع الخليطين بينهما بالسويّة معنى. واعتذر بعضهم عن الحنفيّة بأن الأصل قوله عمرو: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة»، وحكم الخلطة يغيّر هذا الأصل، فلم يقولوا به. ورُدّ بأن ذلك مع الانفراد، وعدم الخلطة، لا إذا انضمّ ما دون الخَمْس إلى عدد الخليط يكون به الجميع نصابًا، فإنه يجب تزكية الجميع؛ لهذا الحديث، وما ورد في معناه، ولا بدّ من الجمع بهذا. قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: بل الأحسن الجمع بما قاله الحنفيّة، كما سيأتي قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. قال الإمام ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى- في «المغني»: ما حاصله: إن الخُلْطة في السائمة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في الزكاة، سواء كانت خلطة أعيان، وهي أن تكون الماشية مشتركة بينهما لكلّ واحد منهما نصيب مشاع، مثل أن يرثا نصابًا، أو يشترياه، أو يوهب لهما، فيُبْقِيَاه بحاله. أو خُلْطة أوصاف، وهي أن يكون مال كل واحد منهما متميّزًا، فخلطاه، واشتركا في الْمَسرَح، والمبيت، والْمَحلَب، والْمَشْرَب، والفحل، وسواء تساويا في الشركة، أو اختلفا، مثل أن يكون لرجل شاة، ولآخر تسعة وثلاثون، أو يكون لأربعين رجلًا أربعون شاةً، لكل واحد منهم شاة. نصّ عليهما أحمد. وهذا قول عطاء، والأوزاعيّ، والشافعيّ، والليث، وإسحاق. وقال مالك: إنما تؤثّر الخلطة إذا كان لكلّ واحد من الشركاء نصاب. وحكي ذلك عن الثوريّ، وأبي ثور، واختاره ابن المنذر. وقال أبو حنيفة: لا أثر لها بحال؛ لأن ملك كلّ واحد دون النصاب، فلم يجب عليه زكاة؛ كما لو لم يختلط بغيره. ولأبي حنيفة فيما إذا اختلطا في نصابين أن كلّ واحد منهما يملك أربعين من الغنم، فوجبت عليه؛ لقوله - ﷺ -: «في أربعين شاة شاة». ولنا ما روى البخاريّ في حديث أنس - ﵁ -: «لا يُجمع بين متفرّق، ولا يُفرَّق بين مجتمع، خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسويّة». ولا يجيء التراجع إلا على قولنا في خلطة الأوصاف. وقوله: «لا يُجمع بين متفرّق» إنما يكون هذا إذا كان لجماعة، فإن الواحد يضمّ ما له بعضه إلى بعض، وإن كان في أماكن، وهكذا لا يفرّق بين مجتمع. ولأن للخلطة تأثيرًا في تخفيف المؤنة، فجاز أن تؤثّر في الزكاة، كالسوم، والسقي، وقياسهم مع مخالفة النصّ غير مسموع انتهى كلام ابن قُدامة . قال الجامع - عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: «قياسهم مع مخالفة النصّ الخ فيه نظر لا يخفى، وسيأتي في كلام ابن حزم ما يردّه، إن شاء اللَّه تعالى. وقد حقّق أبو محمد ابن حزم المسألة تحقيقًا حسنًا، ورجّح ما ذهب إليه الحنفيّة، ودونك خلاصة ما قاله في كتابه«المحلّى»، قال -رحمه اللَّه تعالى-: والخلطة في الماشية، أو غيرها لا تُحيل حكم الزكاة، ولكلّ أحد حكمه في ماله خالط، أو لم يخالط، لا فرق بين شيء من ذلك. قال: وقد اختلف الناس في تأويل خبر:«لا يجمع بين مفترق، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسويّة». فقالت طائفة: إذا تخالط اثنان، فأكثر في إبل، أو في بقر، أو في غنم، فإنهم تؤخذ من ماشيتهم الزكاة، كما كانت تؤخذ لو كانت لواحد، والخلطة عندهم أن تجتمع الماشية في الراعي، والمراح، والمسرح، والمسقى، ومواضع الحلب عامًا كاملًا متصلًا، وإلا فليست خلطة؛ وسواء كانت ماشيتهم مُشاعة، لا تتميّز، أو متميّزة، وزاد بعضهم الدلو، والفحل. قال أبو محمد: وهذا القول مملوء من الخطأ. أول ذلك أن ذكرهم الراعي كان يُغني عن ذكر المسرح والمسقى؛ لأنه لا يمكن البتّة أن يكون الراعي واحدًا، وتختلف مسارحها، ومساقيها، فصار ذكر المسرح والمسقى فضولًا. وأيضًا فإن ذكر الفحل خطأ؛ لأنه قد يكون لإنسان واحد فحلان، وأكثر؛ لكثرة ماشيته، وراعيان، وأكثر لكثرة ماشيته، فينبغي لهم إذا أوجب اختلاطهما في الراعي والعمل أن يزكيها زكاة المنفرد، وأن تجمع ماشية إنسان واحد إذا كان له راعيان وفحلان، وهذا لا تخلّص منه. ونسألهم إذا اختلطا في بعض هذه الوجوه: ألهما حكم الخلطة أم لا؟ فأيّ ذلك قالوا، فلا سبيل أن يكون قولهم إلا تحكّما، فاسدًا، بلا برهان، وما كان هكذا فهو باطل بلا شكّ. قال: وهذا قول الليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، والشافعيّ، وأبي بكر بن داود فيمن وافقه من أصحابنا. حتى إن الشافعيّ رأى حكم الخلطة جاريا كذلك في الثمار، والزروع، والدراهم، والدنانير، فرأى في جماعة بينهم خمسة أوسق فقط أن الزكاة فيها، وأن جماعة يملكون مائتي درهم فقط، أو عشرين دينارًا فقط، وهم خلطاء أن الزكاة واجبة في ذلك، ولو أنهم ألف، أو أكثر، أو أقلّ. وقالت طائفة: إن كان يقع لكلّ واحد من الخلطاء ما فيه الزكاة زَكَّوا حينئذ زكاة المنفرد، وإن كان لا يقع لكلّ واحد منهم ما فيه الزكاة، فلا زكاة عليهم، ومن كان منهم يقع له ما فيه الزكاة، فعليه الزكاة، ومن كان غيره منهم لا يقع له ما فيه الزكاة فلا زكاة عليه. فرأى هؤلاء في اثنين فصاعدًا يملكان أربعين شاة، أو ستين، أو ما دون الثمانين، أو ثلاثين من البقر، أو ما دون الستين، وكذلك في الإبل، فلا زكاة عليهم، فإن كان ثلاثة يملكون مائة وعشرين شاة، لكلّ واحد منهم ثلثها، فليس عليهم إلا شاة واحدة فقط، وهكذا في سائر المواشي. ولم ير هؤلاء حكم الخلطة إلا في المواشي فقط. وهو قول الأوزاعيّ، ومالك، وأبي ثور، وأبي عبيد، وأبي الحسن بن المغلس من أصحابنا . وقالت طائفة: لا تُحيل الخلطة حكم الزكاة أصلًا، لا في الماشية، ولا في غيرها، وكلّ خليط ليزكي ما معه كما لو لم يكن خليطًا، ولا فرق، فإن كان ثلاثة خلطاء لكلّ واحد أربعون شاةً، فعليهم ثلاث شياه، على كلّ واحد منهم شاة، وإن كان خمسة لكلّ واحد منهم خمس من الإبل، وهم خلطاء، فعلى كلّ واحد شاة، وهكذا القول في كلّ شيء. وهو قول سفيان الثوريّ، وأبي حنيفة، وشريك بن عبد اللَّه، والحسن بن حيّ. قال أبو محمد: لم نجد في هذه المسألة قولة لأحد من الصحابة، ووجدنا أقوالًا عن عطاء، وطاوس، وابن هرمز، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والزهريّ فقط. روينا عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس أنه كان يقول: إذا كان الخليطان يعلمان أموالهما، فلا تجمع أموالهما في الصدقة، قال ابن جريج: فذكرت هذا لعطاء من قول طاوس، فقال: ما أراه إلا حقًا. وروينا عن معمر، عن الزهريّ، قال: إذا كان راعيهما واحدًا، وكانت ترد جميعًا، وتروح جميعًا، صُدَّقَت جميعًا. ومن طريق ابن وهب، عن الليث، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ أنه قال: إن الإبل إذا جمعها الراعي، والفحل، والحوض، تصدق جميعًا، ثم يتحاصّ أصحابها على عدّة الإبل في قيمة الفريضة التي أخذت من الإبل، فإن كان استودعه إياها لا يريد مخالطته، ولا وضعها عنده يريد نتاجها، فإن تلك تُصَدّق وحدها. وعن ابن هرمز مثل قول مالك. قال أبو محمد: احتجّت كلّ طائفة لقولها بحكم رسول اللَّه - ﷺ - الذي صدّرنا به، فقال من رأى الخلطة تُحيل الصدقة، وتجعل مال الاثنين فصاعدًا بمنزلة ما لو كان لواحد أن معنى قوله - ﵇ -: «لا يفرّق بين مجتمع، ولا يجتمع بين مفترق، خشية الصدقة» هو أن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة، لكلّ واحد منهم ثلثها، وهم خلطاء، فلا يجب عليهم إلا شاة واحدة، فنهى المصدّق أن يفترق بينها ليأخذ من كلّ واحد نصفها، فيجبَ عليهما ثلاث شياه، والرجلان يكون لهما مائتا شاة، وشاتان، لكل واحد نصفها، فيجب عليهما ثلاث شياه، فيفرّقانها، خشية الصدقة، فليزم كلّ واحد منهما شاة، فلا يأخذ المصدّق إلا شاتين. وقالوا: معنى قوله - ﷺ -: «وما كان من خليطين يتراجعان بينهما بالسوية» هو أن يعرفا ما أخذ الساعي، فيقع على كلّ واحد حصّته على حسب عدد ماشيته، كاثنين لأحدهما أربعون شاة، وللآخر ثمانون، وهما خليطان، فعليهما شاة واحد، على صاحب الثمانين ثلثاها، وعلى صاحب الأربعين ثلثها. وقال من رأى أن الخلطة لا تحيل حكم الصدقة: معنى قوله - ﷺ -: «لا يفرّق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق، خشية الصدقة»: هو أن يكون لثلاثة مائة وعشرون شاة، ولكلّ واحد ثلثها، فيجب على كلّ واحد شاة، فنهوا عن جمعها، وهي متفرّقة في ملكهم تلبيسًا على الساعي أنها لواحد، فلا يأخذ إلا واحدة، والمسلم يكون له مائتا شاة وشاتان، فيجب عليه ثلاث شياه، فيفرقها قسمين، ويلبس على الساعي أنها لاثنين؛ لئلا يعطي منها إلا شاتين، وكذلك نهى المصدّق أيضًا عن أن يجمع على الاثنين، فصاعدًا مالهم ليكثر ما يأخذ، وعن أن يفرّق مال الواحد في الصدقة، وإن وجده في مكانين متباعدين ليكثر ما يأخذ. وقالوا: معنى قوله﵇ -: «كلّ خليطين يترادّان بينهما بالسويّة»: هو أن الخليطين في اللغة التي بها خاطبنا - ﵇ - هما ما اختلط مع غيره، فلم يتميّز، ولذلك سمّي الخليطان من النبيذ بهذا الاسم، وأما ما لم يختلط مع غيره فليسا خليطين، هذا ما لا يشكّ فيه، قالوا: فليس الخليطان في المال إلا الشريكين فيه اللذين لا يتميّز مال أحدهما من الآخر، فإن يتميّز فليسا خليطين، قالوا: فإذا كان خليطان كما ذكرنا، وجاء المصدّق ففرضٌ عليه أن يأخذ من جملة المال الزكاة الواجبة على كلّ واحد منهما في ماله، وليس عليه أن ينتظر قسمتهما لمالهما، ولعلهما لا يريدان القسمة، وإن كانا حاضرين، فليس له أن يُجبرهما على القسمة، فإذا أخذ زكاتيهما، فإنهما يترادّان بالسويّة، كاثنين لأحدهما ثمانون شاة، وللآخر أربعون، وهما شريكان في جميعها، فيأخذ المصدّق شاتين، وقد كان لأحدهما ثلثا كلّ شاة منهما، وللآخر ثلثها، فيترادّان بالسويّة، فيبقى لصاحب الأربعين تسع وثلاثون، ولصاحب الثمانين تسع وسبعون. قال أبو محمد: فاستوت دعوى الطائفتين في ظاهر الخبر، ولم تكن لإحداهما مزيّةٌ على الأخرى في الخبر المذكور. فنظرنا في ذلك، فوجدنا تأويل الطائفة التي رأت أن الخلطة لا تُحيل حكم الزكاة أصحّ؛ لأن كثيرًا من تفسيرهم المذكور متفقٌ من جميع أهل العلم على صحته، وليس شيء من تفسير الطائفة الأخرى مجمعًا عليه، فبطل تأويلهم لتعرّيه من البرهان، وصحّ تأويل الأخرى؛ لأنه لا شكّ في صحة ما اتفق عليه، ولا يجوز أن يضاف إلى رسول اللَّه - ﷺ - قول لا يدلّ على صحته نصّ، ولا إجماع، فهذه حجة صحيحة. ووجدنا أيضًا الثابت عن رسول اللَّه - ﷺ - قوله: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة»، وأن من لم يكن له إلا أربع من الإبل فلا صدقة عليه، «وليس فيما دون أربعين شاة شيء»، وسائر ما نصّه عنه - ﵇ - في صدقة الغنم، والإبل من أن في أربعين شاة شاة، وفي خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وغير ذلك. ووجدنا من لم يُحِلْ بالخلطة حكم الزكاة قد أخذ بجميع هذه النصوص، ولم
مصادر المؤلف (٧٠)

١. - وفي نسخة: «رسول اللَّه».

٢. - وفي نسخة: «ستا».

٣. - وفي نسخة: «خمسة».

٤. - وفي نسخة: «ستة».

٥. - وفي نسخة:«بأنها» والظاهر أنه تصحيف.

٦. - قوله: «وليست الخ، وفي نسخة بدل هذه الجملة: ما نصّه:»وليست عنده إلا جذعة، فإنه تقبل منه«، وهي بمعنى الجملة الأولى.

٧. - وفي نسخة: «ففي كلّ مائةِ شاةٍ شاةٌ».

٨. - قال عنه في «ت»: صدوق، قلت: ينبغي أن يكون ثقة، فإن الجمهور على توثيقه، وما نقله ابن عديّ عن ابن معين ليس صريحًا في التضعيف. واللَّه تعالى أعلم.

٩. - «فتح» ج٤ ص ٧٦.

١٠. - راجع «المرعاة» ج ٦ ص ٩٨.

١١. - راجع «المرعاة» ج ٦ ص ٩٨.

١٢. -«المصباح المنير» في مادة مخض.

١٣. - «النهاية» ج ٤ ص ٣٠٦.

١٤. - راجع «المرعاة» ج ٦ ص ١٠٠ - ١٠١.

١٥. - هو عباس بن الفرج، أبو الفضل البصريّ النحويّ، وثقه ابن حبّان، وابن السمعانيّ، ومسلمة ابن قاسم، والخطيب.

١٦. - هو سهيل بن محمد بن عثمان السجستانيّ النحويّ المقرئ.

١٧. - القاسم بن سلّام البغدادي الفقيه القاضي، قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: أحد أئمة الدنيا، صاحب حديث وفقه، ودين وورع، ونعرفه بالأدب، جمع، وصنّف، وذبّ عن الحديث، ونصره.

١٨. -بضم المهملة، وكسرها: ولد الناقة إلى أن بُفصَل.

١٩. - من باب تَعِبَ: أي تحمل.

٢٠. - الأول: مثل بَريد وبُرُد، والثاني: مثل أَسَد وأُسُد: وهو السنّ الذي بعد الرباعية، وقبل الناب.

٢١. -يعني أن حساب أعمار الإبل يكون عند ظهور سهيل، وهو النجم الذي إذا ظهر تنضج الفواكه، وينقضي زمن القيظ. وجعلت فصول الإبل عند ظهور هذا النجم لما قيل: إنه يطلع عند نتاج الإبل.

٢٢. - انظر «المنهل العذب» ج ٩ ص ١٩٢ - ١٩٤.

٢٣. - راجع «المنهل» ج ٩ ص ١٤٢.

٢٤. - راجع «حاشية الخضري» على «ألفية ابن مالك»، في «باب العدد».

٢٥. - انظر «المغني» ج ٤ ص ١٦.

٢٦. - «فتح» ج ٤ ص ٧٨. و«نيل الأوطار» ج ٤ ص ١٥٢ - ١٥٣.

٢٧. - «المغني» ج ٤ ص ١٤.

٢٨. -«شرح السنديّ» ج ٥ ص ٢٠.

٢٩. - «المرعاة» ج ٦ ص ١١٠.

٣٠. -«معالم السنن» ج ٢ ص ١٨١ - ١٨٢.

٣١. - وعبارة الحافظ: وهذا الحكم متفق عليه، فلو لم يجد واحدًا منهما، فله أن يشتري أيهما شاء على الأصحّ عند الشافعيّة. وقيل: يتعيّن شراء بنت مخاض، وهو قول مالك، وأحمد انتهى فتح ج٤ ص ٧٨.

٣٢. - راجع «المرعاة» ج ٦ ص ١١١ - ١١٢.

٣٣. - «معالم السنن» ج ٢ ص ١٨٣.

٣٤. - «فتح» ج ٤ ص ٧٩.

٣٥. - «فتح» ج ٤ ص٨٠.

٣٦. - انظر «المنهل العذب» ج ٩ ص ١٤٧. وشرح السنة ج ٦ ص ١٣ - ١٤.

٣٧. - «عمدة القاري» ج ٩ ص ٢٢ - ٢٣.

٣٨. - «فتح» ج ٤ ص ٨٠.

٣٩. -«المغني» ج ٢ ص ٤٠ - ٤١.

٤٠. - انظر «المرعاة» ج ٦ ص ١١٦ - ١١٧.

٤١. - لم يتعرض لثانيه، مع أنه يختلف في الحالين، فمع تشديد الثالث يفتح، ومع تخفيفه يُسَكَّنُ، فليُتنبّه.

٤٢. - راجع «المنهل العذب» ج ٩ ص ١٤٨ - ١٤٩.

٤٣. - سيأتي ترجيحُ ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة -﵀- في تفسير الخليط في المسألة التاسعة، إن شاء اللَّه تعالى.

٤٤. -«شرح السنّة»ج ٦ ص ١٧.

٤٥. - «هدي الساري» ص ٥١٥.

٤٦. -«فتح» ج٤ ص٧٥.

٤٧. - انظر «الجوهر النقيّ» ج٤ ص٨٩ - ٩٠ ..

٤٨. - هكذا نسخة «المحلّى»، ولعلّ الصواب «وبأكل الخ»، فليحرّر.

٤٩. - «المحلّى» ج٥ ص٢٠ - ٢١.

٥٠. -«معرفة السنن والآثار» ج٣ ص ٢١٧.

٥١. -«السنن الكبرى» ج٤ ص٩٠.

٥٢. - راجع «المرعاة»: ج٦ ص ١٠٠.

٥٣. - «فتح» ج٤ ص٧٧.

٥٤. - «المجموع» ج٥ ص٣٥٨ - ٣٥٩.

٥٥. - «معالم السنن» ج٢ ص ١٧٨.

٥٦. - راجع «كتاب الأموال» ص٣٦٧ - ٣٦٩.

٥٧. - «المحلّى» ج٥ ص٣١.

٥٨. -«المعرفة» ج٣ ص ٢٢٣ - ٢٣٠.

٥٩. - «المغني» ج٤ ص ٢٢.

٦٠. - «المحلّى» ج ٦ ص ٤١.

٦١. - «مصنف ابن أبي شيبة» ج٣ ص ١٢٥ ..

٦٢. - «السنن الكبرى» ج ٤ ص ٩٢.

٦٣. -«كتاب الأموال» ص ٣٦٣.

٦٤. - «السنن الكبرى للبيهقي» ج٤ ص ٩٢ - ٩٤.

٦٥. - «معرفة السنن» ج٣ ص ٢٢٤.

٦٦. - «معالم السنن» ج ٢ ص ١٧٩.

٦٧. - سيأتي إن شاء اللَّه تعالى ترجيح هذا المذهب إذا رأى الساعي ذلك أنفع للفقراء، كما فعل معاذ ابن جبل - ﵁ - مع أهل اليمن، وهو مذهب الإمام البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى-، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيميّة -رحمه اللَّه تعالى-.

٦٨. - «معالم السنن» ج٢ ص١٨٠ - ١٨١.

٦٩. -«المغني» ج٤ ص ٥١ - ٥٣.

٧٠. -يعني الظاهرية.